«نقطة ضعف» و«ثغرة خطيرة» تظللان التفاهم الأميركي - الإيراني

«الشرق الأوسط» تحاور خبراء أميركيين حول مفاوضات الأيام الـ60

الرئيس دونالد ترمب يرفع وثيقة «الاتفاق الإطاري» المبرمة مع إيران بعد توقيعها في قصر فرساي مساء 18 يونيو (أ.ف.ب)
الرئيس دونالد ترمب يرفع وثيقة «الاتفاق الإطاري» المبرمة مع إيران بعد توقيعها في قصر فرساي مساء 18 يونيو (أ.ف.ب)
TT

«نقطة ضعف» و«ثغرة خطيرة» تظللان التفاهم الأميركي - الإيراني

الرئيس دونالد ترمب يرفع وثيقة «الاتفاق الإطاري» المبرمة مع إيران بعد توقيعها في قصر فرساي مساء 18 يونيو (أ.ف.ب)
الرئيس دونالد ترمب يرفع وثيقة «الاتفاق الإطاري» المبرمة مع إيران بعد توقيعها في قصر فرساي مساء 18 يونيو (أ.ف.ب)

رغم مرور أيام على توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، التي كان يُفترض أن تؤدي إلى وقف الحرب على مختلف الجبهات وإعادة فتح مضيق هرمز، كشف تجدد القتال بين إسرائيل و«حزب الله» عن إحدى أبرز نقاط ضعف الاتفاق الأميركي - الإيراني: لبنان.

ويحذر محللون من ثلاثة مراكز أبحاث أميركية بارزة من أن الحرب الدائرة حالياً بين إسرائيل و«حزب الله» قد تتحول إلى العامل الذي يقوّض التفاهم برمّته بين واشنطن وطهران، ليس لأن لبنان يشكل محور الاتفاق، بل لأن الاختبار الذي يمثله بات الأكثر إلحاحاً، في ظل مسار دبلوماسي يمتد 60 يوماً ويتناول ملفات مترابطة تشمل وقف إطلاق النار، وحرية الملاحة في مضيق هرمز، وتخفيف العقوبات على إيران، والانطلاق نحو مفاوضات نووية أوسع.

وأظهرت الساعات الأخيرة أن استمرار المواجهات بين القوات الإسرائيلية و«حزب الله» لا يهدد فقط الاستقرار الهش في جنوب لبنان، بل قد يمتد أثره إلى حركة الملاحة في مضيق هرمز، فضلاً عن احتمال إفشال جولة المفاوضات الإضافية بين الأميركيين والإيرانيين المقررة في سويسرا.

وتحذر المسؤولة السابقة في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) دانا سترول من أن مذكرة التفاهم «تمنح طهران مكاسب مبكرة وكبيرة»، بينما تترك قضايا حاسمة تتعلق بالأمن الإقليمي، وتخفيف العقوبات، وحرية الملاحة من دون حسم. وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «هيكل الحوافز يصبّ في مصلحة إيران أكثر بكثير من الولايات المتحدة»، مشيرة إلى أن إيران لا تلتزم خلال الأيام الستين الأولى سوى بتسهيل فتح مضيق هرمز، فيما يتعين على واشنطن اتخاذ خطوات أكثر بكثير خلال الفترة نفسها.

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يستقبل وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي في طهران السبت (إ.ب.أ)

غموض وإبهام

وترى نائبة رئيس فريق إيران في معهد «أميركان إنتربرايز» ومعهد دراسات الحرب في واشنطن، ريا ريدي، التي تابعت المفاوضات الأميركية - الإيرانية عن كثب، أن مذكرة التفاهم «صيغت بلغة مبهمة عن عمد، تتيح لكل طرف تفسير بنودها بما يخدم مصالحه». وتقول إن هذا الغموض «لم يكن مفاجئاً»؛ نظراً إلى أن الفجوات بين موقفي واشنطن وطهران ظلت واضحة حتى الأيام الأخيرة قبل الإعلان عن الاتفاق، متوقعة أن تكون المذكرة مجرد إطار عام يرحّل القضايا الأكثر تعقيداً إلى مفاوضات لاحقة.

من أبرز الأمثلة على هذا الغموض، البند الأول الذي ينص على إنهاء الحرب «على كل الجبهات»، مع إضافة إيران عبارة تتعلق بـ«السلامة الإقليمية والسيادة اللبنانية»، وهو ما يفسره محللون على أنه محاولة غير مباشرة للضغط باتجاه انسحاب إسرائيل من لبنان، من دون النص على ذلك بوضوح.

من جهته، يقول مدير برنامجي الاستراتيجية والأمن القومي في مؤسسة «راند»، رافائيل كوهين، إن هذه الصياغة المبهمة «كانت خياراً متعمداً» لإتاحة المجال أمام كل طرف لإعلان النصر. لكنه يحذر من أن استبعاد إسرائيل من الاتفاق، مع بقاء مسألة نزع سلاح «حزب الله» معلقة، يهدد بتقويض التفاهم.

ويشرح كوهين أن الضغوط الداخلية التي تحكم مقاربة إدارة الرئيس دونالد ترمب تشمل رغبته في احتواء الأزمة قبل انتخابات الكونغرس النصفية المقبلة، وخفض أسعار الوقود، إضافة إلى تصاعد تيار داخل الإدارة يقوده نائب الرئيس جي دي فانس، يشكك في جدوى التدخلات العسكرية الطويلة.

ويقول: «النص تُرك غامضاً عمداً حتى يتمكن كل طرف من تفسيره كما يشاء»، مضيفاً أن الإيرانيين يقرأونه على أنه يتطلب انسحاباً إسرائيلياً كاملاً ووقفاً شاملاً لإطلاق النار، بينما تعتمد إدارة ترمب تفسيراً أكثر مرونة. ويضيف: «أعتقد أن هذا سينتهي إلى طريق مسدود؛ لأن المسألة الجوهرية لم تُحسم بعد».

وتلفت سترول إلى أن أحد أخطر جوانب الاتفاق أنه يتضمن التزامات نيابة عن أطراف لم تشارك في التفاوض. فالنص يشير إلى «إيران وحلفائها في الحرب الحالية»، بما يعني ضمناً التزاماً من إسرائيل و«حزب الله» ببنود اتفاق تفاوضت عليه واشنطن وطهران.

وتقول: «قدمت الولايات المتحدة التزامات نيابة عن إسرائيل، وقدمت إيران التزامات نيابة عن (حزب الله)». وترى أن إدراج بند السيادة اللبنانية في وثيقة ثنائية أميركية - إيرانية يثير قلقاً واسعاً لدى اللبنانيين؛ لأن مستقبل بلدهم «يُرسم بين أطراف غير لبنانية».

اقتصار التفاهمات الأميركية الإيرانية حول مضيق هرمز يزيد من غموض مصير نفوذ طهران في المنطقة (رويترز)

«ثغرة» المضيق

فيما يتعلق بمضيق هرمز، ترى سترول أن الاتفاق يحتوي على ثغرة خطيرة؛ إذ ينص فقط على أن إيران ستبذل «قصارى جهدها» لضمان حرية الملاحة لمدة 60 يوماً، من دون أي التزام واضح بالتخلي عن مساعيها للهيمنة على المضيق.

وتحذر من أن النص يفتح الباب بعد انتهاء المهلة أمام نوع من «الإدارة المشتركة» بين إيران وسلطنة عمان لهذا الممر الاستراتيجي، بما قد يشمل فرض رسوم عبور أو خدمات. وتقول: «إذا حصل ذلك، فستكون له تداعيات هائلة، ليس فقط على مضيق هرمز، بل على مجمل الممرات المائية الحيوية عالمياً».

وترى ريدي أن إيران خرجت من مذكرة التفاهم بمكاسب استراتيجية متعددة، أبرزها الاحتفاظ بنفوذ طويل الأمد على مضيق هرمز، وهو ما تصفه طهران منذ أشهر بأنه أداة ردع استراتيجية. كما ترى أن وقف إطلاق نار دائم بين إسرائيل ولبنان يخدم مصالح إيران، نظراً إلى الأهمية المحورية لـ«حزب الله» ضمن شبكة حلفائها الإقليميين.

وترجح أن تعطي طهران الأولوية لإعادة بناء «محور المقاومة» ضمن عملية تعافيها الأوسع بعد الحرب.

لكن ريدي تبدي حذراً حيال ما يمكن أن تجنيه واشنطن من الاتفاق، معتبرة أن ذلك يتوقف على نتائج فترة التفاوض الممتدة 60 يوماً، وخصوصاً فيما يتعلق بمدى استعداد إيران للقبول بقيود طويلة الأمد وقابلة للتحقق على برنامجها النووي.

وتشير إلى أن الإيرانيين يلمحون إلى حصر المحادثات المقبلة في قضيتين أو ثلاث فقط، ما يعني أن حجم المكاسب الأميركية سيعتمد على قدرة واشنطن على توسيع جدول الأعمال وانتزاع تنازلات إضافية.

وعندما سُئل كوهين عما إذا كانت مذكرة التفاهم تمثل نقطة تحول في العلاقات الأميركية - الإيرانية الممتدة منذ 47 عاماً، أبدى شكوكاً واضحة، قائلاً: «مجرد توقيع مذكرة تفاهم لا يعني بالضرورة إحلال السلام والأخوة بين الولايات المتحدة وإيران».

ويشير إلى أن انعدام الثقة لا يزال عميقاً لدى الطرفين، سواء داخل النظام الإيراني أو بين المتشددين في واشنطن والكونغرس. كما يلفت إلى أن المذكرة ليست معاهدة، ولا تحمل أي صفة قانونية ملزمة، ما يجعل استمراريتها مرتبطة إلى حد كبير ببقاء ترمب في السلطة.

ورغم الطابع التاريخي للاتفاق، باعتباره أول تفاهم يأتي بعد عمليات عسكرية أميركية داخل إيران، لا ترى سترول أنه «سيغير قواعد اللعبة بعد»، بل تصفه بأنه «فصل جديد في تاريخ طويل جداً»، محذرة من أن طموحات إيران الإقليمية لم تتغير، وأن الوثيقة لا تفرض عليها أي تغيير في سلوكها الداخلي أو الخارجي.

إيراني يمر أمام صورة للمرشد مجتبى خامنئي في طهران غداة توقيع اتفاق إنهاء الحرب مع الولايات المتحدة (إ.ب.أ)

«خطة مارشال»؟

أما صندوق إعادة إعمار إيران، المقترح بقيمة لا تقل عن 300 مليار دولار، فتصفه سترول بأنه «قد يكون أشبه بخطة مارشال لإيران»، لكنها تؤكد أنه لا يزال حتى الآن «مجرد وعد من دون تمويل واضح أو التزامات تنفيذية».

وتتساءل: إذا حصلت إيران على هذه الأموال، فهل ستستخدمها لإعادة بناء اقتصادها الداخلي، أم لإحياء ترسانتها الصاروخية وبرامجها النووية وشبكاتها الوكيلة؟

وتربط ريدي مصير هذا الصندوق بالتوصل إلى اتفاق نووي نهائي، مشيرة إلى أن المؤشرات لا تزال ضعيفة بشأن استعداد طهران للتراجع في ملفين أساسيين: مصير مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، وحقها في مواصلة التخصيب داخل أراضيها.

كما تلفت إلى أن مصدر تمويل الصندوق لا يزال غامضاً، خصوصاً بعدما أكدت إدارة ترمب أن الأموال الأميركية لن تُستخدم، في وقت أشار فيه مسؤول سعودي رفيع أخيراً إلى أن الرياض لا تخطط للمساهمة قبل استعادة الثقة مع إيران بعد الهجمات التي طالت دول الخليج.

وتحذر ريدي من أن طهران قد تسعى إلى توظيف أي أموال تحصل عليها لإعادة بناء برامجها الصاروخية والمسيرات واستئناف تمويل شبكتها من الوكلاء، ما لم تفرض رقابة صارمة على كيفية استخدامها.

ويتفق كوهين مع هذا التقدير، معتبراً أن طبيعة الصندوق لا تتحدد بحجمه، بل بكيفية إنفاقه. ويقول: «قد يكون خطة مارشال إذا استُخدم سلمياً»، لكنه يعبر عن قلقه من «ميل (الحرس الثوري) إلى تحويل الأموال إلى غايات أخرى».

وفي الملف اللبناني، ترى ريدي أن السؤال الأهم الذي لا يزال بلا جواب هو ما إذا كان الجيش اللبناني قادراً على نزع سلاح «حزب الله» بما يكفي لتلبية المخاوف الأمنية الإسرائيلية، وهي مهمة قد تصبح أكثر تعقيداً إذا استخدمت إيران الأموال الناتجة عن الاتفاق لإعادة تمويل الحزب.

وعن احتمال وجود تفاهمات غير معلنة موازية للمذكرة، تقول ريدي إن مسودات عدة جرى تداولها قبل النص النهائي، مرجحة أن تبقى القنوات الدبلوماسية ناشطة بعيداً من الأضواء.

ويشاركها كوهين هذا الرأي، قائلاً إن «هناك نقاشات كثيرة دارت داخل غرفة المفاوضات لم تُذكر في بنود مذكرة التفاهم»، لكنه يرفض التكهن بمضمونها.

أما سترول فلا تستبعد ذلك إطلاقاً، وتختصر الأمر بالقول: «لا شيء يفاجئني».


مقالات ذات صلة

تقرير: خبراء من «الحرس الثوري» زاروا باب المندب لتركيب رادارات

العالم العربي سفينة تجارية بالقرب من مضيق باب المندب (أ.ف.ب) p-circle

تقرير: خبراء من «الحرس الثوري» زاروا باب المندب لتركيب رادارات

زار خبراء من «الحرس الثوري» الإيراني منطقة باب المندب لدرس تركيب رادارات قربها والإشراف على أعمال حفر أنفاق في التلال الجبلية المطلة عليها.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شؤون إقليمية القوات الأميركية قالت إنها ساعدت أكثر من 2000 سفينة تجارية على عبور مضيق هرمز (سنتكوم)

«سنتكوم»: عبور أكثر من مليار برميل نفط في «هرمز»

قال قائد «سنتكوم» إن القوات الأميركية سهّلت عبور أكثر من مليار برميل من النفط الخام عبر المضيق خلال الشهرَين الماضيَين.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
شؤون إقليمية أرشيفية لقارب حربي إيراني لـ«الحرس الثوري» خلال مناورة عسكرية في مضيق هرمز (إ.ب.أ)

«الحرس الثوري» يصعّد لهجة تهديداته للسفن في «هرمز»

في تطور جديد يعكس هشاشة الملاحة في أحد أهم الممرات البحرية العالمية، تعرضت ناقلة نفط لهجوم بمقذوف مجهول أثناء عبورها مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (لندن- طهران)
شؤون إقليمية ترمب يتحدث إلى الصحافيين في مطار شارلوت دوغلاس الدولي يوم 16 سبتمبر 2026 (أ.ب)

ترمب يلمّح إلى استئناف الهجمات على إيران

لوّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب مجدداً بالعودة إلى التصعيد العسكري ضد إيران، معلناً اقترابه من اتخاذ «قرار كبير» بشأن الحرب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية مسعود رجل إيراني فقد ابنه محمد طه في ضربة مدرسة ميناب في 28 فبراير يتفاعل عند المدرسة في إيران 27 أغسطس 2026 (رويترز)

بعثة أممية «تشتبه» بجرائم حرب أميركية في إيران

خلصت بعثة أممية إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بارتكاب أميركا جريمتي حرب في إيران، واتهمت طهران بارتكاب جرائم ضد الإنسانية.

«الشرق الأوسط»

الناتج الإجمالي المحلي في إيران يتراجع بأكثر من 10 % خلال الحرب

عناصر من الأمن الإيراني في طهران (إ.ب.أ)
عناصر من الأمن الإيراني في طهران (إ.ب.أ)
TT

الناتج الإجمالي المحلي في إيران يتراجع بأكثر من 10 % خلال الحرب

عناصر من الأمن الإيراني في طهران (إ.ب.أ)
عناصر من الأمن الإيراني في طهران (إ.ب.أ)

انكمش الناتج المحلي الإجمالي لإيران بنسبة 10.1 في المائة على أساس سنوي خلال الربع الأول من التقويم الفارسي، وهي الفترة التي تعرضت فيها البلاد للقصف من إسرائيل والولايات المتحدة، وفق أرقام رسمية نُشرت اليوم (الأحد).

وخلال هذه الفترة الممتدة من أواخر مارس (آذار) إلى أواخر يونيو (حزيران)، تراجع الناتج المحلي الإجمالي «بنسبة 10.1 في المائة مع احتساب قطاع النفط»، بحسب مركز الإحصاء الإيراني (وهو هيئة رسمية)، علماً بأن اقتصاد البلاد يعتمد بشكل أساسي على صادرات المحروقات.


وثيقة روسية تكشف تعاوناً مع إيران لتجاوز العقوبات


الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ونظيره الروسي فلاديمير بوتين خلال جلسة على هامش قمة «بريكس» (إ.ب.أ)
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ونظيره الروسي فلاديمير بوتين خلال جلسة على هامش قمة «بريكس» (إ.ب.أ)
TT

وثيقة روسية تكشف تعاوناً مع إيران لتجاوز العقوبات


الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ونظيره الروسي فلاديمير بوتين خلال جلسة على هامش قمة «بريكس» (إ.ب.أ)
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ونظيره الروسي فلاديمير بوتين خلال جلسة على هامش قمة «بريكس» (إ.ب.أ)

كشفت وثيقة رسمية روسية عن خطة موسعة أعدتها موسكو لتعميق تعاونها مع إيران في عدد من القطاعات الحيوية، بينها الطاقة والبرنامج النووي والطيران والنقل والتمويل، بما في ذلك إنشاء قنوات مالية بديلة واستخدام العملات الوطنية في التعاملات، في خطوات قالت شبكة «فوكس نيوز» الأميركية إنها تهدف، من بين أمور أخرى، إلى الالتفاف على العقوبات الأميركية المفروضة على البلدين.

وأوضحت الوثيقة أن الخطة، التي أُعدت في سبتمبر (أيلول) 2024 للفترة الممتدة بين عامي 2024 و2026، تضمنت مشاريع لتعزيز التعاون النووي مع طهران، إلى جانب دراسة إمكانية تصنيع مكونات وقطع غيار للطائرات الروسية داخل إيران، فضلاً عن تنفيذ مشاريع مشتركة في قطاعي النفط والغاز.

وبحسب الوثيقة، وضعت موسكو وطهران برنامجاً واسعاً لتعميق التعاون في مجالات التمويل والطاقة النووية والطاقة والطيران والنقل. ويتضمن البرنامج إنشاء قنوات مالية بديلة، وزيادة الاعتماد على العملات الوطنية في التعاملات التجارية، إلى جانب تعزيز التعاون في المجال النووي، كما نصت الخطة على مواصلة شركة «روساتوم» الروسية تشغيل محطة بوشهر النووية في إيران، إضافة إلى تطوير مشاريع في قطاعي النفط والغاز.

وفي مجال الطيران، تناولت الوثيقة إمكانية إنتاج قطع غيار ومكونات للطائرات الروسية داخل إيران، في خطوة من شأنها توسيع نطاق التعاون الصناعي بين البلدين.

ولا يقتصر التعاون المقترح على الطاقة والصناعة، إذ أظهرت الوثيقة وجود خطط في مجال النقل والبنية التحتية، بينها اقتراح إنشاء خط للسكك الحديدية يمتد من الحدود الإيرانية مع جمهورية أذربيجان وصولاً إلى موانئ الخليج العربي. ومن غير الواضح، حتى الآن، أي من هذه المشاريع لا يزال قيد التنفيذ، أو ما إذا كانت الحرب الحالية والتطورات الإقليمية والدولية قد أدت إلى تعديل خطط موسكو وطهران التي وردت في الوثيقة.

وتحتفظ روسيا بعلاقات وثيقة مع إيران منذ سنوات، إلا أن التعاون بين البلدين تعزز بصورة ملحوظة منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا. وكانت تقارير أميركية قد تحدثت عن دعم إيراني لروسيا عبر تزويدها بطائرات مسيّرة، وهو ما نفته السلطات الإيرانية بصورة قاطعة. ومع استمرار الضغوط الأميركية على طهران، تعززت كذلك الاتصالات بين موسكو وإيران، وسط تقارير أفادت بتقديم روسيا مساعدة إلى طهران في مجال تصنيع صواريخ «كروز».

وتأتي هذه التحركات في وقت تواصل فيه واشنطن تشديد ضغوطها الاقتصادية على إيران، الأمر الذي يجعل التعاون المالي والتجاري بين موسكو وطهران موضع اهتمام متزايد، خصوصاً في ما يتعلق بالبحث عن آليات للتعامل خارج القنوات التي تخضع للعقوبات الأميركية.

وفي إطار توطيد العلاقات بين البلدين، وقعت روسيا وإيران العام الماضي معاهدة «الشراكة الاستراتيجية الشاملة»، التي تمتد لـ20 عاماً، مع إمكانية تمديدها تلقائياً.

وتتكون المعاهدة من 47 مادة تغطي مجموعة واسعة من المجالات، من بينها التعاون الدبلوماسي والعسكري والأمني، ومكافحة الإرهاب، والتكنولوجيا والأمن السيبراني، إلى جانب القضايا البيئية.

وتؤكد المعاهدة، في جانب منها، احترام سيادة كل طرف، وعدم استخدام أراضي أي من البلدين في أنشطة من شأنها الإضرار بالطرف الآخر، بما يعكس رغبة موسكو وطهران في إضفاء إطار مؤسسي طويل الأمد على علاقاتهما المتنامية.


100 مفكر إسرائيلي كبير يحذرون من «انهيار داخلي»

صبي إسرائيلي يحمل لعبة على هيئة بندقية في مدينة الخليل بالضفة الغربية المحتلة في مارس 2024 (أ.ف.ب)
صبي إسرائيلي يحمل لعبة على هيئة بندقية في مدينة الخليل بالضفة الغربية المحتلة في مارس 2024 (أ.ف.ب)
TT

100 مفكر إسرائيلي كبير يحذرون من «انهيار داخلي»

صبي إسرائيلي يحمل لعبة على هيئة بندقية في مدينة الخليل بالضفة الغربية المحتلة في مارس 2024 (أ.ف.ب)
صبي إسرائيلي يحمل لعبة على هيئة بندقية في مدينة الخليل بالضفة الغربية المحتلة في مارس 2024 (أ.ف.ب)

حذّرت 100 شخصية من كبار المفكرين والباحثين والمسؤولين السابقين من أن إسرائيل تواجه أحد خيارين حاسمين؛ إما أن تكون «قوة عظمى ناجحة أو تنهار». وقدروا أنها اليوم «كفيلة بأن تصبح قوة عظمى، لكن أساساتها صدئة».

وجاءت التوصيات في إطار بحث معمق أجرته المؤسسة غير الحزبية، التي تعنى عادة بتصميم استراتيجية الخارجية والأمن. وأفادت صحيفة «معاريف»، الأحد، بأن «بحثاً أجرته المؤسسة مؤخراً طرح خطراً من نوع آخر، خطراً وجودياً من الداخل، إضافة إلى التهديدات الأمنية».

وبحسب أفنير غولوب، نائب رئيس مؤسسة «عقل إسرائيل» (Mind Israel): «إذا لم نعالج هذه الأساسات، فلن نفقد أن نكون قوة عظمى وحسب، بل إن كل المبنى سينهار». واقترحوا إحداث تغيير في العلاقات الإقليمية.

وقد شارك في البحث 100 خبير، وصاغوا 6 مسائل حرجة تحتاج إلى حسم مهم وفوري، وقال رئيس المؤسسة، اللواء احتياط عاموس يدلين، إنهم ينوون عرضها على الجمهور قبل الانتخابات (نهاية أكتوبر - تشرين الأول المقبل)، وإنه يجدر استنباط أسئلة منها لطرحها على قادة الأحزاب. وحدّدها في «المكانة الإقليمية لإسرائيل، جودة رأس المال البشري، العلاقات المتبادلة بين الاقتصاد والأمن، الحوكمة والمناعة القومية، التغييرات الديمغرافية في البلاد، العلاقات بيننا وبين الولايات المتحدة».

اتساع الخلاف في المصالح السياسية بين ترمب ونتنياهو (أ.ف.ب)

وقدّم غولوب هذا البحث قائلاً: «راجعنا الأدبيات، ورأينا أن الحضارات لا تصفى من الخارج، بل تنتحر. لم تحتل أي حضارة من الخارج حين تكون قوية. بل سياقات داخلية تحصل لها، تفككها. وغير مرة يأتي من الخارج ما هو بمثابة المسمار الأخير في نعشها. الوصفة لدمار الحضارة تتضمن تآكلاً في وحدة الصف الاجتماعية، ومسّاً بالثقة بمؤسسات الدولة، وتفضيلاً للربح السياسي قصير المدى على الربح القومي بعيد المدى، وجموداً فكرياً يصعب معه التكيف. هذه الوصفة يجب أن تقلق كل إسرائيلي. نحن ننشغل بالخارجية والأمن، لكن نتيجة الحديث الداخلي الذي يجري أمام ناظرينا ستتضرر، وهذا ما نحن نريد، ونحاول منعه».

رأيان متناقضان

وشرح غولوب: «في البحث، التقينا بمجموعتين: واحدة تقول: إسرائيل نجحت في الاختبار الأصعب، وبالتالي المستقبل أكثر وردية؛ صمدنا في وباء عالمي (كورونا)، في صدمة اجتماعية (خطة الحكومة للانقلاب على منظومة الحكم والقضاء)، في 7 أكتوبر وفي كل ما حصل بعدها. ومع ذلك، الاقتصاد لم ينهر، تكنولوجيتنا رائدة، النظام الاقتصادي يزدهر. مجتمعياً يساعد أحدنا الآخر، وأمنياً نحن في ذروة قوتنا، تماماً ليس قبيل التفكك». بمعنى أن إسرائيل في الطريق لأن تكون قوة عظمى.

أما المجموعة الثانية، بحسب الباحث الإسرائيلي، فتقول الأمر المعاكس: «مسيرة الانهيار بدأت منذ الآن. نحن على شفا هوة بسبب أزمة هوية. يوجد فقدان حوكمة، توجد حالة طوارئ سياسية. هم يدعون أننا في واقع الأمر في بداية مسيرة دومينو، نهايتها الانهيار. فمن المحق؟ الطرفان محقان برأينا. وعليه، توجد فرص تاريخية، وهذا بالضبط السبب الذي يجعلنا ملزمين بأن نعالج أساساتنا الصدئة».

وفي ردّ على السؤال: ماذا تريدون أن يفعل الجمهور بهذه الأسئلة؟ أجاب: «نحن نقول للناس: لا تكتفوا بمسألة من سيجلس مع من، ومن ضد من في الحكومة. اسألوا الزعماء ما هي خططكم في هذه المواضيع؟ طالبوا بإجابات. نحن ملزمون بأن نحسم معاً؛ إلى أين وجهتنا؟ وكيف سيبدو مستقبل أبنائنا وأحفادنا؟ يجب أن نعمل فوراً في المائة يوم الأولى، إذ ما لا يفعل في هذه المائة يوم سيكون صعباً جداً فعله بعد ذلك. ولهذا نحن نعرض الأسئلة الآن».

جنود إسرائيليون من كتيبة «نيتسح يهودا» خلال حفل أداء القسم في نهاية تدريبهم العسكري عندما يتلقى الخريجون بندقية هجومية وكتاباً مقدساً (تناخ) عند الحائط الغربي في البلدة القديمة في القدس 10 يوليو 2024 (إ.ب.أ)

ويتابع: «ينبغي أن نفهم أن لا أحد ينتظر دولة إسرائيل. إيران تواصل تخطيط طوق النار حول إسرائيل، تركيا تموضع نفسها كقوة عظمى إقليمية مناهضة لإسرائيل. دول تبني قدرات تكنولوجية، وكذا في العالم بكل وسيلة يجدون بدائل لإسرائيل. نحن ملزمون بأن نبدأ المسيرة الآن ونطور سياسة (الجدار الحديدي) التقليدية. اعتدنا على التفكير بأن أعداءنا يتفجرون على الجدار الذي نبنيه. في 7 أكتوبر فهم شعب إسرائيل بأنه لا يمكن انتظار أعدائنا على الجدار، إذ إنهم يتعاظمون خلفه. ينبغي الانتقال إلى فكرة (الجدار الحديدي 2)، لنبدأ بتصميم الواقع الذي في الجانب الآخر من الجدار. لا يزال ينبغي للجدار أن يكون قوياً، لكن لا يمكن التمسك بهذا فقط. ينبغي أن نبدأ بالمراهنة على أماكن أخرى».

ودعا إلى التوقف عن «الاعتماد فقط على صديقتنا الطيبة، الولايات المتحدة؛ اعتدنا على التفكير بأن المنطقة هي مجال معادٍ، وأن الطريق للتصدي له هي أن نبني الجدران. أما اليوم، فإلى جانب الجدران نحتاج إلى الجسور».