واشنطن وطهران بين نافذة للدبلوماسية أم محطة أخيرة قبل الضربة؟

باحثون لـ«الشرق الأوسط»: النجاح يعتمد على تعريفه... تفادي الحرب ممكن وتغيير السلوك صعب

مروحية أميركية من طراز «بايف هوك إتش إتش 60 - ج» تستعد للهبوط على المدمرة «يو إس إس ماكفول» خلال عمليات طيران ليلية في الخليج العربي 30 يناير 2026 (البحرية الأميركية -أ.ف.ب)
مروحية أميركية من طراز «بايف هوك إتش إتش 60 - ج» تستعد للهبوط على المدمرة «يو إس إس ماكفول» خلال عمليات طيران ليلية في الخليج العربي 30 يناير 2026 (البحرية الأميركية -أ.ف.ب)
TT

واشنطن وطهران بين نافذة للدبلوماسية أم محطة أخيرة قبل الضربة؟

مروحية أميركية من طراز «بايف هوك إتش إتش 60 - ج» تستعد للهبوط على المدمرة «يو إس إس ماكفول» خلال عمليات طيران ليلية في الخليج العربي 30 يناير 2026 (البحرية الأميركية -أ.ف.ب)
مروحية أميركية من طراز «بايف هوك إتش إتش 60 - ج» تستعد للهبوط على المدمرة «يو إس إس ماكفول» خلال عمليات طيران ليلية في الخليج العربي 30 يناير 2026 (البحرية الأميركية -أ.ف.ب)

بينما تتجه الأنظار إلى اجتماع الجمعة في مسقط، تبدو الأزمة الأميركية – الإيرانية وكأنها تسير على حدّين متوازيين لا يلتقيان إلا نادراً: حافة الحرب وحافة التسوية. فالإشارات الصادرة من الجانبين لا تفيد بأن قرار المواجهة قد اتُّخذ، لكنها توحي في المقابل بأن الدبلوماسية لم تعد «مساراً طبيعياً»، بل باتت «اختباراً تحت الضغط»، تُدار مفاعيله على وقع استعراض القوة في البحر، والاشتباك على شروط الطاولة قبل الجلوس إليها.

في هذا السياق، جاءت حادثة إسقاط المسيّرة الإيرانية قرب حاملة الطائرات الأميركية لتعمل بمثابة «تنبيه عملي» إلى أن أي خطأ في التقدير الميداني قد ينسف مسار التفاوض برمّته. وترافقت الحادثة مع تقارير عن مضايقات نفذتها زوارق تابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني بحق سفن في محيط مضيق هرمز؛ ما أعاد إلى الواجهة منطق «رفع الكلفة» عبر أمن الملاحة، وهو تكتيك تلجأ إليه طهران كلما اقترب موعد استحقاق سياسي حاسم.

لكن المفارقة أن هذه التطورات لم تؤدِّ، حتى الآن، إلى إسقاط موعد التفاوض، بل على العكس. فالبيت الأبيض يقول إن المفاوضات «لا تزال مقررة»، في حين قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن الولايات المتحدة «تتفاوض مع إيران الآن»، من دون حسم مكان انعقاد الجولة. هذا الإبقاء المتعمد على الغموض، سواء لجهة المكان أو الصيغة، يتقاطع مع ما نقله موقع «أكسيوس» ووسائل أخرى عن طلب طهران نقل الاجتماع من إسطنبول إلى سلطنة عُمان، وحصره بصيغة ثنائية أميركية – إيرانية، بعد أن كان مطروحاً عقده بحضور دول إقليمية بصفة مراقب.

دراج يمر أمام لافتة دعائية معادية للولايات المتحدة معلقة في ميدان ولي عصر وسط طهران الأربعاء (أ.ف.ب)

طهران وتغيير قواعد اللعبة

طلبُ إيران تغييرَ المكان والصيغة ليس تفصيلاً بروتوكولياً، بل محاولة لإعادة «توازن النفس» قبل الدخول في مفاوضات تُدار من موقع ضعف نسبي بعد أشهر من الضغط العسكري والسياسي والاقتصادي. ففي التفاوض متعدّد الأطراف، يصبح «حفظ ماء الوجه» أصعب، وترتفع تكلفة الرفض العلني. أمّا في المسار الثنائي، فتتسع مساحة المناورة: تقديم تنازل تقني محدود مقابل تخفيف الضغط أو الحصول على ضمانات — ولو ضمنية — بعدم الانزلاق إلى ضربة مفاجئة.

وهنا يلتقط الباحث باتريك كلاوسن، من معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، في حديث إلى «الشرق الأوسط»، جوهر المعضلة: ترمب «يريد بشدّة صفقة»، وقد يقبل «بأقل بكثير» مما يعلنه في خطاباته. ومع ذلك، يحذّر كلاوسن من أن عامل الوقت هو العدو الأول للدبلوماسية؛ فإذا لم تُسفر المحادثات عن نتائج سريعة، قد يفضّل ترمب خيار القوة، مذكّراً بما حدث في عام 2025 حين أمهل إيران 60 يوماً للتوصل إلى اتفاق، وعندما لم تفعل، وجّهت إسرائيل ضربتها في اليوم الـ61.

ويضيف أن تركيز ترمب عاد إلى الملف النووي بوصفه الساحة الأكثر قابلية لصياغة صفقة — خصوصاً إذا قبلت إيران بتجميد التخصيب الذي تضرّر عملياً بفعل الحرب السابقة — لكن بقاء قضايا الصواريخ والوكلاء والمحتجّين دون حل قد يدفع ترمب إلى التحرك العسكري، أو يجعل المحادثات مجرّد «تمويه» في حين تُستكمل الاستعدادات للضربة.

من جهته، يقول أليكس فاتانكا من معهد الشرق الأوسط في واشنطن، في حديث إلى «الشرق الأوسط»، إن الوقت «لم يفت بعد»؛ لأن الطرفين لا يريدان حرباً مفتوحة قد تتوسّع تلقائياً إذا استمر التصعيد.

ويقرأ فاتانكا حاجة ترمب إلى «إنجاز يبدو كأنه انتصار» يسمح له بإغلاق الملف، ما دام لا يرسل حتى الآن إشارات صريحة إلى تبنّي خيار «تغيير النظام»؛ وهو ما يفتح نافذة لاتفاق لا يصل إلى درجة «الاستسلام الكامل» لإيران، رغم كونها الطرف الأضعف والمطالب بتقديم التنازلات الكبرى. لكنه يحذّر من سقف التوقعات: فإذا أصرت واشنطن على «استسلام علني»، قد يختار الإيرانيون المقامرة بالحرب، على أمل أن يتراجع ترمب أو أن تكون الحرب قصيرة بما يكفي لنجاة النظام وإعادة ترميمه.

تفادي الضربة أم تغيير السلوك؟

هنا يبرز التفريق الحاسم الذي يطرحه دافيد داوود من «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، في حديث مع «الشرق الأوسط»؛ إذ يرى أن نجاح التفاوض يتوقف على «مقياس النجاح». فإذا كان النجاح يعني تفادي مواجهة عسكرية أو ضربة أميركية، فإن فرصه «مرتفعة جداً»؛ ذلك أن غريزة ترمب ومعظم مستشاريه تميل إلى تقليص الانخراط العسكري في الشرق الأوسط، ولأن إيران بدورها تسعى إلى تفادي ضربة قد تزعزع تماسك النظام. أما إذا كان معيار النجاح هو إحداث «تعديل دائم» في سلوك إيران الإقليمي — كوقف تمويل الميليشيات، أو إنهاء برنامج الصواريخ، أو إغلاق الملف النووي إلى الأبد — فإن فرص النجاح تبدو «منخفضة»؛ لأن هذه الأدوات جزء من منطق آيديولوجي لا يتخلى عنه النظام ما دام قائماً. ويخلص داوود إلى أن طهران قد تقدم تنازلات «مؤقتة أو محدودة» لعبور العاصفة، ثم تعود لاحقاً إلى السلوك نفسه مع تراجع المخاطر.

السيناتور الأميركي ليندسي غراهام ينشر صورة تجمعه بالرئيس الأميركي دونالد ترمب وهو يحمل قبعة كُتب عليها «لنجعل إيران عظيمة مرة أخرى» الاثنين

ويُفسّر هذا التفريق أيضاً النقاشات التي تعكسها الصحف الأميركية حول احتمال تقسيم المحادثات إلى مسارين: نووي من جهة، وملفات أوسع مثل الصواريخ والوكلاء من جهة أخرى. كما يشير إلى قلق الوسطاء الإقليميين من أن تتحول الدبلوماسية مجرد وسيلة لشراء الوقت قبل ضربة محتملة، في تكرار لما حدث حين سبقت ضربة يونيو (حزيران) الماضي اجتماعاً كان مقرراً. وفي الداخل الأميركي، تدفع بعض الأصوات باتجاه التشدد، عادَّة أن «الصفقة الحقيقية» تكمن في تغيير النظام نفسه، لا في المساومة على ملفات جزئية، ومحذّرة من أن أي تخفيف للعقوبات قد يمنح النظام في طهران فرصة لإعادة ترتيب أوراقه وتعزيز قبضته على السلطة.

وبين هذين المسارين، تقف الإدارة الأميركية في منطقة رمادية: تحشد القوة لرفع سقف التفاوض، وتُبقي باب الدبلوماسية مفتوحاً لتجنّب تكلفة الحرب.

اختبار للوكلاء

ولأن الحديث عن «الوكلاء» لا يشكّل بنداً نظرياً في أي مسار تفاوضي، برزت بغداد، ومعها «حزب الله» في لبنان، بوصفهما مثالين على هشاشة أي تسوية لا تتعامل مع نفوذ إيران غير المباشر. فإصرار نوري المالكي على عدم الانسحاب من ترشيحه، وسط سجال علني مع واشنطن وتحذيرات أميركية من تداعيات عودته، إلى جانب تمسّك «حزب الله» بسلاحه، يمكن قراءتهما مؤشراً إلى احتمال عودة طهران إلى التشدد عبر الأذرع عندما تشعر بأن إدارة الملف النووي تجري على حساب نفوذها الإقليمي. وليس ذلك لأن المالكي أو «حزب الله» «أداتان مباشرتان»، بل لأن لحظة اختبار النفوذ الإيراني تكشف سريعاً عن مدى استعداد طهران لمقايضة ساحاتها مقابل صفقة نووية، أو رفض هذه المقايضة من أساسها.

ما الذي يمكن أن يخرج من اجتماع الجمعة؟

السيناريو الأكثر واقعية لا يتمثل في «اختراق كبير» ولا في «انهيار فوري»، بل في تفاهم أولي محدود يشتري وقتاً للطرفين: تجميد للتخصيب أو ترتيبات رقابية مرحلية، في مقابل تخفيف للضغط أو فتح قناة اقتصادية أو إنسانية، مع ترحيل الملفات الأصعب. وهذا ما يمنح تعليق مايكل أوهانلن، الباحث في «معهد بروكينغز»، لـ«الشرق الأوسط» دلالته ببساطته المتشائمة؛ إذ يقول إنه «مشكك» في أن تُدار المفاوضات بجدية، «لكن لا ينبغي التخلي عن الأمل».

وخلاصة المشهد، أن اجتماع الجمعة قد ينجح في نزع فتيل الأزمة بالمعنى التكتيكي، أي منع ضربة وشيكة، لكنه قد لا يجيب عن سؤال «ما بعد الجمعة»: هل المطلوب صفقة تمنع الحرب الآن، أم صفقة تعيد صياغة علاقة إيران بالإقليم على المدى الطويل؟ وبين هذين الهدفين فجوة واسعة، تُملأ عادةً بحوادث بحرية، وباختبارات للوكلاء، وبقدرة كل طرف على تحويل القوة تنازلاً، أو تحويل التنازل وقف إطلاق نار سياسي قابلاً للاستمرار.


مقالات ذات صلة

واشنطن تؤكد خلو مضيق هرمز من الألغام

شؤون إقليمية قائد القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» براد كوبر (أ.ف.ب)

واشنطن تؤكد خلو مضيق هرمز من الألغام

تتواصل مظاهر التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، مع تأكيد القيادة المركزية الأميركية خلو المسارات الرئيسية في مضيق هرمز من الألغام البحرية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - طهران - لندن)
شؤون إقليمية قائد القيادة المركزية الأمبركية براد كوبر (يسار) خلال زيارته مضيق هرمزيوم 25 أكتوبر 2026 (سنتكوم)

ترمب يصعّد تهديداته وطهران تتمسك بشروطها

في وقت تتعثر فيه جهود تسوية النزاع بين الولايات المتحدة وإيران، تتأرجح التصريحات الصادرة عن الجانبين بين التهديد بالتصعيد وإبداء الاستعداد لاستئناف المفاوضات.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
شؤون إقليمية الدخان يتصاعد بعد انفجار بالقرب من منطقة المطار في أربيل بكردستان العراق (أرشيفية - أ.ف.ب)

هجوم إيراني على مقر لحزب «كومله» المعارض في كردستان العراق

استهدف «الحرس الثوري»، بطائرات مسيّرة، قواعد تابعة لحزب «كومله» الكردي المعارض في منطقة كردستان العراق، بحسب ما أفادت وسائل إعلام إيرانية الأحد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية 
طلاب باكستانيون يعبرون الحدود الإيرانية عائدين إلى بلدهم خلال حرب يونيو 2025 بين إسرائيل وإيران (أ.ف.ب)

تضييق الحصار البري على إيران يزيد عزلتها

تواجه إيران ضغوطاً متزايدة على جبهتي الاقتصاد والأمن، مع تعطل حركة التجارة البرية عبر عدد من حدودها، وتكدس آلاف الشاحنات.

«الشرق الأوسط» (إسلا آباد - طهران)
شؤون إقليمية قارب صغير يمر بجوار سفن شحن راسية بمضيق هرمز قبالة بندر عباس في إيران أمس (أ.ب) p-circle

تحذيرات أميركية تُنذر بتجدد الضربات على إيران

تتصاعد المؤشرات على احتمال تجدد المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران، مع تشديد الولايات المتحدة إجراءاتها الأمنية في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (عواصم)

انتخابات إسرائيل... ملفات الحرب والتجنيد والقضاء تشعل المواجهة

لوحات إعلانية إلكترونية خاصة بالانتخابات تُظهر كلاً من رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق غادي آيزنكوت ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (د.ب.أ)
لوحات إعلانية إلكترونية خاصة بالانتخابات تُظهر كلاً من رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق غادي آيزنكوت ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (د.ب.أ)
TT

انتخابات إسرائيل... ملفات الحرب والتجنيد والقضاء تشعل المواجهة

لوحات إعلانية إلكترونية خاصة بالانتخابات تُظهر كلاً من رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق غادي آيزنكوت ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (د.ب.أ)
لوحات إعلانية إلكترونية خاصة بالانتخابات تُظهر كلاً من رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق غادي آيزنكوت ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (د.ب.أ)

تتوجه إسرائيل إلى صناديق الاقتراع، الثلاثاء، في أول انتخابات برلمانية منذ هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وسط انقسام سياسي واجتماعي يجعلها أقرب إلى استفتاء على قيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ومحاسبته على الإخفاقات الأمنية التي سبقت الهجوم، وطريقة إدارته للحروب التي خاضتها إسرائيل منذ ذلك الحين.

وبحسب وكالة أنباء «أسوشييتد برس»، فعلى الرغم من أن هجوم السابع من أكتوبر يتصدر المشهد الانتخابي، فإن النقاش لا يتركز على سلوك إسرائيل خلال الحرب في قطاع غزة، الذي أدى إلى صدور مذكرة توقيف دولية بحق نتنياهو، أو احتلالها أجزاء واسعة من جنوب لبنان ومناطق من سوريا، أو الحربين اللتين شنتهما على إيران، وهي ملفات تحظى بتأييد واسع داخل إسرائيل. وبدلاً من ذلك، ينصب اهتمام المرشحين على شخصية نتنياهو، ومسؤوليته عن الإخفاق الأمني، وإعفاء اليهود المتدينين المتشددين من الخدمة العسكرية، بالإضافة إلى التعديلات القضائية التي طُرحت عام 2023، والتي يراها المنتقدون هجوماً على المؤسسات الديمقراطية في إسرائيل.

وتسيطر على الكتلتين الانتخابيتين الرئيسيتين أحزابٌ تدعم الاستيطان اليهودي في الضفة الغربية المحتلة وتعارض إقامة دولة فلسطينية، كما لا يوجد أي مرشح بارز يدعو إلى العودة إلى عملية السلام التي باتت معطلة منذ زمن طويل.

تعامل نتنياهو مع أحداث السابع من أكتوبر وتداعياتها

في طريقهم إلى مراكز الاقتراع، سيصادف الناخبون صوراً لجنود قُتلوا في المعارك، معروضة على ملصقات جدارية في محطات القطار، إلى جانب شرائط صفراء باهتة ترمز إلى الرهائن، الذين أُطلق سراح آخرهم بموجب اتفاق وقف إطلاق نار العام الماضي.

ووفقاً للمعهد الإسرائيلي للديمقراطية، قال نحو 68 في المائة من اليهود الإسرائيليين إن مواقفهم من هجوم السابع من أكتوبر تمثل عاملاً أساسياً في اختيار الحزب الذي سيصوتون له، أما في أوساط الأقلية العربية، فقد أشار 32 في المائة فقط إلى أن هذه الأحداث تلعب دوراً رئيسياً في قرارهم.

وقد سعى نتنياهو، الذي تولى رئاسة الحكومة الإسرائيلية لفترات أطول من أي رئيس وزراء آخر، إلى إلقاء اللوم في الإخفاقات التي أحاطت بالسابع من أكتوبر على المسؤولين الأمنيين، بينما ركز في الوقت ذاته على الترويج للإنجازات العسكرية التي حققتها إسرائيل ضد حركة «حماس» في غزة، و«حزب الله» في لبنان، وإيران.

في المقابل، يتهمه منتقدوه بالتهرب من المسؤولية، من خلال عرقلة تشكيل لجنة تحقيق رسمية في الهجوم، وعدم التوصل إلى اتفاق لإعادة الرهائن في وقت مبكر، فضلاً عن إخفاقه في تحقيق نصر حاسم على أي من خصوم إسرائيل.

إعفاء المتشددين من التجنيد يشعل الغضب

لطالما اعتمدت الائتلافات الحاكمة التي يقودها نتنياهو على الأحزاب اليهودية المتشددة (الحريديم)، التي تطالب بإعفاء الشبان المنخرطين في الدراسات الدينية من التجنيد العسكري. وقد أثارت هذه السياسة غضب الأغلبية العلمانية في إسرائيل، لا سيما في ظل الاستدعاء المتكرر لجنود الاحتياط للمشاركة في الحروب المختلفة.

وتُعد الخدمة العسكرية إلزامية لمعظم الرجال والنساء اليهود، وقد صنف نحو ربع الناخبين اليهود، في استطلاع «المعهد الإسرائيلي للديمقراطية»، هذه القضية كعامل رئيسي في تحديد الحزب الذي سيمنحونه دعمهم.

وتواجه البلاد حالياً نقصاً في أعداد الجنود، ففي كل عام، يبلغ نحو 13 ألف شاب من اليهود المتشددين سن التجنيد (18 عاماً)، لكن أقل من 10 في المائة منهم فقط ينضمون إلى الجيش.

وقالت تمار هيرمان، المتخصصة في استطلاعات الرأي لدى المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، إن هناك تصوراً سائداً بأن «الخدمة العسكرية نوع من التصريح بالمواطنة»، مضيفة أنها تجعل الفرد «جزءاً شرعياً» من المجتمع اليهودي الإسرائيلي.

ووصف يوهانان بليسنر، رئيس المعهد، إعفاءات التجنيد بأنها «على الأرجح القضية الأولى» بالنسبة إلى المعسكر المناهض لنتنياهو.

وتعهد غادي آيزنكوت، أبرز منافسي نتنياهو، بإنهاء هذه الإعفاءات القائمة فعلياً. وآيزنكوت قائد عسكري سابق يتبنى توجهاً سياسياً وسطياً، وفقد ابنه واثنين من أبناء أشقائه في القتال بقطاع غزة.

خطة نتنياهو للإصلاح القضائي لا تزال تثير الانقسام

لا يزال مشروع نتنياهو لإعادة هيكلة القضاء وتقليص صلاحيات المحكمة العليا يمثل أحد مصادر الانقسام داخل إسرائيل. فقد أثار المشروع احتجاجات جماهيرية واسعة عام 2023، وترك المجتمع في حالة استقطاب حاد قبل هجوم السابع من أكتوبر.

وبرر نتنياهو خطته بأنها تهدف إلى الحد من سلطة القضاة غير المنتخبين، بينما اعتبرها منتقدوه محاولة للاستحواذ على السلطة، خصوصاً أن رئيس الوزراء يواجه اتهامات في قضايا فساد.

لكن الاهتمام الشعبي بالإصلاح القضائي تراجع بعد الهجوم، عندما تحولت الأنظار إلى الحرب في غزة، وركز كثير من المحتجين السابقين جهودهم على المطالبة بإبرام اتفاق لإعادة الرهائن.

ووفقاً للمعهد الإسرائيلي للديمقراطية، قال 18 في المائة فقط من اليهود الإسرائيليين إن التعديلات القضائية تمثل عاملاً رئيسياً في تحديد تصويتهم. وأرجعت هيرمان ذلك جزئياً إلى «بعض الإرهاق الشعبي» من القضية.

ومع ذلك، تظل المسألة أكثر أهمية لدى اليسار، إذ قال 22.5 في المائة من ناخبيه إن التغييرات القضائية ستؤثر في قرارهم الانتخابي. وفي العام الماضي، أقر البرلمان الإسرائيلي قانوناً يمنح الحكومة دوراً أكبر في تعيين القضاة، لكنه لن يدخل حيز التنفيذ قبل أداء البرلمان المقبل اليمين الدستورية، بينما تعهد المعسكر المناهض لنتنياهو بإلغائه.

مركبات تمر أسفل لوحة إعلانية انتخابية تحمل صورتَي رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي بنيامين نتنياهو ومنافسه الأبرز غادي آيزنكوت قرب تل أبيب (إ.ب.أ)

تساؤلات حول القيادة تفرض نفسها

لا ينتخب الإسرائيليون رئيس الحكومة مباشرة، بل يصوتون للأحزاب، ومن المتوقع ألا يحصل أي حزب منفرد على أغلبية تقترب من 61 مقعداً في البرلمان الإسرائيلي (الكنيست).

وبالتالي، فإن تحديد هوية رئيس الوزراء المقبل سيتوقف على قدرة المعسكرات السياسية على تشكيل ائتلاف يضمن الأغلبية. وإذا فشلت الأطراف في ذلك، فستواصل حكومة نتنياهو تسيير الأعمال إلى حين إجراء انتخابات جديدة خلال الأشهر المقبلة.

ويعتبر أكثر من ربع اليهود الإسرائيليين أن شخصية زعيم الحزب عامل رئيسي في اختيارهم الانتخابي، وفقاً للمعهد الإسرائيلي للديمقراطية.

ويرى مؤيدو نتنياهو أنه رجل دولة مخضرم، خاض مواجهات مع رؤساء الولايات المتحدة وزعماء دول أخرى، ورفض الضغوط الرامية إلى إنهاء الحرب في غزة أو تقديم تنازلات يرون أنها قد تضر بالأمن الإسرائيلي. في المقابل، يرى خصومه أنه شخص فاسد.

في المقابل، يستند أنصار آيزنكوت إلى خبرته العسكرية الطويلة والخسائر التي تكبدتها عائلته في الحروب الجارية. كما أن أصوله تعود إلى عائلة من المهاجرين اليهود المغاربة، ما قد يجعله أول رئيس وزراء إسرائيلي من أصول غير أوروبية، وإن لم يجعل هذه المسألة محوراً رئيسياً في حملته.

غلاء المعيشة... قضية حاضرة في حياة الناخبين وغائبة عن الحملات

رغم انشغال المرشحين بالأمن والقيادة والقضاء، فإن الاقتصاد وارتفاع تكاليف المعيشة يمثلان مصدر قلق متزايداً للإسرائيليين.

فقد ارتفعت الأسعار إلى مستويات تفوق نظيراتها في دول أوروبية ثرية، مثل النمسا والدنمارك والسويد، وذلك وفقاً لبحث أجرته ساريت مناحيم كارمي من «معهد آرون للسياسات الاقتصادية» في جامعة رايخمان.

ويقول نتنياهو إن سياساته ساهمت في تحقيق النمو وتعزيز قطاع التكنولوجيا المتقدمة، بينما يرى معارضوه أن ثمار النمو لم تصل إلى قطاعات واسعة من المجتمع.

وأظهرت بيانات المعهد الإسرائيلي للديمقراطية أن 38 في المائة من اليهود الإسرائيليين يعتبرون الاقتصاد وتكاليف المعيشة القضية الأولى أو الثانية من حيث الأهمية في الانتخابات، وترتفع النسبة إلى 46 في المائة بين المواطنين العرب.

ومع ذلك، لم يجعل أي من المرشحين الرئيسيين الاقتصاد محوراً لحملته، كما لم يسلطوا الضوء على تكاليف الحروب المتعددة.

وقال جوزيف زيرا، أستاذ الاقتصاد في الجامعة العبرية بالقدس، إن مستويات الإنفاق العسكري المرتفعة لا يمكن تجاهلها، مؤكداً أن «تكلفة الصراعات هائلة».


رئيس سابق لـ«الموساد» يكشف كيف حمت إسرائيل عملاءها في إيران

تصاعد الدخان جراء الغارات الإسرائيلية على طهران في مارس الماضي (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان جراء الغارات الإسرائيلية على طهران في مارس الماضي (أ.ف.ب)
TT

رئيس سابق لـ«الموساد» يكشف كيف حمت إسرائيل عملاءها في إيران

تصاعد الدخان جراء الغارات الإسرائيلية على طهران في مارس الماضي (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان جراء الغارات الإسرائيلية على طهران في مارس الماضي (أ.ف.ب)

كشف الرئيس السابق لجهاز الموساد الإسرائيلي، ديفيد برنيع، عن تفاصيل جديدة حول العملية العسكرية الإسرائيلية ضد إيران، وكذلك الهجمات التي وقعت في عام 2024 عبر تفجير أجهزة «بيجر» استهدفت عناصر من «حزب الله» في لبنان.

وأوضح برنيع، في كلمة ألقاها خلال مؤتمر «قمة الأولويات» (Priority Summit)، إن جهاز «الموساد» تعمّد نشر مقطع فيديو رسمي يُظهر عناصره وهم ينفّذون مهامّ داخل إيران، وذلك في صباح اليوم الأول من «عملية الأسد الصاعد»، وهي حملة عسكرية شنتها إسرائيل في يونيو (حزيران) 2025 ضد أهداف نووية وعسكرية إيرانية، وفقاً لما ذكره موقع «واي نت نيوز» الإخباري الإسرائيلي.

وقال إن مقطع الفيديو، الذي أبرز شعار جهاز «الموساد» بشكل واضح، لم يكن يهدف فحسب إلى الدعاية للعملية، بل كان الغرض منه أيضاً إرباك الأجهزة الأمنية الإيرانية عبر إغراقها بقائمة من المشتبَه بهم المحتملين، مما يجعل من الصعب عليها تحديد هوية العملاء الإسرائيليين الحقيقيين.

نتنياهو مجتمعاً مع رئيس «الموساد» السابق ديفيد برنيع في تل أبيب 18 أبريل 2024 (مكتب الإعلام الحكومي-د.ب.أ)

وأشار برنيع: «أحد الأسباب التي دفعتنا إلى إصدار مقطع فيديو رسمي - يحمل شعار الموساد - في صباح (عملية الأسد الصاعد) كان حماية العملاء الذين كانوا موجودين هناك. أردنا ضمان اعتقال عدد كبير جداً من الأشخاص في إيران، بحيث يتعذر عليهم التمييز بين الغث والسمين، مما سيضطرهم، في نهاية المطاف، إلى إطلاق سراح الجميع. وهذا بالضبط ما حدث».

ووفقاً لبرنيع، فقد اعتقلت السلطات الإيرانية 21 ألف شخص في اليوم الثاني من القتال.

صواريخ إيرانية معروضة بأحد شوارع طهران سبتمبر 2026 (رويترز)

وأكمل حديثه، وفقاً للموقع الإخباري الإسرائيلي: «عليك أن تتخيل أنه عندما تعتقل 21 ألف شخص، فحتى لو قبضت على عميل أو اثنين، ستضطر، في نهاية المطاف، إلى إطلاق سراحهم جميعاً؛ لأن رواية الجميع ستكون واحدة: كنت أسير في الشارع، أو كنت أقود سيارتي، فاعتقلوني. وفي النهاية، أطلقوا سراح الجميع».

وأوضح برنيع كيف سعت الاستخبارات الإسرائيلية لحماية عملائها داخل إيران، وتحدّث عن اللحظات المتوترة التي سبقت تفجير أجهزة «البيجر» في لبنان، وعن الحسابات الاستراتيجية التي وقفت وراء كلتا العمليتين.

كما ذكر الرئيس السابق لجهاز الموساد الإسرائيلي أن بعض الأشخاص الذين اعتُقلوا أو أُعدموا في إيران بتهمة العمل لصالح الاستخبارات الإسرائيلية لم تكن لهم أي صلة بجهاز «الموساد».

وقال: «فيما يخص بعض الأشخاص الذين يُعدَمون شنقاً في إيران بتهمة أنهم عملاء للموساد، أتساءل: من هؤلاء؟ فيأتي الرد: اسمع، نحن أنفسنا لا نعرف».

ووصف هؤلاء بأنهم أبرياء صنّفتهم السلطات الإيرانية خطأً على أنهم عملاء لإسرائيل.

وقال: «إنهم مجرد أشخاص سيئي الحظ، قرروا هم أنهم عملاؤنا، في حين أنهم لم يعملوا قط لصالح الموساد، وعلى الأرجح لم يعملوا لأي جهاز استخبارات آخر».

وادعى برنيع أن 99.9 في المائة من عملاء الموساد لم يُكشف أمرهم قط. وأضاف أن العناصر الذين شاركوا في العملية ظلوا يعيشون في طهران، رغم تورطهم في تلك العملية الإسرائيلية.


بسبب توجيهات تخص إيران... مواجهة بين نتنياهو ورئيس الأركان الإسرائيلي

صبي يجلس على دراجته بجوار لافتة دعائية لحزب «الليكود» بزعامة نتنياهو قبيل الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية في بني براك - إسرائيل (رويترز)
صبي يجلس على دراجته بجوار لافتة دعائية لحزب «الليكود» بزعامة نتنياهو قبيل الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية في بني براك - إسرائيل (رويترز)
TT

بسبب توجيهات تخص إيران... مواجهة بين نتنياهو ورئيس الأركان الإسرائيلي

صبي يجلس على دراجته بجوار لافتة دعائية لحزب «الليكود» بزعامة نتنياهو قبيل الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية في بني براك - إسرائيل (رويترز)
صبي يجلس على دراجته بجوار لافتة دعائية لحزب «الليكود» بزعامة نتنياهو قبيل الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية في بني براك - إسرائيل (رويترز)

اندلعت مواجهة بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ورئيس أركان الجيش حول توجيه سياسي يخص إيران، وذلك قبل وقت قصير من انتخابات إسرائيلية محتدمة، وفقاً لما أفادت به قناة تلفزيونية محلية ليل الأحد.

وتسبب تقرير القناة «12» العبرية في حالة من القلق بالأوساط الإسرائيلية دفع المنافس الرئيسي لنتنياهو في انتخابات يوم غد الثلاثاء، جادي آيزنكوت، إلى إعلان دعمه لرئيس الأركان إيال زامير، وفقاً لما ذكرته وكالة «أسوشييتد برس» الأميركية.

وعكس هذا الاستياء مخاوف داخل إسرائيل من احتمال لجوء نتنياهو، الأطول بقاء في رئاسة الوزراء، إلى خيار مهاجمة إيران قبل الانتخابات، في مسعى للحفاظ على منصبه.

ووصف نتنياهو تقرير القناة «12» بالهراء خلال ظهور على القناة «14»، في حين لم يصدر أي تعليق فوري من الجيش.

عمال يستخدمون حبالاً لتعليق لوحة إعلانية انتخابية ضخمة لحزب «الليكود» تظهر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى جانب الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطائرات مقاتلة في تل أبيب (إ.ب.أ)

ولم يذكر تقرير القناة «12» التوجيه المتعلق بإيران بالتحديد. وفي الأيام الأخيرة، أكد رئيس الوزراء على الحاجة إلى «إسقاط» القيادة الإيرانية.

وكرر رئيس الوزراء الإسرائيلي تحذيره من أن إيران أو وكلاءها قد يشنون هجوماً قبل انتخابات الثلاثاء لتعطيل التصويت، مستشهداً بمعلومات استخباراتية.

وقال في بيان مصور: «إن (الجيش) مستعد للدفاع والهجوم على حد سواء»، مضيفاً: «ستتلقون ضربات غير متناسبة أكبر بكثير مما يمكنكم تخيُّله».