هددت إيران، الخميس، بالرد عسكرياً على ناقلات النفط التي تعبر مضيق هرمز من دون الالتزام بالمسارات التي تحددها طهران، في تصعيد جاء بعد ساعات من إعلان نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي الاتفاق على إنشاء قناة اتصال للإبلاغ عن خروق مذكرة تفاهم إسلام آباد ورصدها.
وقالت عمليات هيئة الأركان المشتركة إن جميع ناقلات النفط العابرة للمضيق يجب أن تستخدم المسارات المعتمدة من السلطات الإيرانية، محذرة من أن أي مخالفة ستُقابل بـ«رد فوري وقوي».
وأضافت أن «أي عدم امتثال، أو انحراف عن المسار المحدد، أو تجاهل لبروتوكولات الملاحة المعتمدة لدى الجمهورية الإسلامية الإيرانية في مضيق هرمز، سيُقابل برد فوري وقوي من القوات المسلحة، بما يعرض أمن السفن المخالفة للخطر» حسبما جاء في بيان نقله التلفزيون الإيراني الرسمي.
وجاء التحذير غداة محادثات فنية غير مباشرة عقدتها الولايات المتحدة وإيران في الدوحة، بوساطة قطرية وباكستانية، لمتابعة تنفيذ الاتفاق المؤقت الموقع في 17 يونيو (حزيران).
ووصف الوسطاء المحادثات بأنها أحرزت «تقدماً إيجابياً»، لكن البيان العسكري الإيراني أظهر استمرار الخلاف الحاد بشأن الجهة التي تملك حق تحديد مسارات السفن في المضيق وشروط مرورها.
وقالت هيئة الأركان إن استمرار تحليق المقاتلات الأميركية فوق المضيق «يتسبب في انعدام الأمن في هذا الممر المائي ويهدد أمن المنطقة».
وأضافت أن «أي محاولة من جانب الولايات المتحدة للتدخل في القضايا الأمنية، أو القيام بأي عمل تخريبي في مضيق هرمز، ستُعد تهديداً للسيادة الوطنية الإيرانية، وستُقابل برد سريع وحاسم».
ولم يتضح على الفور ما الذي دفع طهران إلى إصدار التحذير. غير أن القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» كانت قد أعلنت، عقب اجتماع مع مسؤولين من دول في الشرق الأوسط في البحرين، أن المشاركين شددوا على «التزامهم المشترك بحرية تدفق التجارة عبر مضيق هرمز»، حسبما أوردت «أسوشييتد برس».
وبدا أن العبارة أثارت غضب طهران، التي تقول إن ترتيبات المرور في المضيق لن تعود إلى ما كانت عليه قبل الحرب، حين كانت السفن التجارية تعبر من دون رسوم أو اشتراط الحصول على موافقة إيرانية مسبقة.
قناة لم تبدأ عملها
صدر التحذير بعد ساعات من إعلان غريب آبادي اختتام جولة المحادثات في الدوحة. ونقلت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية «إرنا» عنه أن المشاركين اتفقوا على «إنشاء قناة اتصال بحلول الخميس» للإبلاغ عن انتهاكات مذكرة التفاهم ورصدها.
ولم يعلن غريب آبادي تفاصيل القناة أو الأطراف التي ستديرها، كما لم يوضح ما إذا كانت ستسمح باتصال مباشر بين المسؤولين العسكريين الأميركيين والإيرانيين، أم ستعمل عبر قطر وباكستان.
وتعود فكرة قناة الاتصال إلى التفاهمات التي خرجت بها محادثات السلام في سويسرا. وكان نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس قد قال عقب محادثات سويسرا إن أحد الأهداف الرئيسية للمفاوضات تمثل في إنشاء «قناة على الجانب الإيراني» لمعالجة النزاعات وخفض التصعيد.
وأوضح فانس أن الإيرانيين وافقوا على إرسال ممثل من «الحرس الثوري» إلى الدوحة للقاء مسؤول من القيادة المركزية الأميركية، بهدف استخدام القناة في تسوية عدد من القضايا العالقة.

وبذلك، اتفق الجانبان على إنشاء آليات منفصلة لمنع الاحتكاك الميداني، في مقدمها قناة اتصال مباشرة بين «سنتكوم» و«الحرس الثوري». وتُخصص القناة لتنسيق حركة السفن في مضيق هرمز، وتبادل التنبيهات العاجلة، واحتواء أي حادث بحري أو عسكري قبل تحوله إلى مواجهة أوسع.
وتشمل الترتيبات الموازية نقطة اتصال بين الدول المشاركة في مذكرة التفاهم لضمان المرور الآمن للسفن التجارية، إلى جانب وحدة لمنع النزاعات وخفض التصعيد في لبنان.
ولم يتضح ما إذا كانت القناة التي أعلنها غريب آبادي الأربعاء هي نفسها القناة العسكرية المباشرة التي تحدث عنها فانس، أم أنها آلية أوسع تعمل عبر الوسطاء لرصد خروق مذكرة التفاهم.
وكانت طهران قد شددت على أنها لن تعقد أي اجتماع تفاوضي مباشر مع المسؤولين الأميركيين «على أي مستوى». وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن مهمة الوفد الإيراني اقتصرت على متابعة تنفيذ مذكرة التفاهم.
وعقد المفاوضون الأميركيون والإيرانيون اجتماعات منفصلة مع الوسطاء القطريين والباكستانيين. ولم يشارك المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف أو جاريد كوشنر، صهر الرئيس دونالد ترمب، في الجلسات الفنية.
استئناف بعد التشييع
قالت قطر وباكستان إن اجتماعات الدوحة أحرزت «تقدماً إيجابياً» في القضايا المتعلقة بمذكرة تفاهم إسلام آباد، وإن المحادثات ستستأنف بعد انتهاء مراسم تشييع المرشد الإيراني علي خامنئي.
وقال المتحدث باسم الخارجية القطرية ماجد الأنصاري، الخميس، إن الوسطاء القطريين والباكستانيين اختتموا اجتماعات منفصلة مع المفاوضين الأميركيين والإيرانيين، وإن المحادثات استندت إلى نتائج قمة بحيرة لوسيرن في سويسرا.
وأضاف أن الأطراف اتفقت على مواصلة المناقشات، على أن يحدد موعد الاجتماع المقبل في أقرب وقت ممكن بعد انتهاء مواكب تشييع خامنئي.
وقال المتحدث باسم الخارجية الباكستانية طاهر أندرابي إن اجتماعات الأربعاء حققت «تقدماً إيجابياً»، وإن إسلام آباد تأمل في تحديد موعد الجولة المقبلة في أسرع وقت ممكن بعد التشييع.
وقُتل خامنئي، البالغ من العمر 86 عاماً، في قصف أميركي إسرائيلي استهدف المجمع الذي يضم مقر إقامته في وسط طهران في 28 فبراير (شباط)، وانتخب نجله مجتبى خلفاً له.

وتبدأ مراسم التشييع السبت، على أن تمتد ستة أيام وتشمل مناطق مختلفة في إيران ومحطات في العراق. وأعلنت إسلام آباد مشاركة رئيس الوزراء شهباز شريف، فيما توقع المنظمون حضور مسؤولين من نحو 30 دولة.
وكانت إيران والولايات المتحدة قد وقعتا مذكرة التفاهم في 17 يونيو، بوساطة قطرية وباكستانية، بعد حرب بدأت بهجوم أميركي إسرائيلي على إيران في 28 فبراير. ومن المقرر أن تستمر المفاوضات 60 يوماً قابلة للتجديد.
وتشمل المذكرة وقف الحرب على الجبهات المختلفة، وإعادة فتح مضيق هرمز، ورفع الحصار الأميركي عن الموانئ الإيرانية، والإفراج عن قسم من الأصول المجمدة، والتفاوض على اتفاق نهائي.
وأفادت «رويترز» بأن جولة الدوحة ركزت على قضايا كان يفترض أن يكون الاتفاق الأولي قد حسمها، وفي مقدمها حركة الملاحة في المضيق والحوافز المالية لإيران، بدلاً من الانتقال إلى الملفات الأكثر تعقيداً.
وقال ترمب، الأربعاء، إن «عملية نزع السلاح النووي من إيران تسير على ما يرام»، وأشاد بـ«اجتماعات جيدة جداً». غير أن مصادر مطلعة قالت إن البرنامج النووي لم يُطرح في المحادثات الفنية.
وقال فانس إن الملف النووي سيناقش لاحقاً، مضيفاً: «من الواضح أننا قلقون بشأن القضية النووية، وسنبدأ الحديث عنها».
وقال غريب آبادي إن المناقشات في الدوحة تناولت أيضاً مصير الأصول الإيرانية المجمدة. وأضاف أن اجتماعات عُقدت مع مسؤولين قطريين، بمن فيهم ممثلون عن البنك المركزي، لمراجعة قضايا تتعلق بإنفاق جزء من المبلغ الأولي البالغ ستة مليارات دولار.
وقال: «تم الاتفاق على أنه، استناداً إلى الاحتياجات التي أبلغت بها بلادنا، سيتم شراء السلع المطلوبة وتوفيرها لإيران».
لكن مسؤولين أميركيين قالوا إن واشنطن لم تفرج عن أي جزء من الأموال حتى الآن، وإن أي مبالغ مستقبلية ستصرف تدريجياً، وتدفع مباشرة إلى موردي السلع الإنسانية، وترتبط بتقدم إيران في تنفيذ المذكرة.
كما قال غريب آبادي إن الوفد الإيراني أثار خلال الاجتماعات ما وصفه بعدم وفاء الولايات المتحدة بالتزاماتها الواردة في البند الأول من المذكرة، والمتعلق بإنهاء الحرب في لبنان.
وأضاف أن الوفد ناقش تقارير عن تعزيز واشنطن قواتها ومعداتها في المنطقة، إلى جانب تصريحات لمسؤولين أميركيين وصفها بأنها «تهديدية وتدخلية».
من يسيطر على هرمز؟
يمثل مضيق هرمز، الذي كان يمر عبره قبل الحرب نحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً، محور الخلاف الأكثر إلحاحاً بين طهران وواشنطن.
وبموجب المذكرة، وافقت إيران على السماح للسفن بالعبور من دون رسوم لمدة 60 يوماً. لكنها تقول إن الاتفاق يتيح لها الاحتفاظ بالسيطرة على تحديد السفن المسموح لها بالمرور والمسارات التي تسلكها وإجراءات العبور التي يجب عليها اتباعها.
وقبل المحادثات في الدوحة، قال مصدران إيرانيان رفيعا المستوى لـ«رويترز» إن طهران مصممة على الحصول على اعتراف دولي بسيطرتها على المضيق وقدرتها على فرض رسوم على السفن العابرة، حتى إذا اضطرت إلى فرض ذلك بالقوة.
وأضاف المصدران أن المفاوضين الإيرانيين لن ينتقلوا إلى ملفات الخلاف الأخرى قبل الاتفاق على هذه السيطرة، وأن طهران قد تستأنف فرض الرسوم في منتصف أغسطس (آب) إذا انتهت المرحلة المؤقتة من دون تمديد.
وتريد إيران ترتيبات تمنحها حق تحديد كيفية دخول السفن إلى الخليج وخروجها، ومنع أي سفينة تشتبه في أنها تهدد أمنها، وفرض رسوم على خدمات إلزامية تقدمها.

وقال أحد المسؤولين الإيرانيين إن طهران لن تقبل العودة إلى الوضع السابق للحرب، وإنها مستعدة لمواجهة متجددة مع الولايات المتحدة إذا رفضت الدول الأخرى شروطها.
وشدد غريب آبادي، الخميس، على أن إدارة المضيق «تحت قيادة إيران»، وقال إن أمن المنطقة سيتحقق بإنهاء التدخلات وانسحاب الولايات المتحدة واحترام سيادة الدول وقبول «الحقائق الجيوسياسية الجديدة»، وليس تحت المظلة العسكرية الأميركية.
ويواجه الدور الذي تريده طهران أو الموافقة على فرض رسوم على المرور، معارضة دولية واسعة، بما في ذلك من الدول الولايات المتحدة والدول المتشاطئة مع الخليج العربي.
وقال ترمب إنه لن يسمح بفرض رسوم، إلا إذا قررت الولايات المتحدة فرضها، فيما قال وزير الخارجية ماركو روبيو إنه لا يحق لأي دولة منع الملاحة أو فرض بدلات عبور في ممر دولي.
ونقل موقع «أكسيوس» عن مسؤول أميركي أن ويتكوف وكوشنر حاولا إقناع الإيرانيين بأن الإصرار على الرسوم قد ينسف اتفاقاً أوسع يعود على طهران بعوائد أكبر.
وقال المسؤول إن الرسالة الأميركية كانت: «فكروا بصورة أكبر». وأضاف أن ما يمكن لإيران جنيه من تطوير مواردها النفطية وبيعها بحرية، في حال رفع العقوبات ضمن اتفاق شامل، سيكون «أكثر قيمة بمائة مرة» من الإيرادات التي قد تحققها من رسوم المرور.
وتدفع واشنطن باتجاه اتفاق أوسع يشمل البرنامج النووي ورفع العقوبات وعدم تدخل إيران في دول المنطقة.
ويثير الخلاف أيضاً نزاعاً قانونياً. فالمضيق موزع بين المياه الإقليمية لإيران وعُمان، لكن وضعه ممراً دولياً يقتضي حرية المرور.
ولا تعد إيران أو الولايات المتحدة طرفاً في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، بينما تعد عُمان طرفاً فيها. ومع ذلك، تعامل أحكام الاتفاقية على نطاق واسع بوصفها جزءاً من القانون الدولي العرفي.
وقال كريس أوفلاهرتي، القبطان السابق في البحرية البريطانية والمتخصص في القانون البحري، إن الاتفاقية تتيح لإيران المطالبة بمياه إقليمية تمتد 12 ميلاً، بدلاً من ثلاثة أميال بموجب اتفاقيات أخرى.
ولا يزيد عرض المضيق عند أضيق نقطة إلا قليلاً على 20 ميلاً. وقال أوفلاهرتي: «يعتقد معظم الناس أن القانون الدولي حسمها. لكن إيران قررت تحدي ذلك».

المسار العُماني
تطالب كل من إيران وسلطنة عُمان بالسيادة على حركة العبور عبر المضيق، وأعلنتا أنهما تدرسان فرض بدل خدمات. وفي المقابل، شاركت عُمان مع وكالة تابعة للأمم المتحدة في إطلاق مسار ملاحي مؤقت قرب ساحلها، وقدمت المبادرة بوصفها جهداً لإجلاء السفن والبحارة.
وأدى فتح المسار إلى تجدد التوتر خلال عطلة نهاية الأسبوع، بعدما أطلقت إيران النار على أربع سفن حاولت العبور من الجانب العُماني من دون إذن مسبق من طهران. وردت الجيش الأميركي باستهداف أصول للبحرية الإيرانية قبالة خليج عمان.
وأعلنت «سنتكوم» تنفيذ ضربات على عشرة أهداف عسكرية إيرانية بسبب ما وصفته بـ«العدوان الإيراني المستمر على الملاحة التجارية». وقالت طهران إنها ردت بضرب قواعد أميركية في الكويت والبحرين، اللتين دانتا استهداف أراضيهما.
وبقي قطاع الشحن حذراً رغم تراجع حدة القتال. وقالت نقابات وأرباب عمل في القطاع البحري إنها ستواصل اعتبار مضيق هرمز منطقة حرب حتى 9 يوليو (تموز) على الأقل.
واستقر خام برنت عند مستوى يزيد قليلاً على 70 دولاراً للبرميل، فيما قال مسؤول أميركي إن ارتفاع عدد السفن العابرة ساهم في تراجع أسعار النفط.
وقال علي أنصاري، أستاذ التاريخ الحديث في جامعة سانت أندروز، إن إيران ربما تبالغ في تقدير أوراقها ومدى استعداد واشنطن لقبول شروطها.
وأضاف: «احتمال اشتعال هذا الصراع مجدداً أكبر بكثير مما يعتقده الناس؛ لأن أياً من الطرفين لا يعتقد أنه خسر».





