باريس تعارض جذرياً استهداف البنى التحتية المدنية في إيران

وزير الخارجية الفرنسي يحذر من تصعيد إقليمي في الحرب ضد إيران «من غير حدود»

أضرار لحقت بالممتلكات بسبب غارات على مدينة بارديس بمحافظة طهران في إيران يوم 7 أبريل (رويترز)
أضرار لحقت بالممتلكات بسبب غارات على مدينة بارديس بمحافظة طهران في إيران يوم 7 أبريل (رويترز)
TT

باريس تعارض جذرياً استهداف البنى التحتية المدنية في إيران

أضرار لحقت بالممتلكات بسبب غارات على مدينة بارديس بمحافظة طهران في إيران يوم 7 أبريل (رويترز)
أضرار لحقت بالممتلكات بسبب غارات على مدينة بارديس بمحافظة طهران في إيران يوم 7 أبريل (رويترز)

تعيش الدول الأوروبية على هامش الحرب الدائرة، بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وبين إيران من جهة ثانية. وجاء رفضها الجماعي الاستجابة لطلبات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي حضّها على الانخراط في إعادة فتح مضيق هرمز، ليضاعف تهميشها ولتصيبها شظايا الهجمات الحادة التي قام بها على الحلف الأطلسي، الذي تنتمي إليه غالبية الدول الأوروبية.

صورة مأخوذة من شريط فيديو لقصف جسر كرج غرب طهران (أ.ف.ب)

كذلك، ساهم رفض دول كبريطانيا وفرنسا وإسبانيا السماح للطائرات الأميركية اجتياز أجوائها في مضاعفة غيظ ترمب، الذي يلوح بتخليه عن الناتو وترك الأوروبيين يواجهون وحدهم الحرب في أوكرانيا وما يعدّونه التهديدات الروسية للقارة القديمة. ورغم ذلك، ما زالت هناك دول أوروبية ترفض الانصياع للخطط الأميركية (والإسرائيلية) بخصوص إيران. ورغم تسارع العدّ العكسي للمهلة (النهائية) التي أعطاها ترمب للسلطات الإيرانية لفتح مضيق هرمز مجدداً أمام الملاحة الدولية، أو توقيع اتفاق يسعى لفرضه على طهران متضمناً الشروط الأميركية، وتهديدها، في حال الامتناع، باستهداف محطات الطاقة وتدمير جميع الجسور، بل «موت حضارة كاملة لن تعود أبداً»، ما زالت تُسمع، أوروبياً، أصوات ترفض خطط ترمب وتشكك بنجاح سياسته وتطرح مقاربة مختلفة جذرياً عن سياسته.

بارو: نعارض استهداف البنى التحتية المدنية

وفي هذا السياق، تندرج التحذيرات التي أطلقها جان نويل بارو، وزير الخارجية الفرنسي، الثلاثاء، في مقابلة مع القناة الإخبارية «فرنس إنفو»، وفيها وجّه مجموعة من الرسائل إلى الإدارة الأميركية، أولاها أن باريس «تعارض أي ضربات تستهدف البنية التحتية المدنية» في إيران، كما في أوكرانيا، مذكراً أن بلاده «ندّدت مراراً وتكراراً بالضربات التي شنّها فلاديمير بوتين على منشآت الطاقة» الأوكرانية.

يعرب الوزير الفرنسي عن قلق باريس من برنامج إيران النووي الذي يرى فيه «تهديداً للمنطقة ولمصالح فرنسا الأمنية» (أ.ف.ب)

وبذلك، سعى بارو لإثبات أن بلاده لا تزن بميزانين، أو تكيل بمكيالين. وأضاف بارو أن فرنسا تعارض استهداف منشآت الطاقة والبنى التحتية المدنية لسببين: الأول، لأنها «محظورة بموجب قواعد الحرب والقانون الدولي». والثاني لأنها «قد تفتح على الأرجح مرحلة جديدة من التصعيد والردود الانتقامية التي قد تُدخل المنطقة والاقتصاد العالمي في حلقة مفرغة مقلقة للغاية، وستكون مضرّة بشكل خاص بمصالحنا». وبنظره، فإن استهداف منشآت الطاقة سيفضي إلى «ردود فعل إيرانية انتقامية ستزيد تفاقم وضع مقلق أصلاً».

يوم الأحد الماضي، اتصل بارو بنظيره الإيراني عباس عراقجي. واللافت أن وزارة الخارجية الفرنسية عتمت كلياً على الاتصال، رغم إصرار الإعلام، ولم تفصح عن مضمونه. ولم تكن المرة الأولى التي يتواصل فيها الوزيران منذ اندلاع الحرب نهاية فبراير (شباط) الماضي، كما أن الرئيس إيمانويل ماكرون اتصل قبل أيام قليلة بنظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

وبعد ظهر الثلاثاء، فهم سبب التعتيم، إذ أعلن بارو، في تغريدة على منصة «إكس»، أن الرهينتين الفرنسيتين سيسيل كوهلر وجاك باريس، اللذين كانا يقيمان في مقر السفارة الفرنسية في طهران أصبحا حرّين تماماً ونهائياً وخرجا من الأراضي الإيرانية. وكانت السلطات الإيرانية سمحت لهما الخريف الماضي بالخروج من السجن حيث اعتقلا فيه منذ 4 سنوات، وصدرت بحقّهما أحكام مشددة للغاية. وكشف عراقجي سابقاً أن مفاوضات تجري بين باريس وطهران لمبادلة كوهلر وباريس بالإيرانية مهدية إسفندرياري، التي صدر بحقّها حكم مخفف، وسمح لها بمغادرة السجن والإقامة في السفارة الإيرانية في باريس.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً بمناسبة اجتماع في البيت الأبيض يوم 3 مارس الماضي (د.ب.أ)

لا لفتح باب المندب بالقوة

ثمة رسالة ثانية لا تقل أهمية، شدّد عليها بارو في مقابلته المذكورة، وعنوانها المخاطر المحدقة بالمدنيين بسبب الحرب، والإضرار بالاقتصاد العالمي، وهو ما تظهره الدراسات الاقتصادية التي نشرت في الأسابيع الأخيرة. ولا يستبعد الوزير الفرنسي «احتمال حدوث تصعيد إقليمي واسع النطاق دون حدود، وهو ما قد يؤدي إلى مخاطر جسيمة، يجب علينا تفاديها بأي ثمن». بيد أن الوزير الفرنسي لا يتبنى المقاربة الإيرانية، إذ يرى أنه لا حلّ لأزمة في إيران «إلا إذا قرّر النظام الإيراني تقديم تنازلات كبيرة وإحداث تغيير جذري في موقفه، بما يسمح لإيران بالعيش بشكل سلمي في محيطها الإقليمي، ويمنح الشعب الإيراني مفاتيح بناء مستقبله بنفسه».

تنظر باريس بكثير من القلق لقيام القوات الأميركية بعملية عسكرية برية في إيران، كاحتلال جزيرة في مياه الخليج (كجزيرة خرج)، أو محاولة الاستحواذ على كميات اليورانيوم عالي التخصيب، الذي يعتقد أنه واقع تحت أطنان من الركام في موقع أصفهان النووي. وبرأيه أن نجاح القوات الأميركية في تنفيذ عملية عسكرية معقدة لاستعادة الطيارين الأميركيين اللذين هبطا بالمظلة، بعد أن أصيبت طائرتهما (إف 15 إيغل) في جنوب غربي إيران لا يعني أن عملية برية ستكون سهلة التنفيذ، إذ «من شأنها أن تُدخل الصراع في مرحلة جديدة شديدة الخطورة، وقد تعيد إلى الأذهان ذكريات مؤلمة (للقوات الأميركية)، سواء في العراق أو أفغانستان».

أضرار لحقت بالممتلكات بسبب غارات على مدينة بارديس بمحافظة طهران في إيران يوم 7 أبريل (رويترز)

وفي السياق عينه، جدّد بارو التأكيد على رفض بلاده السير في عملية عسكرية لتحرير الإبحار في مضيق هرمز بالقوة. وتجدر الإشارة إلى أن ماكرون كان أول من دعا إلى إقامة «تحالف دولي» ذي طابع «دفاعي محضّ لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، ولكن بعد أن تهدأ الأمور أو تتوقف الحرب». وفي أي حال، فإنه سيكون بالتوافق مع الدولتين اللتين تشرفان على المضيق، وهما عمان وإيران، ما يعني عملياً حصول مفاوضات وتفاهمات مع هذين البلدين.

وبحسب بارو، فإنه «من الوهم الاعتقاد بأننا سنتمكن من العودة بسرعة إلى حركة طبيعية للسفن (في مضيق هرمز) دون إنشاء نظام مرافقة وحماية». وتريد باريس، التي تعمل بالتنسيق مع لندن، على إطلاق «مهمة» بحرية شبيهة بمهمة «أسبيديس» الأوروبية، لحماية الإبحار ما بين قناة السويس ومضيق باب المندب، التي نجحت كما يؤكد باور في مواكبة 1600 باخرة خلال عامين، من خلال نشر قطع بحرية أوروبية في مياه البحر الأحمر. ومع تواصل ارتفاع أسعار النفط، ومعها مشتقاته، فإن العالم كله لا يرى بديلاً عن ذلك سوى عودة النفط والغاز إلى الأسواق العالمية.

التخلص من التبعية

يعرب الوزير الفرنسي عن قلق باريس من برنامج إيران النووي، الذي يرى فيه «تهديداً للمنطقة ولمصالح فرنسا (وأوروبا) الأمنية». بيد أنه يعارض الطريقة الأميركية ــ الإسرائيلية لوقفه عن طريق الحرب، وهو يرى أن «العمليات البرية لمعالجة هذه المشكلة تنطوي على مخاطر تفوق فوائدها المحتملة». أما الحلّ فإنه «يكمن في التفاوض، وفي وضع إطار صارم ودقيق، يمنع النظام الإيراني من تطوير سلاح نووي»، في تلميح لاتفاق عام 2015، الذي كانت فرنسا طرفاً في التوصل إليه.

إلا أن خروج واشنطن منه فاقم الأمور، ودفع إيران لانتهاك بنوده تدريجياً حتى التوصل إلى تخصيب اليورانيوم بنسبة 60 في المائة القريبة من الاستخدامات العسكرية... وتدرك باريس، كما يقول بارو «المخاطر والتهديدات التي تمس مصالح فرنسا الأمنية، لكننا نرى أن هناك وسائل أخرى لاحتوائها، وعلى رأسها التفاوض والحوار الصارم والدقيق، تحت ضغط العقوبات».

صورة للفرنسيَّين سيسيل كولر وشريكها جاك باريس إلى جانب لافتة كُتب عليها «الحرية لسيسيل كولر وجاك باريس المحتجزَين تعسفياً في إيران لأكثر من عامين في ظروف مروعة» وذلك خارج قصر بوربون مقر الجمعية الوطنية الفرنسية (أ.ف.ب)

أما الخلاصة التي يستقيها الوزير الفرنسي من الحرب الدائرة لفرنسا ولأوروبا، فإنه مزدوجة: فمن جهة «دور أوروبا ليس خوض الحروب في كل أنحاء العالم، بل على العكس، أن تُظهر من خلال المثال الذي تقدمه (أي كونها قارة ديمقراطية يعيش فيها الناس بشكل جيد، بل أفضل من الولايات المتحدة أو الصين) أن هناك بديلاً لهيمنة الإمبراطوريات الجديدة». ومن جهة ثانية، أن يفضي الوضع الراهن إلى بروز «وعي أوروبي متزايد بأنه في عالم سيصبح أكثر اضطراباً وخطورة، فإن الاتحاد الأوروبي يمنحنا الوسيلة لحماية أنفسنا من تقلبات العالم وتفادي آثارها»، ومنها «ضرورة التخلص نهائياً من اعتمادنا على المحروقات... وإنهاء هذه التبعية التي تجعلنا عرضة بشكل غير مباشر لتداعيات حروب كهذه، حتى نكون أحراراً في اتخاذ قراراتنا، وأحراراً في العيش داخل أوروبا وفق النموذج الذي اخترناه، دون أن نُجرّ إلى حروب الآخرين».


مقالات ذات صلة

«العدالة الانتقالية» لملاحقة فادي صقر المتهم بجرائم حرب في سوريا

المشرق العربي متزعم ميليشيا الدفاع الوطني في عهد نظام الأسد فادي صقر (سوشيال ميديا)

«العدالة الانتقالية» لملاحقة فادي صقر المتهم بجرائم حرب في سوريا

نشرت صحيفة «الغارديان» البريطانية، اليوم، أن فادي صقر متهم بالتورط في عمليات قتل جماعي وإخفاء قسري للمدنيين، في حي التضامن ومناطق أخرى بدمشق.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي المتهم البالغ من العمر 48 عاماً يدخل «محكمة كوبلنز الإقليمية العليا» لمواجهة اتهامات بالقتل وارتكاب «جرائم ضد الإنسانية» (د.ب.أ)

محاكمة سوري في ألمانيا قتل 70 سجيناً تحت التعذيب بدمشق

يَمثل مواطن سوري (48 عاماً)، الاثنين، أمام محكمة في ألمانيا بتهم المسؤولية عن التعذيب، والاستجوابات الوحشية، وقتل عدد كبير من السجناء، في سوريا.

«الشرق الأوسط» ( كوبلنز (ألمانيا) - لندن)
المشرق العربي عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في منطقة درعا خلال حكم بشار الأسد في قفص الاتهام خلال جلسة محاكمة في قصر العدل بدمشق سوريا اليوم الأحد (أ.ب)

رفع جلسة المحاكمة العلنية لكبار رموز نظام الأسد إلى 10 مايو المقبل

حدَّدت محكمة الجنايات السورية موعد المحاكمة العلنية الثانية لكبار رموز نظام بشار الأسد يوم العاشر من شهر مايو (أيار) المقبل.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي العميد عاطف نجيب الذي شغل منصب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا (مواقع)

محاكمة قريبة لعاطف نجيب «جزار أطفال درعا»

كشف تقرير إعلامي، الخميس، أن محكمة الجنايات الرابعة ستباشر، الأحد المقبل، جلسات المحاكمة العلنية لرئيس فرع الأمن السياسي السابق في درعا عاطف نجيب

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية مبادرة فرنسية - بريطانية مشتركة لحماية الإبحار الآمن في مضيق هرمز: في الصورة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أمام مدخل قصر الإليزيه في باريس يوم 6 يناير الماضي (د.ب.أ) p-circle

جهود فرنسية - بريطانية مكثفة لضمان حرية الإبحار في «هرمز»

جهود فرنسية - بريطانية مكثفة لضمان حرية الإبحار في «هرمز» وقمة الجمعة برئاسة ماكرون وستارمر ومشاركة 35 مسؤولاً دولياً لإطلاق «المهمة» الجديدة.

ميشال أبونجم (باريس)

مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
TT

مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)

تبدو لحظة هرمز الراهنة أقل وضوحاً من أن تُقرأ بوصفها تهدئة صافية أو مقدمة مباشرة لانفجار عسكري جديد؛ فانسحاب الحاملة «فورد»، يتقاطع مع دعوة واشنطن إلى تشكيل تحالف بحري لفتح المضيق، ومع تلويح البيت الأبيض بخيارات عسكرية «سريعة وقوية»، في وقت يصرّ فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحصار البحري أكثر فاعلية من القصف، ويطالب إيران بـ«الاستسلام الآن».

في المقابل، تردّ طهران بخطاب مزدوج: رفض قانوني وسياسي للحصار بوصفه «محكوماً بالفشل»، وتحذير عسكري من أن أي ضربة أميركية، ولو محدودة، ستفتح صراعاً طويلاً ومؤلماً ضد القوات الأميركية في المنطقة، وفق ما يرى محللون.

لذلك، لا يبدو المشهد انتقالاً من الحرب إلى السلم، بل انتقالاً إلى طور أكثر تعقيداً، وهو تفاوض تحت الحصار، وردع تحت التهديد، ومحاولة من كل طرف لإقناع الآخر بأنه يملك النفس الأطول، مما يضع مضيق هرمز بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل.

«فورد» انسحاب أم إعادة تموضع؟

حاملة الطائرات الأميركية الأكبر في العالم «جيرالد فورد» تبحر بجانب سفينة إمداد (أرشيفية - رويترز)

يمنح تضارب الأنباء حول سحب الحاملة «فورد» مساحة واسعة للتأويل السياسي؛ فهناك من يقرأ الخطوة كإشارة إلى خفض التصعيد أو تقليص احتمالات استئناف العمليات الكبرى، فيما يراها آخرون مناورة ضمن إدارة المهلة الدستورية والسياسية المتاحة أمام ترمب.

لكن تقدير باتريك كلاوسون، مدير برنامج إيران في معهد واشنطن، في حديث مع «الشرق الأوسط»، يضع المسألة في إطار أكثر برودة: «فورد» كان عليها أن تغادر، بعدما طال انتشارها أكثر مما هو مألوف لحاملة طائرات، وربما كان من أطول الانتشارات، وطاقمها يحتاج إلى الراحة.

الأهم في كلامه أن انسحابها لا يعني بالضرورة تراجع القدرة الأميركية؛ فالقوات المتبقية، وفق تقديره، «أكثر من كافية» لفرض الحصار، خصوصاً أن المهمة تعتمد بدرجة كبيرة على الاستخبارات والمسيّرات لتحديد السفن، ثم استخدام المروحيات وفرق الصعود عند الحاجة.

بهذا المعنى، قد يكون خروج الحاملة أقل أهمية من البنية العملياتية التي تُبقي الحصار قائماً.

فالحصار لا يحتاج دائماً إلى مظاهر القوة الكبرى نفسها التي تحتاج إليها حملة جوية شاملة. يكفي أن تقتنع شركات الشحن بأن المرور صار مخاطرة غير محسوبة، وأن تدرك إيران أن واشنطن قادرة على منع صادراتها ووارداتها البحرية من دون العودة فوراً إلى نمط القصف الواسع.

حرب استنزاف بلا إعلان حرب

يرى كلاوسون أن التصعيد «انحسر»؛ لأن الطرفين دخلا فيما يشبه الحصار الطويل؛ فلا واشنطن تريد استئناف حرب كاملة، ولا طهران أظهرت استعداداً لتسوية سريعة. وبينهما، تراجعت فرص المبادرات الوسطية، بما فيها مقترحات باكستان والصين، لأن كلاً من الطرفين يعتقد أنه قادر على الصمود أكثر من الآخر.

هذا هو جوهر المرحلة: الولايات المتحدة تراهن على ضغط اقتصادي وبحري وسياسي متراكم يجبر إيران على إبداء مرونة في الملف النووي. وفي المقابل، إيران تراهن على عامل الوقت، وعلى خوف الأسواق من إغلاق هرمز، وعلى تردد الشركاء الدوليين في الانخراط عسكرياً إلى جانب واشنطن.

لذلك لا يصبح السؤال: هل انتهت الحرب؟ بل: هل دخلت الحرب شكلاً جديداً أقل ضجيجاً وأكثر إنهاكاً؟

ترمب نفسه عزز هذا الانطباع حين قال إن الحصار «أكثر فاعلية إلى حد ما من القصف»، وإنه مستعد للإبقاء عليه ومواصلة الحرب ما لم توافق إيران على عدم امتلاك سلاح نووي. ومن جانبه، يحذر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان من أن الحصار البحري سيزيد الاضطرابات في الخليج، ولن يعزز الأمن الإقليمي، بل سيصبح مصدراً دائماً للتوتر.

الكونغرس ومهلة ترمب

ترمب خلال خطاب «حال الاتحاد» أمام الكونغرس يوم 24 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تكتسب المهلة الزمنية أهمية خاصة؛ لأنها تمنح كل خطوة عسكرية أو بحرية معناها السياسي الداخلي؛ فمع اقتراب نهاية مهلة الـ60 يوماً، في 1 مايو (أيار)، يصبح ترمب أمام خيارات حساسة: تمديد إضافي محدود، أو طلب غطاء من الكونغرس، أو استخدام الضغط العسكري قبل أن تتحول القيود القانونية والسياسية إلى عبء على قراره.

من هنا يمكن فهم تسريب موقع «أكسيوس» الإخباري عن إحاطة عسكرية يقدمها قائد القيادة المركزية، الأدميرال براد كوبر، للرئيس بمشاركة رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين.

فالإحاطة لا تعني بالضرورة أن الضربة وشيكة، لكنها تعني أن البيت الأبيض يريد إبقاء الخيار العسكري حياً على الطاولة، خصوصاً إذا لم يؤد الحصار إلى تنازلات إيرانية سريعة.

وتشير التسريبات إلى خطط عدة، منها: موجة ضربات «قصيرة وقوية»، قد تشمل بنى تحتية، وعملية للسيطرة على أجزاء من مضيق هرمز لإعادة فتحه أمام الملاحة، وربما عملية خاصة لتأمين مخزون إيران من اليورانيوم العالي التخصيب. هذه الخيارات تبدو مختلفة في طبيعتها، لكنها تخدم هدفاً واحداً، وهو كسر الجمود التفاوضي وإقناع طهران بأن انتظار انتهاء المهلة الأميركية ليس استراتيجية مضمونة.

«تحالف هرمز»

في موازاة الضغط العسكري، تتحرك واشنطن دبلوماسياً عبر طرح تشكيل تحالف دولي بحري يهدف إلى استئناف حركة الملاحة في المضيق.

ووفق البرقية الدبلوماسية التي أوردتها صحيفة «وول ستريت جورنال»، تريد الإدارة من الدول الأخرى مشاركة المعلومات، والتنسيق دبلوماسياً، وربما المشاركة عسكرياً، مع قيام وزارة الخارجية بدور مركز العمليات الدبلوماسية، وتوفير «سنتكوم» الوعي البحري اللحظي والتنسيق بين الجيوش الشريكة.

لكن هذا التحالف يكشف عن مفارقة في موقف ترمب؛ فهو من جهة ينتقد الأوروبيين وحلف «الناتو» لأنهم لم يساعدوا واشنطن وإسرائيل خلال الحرب، بل وصل به الأمر إلى القول إن على الأوروبيين أن يذهبوا بأنفسهم إلى المضيق و«يأخذوه».

ومن جهة أخرى، تعود واشنطن الآن إلى طلب مشاركة دولية؛ لأن فتح هرمز وإدارته لا يمكن أن يكونا عبئاً أميركياً منفرداً من دون كلفة سياسية وعسكرية واقتصادية عالية.

التحالف، إذن، ليس فقط أداة بحرية، بل هو محاولة لتدويل الضغط على إيران وتوزيع المسؤولية عن أمن الطاقة، وإظهار أن طهران لا تواجه واشنطن وحدها، بل شبكة مصالح عالمية متضررة من تعطيل المضيق.

طهران لإدارة هرمز بدل فتحه

زورق يحمل مشاة بحرية «الحرس الثوري» الإيراني بجوار سفينة احتجزت في أثناء عبورها مضيق هرمز (أ.ف.ب)

الخطاب الإيراني المقابل لا يوحي باستعداد للتراجع السريع؛ فالمرشد الإيراني مجتبى خامنئي يتحدث عن «فصل جديد» في الخليج ومضيق هرمز، وعن مصير مشترك مع الجيران، لكنه يقرن ذلك برفض الوجود الأميركي، وبالقول إن مكان الأميركيين في الخليج هو «في قاع مياهه».

أما رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف فيقدم «إدارة» إيران للمضيق بوصفها طريقاً إلى مستقبل خالٍ من التدخل الأميركي.

هذا الخطاب يستهدف جمهورَين في آن واحد. داخلياً، يحاول النظام تقديم الحصار لا بوصفه خنقاً لإيران بل فرصة لإعادة تعريف ميزان القوة في الخليج بعد الحرب. وخارجياً، يوجّه رسالة إلى دول الخليج بأن أمنها ينبغي أن يدار إقليمياً لا أميركياً.

غير أن هذه الرسالة تصطدم بحقيقة أن تعطيل الملاحة وفرض رسوم أو شروط على العبور يهددان مصالح هذه الدول نفسها، ويزيدان اعتمادها على قوة خارجية قادرة على حماية الممرات.

الأخطر، وفق ما يرى محللون، هو تهديد قائد القوات الجوفضائية في «الحرس الثوري»، مجيد موسوي، بأن أي هجوم أميركي، حتى لو كان محدوداً، سيقابل بضربات طويلة ومؤلمة ضد المواقع الأميركية في المنطقة، مع إشارة مباشرة إلى السفن الحربية.

وهذا يعني أن ضربة أميركية «قصيرة» قد لا تبقى قصيرة إذا قررت طهران الرد عبر قواعد أو سفن أو وكلاء أو موجات صاروخية جديدة.

الخلاصة أن المشهد لا يعكس تراجعاً كاملاً للتصعيد العسكري، ولا اندفاعاً حتمياً إلى الحرب الشاملة، هو أقرب إلى إدارة تصعيد محسوبة داخل عملية تفاوضية بالقوة.

فواشنطن تضغط بحصار طويل، وتلوّح بضربة موجزة، وتبحث عن تحالف دولي، بينما طهران تراهن على الصمود، وتحوّل المضيق إلى ورقة سياسية، وتلوّح بتوسيع الألم إذا عادت الضربات.

قد يستمر هذا الوضع، كما يقول كلاوسون، لفترة طويلة، لكنه قد «ينفجر في وقت قصير». فكل طرف يعتقد أنه يملك قدرة تحمّل أكبر، وهذا تحديداً ما يجعل الأزمة خطرة، فالحروب لا تنفجر فقط عندما يقرر طرف الهجوم، بل عندما يسيء طرفان تقدير حدود صبر الآخر.


هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)

تكشف التطورات المرتبطة بالحرب الأخيرة على إيران عن فجوة متزايدة بين الأهداف المعلنة للعملية العسكرية وما تقول مصادر إسرائيلية وأميركية إنه كان الهدف الحقيقي للحرب، وفق ما ذكر موقع «واي نت» الإسرائيلي. فبحسب مسؤولين أمنيين واستخباراتيين، دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل المواجهة وهما تراهنان على إضعاف النظام الإيراني إلى حد تهديد بقائه، رغم نفي القيادتين السياسيتين في البلدين وجود خطة مباشرة لإسقاط الحكومة في طهران.

وتشير تسريبات ووثائق مرتبطة بعملية الحرب التي أُطلقت في 28 فبراير (شباط)، إلى أن النقاشات بين واشنطن وتل أبيب تجاوزت حدود الردع العسكري التقليدي، ووصلت إلى بحث سيناريوات تغيير النظام. كما تحدثت تقارير عن اجتماع في غرفة العمليات بالبيت الأبيض، جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قُدمت خلاله تصورات استخباراتية حول إمكانية إسقاط النظام الإيراني.

ونقل موقع «واي نت» عن مسؤول استخباراتي إسرائيلي رفيع المستوى قوله إن استهداف قيادات عليا وعناصر من قوات «الباسيج» الإيرانية لا يمكن تفسيره إلا في إطار محاولة إضعاف النظام من الداخل وتهيئة الظروف لاضطرابات سياسية واسعة.

استبعاد إسرائيل

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال فعالية في القدس 21 أبريل 2026 (رويترز)

لكن الرهان على انهيار النظام الإيراني لم يتحقق. ومع تراجع احتمالات إسقاط السلطة في طهران، بدأت الخلافات الأميركية - الإسرائيلية بالظهور إلى العلن، قبل أن تتخذ واشنطن خطوة اعتبرتها أوساط إسرائيلية «إقصاءً كاملاً» لتل أبيب من مسار المفاوضات اللاحقة مع إيران.

وبحسب مسؤولين إسرائيليين، لم تعد إسرائيل شريكاً فعلياً في مناقشات وقف الحرب أو شروط التسوية، كما لم تعد تتلقى معلومات كافية حول مسار الاتصالات الأميركية - الإيرانية. ويقول مسؤول أمني إسرائيلي إن «القرار أصبح بالكامل بيد الأميركيين، بينما لا تعرف إسرائيل حقيقة ما يجري أو إلى أين تتجه الأمور».

وترى دوائر إسرائيلية أن واشنطن كانت ستتعامل بصورة مختلفة مع تل أبيب لو نجحت خطة إضعاف النظام الإيراني أو إسقاطه، لكن فشل هذا السيناريو دفع الإدارة الأميركية إلى إعادة ترتيب أولوياتها بعيداً عن الرؤية الإسرائيلية.

وزاد من شعور إسرائيل بالعزلة خطاب رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، دان كين، عقب انتهاء العمليات، حين شكر حلفاء واشنطن في الخليج من دون أن يذكر إسرائيل ضمن قائمة الشركاء.

سيناريو ثالث لإنهاء الحرب

جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)

في ظل تعثر خيار الحسم العسكري الكامل، وتعقيد فرص التوصل إلى اتفاق شامل بين واشنطن وطهران، بدأ يتبلور ما تصفه مصادر إسرائيلية بـ«السيناريو الثالث»، وهو تثبيت حالة هدوء غير معلنة، من دون اتفاق نهائي أو عودة مباشرة إلى القتال.

ويقوم هذا السيناريو على أن يعلن كل طرف تحقيق أهدافه، بينما يستمر نوع من التهدئة المتبادلة في الخليج والمنطقة. ووفق هذا التصور، تواصل الولايات المتحدة ضغوطها السياسية والاقتصادية على إيران، في حين تحتفظ طهران ببرامجها الصاروخية وقدراتها النووية الأساسية، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة واسعة جديدة.

ويرى مسؤولون إسرائيليون، وفق ما ذكر موقع «واي نت»، أن هذا الخيار، رغم محدودية نتائجه، قد يكون أقل سوءاً من اتفاق شامل يمنح إيران مكاسب استراتيجية واقتصادية كبيرة. كما أنه يترك الباب مفتوحاً أمام استئناف العمليات العسكرية مستقبلاً إذا تغيرت الظروف.

لكن معارضين لهذا التوجه داخل إسرائيل يعتبرون أن العودة إلى سياسة «الجولات المؤقتة» تتناقض مع التعهدات التي أطلقتها القيادة الإسرائيلية بعد هجمات 7 أكتوبر (تشرين الأول)، والقائمة على منع تكرار الحروب الدورية المفتوحة.

أزمة الاتفاق النووي والصواريخ

مفاعل «بوشهر» النووي الإيراني (رويترز)

وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن المفاوضات الجارية تركز بصورة أساسية على البرنامج النووي الإيراني، بينما يغيب ملف الصواريخ الباليستية تقريباً عن الطاولة، بعدما رفضت طهران إدراجه ضمن أي تفاوض.

وبحسب المعلومات المتداولة في إسرائيل، فإن المقترحات المطروحة تتضمن تخلّي إيران عن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، سواء عبر تخفيض نسبة التخصيب أو نقل المواد إلى دولة أخرى تحت إشراف «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، مقابل رفع للعقوبات الاقتصادية.

كما يجري الحديث عن وقف طويل الأمد لعمليات التخصيب، وسط خلاف حول مدة الالتزام بين الطرح الأميركي والرؤية الإيرانية، مع دخول وسطاء إقليميين على خط البحث عن تسوية وسط.

غير أن السيناريو الذي يثير القلق الأكبر في إسرائيل يتمثل في احتمال التوصل إلى اتفاق محدود يقتصر على إنهاء الحرب وفتح الملاحة في مضيق هرمز، مقابل تعهدات إيرانية عامة بعدم تطوير سلاح نووي ورفع العقوبات الأميركية، على أن تُرحّل الملفات الأكثر تعقيداً إلى مفاوضات لاحقة.

وترى أوساط إسرائيلية أن مثل هذا الاتفاق سيمنح النظام الإيراني فرصة لالتقاط الأنفاس، واستعادة استقراره الاقتصادي والسياسي، وإعادة بناء نفوذه الإقليمي، بما في ذلك دعم حلفائه في المنطقة وعلى رأسهم «حزب الله».

وفي الوقت نفسه، تعتقد هذه الأوساط أن أي هجوم أميركي جديد، إذا وقع، سيكون على الأرجح محدوداً واستعراضياً أكثر منه حرباً شاملة، خصوصاً في ظل الضغوط المرتبطة بمخزون الصواريخ الاعتراضية لدى الولايات المتحدة وإسرائيل، ما يجعل احتمالات الحسم العسكري الكامل أقل واقعية من أي وقت مضى.


وزير الدفاع الإسرائيلي: «قد نضطر للتحرك مجدداً» ضد إيران

وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس ونظيره الأميركي بيت هيغسيث (قناة كاتس عبر «تلغرام»)
وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس ونظيره الأميركي بيت هيغسيث (قناة كاتس عبر «تلغرام»)
TT

وزير الدفاع الإسرائيلي: «قد نضطر للتحرك مجدداً» ضد إيران

وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس ونظيره الأميركي بيت هيغسيث (قناة كاتس عبر «تلغرام»)
وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس ونظيره الأميركي بيت هيغسيث (قناة كاتس عبر «تلغرام»)

قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الخميس، إن الدولة العبرية «قد تضطر للتحرك مجدداً» ضد إيران لضمان ألا تهدد طهران بلاده.

ورأى كاتس، في بيانٍ أصدره مكتبه، أن «الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بالتنسيق مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، يقود الجهود لتحقيق أهداف الحملة، لضمان أن إيران لن تُشكّل مجدداً في المستقبل تهديداً لإسرائيل والولايات المتحدة والعالم الحُر».

وتابع، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «نحن نُدعم هذا الجهد ونقدم الدعم اللازم، لكن من الممكن أن نضطر قريباً للتحرك مجدداً لضمان تحقيق هذه الأهداف».