قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن الولايات المتحدة تُجري «محادثات جيدة» مع إيران، وإن هناك «احتمالاً كبيراً» لحدوث تطور، لكنه لوّح بالعودة إلى عمل عسكري قوي إذا أخفقت الجهود الدبلوماسية، في وقت نفت فيه طهران وجود مفاوضات مباشرة مع واشنطن، وحصرت الاتصالات الجارية في ترتيبات الملاحة بمضيق هرمز.
وقال ترمب للصحافيين، الاثنين، على متن الطائرة الرئاسية «إير فورس وان» في طريقه إلى ولاية ميشيغان، إن الولايات المتحدة تُجري محادثات مع إيران «في الوقت الراهن»، واصفاً إياها بأنها «محادثات جيدة».
وأضاف أن لديه «متسعاً كبيراً من الوقت» للتعامل مع إيران، مشيراً، في معرض حديثه عن إمكان التوصل إلى اتفاق مع طهران، إلى وجود «احتمال كبير بأن يحدث شيء ما».
وتأتي تصريحات ترمب بعد أيام من قراره تعليق الضربات الأميركية على إيران، ومنح الوسطاء فرصة جديدة للتوصل إلى تفاهم يُعيد فتح مضيق هرمز، ويهيئ لاستئناف المحادثات بشأن اتفاق نووي أشمل.
وقال ترمب، في مقابلة منفصلة مع موقع «أكسيوس»: «نحن منخرطون في محادثات عميقة للغاية مع إيران. وإذا لم تنجح فسنعود إلى عمل عسكري قوي للغاية».
ورداً على سؤال عن الوقت الذي يمنحه للمسار الدبلوماسي، قال: «ليس كثيراً من الوقت. فإما أن تسير الأمور سريعاً، وإما لا تسير على الإطلاق».
وبدا أن حديثه عن مهلة قصيرة يتعلق بالمرحلة الحالية من المفاوضات والجهود الرامية إلى تحقيق اختراق، رغم قوله لاحقاً للصحافيين إن لديه «متسعاً كبيراً من الوقت» للتعامل مع الملف الإيراني بصورة أوسع.
وفي سياق متصل، قال ترمب إنه سيسأل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن تقارير تفيد بأن الأقمار الاصطناعية الروسية تساعد طهران في توجيه ضربات في الشرق الأوسط. وأضاف للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية: «سأسأل بوتين عن ذلك... وسنعرف حقيقة الأمر».
تعليق الضربات
وأوضح ترمب أنه قرر، الجمعة، تعليق الضربات الأميركية لمنح المفاوضات فرصة إضافية، بعدما طلبت منه الدول الوسيطة، إلى جانب دول أخرى في المنطقة، الامتناع عن استئناف الهجمات. وقال: «جميع الذين يتعاملون مع إيران طلبوا مني: لا تطلق النار»، مضيفاً أنه يعتقد أن طهران تريد التوصل إلى اتفاق.
ووصف قراره بالاستجابة إلى طلب الوسطاء بالقول: «لا مكاسب ولا خسائر»، مشيراً إلى أن أسعار النفط تراجعت، فيما ارتفعت سوق الأسهم بعد تعليق الهجمات.
ونقل «أكسيوس» عن مصادر أن قرار ترمب جاء بعد اجتماع مع كبار مستشاريه ومسؤولين عسكريين قدموا إليه خطة جديدة لتنفيذ ضربات ضد أهداف إيرانية في اليوم نفسه.
وأضافت المصادر أن الرئيس الأميركي كان يميل، خلال الأيام التي سبقت الاجتماع، إلى استئناف عمليات قتالية واسعة، قبل أن يبدأ موقفه بالتغير مساء الخميس. وتبلور قراره بتعليق قصف الساحل الجنوبي الإيراني ومنطقة مضيق هرمز بصورة نهائية، الجمعة.

وأصدر ترمب، للمرة الأولى منذ أسبوعين، أوامر إلى القوات الأميركية بوقف النار وعدم تنفيذ ضربات ضد أهداف إيرانية على امتداد الساحل الجنوبي وفي محيط المضيق، بعد 13 ليلة من القصف المتواصل وردود إيرانية استهدفت قواعد ومواقع تستخدمها القوات الأميركية في المنطقة.
وتتركز الجهود الحالية، وفق «أكسيوس»، على اتفاق يُعيد فتح مضيق هرمز، ويمهد لإطلاق محادثات بشأن اتفاق نووي شامل. وتجري الاتصالات بصورة رئيسية بين إيران وسلطنة عُمان، بمشاركة قطر وباكستان ومصر، إلى جانب مبعوثَي ترمب ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر.
ونقل الموقع عن مصدر إقليمي أن إحدى الأفكار المطروحة تقضي بالسماح لإيران وسلطنة عُمان ودول أخرى في المنطقة بتحصيل «رسوم خدمات معقولة» مقابل توفير الأمن البحري وحماية البيئة وخدمات أخرى.
وأشار المصدر إلى مضيق ملقا، حيث تحصّل ماليزيا وإندونيسيا وسنغافورة رسوماً مقابل خدمات محددة تقدم للسفن، بوصفه نموذجاً محتملاً. كما تشمل الأفكار المطروحة توجيه الإيرادات إلى صندوق مشترك يُدار بمشاركة المنظمة البحرية الدولية.
وفي السياق نفسه، أفادت وكالة «أسوشييتد برس»، نقلاً عن مسؤولين إقليميين، بأن الوسطاء، بقيادة قطر وباكستان، أحرزوا «تقدماً كبيراً» في جهود إعادة الولايات المتحدة وإيران إلى طاولة المفاوضات، وإحياء اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت الذي انهار مطلع يوليو (تموز) بعد تبادل الهجمات. وأضاف أحد المسؤولين أن الوسطاء يعملون مع إيران وسلطنة عُمان على آلية لتنظيم عبور السفن في مضيق هرمز الذي كان محور أحدث جولات التصعيد بين الجانبين.
طهران تنفي التفاوض
في المقابل، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، إن طهران لا تُجري حالياً مفاوضات مع الولايات المتحدة، وإن الرسائل التي ينقلها الوسطاء بشأن التطورات في المنطقة لا تعني وجود مسار تفاوضي بين البلدَين.
ونفى بقائي أن تكون إيران قد طلبت إجراء محادثات مباشرة مع واشنطن في باكستان أو الدوحة. ووصف التقارير التي تحدثت عن ذلك بأنها «خبر مفبرك».
وقال خلال مؤتمره الصحافي الأسبوعي: «في الوقت الراهن، لا نُجري أي مفاوضات مع الطرف الأميركي»، مضيفاً أن إيران قد تستخدم الدبلوماسية عندما ترى أنها تخدم مصالحها الوطنية، لكنها لن تتخذ خطوة يمكن أن تفسّرها واشنطن على أنها تراجع في ظل استمرار ما وصفه بـ«الأعمال العدائية».
ورفض بقائي وصف توقف تبادل الهجمات خلال الأيام الثلاثة الماضية بأنه وقف لإطلاق النار، وقال إن أي تحرك عسكري أميركي جديد سيُواجه «برد حاسم».
وأضاف أن إيران «لن تسمح للولايات المتحدة بأن تحدد توقيت الحرب والسلام»، وأن استمرار النهج الأميركي الحالي لا يوفر الظروف اللازمة لإقامة مسار تفاوضي وصفه بـ«المعقول».
وكان مسؤول إيراني كبير قد قال لـ«رويترز»، الأحد، إن طهران ستوقف عملياتها ما دامت واشنطن ملتزمة بتعليق ضرباتها، وإن موقفها يقوم على مبدأ «الرد على الهجوم بالهجوم».
ورغم حديث الوسطاء عن إحراز تقدم، شدد بقائي على أن الاتصالات مع سلطنة عُمان «قد تخضع أحياناً لتفسيرات مختلفة»، مؤكداً أن المسؤولين الإيرانيين والأميركيين لا يجرون أي حوار مباشر.
خلاف على «هرمز»
ودافع بقائي عن مذكرة تفاهم إسلام آباد، قائلاً إن الولايات المتحدة أخلّت بالتزاماتها قبل انتهاء المهلة المخصصة لتنفيذ الترتيبات المتعلقة بحركة السفن في مضيق هرمز.
وأوضح أن البند الخامس من المذكرة منح إيران ثلاثين يوماً لتنظيم المرور الآمن للسفن التجارية، متهماً واشنطن وبعض دول المنطقة بتحويل السفن من المسار الشمالي إلى مسار جنوبي قبل انقضاء المهلة.
وقال إن الولايات المتحدة بدأت عملياتها العسكرية فيما كانت طهران تستكمل ترتيبات المسار الذي تعهدت بتأمينه، واتهمها باستخدام سفن تجارية لنقل معدات عسكرية ومحاولة إظهار المضيق ممراً غير آمن لتبرير توسيع العمليات.

وفي شأن المحادثات مع سلطنة عُمان، قال بقائي إن الولايات المتحدة ليست طرفاً فيها، وإنها تقتصر على إيران وعُمان بصفتهما دولتَين ساحليتَين مطلتَين على مضيق هرمز.
وأضاف أن المحادثات بين نائبَي وزيري الخارجية في البلدَين تناولت «المبادئ المشتركة والآليات التشغيلية» لضمان المرور الآمن للسفن، وحققت تقدماً في بحث ترتيبات إدارة الملاحة.
وشدد على أن وضع المضيق «لم يتغير»، وأنه «لا يزال مغلقاً» بسبب الهجمات الأميركية وانعدام الأمن، فيما تتمسك طهران بأن تنظيم حركة الملاحة يجب أن يتم تحت إشرافها وبالتنسيق مع سلطنة عُمان.
