طهران: لا مفاوضات مع واشنطن والهدوء ليس هدنة

الخارجية الإيرانية قالت إن واشنطن ليست طرفاً في محادثات «هرمز»

امرأة تمر بجوار لوحة إعلانية تحمل صورة الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أحد المباني مع عبارة بالإنجليزية والفارسية تقول: «الانتقام حتمي» (رويترز)
امرأة تمر بجوار لوحة إعلانية تحمل صورة الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أحد المباني مع عبارة بالإنجليزية والفارسية تقول: «الانتقام حتمي» (رويترز)
TT

طهران: لا مفاوضات مع واشنطن والهدوء ليس هدنة

امرأة تمر بجوار لوحة إعلانية تحمل صورة الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أحد المباني مع عبارة بالإنجليزية والفارسية تقول: «الانتقام حتمي» (رويترز)
امرأة تمر بجوار لوحة إعلانية تحمل صورة الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أحد المباني مع عبارة بالإنجليزية والفارسية تقول: «الانتقام حتمي» (رويترز)

قالت إيران، الاثنين، إنها لا تجري حالياً أي مفاوضات مع الولايات المتحدة، رغم استمرار توقف تبادل الهجمات لليوم الثالث على التوالي، وشدّدت على أن الهدوء الحالي لا يمثل وقفاً لإطلاق النار، وأن أي تحرك أميركي جديد سيقابل برد.

ودافع المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي عن مذكرة تفاهم إسلام آباد، واتهم واشنطن بخرقها قبل استكمال الترتيبات الخاصة بالملاحة في مضيق هرمز.

وقال بقائي خلال مؤتمره الصحافي الأسبوعي، إن طهران لم تطلب استئناف المحادثات مع الولايات المتحدة، واصفاً التقارير التي تحدثت عن طلب إيراني لإجراء مفاوضات مباشرة في باكستان أو الدوحة بأنها «خبر مفبرك».

وأضاف أن إيران لم ترفض استخدام الدبلوماسية لحماية مصالحها الوطنية، لكنها لن تتخذ خطوة قد تفسرها واشنطن على أنها تراجع في وقت تواصل فيه ما وصفها بـ«الأعمال العدائية والاعتداءات» ضد إيران.

وأشار بقائي إلى أن الوسطاء قد ينقلون رسائل من الجانب الأميركي بشأن التطورات الجارية في المنطقة، لكنه شدد على أن ذلك لا يعني وجود مفاوضات بين البلدين. وقال: «في الوقت الراهن، لا نجري أي مفاوضات مع الطرف الأميركي».

صورة نشرتها الخارجية الإيرانية من المؤتمر الصحافي للمتحدث إسماعيل بقائي الاثنين في طهران

وجاءت تصريحاته بعد ثلاث ليال متتالية لم تشهد ضربات أميركية على إيران، إثر 13 ليلة من القصف المتواصل، وردود إيرانية استهدفت قواعد ومواقع تستخدمها القوات الأميركية في المنطقة.

وكان مسؤول إيراني كبير قد قال لـ«رويترز»، الأحد، إن طهران ستوقف عملياتها ما دامت الولايات المتحدة ملتزمة بتعليق ضرباتها، مضيفاً أن الموقف الإيراني ما زال يقوم على قاعدة «الرد على الهجوم بالهجوم»، وأن هذه الرسالة نقلت إلى واشنطن.

وقال المتحدث باسم الجيش الإيراني محمد أكرمي نيا إن القوات الإيرانية أوقفت عملياتها الانتقامية بعد توقف الضربات الأميركية، موضحاً أن الاستراتيجية الإيرانية تقوم على الرد بالمثل.

وفي بيان بمناسبة الذكرى السنوية لعملية «مرصاد» خلال الحرب الإيرانية - العراقية أواخر يوليو (تموز) 1988، قال الجيش الإيراني، إن أي عدوان جديد على إيران سيواجه «رداً أشد وأقسى»، مؤكداً أن القوات المسلحة «مستعدة دائماً» لمواجهة ما وصفه بـ«الأعداء ومرتزقة الاستكبار العالمي»، ومتوعداً بـ«قطع قدم أي معتدٍ تمتد إلى شبر من الأراضي الإيرانية».

لكن بقائي رفض وصف الوضع الحالي بأنه وقف لإطلاق النار، وقال إن انخفاض حدة التوتر خلال الأيام الماضية جاء نتيجة تدبير القوات المسلحة الإيرانية، وإن أي تحرك أميركي جديد سيُواجه «برد حاسم».

وأضاف أن إيران «لن تسمح للولايات المتحدة بأن تحدد توقيت الحرب والسلام»، مؤكداً أن طهران ستواصل الدفاع عن نفسها ما دامت مصالحها الوطنية وأمنها القومي يقتضيان ذلك، وستستخدم الدبلوماسية عندما ترى أنها تخدم هذه المصالح. وقال إن استمرار النهج الأميركي الحالي لا يتيح قيام مسار تفاوضي «معقول»، واصفاً سلوك واشنطن في الأعوام الأخيرة بأنه يشبه «سلوك عصابة مافيا لا تلتزم أي قواعد أو قوانين».

«تفاهم إسلام آباد»

ودافع بقائي عن مذكرة تفاهم إسلام آباد، قائلاً إنها صيغت على أساس المصالح الوطنية الإيرانية، وإن القرارات المتعلقة باستخدام الدبلوماسية اتخذت بتوافق مؤسسات الدولة والجهات المختصة، وليست قرارات انفردت بها وزارة الخارجية. وأضاف أن المذكرة حددت التزامات واضحة للطرفين، لكن الولايات المتحدة أخلت بها، ولذلك أوقفت إيران تنفيذ التزاماتها.

وقال إن أي اتفاق لا يمكن أن يستمر إذا التزم به طرف واحد فقط. وأكد أن طهران «لن تتراجع بأي حال» عن المبادئ التي تعدها جزءاً من أمنها القومي ومصالحها الوطنية، عادّاً أن خرق الولايات المتحدة للمذكرة لا ينبغي أن يدفع الإيرانيين إلى تحميل أنفسهم مسؤولية ما جرى.

واتهم بقائي الولايات المتحدة ببدء عملياتها العسكرية قبل انتهاء المهلة المحددة لتنفيذ الترتيبات الخاصة بحركة السفن في مضيق هرمز، وقال إن البند الخامس من المذكرة كان يمنح إيران مهلة ثلاثين يوماً لتنظيم المرور الآمن للسفن التجارية.

مارة في شارع أمام لوحة إعلانية بطهران تظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع عبارة بالإنجليزية والفارسية تقول: «الانتقام حتمي» 27 يوليو 2026 (أ.ب)

وأضاف أن واشنطن، بالتعاون مع بعض دول المنطقة، بدأت تحويل السفن من المسار الشمالي إلى مسار جنوبي قبل انتهاء تلك المهلة، عادّاً أن الخطوة كانت جزءاً من ترتيبات هدفت إلى توفير ذريعة لاستئناف العمليات العسكرية.

وقال إن المسار الجنوبي كان، وفق الرواية الإيرانية، غير آمن، بينما كانت طهران تعمل على استكمال ترتيبات المسار الذي تعهدت بتأمينه. واتهم الولايات المتحدة وبعض شركائها باستخدام سفن تجارية لنقل معدات عسكرية عبر المسار الجنوبي، قائلاً إن ذلك شكّل «فخاً» للسفن، ومحاولة لإظهار المضيق بوصفه ممراً غير آمن، تمهيداً لتوسيع العمليات ضد إيران.

وأضاف أن واشنطن بدأت هجماتها قبل انقضاء المهلة المقررة لتنفيذ التزامات طهران، وبعد حوادث بحرية قالت إيران إنها لم تكن عشوائية، مشيراً إلى أن بعض السفن أطفأت أجهزة التتبع التابعة لها أثناء عبورها.

محادثات «هرمز»

وفي شأن المحادثات مع سلطنة عُمان، قال بقائي إن الولايات المتحدة ليست طرفاً فيها، وإنها تقتصر على إيران وعُمان بصفتهما الدولتين الساحليتين المطلتين على مضيق هرمز.

وأضاف أن نائبي وزيري الخارجية في البلدين عقدا محادثات يومي الجمعة والسبت تناولت «المبادئ المشتركة والآليات التشغيلية» لضمان المرور الآمن للسفن، مؤكداً أن المشاورات الفنية والسياسية بين الجانبين مستمرة.

ووصف بقائي المحادثات بأنها «مفيدة»، وقال إنها أحرزت تقدماً في بحث آليات إدارة حركة الملاحة بما يراعي ما تصفه طهران بالحقوق السيادية للدولتين الساحليتين. وشدّد على أن وضع المضيق «لم يتغير»، وأنه «لا يزال مغلقاً» بسبب ما وصفه بالاعتداءات الأميركية وما نتج عنها من انعدام للأمن في المنطقة.

وكانت إيران قد أعادت فتح المضيق بموجب مذكرة التفاهم الموقعة مع الولايات المتحدة في منتصف يونيو (حزيران)، قبل أن تعاود تقييد الملاحة بعد استئناف الضربات في السابع من يوليو (تموز).

وأفاد التلفزيون الرسمي الإيراني، الاثنين، بأن قوات إيرانية أعادت ست سفن أدراجها بعدما حاولت العبور في مسار مغاير للمسار الذي حددته طهران.

وتتمسك إيران بأن حركة الملاحة في مضيق هرمز لن تعود إلى ما كانت عليه قبل الحرب، وأن تنظيمها يجب أن يتم تحت إشرافها وبالتشاور مع سلطنة عُمان.

كما تحدثت طهران ومسقط عن إمكان فرض «بدل خدمات» على السفن الراغبة في العبور، في مقابل تأكيد الولايات المتحدة ودول خليجية ضرورة بقاء الملاحة في المضيق حرة ومن دون قيود أو رسوم.

ورفض بقائي تقارير تحدثت عن اتفاق لوقف إطلاق النار لمدة عشرة أيام، وقال إن المفاوضات الجارية تقتصر على ترتيبات المضيق ولا تشمل الولايات المتحدة.

كما حذر بريطانيا من التدخل في الملف، قائلاً إن أي مشاركة بريطانية ستزيد الوضع تعقيداً. واتهم واشنطن باستخدام قواعد عسكرية بريطانية لدعم عملياتها ضد إيران، عادّاً أن إعلان لندن السماح باستخدام تلك القواعد يمثل إقراراً بالمشاركة في الهجمات.

وأضاف أن الولايات المتحدة تستخدم قواعدها العسكرية في الكويت بصورة مستمرة لتنفيذ عمليات ضد إيران، داعياً دول المنطقة إلى عدم السماح باستخدام أراضيها في شن هجمات على دولة مجاورة.

تشدد داخل المؤسسات

وترافقت تصريحات وزارة الخارجية مع مواقف أكثر تشدداً صدرت عن مسؤولين في البرلمان والسلطة القضائية. وقال نائب رئيس البرلمان حميد رضا حاجي بابائي إنه «لا ينبغي السماح للولايات المتحدة بأن تقرر متى تبدأ الحرب ومتى تعلن وقف إطلاق النار»، مضيفاً أن إيران يجب أن تقف بقوة في مواجهة الإرادة الأميركية.

وأضاف أن بلاده «لن تصل أبداً إلى تفاهم مع الولايات المتحدة»، عادّاً أن حرب واشنطن وسلامها وحوارها تمثل أشكالاً مختلفة من الصراع. ووصف مضيق هرمز بأنه «قمة القوة» الإيرانية، وقال إن على مؤسسات الدولة حماية موقع إيران فيه وعدم التراجع عن القرارات المتعلقة بإدارته.

من جانبه، قال عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان علاء الدين بروجردي إن الحرب وفرت لإيران «فرصة ذهبية» لتعزيز سيطرتها على مضيق هرمز.

وأضاف أن إدارة حركة الملاحة تمنح طهران نفوذاً على الاقتصاد الأميركي والعالمي، داعياً إلى ترسيخ هذه السيطرة بصورة دائمة.

وقال بروجردي إن إيران لن تسمح بمرور النفط المتجه إلى إسرائيل، أو بنقل أسلحة وتجهيزات إلى القواعد الأميركية عبر المضيق، عادّاً أن تنظيم المرور يعني مراقبة السفن وحمولاتها.

بدوره، قال رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجئي إن الولايات المتحدة «لن تتخلى عن عدائها» لإيران، وإنها تلجأ إلى أساليب جديدة كلما وصلت إلى حالة من العجز أو الانفعال.


مقالات ذات صلة

فصائل تهدد بإسقاط حكومة بغداد

المشرق العربي مسافرة إيرانية تحمل أمتعتها تغادر مطار النجف الدولي في النجف بالعراق يوم 23 سبتمبر 2026 (رويترز)

فصائل تهدد بإسقاط حكومة بغداد

هددت «كتائب حزب الله» بإسقاط حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي وإغلاق منافذ البلاد مع دول الجوار إذا استمر حظر الطيران الإيراني في المطارات العراقية. وقال بيان.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي عراقي يسير بمحاذاة إعلان مثبت على جانب شارع في بغداد يوم 29 سبتمبر 2026 تزامناً مع نهاية مهمة التحالف الدولي ضد «داعش» (أ.ف.ب)

فصائل لكسر حصار إيران بـ«إسقاط حكومة بغداد»

تُظهر بغداد حتى الآن موقفاً متماسكاً بشأن عدم السماح لشركات الطيران الإيرانية بالهبوط في المطارات العراقية استجابة لعقوبات وزارة الخزانة الأميركية.

فاضل النشمي (بغداد)
الاقتصاد منازل قيد الإنشاء بمشروع سكني جديد في برامبلتون بولاية فرجينيا (أ.ف.ب)

ثقة الأميركيين بالاقتصاد تهبط لأدنى مستوى منذ 2014

تراجعت ثقة الأميركيِّين بالاقتصاد في سبتمبر (أيلول) إلى أدنى مستوى لها منذ أكثر من عقد، مع استمرار ارتفاع الأسعار وتباطؤ الأجور وسط تداعيات الحرب مع إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو يقف إلى جانب زوجته سارة في أثناء الإدلاء بصوتيهما في يوم الانتخابات العامة الإسرائيلية وذلك في مركز اقتراع بالقدس في الأول من نوفمبر 2022 (رويترز) p-circle

نتنياهو يلجأ لأساليب انتخابية قديمة لتحسين صورته الأمنية رغم هجوم «حماس»

يستخدم رئيس الوزراء الإسرائيلي نفس أساليب الحملات الانتخابية التي أثبتت فاعليتها على مدى عقود في محاولته الاحتفاظ بالسلطة في الانتخابات المقررة الشهر المقبل.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
الاقتصاد ناقلة النفط «هيلغا» عند إحدى محطات النفط البحرية الجنوبية في العراق بالقرب من البصرة (رويترز)

أسعار النفط تعكس اتجاهها وتتراجع مع تركيز المستثمرين على إمدادات الشرق الأوسط

عكست أسعار النفط اتجاهها خلال النصف الثاني من جلسة يوم الثلاثاء، وتراجعت مع تركيز المستثمرين على مؤشرات تعافي صادرات الخام من المنطقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

إيران تعدم رجلين بتهمة قتل عناصر أمن خلال احتجاجات

إيرانيون يتظاهرون لوقف تنفيذ عقوبة الإعدام (أرشيفية - رويترز)
إيرانيون يتظاهرون لوقف تنفيذ عقوبة الإعدام (أرشيفية - رويترز)
TT

إيران تعدم رجلين بتهمة قتل عناصر أمن خلال احتجاجات

إيرانيون يتظاهرون لوقف تنفيذ عقوبة الإعدام (أرشيفية - رويترز)
إيرانيون يتظاهرون لوقف تنفيذ عقوبة الإعدام (أرشيفية - رويترز)

ذكرت «شبكة أخبار الطلبة» أن إيران أعدمت اليوم الأربعاء رجلين أدينا بالاضطلاع بدور في قتل أربعة من أفراد قوات الأمن خلال احتجاجات يناير (كانون الثاني) 2026 في مدينة مشهد شمال شرق البلاد.

وأفادت الشبكة بأن المحكمة العليا الإيرانية أيدت حكمي الإعدام الصادرين بحق الرجلين، ونفذ الحكمان بعد استكمال الإجراءات القانونية.


طهران تنتظر رد واشنطن... وتهدد جيرانها

صواريخ إيرانية وصور للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي وقادة عسكريين قُتلوا في ضربات أميركية وإسرائيلية خلال معرض عسكري في طهران الاثنين (أ.ب)
صواريخ إيرانية وصور للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي وقادة عسكريين قُتلوا في ضربات أميركية وإسرائيلية خلال معرض عسكري في طهران الاثنين (أ.ب)
TT

طهران تنتظر رد واشنطن... وتهدد جيرانها

صواريخ إيرانية وصور للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي وقادة عسكريين قُتلوا في ضربات أميركية وإسرائيلية خلال معرض عسكري في طهران الاثنين (أ.ب)
صواريخ إيرانية وصور للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي وقادة عسكريين قُتلوا في ضربات أميركية وإسرائيلية خلال معرض عسكري في طهران الاثنين (أ.ب)

تترقب إيران رداً أميركياً على مقترحها لإعادة فتح مضيق هرمز، بعد محادثات أجراها الوسطاء مع الطرفين في نيويورك الاثنين. ويأتي ذلك في وقت حذّرت طهران من أن البنى التحتية في المنطقة لن تكون في مأمن.

وأفاد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، بعد لقائه وسيطاً قطرياً قبل مغادرة نيويورك أمس، بأن الاتصالات عبر الوسطاء باتت «أكثر جدية»، معرباً عن أمله في تلقي الرد الأميركي خلال وقت قصير (بحلول أمس الثلاثاء). وشدد على أن مواقف طهران لم تتغير. وقال المتحدث باسم الخارجية القطرية، ماجد الأنصاري، إن الجهود تتركز على «بناء أرضية مشتركة» و«جسر الفجوة».

ونفى الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن يكون عرض تخفيف العقوبات أو الإفراج عن أموال إيرانية مجمدة لإنهاء الحرب مقابل خطوات نووية، قائلاً: «لم أعرض عليهم شيئاً».

وفيما بدا تهديداً للدول المجاورة، قال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف: «في المنطقة التي لا نبيع فيها نفطنا، لن يبيع أحد نفطاً، وإذا لم يتحقق أمننا فلن تكون أي بنية تحتية في مأمن»، متوعداً بردّ «قاسٍ ودقيق وسريع» على أي «اعتداء أو مغامرة».

بدوره، قال برايان كاتوليس، من «معهد الشرق الأوسط» في الولايات المتحدة، لـ«الشرق الأوسط»، إن البلدين في «اختبار إرادات». ورأى فرزين نديمي، من «معهد واشنطن»، أن ورقة هرمز تراجعت ولم تختفِ، فيما رجّح باراك بارفي، من مؤسسة «نيو أميركا»، أن استئناف القتال بات أقرب من إنهائه. (تفاصيل ص3-4) روسيا تعارض خروج إيران من «معاهدة حظر الانتشار»


ترمب يربك وساطة إيران... هل يفتح تراجع ورقة هرمز باب التسوية أم التصعيد؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسير على منصة في قاعة أندرو دبليو ميلون بواشنطن الثلاثاء (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسير على منصة في قاعة أندرو دبليو ميلون بواشنطن الثلاثاء (أ.ب)
TT

ترمب يربك وساطة إيران... هل يفتح تراجع ورقة هرمز باب التسوية أم التصعيد؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسير على منصة في قاعة أندرو دبليو ميلون بواشنطن الثلاثاء (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسير على منصة في قاعة أندرو دبليو ميلون بواشنطن الثلاثاء (أ.ب)

أعاد نفي الرئيس الأميركي دونالد ترمب استعداده لتخفيف العقوبات عن إيران مقابل تنازلات نووية الغموض إلى وساطات تبحث عن أرضية مشتركة بين واشنطن وطهران. وبين إشارات أميركية عن مرونة تفاوضية، وتمسك إيراني برفع الحصار واستعادة العائدات النفطية، يتجاوز الخلاف مضمون التسوية إلى ترتيب تنفيذها: من يقدم التنازل أولاً؟ وبأي ضمانات؟

ويتزامن هذا التعثر مع تحسن تدفقات النفط من المنطقة واستعادة مسارات تتجاوز مضيق هرمز، بما يمنح واشنطن هامشاً لمواصلة الضغط.

لكن التهديد الإيراني باستهداف البنية التحتية يضع حدوداً لهذا الرهان، ويثير سؤالاً موازياً: هل يؤدي إضعاف ورقة الملاحة إلى تسهيل الاتفاق، أم يدفع المواجهة نحو منشآت الإنتاج والتصدير؟

إيرانيون على دراجات نارية يمرون أمام صواريخ وصور للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي وقادة عسكريين وعلماء نوويين قُتلوا في ضربات أميركية وإسرائيلية بطهران الاثنين (أ.ب)

نفي يضاعف الغموض

بعدما نقل موقع «أكسيوس» عن مسؤولين أميركيين استعداد ترمب لتخفيف العقوبات والإفراج عن أموال إيرانية مجمدة مقابل خطوات ملموسة في الملف النووي، نفى الرئيس هذه التقارير وعدّها غير صحيحة.

وجاء التناقض بينما كان وسطاء قطريون وباكستانيون يحاولون تقريب المواقف عبر اتصالات مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ومسؤولي الإدارة الأميركية.

وعدّ مسؤول أميركي المحادثات غير المباشرة بأنها إيجابية وبناءة، مشيراً إلى مرونة إيرانية حيال القضايا النووية، لكنه شدد على استحالة الاتفاق دون معالجتها.

وفي السياق نفسه، نقلت مجلة «بوليتيكو» عن مسؤول إيراني أن عدم استقرار موقف ترمب يصعب تحديد ما يمكن لواشنطن قبوله وتحويل النقاشات إلى ترتيب عملي.

عناصر من «الباسيج» يحملون نماذج لصواريخ خلال مسيرة عسكرية في طهران 18 سبتمبر 2026 (رويترز)

ولا يثبت النفي وحده انهيار الاتصالات أو إغلاق باب تخفيف العقوبات مستقبلاً، لكنه يترك الوسطاء أمام فجوة بين ما ينقله المسؤولون وما يعلنه ترمب، ويصعب تثبيت المقابل الاقتصادي الذي تطلبه طهران.

ويصف برايان كاتوليس الباحث في معهد الشرق الأوسط، تصريحات ترمب، بأنها «من دون معنى تقريباً»، عادّاً أن محاولة تحليل كل موقف آني لا تفيد كثيراً، لأن قليلاً مما قاله منذ اندلاع الحرب يرتبط بالواقع، وفق تقديره.

ويرى في حديث مع «الشرق الأوسط» أن البلدين ما زالا في مواجهة واختبار إرادات، يظهر ذلك في التصريحات، بينما يجسدهما التحرك الميداني ومساعي التوصل إلى اتفاق.

التفاهم وعقدة التنفيذ

تتقاطع المقترحات عند الحاجة إلى خفض التصعيد وإعادة انتظام الملاحة وإبقاء المسار التفاوضي مفتوحاً، لكنها تختلف في نقطة الانطلاق. فطهران تريد أولوية لرفع الحصار وتخفيف العقوبات والإفراج عن الأصول، بينما تتمسك واشنطن بخطوات نووية ملموسة، وترفض تقديم مكاسب اقتصادية كبيرة مقابل وعد باستئناف التفاوض.

وتتحدث مصادر دبلوماسية عن أن الوسطاء يعملون على إحياء إطار «تفاهم إسلام آباد»، الذي تناول وقف العمليات العسكرية، والملاحة، والملف النووي، والعقوبات. وأعقبته محادثات في سويسرا أفضت إلى لجنة سياسية ومجموعات عمل وآليات للمراقبة وتسوية النزاعات وخط اتصال لتجنب سوء التفاهم.

وتستند أهمية العودة إلى هذا الإطار إلى وجود بنية تفاوضية سابقة، لكن تجدد المواجهة كشف أن إنشاء اللجان لا يضمن احترام الالتزامات. ويتهم مسؤول أميركي نقل عنه «أكسيوس» إيران بخرق التفاهم السابق عبر إطلاق النار على سفن تجارية في يوليو (تموز)، وهو اتهام يزيد تشدد واشنطن بشأن الضمانات.

أما المقترح الإيراني الأخير فيربط إعادة فتح مضيق هرمز بوقف القتال لمدة 7 أيام وتلبية مطالب اقتصادية وأمنية، بينها إنهاء الحصار. وتخشى الإدارة الأميركية أن تقدم تنازلات مسبقة بينما تحتفظ طهران عملياً بقدرة على التحكم بالممر.

لذلك، تبدو المعضلة متعلقة بالتزامن والتحقق بقدر تعلقها بالأهداف: كيف تربط كل خطوة اقتصادية بإجراء أمني أو نووي قابل للفحص؟ وهذه حاجة تحليلية تفرضها الخلافات، وليست آلية متفقاً عليها.

ويخلص الباحث كاتوليس في هذه النقطة للقول إن غياب الثقة يجعل تصور اتفاق قريب أمراً صعباً.

النفط يغير الحسابات

في موازاة التفاوض، قد يبدل تحسن الصادرات النفطية عبر المسارات البديلة حسابات الاستعجال. وأوردت بيانات أولية لشركة «كبلر» أن صادرات كبار منتجي الشرق الأوسط في سبتمبر (أيلول) قدرت بنحو 16.328 مليون برميل يومياً، بينها 9.719 مليون عبر هرمز. والفصل بين الرقمين ضروري: تعافي إجمالي الصادرات لا يعني عودة المضيق إلى وضعه الطبيعي، ولا زوال أخطار الإمدادات.

أشخاص يقودون مركباتهم قرب جدارية مناهضة للولايات المتحدة في طهران 23 سبتمبر 2026 (رويترز)

ويرى فرزين نديمي كبير الباحثين في الشأن الإيراني في معهد واشنطن، أن هذه المسارات تقلّص ورقة هرمز بدرجة كبيرة، لكنها لا تحسمها. ويشير في حديث مع «الشرق الأوسط» إلى أن خطوط الأنابيب السعودية والإماراتية تنقل بالفعل حصة كبيرة من نفط البلدين بعيداً عن المضيق، وأن توسعات مقررة خلال 2027 - 2029 قد تتيح تجاوز هرمز لكميات تعادل نحو 60 في المائة من تدفقاته النفطية المعتادة، وفق تقديره.

ويضيف أن الأسواق تكيفت، فلم يعد الإغلاق يحدث الصدمة العالمية التي تسعى إليها طهران. لكن صادرات الكويت والغاز الطبيعي المسال القطري ومعظم الصادرات العراقية تبقى معرضة للخطر، فضلاً عن قابلية استهداف البنية التحتية البديلة؛ ولذلك تراجعت الورقة الإيرانية ولم تختفِ.

ويؤكد نديمي أن العقوبات والحصار البحري لم يكفيا بعد لفرض تنازلات نووية حقيقية ودائمة. فالضغط المالي فعلي، لكن النظام تحمّله حتى الآن، وإن كان اشتداده قد يغيّر ذلك. وتحدّ القدرة المتبقية على التعطيل والتصعيد وتحمل الألم الاقتصادي من فاعلية الاستراتيجية، بما يضيّق خيارات طهران على المديين القصير والمتوسط دون إجبارها وحده على التنازل.

ضغط من دون حسم

جاء تحذير رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، الثلاثاء، ليكشف هذا الجانب من المواجهة. فقد ربط أمن البنية التحتية الإقليمية بضمان أمن إيران، مهدداً بأن منعها من بيع النفط سيمنع الآخرين أيضاً. ويشير التهديد إلى أن تراجع فاعلية تعطيل الملاحة قد يقابله توسيع نطاق الأهداف المحتملة.

وفي هذا السياق، يرى باراك بارفي الباحث في مؤسسة «نيو أميركا» في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن ترمب يبدو مسلّماً بتعذر التوصل إلى اتفاق في الظروف الراهنة، ويتجه نحو استئناف القصف بعد الانتخابات النصفية، حين تتراجع الضغوط الداخلية عليه.

ويعد أن الإيرانيين توصلوا إلى الخلاصة نفسها من موقع معاكس: فتعطيل هرمز فقد فاعليته، في تقديره، بينما يزيد الحصار الأميركي الضغط على طهران. ولذلك، يرجّح أن الطرفين باتا يدركان أن استئناف الأعمال القتالية هو الاحتمال الأقرب حالياً، لا إنهاء القتال.

لكن في المقابل، لا يعني التلويح الإيراني برفع التكلفة على دول الجوار أنه لن يعرضها لرد أوسع نطاقاً، وقد يوسع دائرة الدول المعارضة والمستعدة للتصدي لهذا التصعيد. وبدلاً من تخويف دول المنطقة قد يدفها ذلك إلى الرد وتصعيد المواجهة. ومع ذلك، لا تعني زيادة الضغوط الاقتصادية تلقائياً استعداد النظام الإيراني لتنازلات نووية أو اقترابه من الانهيار.

ويرى ماثيو غولد الدبلوماسي البريطاني السابق في مقالة رأي في «واشنطن بوست»، أن تغيير النظام يتطلب، إلى جانب الاحتجاجات المستمرة، تصدع الأجهزة الأمنية والنخبة الحاكمة، وأن القصف والتشجيع الأميركي وحدهما لا يكفيان.

وتبقى مهمة الوسطاء تحويل الضغط إلى التزامات متبادلة قابلة للتنفيذ، قبل أن يصبح تحسن تدفق النفط سبباً لإطالة المواجهة، وتتحول التهديدات إلى جولة تصعيد جديدة.