وسعت الولايات المتحدة ضرباتها على إيران، فجر الخميس، في جولة ثانية قالت القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» إنها استهدفت نحو 90 موقعاً عسكرياً، غداة قصف نحو 80 هدفاً آخر، لترتفع حصيلة الأهداف الأميركية خلال 24 ساعة إلى نحو 170 هدفاً، في تصعيد أعاد مذكرة التفاهم المؤقتة بين واشنطن وطهران إلى حافة الانهيار.
وجاءت الضربات الجديدة بعد ساعات من قول الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن الهجمات الإيرانية الأخيرة على سفن في مضيق هرمز تشير إلى نهاية وقف إطلاق النار الهش، محذراً من أن أي هجمات جديدة على الشحن التجاري ستقود إلى ضربات «أسوأ بكثير».
وقالت وزارة الصحة الإيرانية، الخميس، إن الضربات الجوية الأميركية خلال اليومين الماضيين أسفرت عن مقتل 14 شخصاً على الأقل وإصابة 78 آخرين، في أول حصيلة إجمالية تعلنها الحكومة الإيرانية منذ بدء الجولة الجديدة من الهجمات. وقالت وسائل إعلام رسمية إن معظم القتلى من أفراد القوات المسلحة.
وأعلن حسين كرمانبور، المتحدث باسم وزارة الصحة، الحصيلة عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وأفادت وسائل إعلام رسمية بمقتل 3 أشخاص على الأقل في محافظة الأحواز جنوب غربي إيران، فيما قالت السلطات في إيرانشهر بمحافظة بلوشستان المحاذية للحدود الباكستانية، إن ضربة قتلت رجل إطفاء في أحد المطارات. وجاءت هذه الوفيات بعد مقتل ما لا يقل عن 9 من أفراد القوات المسلحة الإيرانية في ضربات الأربعاء، وفق وسائل إعلام رسمية.
170 هدفاً خلال يوم
وقالت «سنتكوم»، الأربعاء، إن القوات الأميركية ضربت نحو 90 هدفاً في إيران، في إطار مسعى إضافي لإضعاف قدرة طهران على مهاجمة السفن التجارية والبحارة المدنيين في مضيق هرمز.
وأضافت القيادة الأميركية أن الضربات طالت أنظمة دفاع جوي، وأصول مراقبة ساحلية، ومواقع تخزين صواريخ وطائرات مسيّرة، وقدرات بحرية، وبنية تحتية لوجيستية عسكرية على امتداد الساحل الإيراني.
— U.S. Central Command (@CENTCOM) July 9, 2026
وجاءت هذه الجولة بعد يوم من تنفيذ القوات الأميركية ما وصفته «سنتكوم» بضربات «هجومية» داخل إيران، استهدفت نحو 80 هدفاً عسكرياً، بينها أنظمة دفاع جوي، وشبكات قيادة وسيطرة، ومواقع رادار ساحلية، وقدرات صواريخ مضادة للسفن، وأكثر من 60 زورقاً صغيراً تابعاً لـ«الحرس الثوري» في مضيق هرمز وبالقرب منه.
وقالت «سنتكوم»، في منشور على منصة «إكس» مرفق بمقطع فيديو لضربات جوية، إن الهدف هو «زيادة إضعاف قدرة إيران على مهاجمة السفن التجارية والبحارة المدنيين الأبرياء في مضيق هرمز». كما قالت إن الولايات المتحدة «تحاسب إيران» على ما وصفته بأنه «عدوان غير مبرر» ضد الشحن التجاري والطواقم المدنية في ممر مائي دولي حيوي.
وكانت الضربات الأميركية الأولى قد جاءت بعد إصابة ثلاث ناقلات نفط بقذائف في مضيق هرمز. وبالتزامن مع تلك الجولة، ألغت واشنطن ترخيصاً كان يسمح لطهران ببيع النفط، وهو إجراء عدّته إيران جزءاً من خرق مذكرة التفاهم.

من الساحل إلى العمق
بدأت الجولة الأميركية الجديدة، من استهداف المواقع العسكرية المرتبطة بمضيق هرمز، حيث تتركز الرادارات الساحلية، ومنصات الصواريخ المضادة للسفن، والزوارق السريعة، ومراكز المراقبة. ثم اتسع نطاق الاستهداف ليشمل مواقع في العمق الإيراني، بينها جسور وسكة حديد في مسارات ذات أهمية اقتصادية ولوجيستية.
وأفاد التلفزيون الرسمي الإيراني بسماع انفجارات في عدة مدن بعد إعلان الولايات المتحدة بدء ليلة ثانية من الضربات. وقالت وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» إن انفجارات سُجلت في مينائي تشابهار وكنارك في شرق مضيق هرمز، إضافة إلى بوشهر المطلة على الخليج العربي.
وأفادت وكالة «مهر» شبه الرسمية بسماع دوي عدة انفجارات في إقليم بوشهر، الذي يضم محطة الطاقة النووية التجارية الوحيدة في إيران.
وتعد بوشهر أيضاً قريبة من جزيرة خرج، مركز صادرات النفط الإيراني. كما أفادت وسائل إعلام رسمية بسماع انفجارات في مدينة بندر عباس الساحلية قبالة مضيق هرمز جنوب البلاد، في وقت متأخر من مساء الأربعاء بالتوقيت المحلي، من دون اتضاح مصدرها.
وانتقلت الضربات من الساحل إلى العمق، بعدما ذكرت وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» أن هجوماً أميركياً خلال الليل استهدف جسراً للسكك الحديدية في محافظة غلستان شمال شرقي إيران، على خط طهران ـ مشهد.
وقالت الوكالة إن الهجوم ألحق أضراراً بمسار تجاري بري يربط إيران بالصين وروسيا عبر تركمانستان وكازاخستان، مشيرة إلى أن هذا الطريق ازدادت أهميته خلال الحصار الأميركي على موانئ إيران في الخليج العربي. وأضافت أن روسيا تستخدم المسار نفسه لنقل بضائع إلى إيران منذ أواخر عام 2025.
وأعلن التلفزيون الرسمي الإيراني تعليق حركة القطارات بين طهران ومشهد، فيما قالت الجهة المشغلة للسكك الحديدية إن فرق الإصلاح أُرسلت إلى الموقع، وإن السلطات تعمل على توفير بدائل برية للركاب العالقين.
نددت وزارة الخارجية الإيرانية بالضربات الأميركية، وقالت إنها استهدفت، فجر الخميس، «عدة نقاط» في المحافظات الساحلية الجنوبية، إضافة إلى جسرين في المحافظات الشرقية على خط السكك الحديدية المؤدي إلى مشهد.
ووصفت الهجمات بأنها «عدوانية» و«جريمة حرب جسيمة»، مؤكدة عزم إيران على الدفاع عن وحدة أراضيها وسيادتها وأمنها القومي.

وقالت الوزارة إن الضربات الأميركية خلال الساعات الثماني والأربعين الماضية جاءت بذريعة الرد على ما وصفتها بـ«حوادث مزعومة» مرتبطة بسفن عابرة «مخالفة» في مضيق هرمز.
واعتبرت أن الهجمات تمثل انتهاكاً للفقرة الرابعة من المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة، و«خرقاً فاضحاً» للبندين الأول والخامس من مذكرة تفاهم إنهاء الحرب. وأضافت أن واشنطن تستخدم هذه الضربات، وفق تعبيرها، ذريعة لتبرير «عدم التزامها المستمر» بمذكرة التفاهم.
وقال إسماعيل بقائي، المتحدث باسم الخارجية، إن البند الخامس من المذكرة يؤكد مسؤولية إيران في تحديد ترتيبات العبور الآمن للسفن عبر مضيق هرمز، وهي حجة ترفضها الولايات المتحدة. وأضاف أن واشنطن تحدت هذا البند، وانتهكت بنية الاتفاق عبر إجراءات أحادية وضربات عسكرية.
وكانت عمليات هيئة الأركان المشتركة في إيران قد توعدت بـ«رد ساحق» بعد الجولة الأولى من الضربات، واتهمت واشنطن بعمل عدواني سافر، محذرة من أن طهران لن تسمح بتدخل أميركي في إدارة مضيق هرمز.
هجمات إيرانية
قال الجيش الإيراني إنه استخدم طائرات مسيّرة لاستهداف منظومة «باتريوت» في الكويت، ونظام إنذار مبكر في قطر، ومستودعات وقود في البحرين، في ما وصفته وسائل إعلام رسمية بأنه استكمال للهجمات ضد القواعد الأميركية في المنطقة. وتلقى سكان في قطر إنذاراً أمنياً مقتضباً على هواتفهم، أعقبته رسالة أفادت بإزالة التهديد.
وأعلن «الحرس الثوري»، في بيان بثه التلفزيون الرسمي، أنه استهدف بالصواريخ والطائرات المسيّرة قاعدتي عريفجان وعلي السالم الأميركيتين في الكويت، وقاعدتي الجفير والشيخ عيسى في البحرين، مهدداً بتوسيع نطاق الرد ليشمل قواعد أخرى في المنطقة إذا نفذت واشنطن ضربات جديدة.
وقال الجيش الكويتي إنه اعترض 3 صواريخ باليستية وصاروخ كروز و10 طائرات مسيّرة، وإن حطاماً متساقطاً أصاب شخصاً واحداً، فيما دوت صفارات الإنذار في البحرين أكثر من مرة من دون تفاصيل فورية عن الأضرار.

واشنطن ترسم القاعدة
بعد مغادرته قمة حلف شمال الأطلسي في تركيا، نشر ترمب عدة مقاطع فيديو قال إنها لانفجارات في إيران، وكتب على منصته «تروث سوشيال»: «هذا انتقام لقصف إيران السفن أمس. إذا حدث ذلك مجدداً، فسيكون الأمر أسوأ بكثير».
وقال ترمب، في وقت سابق، إن القتال المتبادل الأخير لن يؤدي إلى عمل عسكري «طويل الأمد»، مضيفاً: «أي شيء سيحدث، سيحدث بسرعة كبيرة». وجدد تهديداته السابقة بضرب البنية التحتية المدنية في إيران، بما في ذلك محطات الكهرباء وتحلية المياه، والاستيلاء على جزيرة خرج، التي يمر عبرها نحو 90 في المائة من صادرات النفط الإيرانية.
وعلى متن الطائرة الرئاسية، قال ترمب إن إيران «اتصلت قبل قليل»، زاعماً أن النظام في طهران يريد «إبرام اتفاق بشدة». لكنه قال إنه لا يعرف ما إذا كانت إيران «جديرة بإبرام اتفاق» أو ما إذا كانت ستحترمه.
وعندما سُئل عن سبب مهاجمة إيران ثلاث سفن تجارية في مضيق هرمز، قال: «لأنهم مجانين نوعاً ما، بصراحة. إنهم خارجون عن السيطرة قليلاً. لكنهم يريدون إبرام اتفاق بشدة».
وكان ترمب قد قال، الأربعاء، إن الاتفاق المؤقت لوقف القتال «انتهى»، لكنه سيسمح بمواصلة المفاوضات، مع تشكيكه في نتيجتها. وقال: «يمكنهم أن يتحدثوا، لكنني أعتقد أنهم يضيعون وقتهم».
وكرر نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس النبرة نفسها، قائلاً إن الولايات المتحدة لم يكن أمامها خيار سوى الرد عسكرياً بعدما هاجمت إيران سفناً تجارية في مضيق هرمز.
وأضاف: «كانوا منضبطين نحو أسبوع. ثم بدأوا إطلاق النار على السفن. إذا أطلقوا النار على السفن، فسنضربهم بقوة شديدة». وقال إن أي محاولة لإغلاق المضيق ستقابل برد من الجيش الأميركي.
قاليباف يتحدى واشنطن
في طهران، قال إبراهيم رضائي، المتحدث باسم لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان، إن الإيرانيين سيوجهون «صفعة قوية» رداً على الضربات العسكرية الأميركية. وكتب على منصة «إكس» أن المرشد الإيراني الراحل علّم الإيرانيين «ألا يخافوا من أميركا»، داعياً إلى انتظار «الصفعة القوية من الإيرانيين».
وكتب رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، وهو مفاوض رئيسي في المحادثات الرامية إلى إنهاء دائم للحرب، أن الولايات المتحدة «لم تتعلم بعد أن ممارسات الترهيب ونكث الوعود لم تعد تمر من دون عواقب»، مضيفاً: «سأكون واضحاً: إذا ضربتم، فستُضربون». وقال إن مضيق هرمز لن يفتح إلا بموجب «ترتيبات إيرانية».
آمریکا هنوز یاد نگرفته است که زورگویی و بدعهدی دیگر بیهزینه نیست. شفاف بگویم: بزنید، میخورید.دست و پای بیهوده نزنید که بیشتر فرو خواهید رفت: تنگه هرمز، فقط با «ترتیبات ایرانی» باز میشود نه با تهدیدات آمریکایی.
— محمدباقر قالیباف | MB Ghalibaf (@mb_ghalibaf) July 9, 2026
وقال وزير الخارجية عباس عراقجي إن طهران سترد «بالفعل» على سلسلة الإهانات التي وجهها ترمب إلى إيران خلال اليوم. وكتب على منصة «إكس»: «الإيرانيون معروفون بمدنيتهم وثقافتهم وقيمهم الأخلاقية الراسخة. نحن لا نرد على الابتذال بالابتذال، وإنما بالفعل: من دون خوف وبشجاعة كبيرة».
ورد كاظم غريب آبادي، نائب وزير الخارجية وأحد كبار المفاوضين، على تصريحات ترمب، قائلاً إنها «ليست دليلاً على القوة، وإنما اعتراف بفشل» السياسة الأميركية تجاه إيران.
وتزامن التصعيد مع اليوم الأخير من مراسم خامنئي في مشهد. وكان من المقرر أن تبدأ المفاوضات للتوصل إلى اتفاق نهائي بعد انتهاء المراسم، على أن تركز على إعادة فتح المضيق بالكامل، وترتيبات المرور، والبرنامج النووي الإيراني.




