أعلنت إيران، الاثنين، عقد أول اجتماع مع سلطنة عُمان لبحث الإدارة المستقبلية لمضيق هرمز منذ توقيع طهران وواشنطن مذكرة تفاهم أولية لإنهاء الحرب، في وقت لا يزال فيه الممر المائي الحيوي إحدى أكثر القضايا تعقيداً في المفاوضات بين الطرفين.
وجاء الإعلان بعد ساعات من قول مسؤول أميركي إن واشنطن وطهران اتفقتا على وقف الهجمات مؤقتاً والسماح للسفن بالتحرك بحرية في المضيق ومحيطه، عقب جولة جديدة من الضربات كشفت هشاشة الاتفاق الذي توسطت فيه باكستان لوقف حرب أحدثت اضطرابات واسعة في المنطقة، وعرقلت تدفق شحنات النفط والغاز.
وكتب نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي على منصة «إكس»: «خلال زيارة إلى مسقط، عُقد الاجتماع الأول للجنة هرمز المشتركة».
وأضاف: «استعرضنا القضايا الراهنة المتعلقة بالمضيق، وتبادلنا وجهات النظر بشأن إدارته مستقبلاً»، من دون أن يحدد تاريخ انعقاد الاجتماع.
وتطل إيران وسلطنة عُمان على جانبي المضيق، الذي كان يمر عبره قبل الحرب نحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم، ويشكل الطريق البحري الرئيسي الذي يربط الخليج ببقية العالم.
در سفر به مسقط، اولین نشست کمیته مشترک هرمز با عبدالعزیز الهنایی، وزیر مشاور در امور خارجه عمان برگزار شد. ضمن مرور مسائل جاری در رابطه با تنگه، درباره مدیریت آینده تنگه در چارچوب بند پنج یادداشت تفاهم إسلام آباد و حقوق حاکمیتی دولتهای ساحلی تبادل نظر کردیم. pic.twitter.com/m26EBHWwhn
— Gharibabadi (@Gharibabadi) June 29, 2026
وفرضت طهران قيوداً فعلية على الملاحة في المضيق منذ اندلاع الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 فبراير (شباط)، مستخدمة السيطرة على الممر ورقة ضغط على خصومها. ولا تزال كيفية إعادة فتحه وإدارة حركة السفن فيه نقطة خلاف رئيسية في المحادثات مع واشنطن.
العبور والرسوم
تكفل اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، التي اعتُمدت عام 1982، حق «المرور العابر» في المضائق المستخدمة للملاحة الدولية، ومنها مضيق هرمز، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».
وتنص الاتفاقية على أن جميع السفن والطائرات تتمتع بحق المرور العابر الذي لا تجوز إعاقته، وأن تُمارس حرية الملاحة والتحليق لغرض العبور المتواصل والسريع. ووقّعت إيران الاتفاقية، لكنها لم تصدق عليها.
كما تقضي قواعد القانون الدولي العرفي، بصورة عامة، بعدم جواز إغلاق المضائق المستخدمة للملاحة الدولية أو فرض رسوم لمجرد العبور، حتى عندما تقع الممرات الملاحية داخل المياه الإقليمية للدول المشاطئة.
وتبحث إيران فرض «رسوم خدمات» لم تكن قائمة قبل الحرب، بينما تعارض الولايات المتحدة ذلك، معتبرة أن هرمز «ممر مائي دولي»، رغم أن مياهه تتاخم السواحل الإيرانية والعُمانية.

وأظهرت سلطنة عُمان خلال الأيام الماضية مواقف متفاوتة بشأن المسألة؛ فبعد زيارة مسؤولين إيرانيين، أعلنت مسقط وطهران، الثلاثاء، أنهما ستعملان على التوصل إلى اتفاق يتعلق بالإدارة المستقبلية للملاحة في المضيق والخدمات والتكاليف المرتبطة بها، وفق بيان مشترك نشرته وزارة الخارجية العُمانية.
لكن مسقط عادت وشددت في نهاية الأسبوع على أن الترتيبات المرتبطة بالمضيق لا تشمل فرض «أي رسوم للعبور»، وأعلنت فتح «ممر بحري مؤقت» قُدم بوصفه مبادرة منسقة مع الأمم المتحدة.
وأثار الإعلان استياء طهران، التي تقول إن الممر الوحيد المسموح به يمر بمحاذاة سواحلها. ومع ذلك، سلكت عشرات السفن خلال الأسبوع الحالي الجانب المقابل من الممر المائي، بالقرب من الساحل العُماني.
وقال وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي، خلال زيارة إلى فرنسا، إن الخدمات المرتبطة بالمضيق ستُبحث مع الدول والشركات المستفيدة منه، مشيراً إلى أنها تمثل «جهوداً مكلفة بلا شك».
وفي مقابلة مع إذاعة «مونت كارلو الدولية» نُشرت، الاثنين، استشهد البوسعيدي بتجارب قائمة في الممر الملاحي عبر مضيقي ملقا وسنغافورة، حيث تُقدم خدمات تهدف إلى تحسين أمن الملاحة، وسلامة المياه، وحمايتها من التلوث.
تحذيرات إيرانية
وحذر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الأحد، من أن اعتماد أي مسار أو ترتيبات منفصلة عن الآليات التي وضعتها طهران سيزيد تعقيد الأوضاع، ويؤخر إعادة فتح المضيق، ويرفع مستوى التوتر في المنطقة.
وقال عراقجي: «أي محاولة لاعتماد ترتيبات جديدة أو منفصلة عما تقوم به الجمهورية الإسلامية الإيرانية حالياً لن تؤدي إلا إلى مزيد من التعقيدات والتأخير في إعادة فتح مضيق هرمز، وستزيد التوترات».
وجاء تحذيره بعد تجدد المواجهات بين إيران والولايات المتحدة في الخليج، وفي وقت تتمسك فيه طهران بضرورة مرور السفن عبر المسار الذي حددته بالقرب من سواحلها.
وقال «الحرس الثوري» إنه يتخذ إجراءات لتنظيم حركة السفن في المضيق، محذراً من أنه سيتعامل بصرامة أكبر من السابق مع السفن التي تخالف الترتيبات الإيرانية.
وأفاد مراسل التلفزيون الإيراني، الاثنين، بأن عدداً متزايداً من السفن يختار يومياً المسار الواقع جنوب جزيرة لارك.
وكتب محمد مخبر، مستشار المرشد الإيراني، على منصة «إكس» أن «أحلام واشنطن بالهيمنة في المنطقة لن تتحقق» ما دامت إيران تتولى إدارة المضيق.
تباطؤ الملاحة
تباطأت حركة السفن في مضيق هرمز خلال عطلة نهاية الأسبوع، بعدما أصيبت ناقلة نفط بمقذوف، السبت، وسط تجدد تبادل الضربات بين إيران والولايات المتحدة.
وأظهرت بيانات شركة «كبلر» لتتبع الملاحة البحرية أن 29 سفينة محملة بالمواد الأولية عبرت المضيق، السبت، قبل أن ينخفض العدد إلى 12 سفينة، الأحد.
ويمثل ذلك تراجعاً حاداً مقارنة بالأيام التي أعقبت توقيع مذكرة التفاهم بين طهران وواشنطن، إذ سجل عبور 70 سفينة، الأربعاء.
وألحق المقذوف أضراراً بجسر ناقلة النفط من دون وقوع إصابات، في حادث جاء بعد أول تبادل للضربات بين واشنطن وطهران منذ توقيع مذكرة التفاهم.
وواصلت السفن بعد الهجوم استخدام الممر الجنوبي عبر المياه العُمانية، قبل أن تبدأ الحركة في التباطؤ، وفق بيانات موقع «مارين ترافيك» التابع لشركة «كبلر».
لكن هذه البيانات لا تشمل سوى السفن التي أبقت أجهزة الإرسال والتعريف الآلي قيد التشغيل؛ ما يترك احتمال عبور سفن أخرى بعد تعطيل أنظمتها لتجنب الرصد.
ودخل إلى الخليج خلال عطلة نهاية الأسبوع عدد من السفن يفوق عدد السفن التي غادرته، في اتجاه يتوافق مع الجهود التي ركزت أساساً على إجلاء نحو 11 ألف بحار علقوا بسبب اضطراب الملاحة.
ويضيف التراجع في حركة العبور بعداً عملياً إلى الخلاف بشأن إدارة المضيق؛ إذ أعلنت إيران عقد اجتماع مع سلطنة عُمان لبحث ترتيبات الملاحة المستقبلية، بينما تؤكد واشنطن أنها لن تقبل دفع رسوم عبور لاستخدام الممر الذي تعده ممراً مائياً دولياً.

بنود مذكرة التفاهم
تنص مذكرة التفاهم التي أبرمتها طهران وواشنطن لإنهاء الحرب على أن طهران «ستُجري حواراً مع سلطنة عُمان لتحديد الإدارة المستقبلية والخدمات البحرية في مضيق هرمز، بالتشاور مع الدول الساحلية الأخرى في الخليج، بما يتماشى مع القانون الدولي المعمول به والحقوق السيادية للدول المشاطئة لمضيق هرمز».
وتعهدت إيران بموجب المذكرة ببذل «أفضل الجهود» لضمان المرور الآمن للسفن التجارية من دون رسوم لمدة 60 يوماً فقط، لكن الاتفاق لم يحدد الترتيبات التي ستطبق بعد انتهاء هذه المهلة.
ويضع ذلك الخلاف بشأن الرسوم والخدمات في صلب المفاوضات المقبلة؛ إذ تسعى إيران إلى ترسيخ دورها في إدارة المضيق، بينما تصر الولايات المتحدة على ضمان حرية المرور، وعدم إخضاع السفن لرسوم عبور.
ويأتي اجتماع اللجنة المشتركة في مسقط بينما تستعد واشنطن وطهران لمواصلة المحادثات بشأن تنفيذ مذكرة التفاهم.
وسلطت جولات تبادل الضربات الضوء على هشاشة الاتفاق الذي رعته باكستان، بعدما أدى استمرار الخلاف بشأن المرور في مضيق هرمز إلى احتكاكات متكررة بين إيران والولايات المتحدة.
وجاء أحدث تصعيد في وقت مبكر، الأحد، عندما أعلنت القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» مهاجمة 10 أهداف عسكرية إيرانية، رداً على ما وصفته بـ«العدوان الإيراني المستمر على السفن التجارية».
وقالت إيران إنها ردت بشن ضربات على قواعد أميركية في الكويت والبحرين، بينما ندد البلدان بالهجمات الإيرانية.
وكانت طهران قد حذرت من أن أي محاولة تقوم بها السفن لتجاوز المسار الذي تفضله عبر المضيق ستؤدي إلى زيادة التوترات في المنطقة.
ويتوقع خبراء استمرار الحوادث في مضيق هرمز ما دام الخلاف على إدارة الممر ومسارات الملاحة والرسوم من دون تسوية.
وقال إتش إيه هيلير، من المعهد الملكي للخدمات المتحدة، وهو مركز أبحاث في لندن، إن «مفاوضات طويلة مصحوبة بضغط منضبط في المضيق يمكن أن تصب في مصلحة إيران».






