تركيا تعارض اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وقبرص

عدت أنها تمس حقوق ومصالح القبارصة الأتراك

تبادل وثائق اتفاقية ترسيم الحدود البحرية  بين الرئيس القبرصي  ووزير الأشغال العامة اللبناني (إ.ب.أ)
تبادل وثائق اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين الرئيس القبرصي ووزير الأشغال العامة اللبناني (إ.ب.أ)
TT

تركيا تعارض اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وقبرص

تبادل وثائق اتفاقية ترسيم الحدود البحرية  بين الرئيس القبرصي  ووزير الأشغال العامة اللبناني (إ.ب.أ)
تبادل وثائق اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين الرئيس القبرصي ووزير الأشغال العامة اللبناني (إ.ب.أ)

عارضت تركيا توقيع لبنان وقبرص اتفاقية لترسيم الحدود البحرية «تمس بشكل وثيق الحقوق والمصالح المتساوية مع جمهورية شمال قبرص التركية» غير المعترف بها دولياً.

وعبرت تركيا في الوقت ذاته عن استعدادها للتعاون مع لبنان في المجالات البحرية «بما يحفظ حقوقه، ومصالح شعبه».

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية التركية، أونجو كيتشالي، إن تركيا تنظر إلى الاتفاقية من منظور مصالح قبرص الشمالية، لافتاً إلى أنه منذ العام 2003 دأبت قبرص اليونانية على توقيع اتفاقيات ثنائية مع الدول الساحلية في المنطقة، بشأن ترسيم المناطق البحرية المحيطة بالجزيرة، متجاهلة سيادة القبارصة الأتراك على الشطر الشمالي.

خطوة أحادية

وأضاف كيتشالي، في بيان الخميس، أنه «أُعيد، الأربعاء، توقيع اتفاقية ترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة، التي وقعت بين لبنان وقبرص عام 2007، ولم تدخل حيز التنفيذ، ومع أن المنطقة الخاضعة للاتفاقية تقع خارج الجرف القاري التركي في شرق البحر المتوسط المسجلة لدى الأمم المتحدة في 18 مارس (آذار) عام 2020، فإن تركيا تتناول هذه القضية في سياق قضية قبرص التركية، وحقوقها».

المتحدث باسم وزارة الخارجية التركية أونجو كيتشالي (الخارجية التركية - إكس)

وتابع أن «توقيع لبنان، أو أي دولة ساحلية أخرى في المنطقة، على مثل هذه الاتفاقية مع قبرص يمسّ بشكل وثيق الحقوق، والمصالح المتساوية للقبارصة الأتراك في الجزيرة، وتركيا تود تذكير قبرص بأنها لا تمثل الجزيرة بأكملها، وليس لها صلاحية اتخاذ مثل هذه القرارات بمفردها».

ودعا كيتشالي المجتمع الدولي، وبخاصة دول المنطقة، «إلى عدم دعم هذه الخطوات الأحادية من جانب قبرص، وعدم التحول إلى أدوات لمحاولات اغتصاب الحقوق، والمصالح المشروعة للقبارصة الأتراك»، مشدداً على أن تركيا «ستواصل الدفاع بحزم عن حقوق القبارصة الأتراك، ومصالحهم».

الرئيس اللبناني عون يشهد توقيع الاتفاقية في 26 نوفمبر (إ.ب.أ)

ووقع الرئيس القبرصي، نيكوس خريستودوليديس، ووزير الأشغال العامة اللبناني، فايز رسامني، اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وقبرص في قصر بعبدا في بيروت الأربعاء بحضور الرئيس اللبناني جوزيف عون، في خطوة وصفها الطرفان بـ«التاريخية»، وبأنها إنجاز من شأنه أن يعزز الاستقرار، والتعاون الإقليمي، ويسمح للبلدين ببدء استكشاف ثرواتهما البحرية، والتعاون المشترك في عدد من المجالات، وفي مقدمتها الطاقة.

نزاع في شرق المتوسط

وتؤكد تركيا أن لها، وكذلك لـ«جمهورية شمال قبرص التركية»، التي تعترف بها أنقرة وحدها، حقوقاً في موارد النفط والغاز في شرق البحر المتوسط، وتتنازع مع اليونان على تقاسم النفوذ في المنطقة في ظل العديد من الملفات الخلافية المزمنة التي تتعلق بالصراع في بحر إيجة، والبحر المتوسط، إضافة إلى القضية القبرصية التي يتباين فيها موقف البلدين، حيث تدعم تركيا القبارصة الأتراك، بينما تدعم اليونان جمهورية قبرص العضو في الاتحاد الأوروبي.

تركيا سحبت سفينة "ياووز" للتنقيب من منطقة قبالة سواحل قبرص في شرق البحر المتوسط في أكتوبر 2020 (أرشيفية - أ.ف.ب)

وقامت تركيا منذ عام 2019 بعمليات حفر وتنقيب عن النفط والغاز قبالة سواحل قبرص ما تسبب في توتر حاد، وفرض عقوبات اقتصادية محدودة عليها، لكنها سحبت في أكتوبر (تشرين الأول) 2020 سفينة التنقيب «ياووز»، في خطوة عدّها الاتحاد الأوروبي أنها تساعد في تهدئة التوتر في شرق المتوسط.

وأعلنت تركيا الأسبوع الماضي رفضها التخطيط المكاني البحري اليوناني المسجل لدى منصة التخطيط المكاني البحري التابعة للاتحاد الأوروبي، معتبرة أن اليونان تواصل تجاهل المبادئ الأساسية للقانون البحري الدولي.

وأقرت الحكومة اللبنانية في 23 أكتوبر الماضي اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع قبرص، قبل الإعلان عنها رسمياً الأربعاء، رغم تحذيرات من وجود ثغرات قد تؤدي إلى خسارة لبنان مساحات من منطقته الاقتصادية الخالصة، على غرار ما حصل عام 2022 عند توقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية الجنوبية مع إسرائيل.

استعداد للتعاون مع لبنان

وقال مسؤول عسكري تركي، تعليقاً على الإعلان عن الاتفاقية: «لا يمكننا قبول أي اتفاقية تتجاهل حقوق جمهورية شمال قبرص التركية، ونعتبر أن هذه الاتفاقية تنتهك أيضاً مصالح الشعب اللبناني».

الرئيس عون يتوسط الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليديس (يساراً) ووزير الأشغال العامة اللبناني فايز رسامني (يميناً) بعد توقيع الاتفاقية (إ.ب.أ)

وقال المسؤول التركي، خلال إفادة صحافية أسبوعية لوزارة الدفاع، الخميس: «نعرب لنظرائنا اللبنانيين عن استعدادنا للتعاون في القطاع البحري».

وبدورها، قالت وزارة الخارجية في «جمهورية شمال قبرص التركية» إن الاتفاقية الموقعة بين لبنان وقبرص «تشكل عنصراً جديداً في المحاولات الأحادية التي ينفذها الجانب القبرصي اليوناني منذ عام 2003، لاغتصاب الحقوق، والمصالح المتساوية للشعب القبرصي التركي في الجزيرة، وفي شرق البحر المتوسط».

وأكدت الوزارة، في بيان الخميس، أن الجانب القبرصي التركي «سيواصل موقفه الحازم في حماية حقوقه السيادية المتساوية على الجزيرة، والموارد الطبيعية المحيطة بها»، ودعت المجتمع الدولي «إلى عدم دعم الخطوات أحادية الجانب التي يتخذها الجانب القبرصي اليوناني، والتي تُصعّد التوترات في المنطقة».


مقالات ذات صلة

مرسوم للشرع يتشدد مع تهريب المخدرات والأسلحة و«البضائع الإسرائيلية»

المشرق العربي معبر «نصيب» على الحدود السورية - الأردنية (أ.ف.ب)

مرسوم للشرع يتشدد مع تهريب المخدرات والأسلحة و«البضائع الإسرائيلية»

أصدر الرئيس أحمد الشرع مرسوماً يتضمن قانوناً جديداً للجمارك في سوريا ينظم عمل الأمانات الجمركية وحركة البضائع والرسوم عبر المنافذ البرية والبحرية والجوية.

«الشرق الأوسط» (دمشق - لندن)
شمال افريقيا ميلوني والدبيبة خلال مراسم الاستقبال في روما يوم 7 مايو (مكتب الدبيبة)

الدبيبة وميلوني يبحثان في روما ملفات «الهجرة» والطاقة والسجناء الليبيين

شدد عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة «الوحدة» الليبية على أهمية تعزيز التنسيق العملياتي، ودعم قدرات بلاده في مراقبة الحدود والسواحل، ومكافحة شبكات التهريب.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
أوروبا الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان في إسطنبول يوم 20 يونيو 2025 (الرئاسة التركية)

تركيا وأرمينيا إلى تعاون يتجاوز الخلافات و«مزاعم الإبادة» بدعم أميركي

بحثت تركيا وأرمينيا إعادة تشغيل خط سكة حديد يربط بينهما، في إطار محادثات تطبيع العلاقات المجمدة منذ عام 1993...

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شمال افريقيا خالد حفتر مستقبلاً وفداً من قيادات «التبو» (رئاسة الأركان بـ«الجيش الوطني»)

«الوطني الليبي» يعزز علاقته بقبائل «التبو» لإحكام قبضته على الجنوب

يعمل «الجيش الوطني» الليبي على توسيع قاعدته الشعبية والأمنية والعسكرية في جنوب البلاد، في مواجهة تحركات تقودها «غرفة تحرير الجنوب» عبر الحدود المترامية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا رئيسة الوزراء الإيطالية بحثت مع الرئيس الجزائري تعزيز التعاون في وقف تدفقات المهاجرين السريين (الرئاسة الجزائرية)

«حراك أوروبي» مكثف في الجزائر لتأمين الحدود ومكافحة الهجرة

تتسارع الجهود الأوروبية بشكل لافت خلال الأسابيع الأخيرة لدفع الجزائر نحو لعب دور «دركي المتوسط» يتولى مهمة لجم تدفقات الهجرة السرية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

مهلة ترمب لإيران... نافذة تفاوض أم مقدمة لاستئناف الحرب؟

ترمب يتحدث للصحافيين في البيت الأبيض (أ.ب)
ترمب يتحدث للصحافيين في البيت الأبيض (أ.ب)
TT

مهلة ترمب لإيران... نافذة تفاوض أم مقدمة لاستئناف الحرب؟

ترمب يتحدث للصحافيين في البيت الأبيض (أ.ب)
ترمب يتحدث للصحافيين في البيت الأبيض (أ.ب)

لم يكن إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، تعليق ضربة عسكرية جديدة ضد إيران مجرد قرار عابر في مسار الحرب المستمرة منذ أسابيع، بل بدا كاشفاً عن مأزق أوسع: هل يفتح إرجاء الهجوم نافذة حقيقية لاتفاق سياسي، أم إن القرار يندرج في نمط مألوف من التهديدات عالية السقف ثم التراجع في اللحظة الأخيرة؟

المفارقة أن ترمب قدّم التعليق بوصفه استجابة لوساطة خليجية ترى أن «مفاوضات جدية» جارية، وأن اتفاقاً «مقبولاً» يمكن أن يولد قريباً. لكنه، في الوقت نفسه، أبقى التهديد قائماً، موجهاً الجيش إلى الاستعداد لـ«هجوم واسع النطاق» إذا لم تصل المفاوضات إلى نتيجة.

هنا تكمن دلالة اللحظة: واشنطن لا تبدو في موقع الحسم العسكري الكامل، ولا في موقع التسوية السياسية الناضجة، بل في منطقة وسطى تتداخل فيها حسابات الردع، وأسعار النفط، وضغوط الحلفاء، ومحدودية قدرة القوة الجوية على فرض استسلام سياسي كامل.

تجنب دفع التكلفة

ورغم الضربات القاسية التي استهدفت قيادات إيران وبناها العسكرية والبحرية، فإنها ما زالت تحتفظ بأدوات ضغط مؤلمة، مثل الصواريخ، والمسيّرات، والقدرة على تعطيل مضيق هرمز، والتهديد بنقل التوتر إلى باب المندب... ولذلك؛ فإن طلب تأجيل الضربة لا يعني بالضرورة أن طهران قدمت تنازلات جوهرية، بل ربما تكسب الوقت للانخراط مجدداً في حرب إقليمية أكبر تكلفة.

فرزين نديمي؛ كبير الباحثين بالشأن الإيراني في «معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى»، يضع هذا العامل في صلب تفسير القرار. وقال في حديث مع «الشرق الأوسط» إن «أسباباً عسكرية وراء تأجيل الضربة» تتعلق بتهديدات إيران، واحتمال وقوع إصابات وأضرار في صفوف القوات الأميركية، إضافة إلى الردود الإيرانية الأخرى. وبرأيه، فإن ترمب «قد يفضل عدم تجديد العملية العسكرية إذا كان ممكناً تحقيق حد أدنى من الشروط مع تقليص الأخطار»، لكن «احتمالات العمل العسكري تبدو متساوية مع فرص الحل الدبلوماسي».

مروحية أميركية تحلق بجوار سفينة تجارية في عرض البحر خلال عملية مراقبة قرب مضيق هرمز (سنتكوم)

فجوة في الأولويات

تتحدث تسريبات عن تبادل مقترحات وردود مضادة عبر وسطاء، بينهم باكستانيون، وعن نقاشات تشمل الملف النووي، وفتح مضيق هرمز، ورفع بعض القيود أو العقوبات عن النفط الإيراني، وربما إرسال جزء من مخزون اليورانيوم المخصب إلى الخارج، لكن المشكلة ليست في وجود أفكار تفاوضية، بل في ترتيبها...

تريد إيران، وفق ما تسرّب، اتفاقاً يبدأ بوقف الحرب والحصار، ثم يترك الملف النووي؛ الأعلى حساسية، لمسار لاحق. أما واشنطن فتريد اتفاقاً متزامناً يثبت نتائج الحرب: قيود طويلة الأمد على التخصيب، وضمانات ضد امتلاك سلاح نووي، وربما التزامات تتعلق بالصواريخ، والوكلاء، وفتح «هرمز». هذه الفجوة تجعل الحديث عن «تقدم حقيقي» مشروطاً لا مؤكداً.

الأرجح أن ترمب، تحت ضغط أسعار الطاقة والانتخابات النصفية المقبلة، بدأ يضيّق نطاق مطالبه العملية؛ فبدلاً من الإصرار على التزامن بشأن تغيير سلوك إيران الإقليمي، وتفكيك قدراتها الصاروخية، وإنهاء شبكة الوكلاء، بات التركيز العلني أوضح على «الملف النووي» و«هرمز». ولا يعني هذا أن الشروط الأخرى اختفت، لكن الإدارة قد تكون مضطرة إلى التمييز بين ما تريد تحقيقه سياسياً وما تستطيع فرضه عسكرياً.

بين الردع وحدود القوة

تشكك وسائل الإعلام وصحف أميركية عدة في رواية البيت الأبيض، ليس بالضرورة لأنها تعارض ترمب سياسياً فقط؛ بل لأن مسار الأزمة نفسه يعطي أسباباً لهذا التشكيك. الرئيس حدد مواعيد، وأطلق تهديدات، وأعلن أن الحرب تقترب من نهايتها، ثم عاد إلى تمديد المهل. كما أن إيران، رغم الخسائر الكبيرة، لم تقبل حتى الآن شروطاً تعدّها استسلامية، ولم تتخلَّ عن أوراقها الأساسية في «هرمز» أو «الردع الصاروخي».

مايكل روبن، كبير الباحثين في «معهد أميركان إنتربرايز»، يذهب أبعد من ذلك في حديثه مع «الشرق الأوسط»؛ إذ يرى أن ترمب «يرتجل وهو يمضي»، «رغم امتلاكه فرقاً قادرة على التخطيط لاستراتيجيات معقدة». ويقول إن «ما يحرك الرئيس غالباً هو شعوره بأن إيران تهينه شخصياً؛ مما قد يدفعه إلى ضربات أعمق تركيزاً على الملف النووي، أو حتى إلى اغتيالات مستهدفة، لكنه لا يقود إلى استراتيجية متماسكة».

هذا التقييم قاسٍ، لكنه يلامس معضلة حقيقية في إدارة الأزمة: ترمب يريد أن يظهر بمظهر الرئيس الذي لا يتراجع، لكنه يريد أيضاً تجنب حرب مفتوحة لا تحظى بشعبية داخلية وتستنزف الذخائر وترفع أسعار الوقود... يريد إعلان النصر، لكنه لم يحصل بعد على وثيقة استسلام... يريد استخدام القوة لإنتاج اتفاق، لكنه يواجه خصماً اعتاد امتصاص الضغط وإعادة تعريف الخسارة بوصفها صموداً.

لذلك؛ لا يمكن اختزال المسألة في «انتصار الدبلوماسية» أو «ضعف ترمب». التعليق يعكس توازناً متبادلاً: واشنطن تخشى تكلفة التصعيد، وطهران تخشى ضربة أشد تدميراً.

إيرانيون أمام لوحة دعائية مناهضة للولايات المتحدة تُظهر رسماً لمضيق هرمز وشفتَي الرئيس الأميركي دونالد ترمب مَخيطتين (رويترز)

تنازلات متزامنة

رد ترمب العنيف على الإعلام يعكس حساسيته المعروفة تجاه أي تصوير له بوصفه متردداً أو عاجزاً عن فرض شروطه. لكن السؤال الأهم: «هل تشكيك الإعلام نابع من حقائق أم من حسابات سياسية؟ الجواب الأقرب أنه مزيج من الاثنين، مع أفضلية واضحة للوقائع في هذه الحالة»، وفق فرزين نديمي. ويضيف أن «الوقائع تقول إن الضربات الأميركية - الإسرائيلية أضعفت إيران عسكرياً، لكنها لم تحلّ المعضلة السياسية».

والوقائع تقول إن أسعار النفط، والقلق الاقتصادي الأميركي، أصبحا عاملين في حسابات البيت الأبيض. والوقائع تقول أيضاً إن إيران لم تقدم بعد تنازلاً يرقى إلى قبول كامل بالشروط الأميركية، وإن الوسطاء يتحدثون عن صيغ جزئية أكثر مما يتحدثون عن صفقة نهائية.

أما البعد السياسي، فيظهر في طريقة قراءة هذه الوقائع داخل واشنطن... خصوم ترمب يرون في كل تراجع دليلاً على الفوضى. أنصاره يرون في كل تعليق للضربة مناورة ذكية تمنح الخصم فرصة أخيرة. لكن بين القراءتين، تبدو الحقيقة أشد تعقيداً: ترمب يستخدم التهديد العسكري أداةً تفاوضية، لكنه لم ينجح بعد في تحويله اتفاقاً نهائياً.

كما أن إيران تستخدم قدرتها على تعطيل الطاقة والرد الإقليمي لتقليل أثر الضغط الأميركي، لكنها لا تستطيع أيضاً تجاهل تكلفة الحرب والحصار عليها.

لهذا؛ فإن تعليق الضربة لا يكشف بالضرورة عن قرب اتفاق يرضي الجميع؛ لأن اتفاقاً كهذا يفترض تنازلات متزامنة لم تظهر بعد. لكنه لا يعني أيضاً مجرد تراجع مجاني. إنه بالأحرى محاولة لإدارة مأزق: إبقاء العصا مرفوعة من دون استخدامها فوراً، ومنح الوسطاء فرصة قصيرة، وطمأنة الأسواق والحلفاء، مع الحفاظ على صورة الرئيس الذي يستطيع العودة إلى القصف «في أي لحظة».


«مجموعة السبع» تشدد على فتح هرمز وإيقاف القتال

 سفن راسية في مضيق هرمز قبالة مدينة خصب الساحلية في شبه جزيرة مسندم شمال عُمان في 17 مايو الحالي وقد أدت الحرب إلى حصار فعلي للمضيق الحيوي الذي يمر عبره نحو 20 % من صادرات النفط العالمية في زمن السلم (أ.ف.ب)
سفن راسية في مضيق هرمز قبالة مدينة خصب الساحلية في شبه جزيرة مسندم شمال عُمان في 17 مايو الحالي وقد أدت الحرب إلى حصار فعلي للمضيق الحيوي الذي يمر عبره نحو 20 % من صادرات النفط العالمية في زمن السلم (أ.ف.ب)
TT

«مجموعة السبع» تشدد على فتح هرمز وإيقاف القتال

 سفن راسية في مضيق هرمز قبالة مدينة خصب الساحلية في شبه جزيرة مسندم شمال عُمان في 17 مايو الحالي وقد أدت الحرب إلى حصار فعلي للمضيق الحيوي الذي يمر عبره نحو 20 % من صادرات النفط العالمية في زمن السلم (أ.ف.ب)
سفن راسية في مضيق هرمز قبالة مدينة خصب الساحلية في شبه جزيرة مسندم شمال عُمان في 17 مايو الحالي وقد أدت الحرب إلى حصار فعلي للمضيق الحيوي الذي يمر عبره نحو 20 % من صادرات النفط العالمية في زمن السلم (أ.ف.ب)

جدَّد وزراء مالية «مجموعة السبع» تأكيدهم على إعادة فتح مضيق هرمز لمواجهة الاختلالات ‌العالمية ⁠الجارية، بينما دعا ممثل الولايات المتحدة إلى إجراءات «أكثر صرامة» لتعطيل ما وصفها بـ«شبكات التمويل الإيرانية».

ويحاول الغرب منذ أسابيع التوصل إلى أفكار عملية لتحرير الملاحة في مضيق هرمز، الذي يتعرض لحصار مزدوج من واشنطن وطهران، لكن التباينات السياسية بين أوروبا والولايات المتحدة تعوق التوصل إلى أرضية مشتركة.

وقال بيان مشترك عن المجموعة، عقب اجتماعها في باريس الثلاثاء، إن دولها ملتزمة «بالتعاون متعدد الأطراف من ⁠أجل التصدي للمخاطر ‌التي ‌تهدد الاقتصاد ‌العالمي».

ودعا وزراء ‌كندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان وبريطانيا والولايات ‌المتحدة جميع الدول إلى تجنب فرض قيود تعسفية على الصادرات. جميع الدول إلى تجنب فرض قيود تعسفية على الصادرات.

كريستين لاغارد لدى وصولها للمشاركة في اجتماع وزراء مالية ومحافظي البنوك المركزية لمجموعة السبع بباريس (أ.ف.ب)

ودعا وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الثلاثاء، حلفاء بلاده إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة لتعطيل شبكات ‌التمويل ‌الإيرانية، وقال ‌إن ⁠بلاده ستحذف الأسماء «⁠التي عفا عليها الزمن» من قائمة العقوبات لتسهيل مهمة المؤسسات ⁠المالية في القضاء ‌على مخططات ‌تمويل الإرهاب تعقيداً.

وخلال ‌كلمة معدة للإلقاء في مؤتمر لمكافحة تمويل ‌الإرهاب عقب اجتماع وزراء مالية ومسؤولين ماليين ⁠من ⁠دول مجموعة السبع في باريس، أكَّد بيسنت أن المشاركين بحاجة إلى «الوقوف معنا بكل قوة» ضد إيران.

وأكد بيسنت، في تصريحاته للصحافيين، أن الولايات المتحدة مصممة على تطبيق سياسة «الضغط الأقصى» لوقف تمويل النشاطات العسكرية والإرهابية الإيرانية، مشيراً إلى أن هذا النهج يهدف إلى إضعاف قدرات إيران من دون الاعتماد فقط على الخيارات العسكرية.

وأكد بيسنت أن «وزارة الخزانة ستحدث هيكل عقوباتها، لجعل الأمر أكثر فاعلية، لأن أعداءنا يتكيفون ويبتكرون ‌من خلال إنشاء شركات وهمية جديدة»، على حد تعبيره.

وعقب الاجتماع، أظهر ‌موقع ‌وزارة ​الخزانة الأميركية ⁠الثلاثاء ​أن ⁠الولايات ⁠المتحدة ‌فرضت ‌عقوبات ​جديدة على ‌إيران.

من جهته، قال وزير المالية الكندي، فرانسوا فيليب، في تصريحات للصحافيين، إن «مجموعة السبع متحدة بشأن ضرورة فتح هرمز وإيقاف القتال».

المرور الآمن

أكد البيان الختامي التزام المجموعة بضمان استقرار أسواق الطاقة ودعم الدول الأكثر هشاشة من خلال تعزيز دور صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، كما حثَّ البيان على «العودة السريعة إلى حرية المرور الآمنة» عبر مضيق هرمز، الذي لا تزال الملاحة فيه مقيدة بشدة بعد الحصار الفعلي الذي فرضته إيران في بداية الصراع.

وقال مراقبون إن اجتماع الدول السبع تعامل بارتياح مع إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، وقف هجوماً كان مخططاً له ضد إيران الثلاثاء والاستجابة لطلب الدول الخليجية لمحاولة إعطاء الدبلوماسية فرصة للتوصل إلى اتفاق يحد من البرنامج النووي الإيراني.

وناقش وزراء المالية قضايا أخرى تتعلق بضرورة تنويع سلاسل الإمداد للعناصر الأرضية النادرة والمعادن الحيوية، لتقليل الاعتماد على الصين.

وزير المالية الفرنسي رولان ليسكور لدى وصوله إلى اجتماع مجموعة السبع في باريس (أ.ب)

وشارك في الاجتماع ممثلون عن دول خليجية في بعض الجلسات لمناقشة الأزمة، كما شاركت كل من سوريا وأوكرانيا في أجزاء من المناقشات أيضاً، إلى جانب مسؤولين من البرازيل والهند وكوريا الجنوبية.

وينظر إلى إشراك طيف أوسع من الدول في النقاشات المتعلقة بمستقبل الملاحة في الشرق الأوسط، إلى أنه انعكاس لحاجة ملحة لكسر الجمود السياسي، والبحث عن خيارات بديلة، وزيادة الضغط على طرفي الحصار في «هرمز»؛ واشنطن وطهران.

ويقول محللون إن اجتماع المجموعة في باريس قد يعطي الرئاسة الفرنسية دفعة دبلوماسية للتوصل إلى مقاربة مشتركة من شأنها إعادة فتح هرمز، رغم الخلافات في النهج بين الولايات المتحدة، التي تركز على الخيار العسكري والعقوبات، والنهج الأوروبي الذي يركز على تحقيق توازن بين الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية.

غير أن المناقشات، التي وصفها وزير المالية الفرنسي رولان ليسكور بأنها «صعبة»، عكست تحديات حقيقية في توحيد السياسات عبر ضفتي الأطلسي، مع ميل الإدارة الأميركية إلى تطبيق شعار «أميركا أولاً» في بعض الملفات.


ترمب يمهل إيران أقل من 3 أيام لتفادي الضربة

مروحية أميركية تحلق قرب سفينة تجارية في عرض البحر خلال عملية مراقبة قرب مضيق هرمز (سنتكوم)
مروحية أميركية تحلق قرب سفينة تجارية في عرض البحر خلال عملية مراقبة قرب مضيق هرمز (سنتكوم)
TT

ترمب يمهل إيران أقل من 3 أيام لتفادي الضربة

مروحية أميركية تحلق قرب سفينة تجارية في عرض البحر خلال عملية مراقبة قرب مضيق هرمز (سنتكوم)
مروحية أميركية تحلق قرب سفينة تجارية في عرض البحر خلال عملية مراقبة قرب مضيق هرمز (سنتكوم)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الثلاثاء، إن الولايات المتحدة قد تضطر إلى مهاجمة إيران مجدداً إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق خلال أيام، مؤكداً أنه كان على بُعد ساعة واحدة من اتخاذ قرار بالمضي في ضربة عسكرية قبل أن يؤجلها لإفساح المجال أمام مفاوضات جديدة.

وقال ترمب للصحافيين في البيت الأبيض، الثلاثاء: «كنت على بُعد ساعة واحدة من اتخاذ قرار الهجوم اليوم». وأضاف أن قادة إيران «يتوسلون» للتوصل إلى اتفاق، لكنه حذر من أن هجوماً أميركياً جديداً قد يقع خلال «يومين أو ثلاثة أيام، ربما الجمعة أو السبت أو الأحد، أو ربما الأسبوع المقبل»، مشدداً على أن المهلة «محدودة» لأن واشنطن لا تستطيع السماح لطهران بامتلاك «سلاح نووي جديد».

وكان ترمب أعلن، الاثنين، أنه أرجأ هجوماً عسكرياً كان مقرراً على إيران، بناءً على طلب ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ورئيس الإمارات الشيخ محمد بن زايد، بسبب «مفاوضات جادة» جارية.

وقال إن القادة الثلاثة أكدوا له أن اتفاقاً «مقبولاً جداً» للولايات المتحدة ودول المنطقة يمكن التوصل إليه، شرط أن يتضمن «عدم امتلاك إيران أسلحة نووية».

ووجه ترمب، وفق منشوره على «تروث سوشيال»، وزير الحرب بيت هيغسيث، ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دانيال كين، والجيش الأميركي، بعدم تنفيذ الهجوم المقرر، لكنه طلب منهم الاستعداد لتنفيذ «هجوم كامل وواسع النطاق» على إيران «في أي لحظة» إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق مقبول. ولاحقاً قال للصحافيين: «إذا تمكنا من تحقيق ذلك من دون قصفهم بقوة، فسأكون سعيداً جداً».

عرض إيراني مشروط

في المقابل، شدد مفاوض إيراني كبير، الثلاثاء، على تمسك طهران بأحدث مقترح سلام قدمته إلى الولايات المتحدة، ويتضمن إنهاء الأعمال القتالية على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، وانسحاب القوات الأميركية من المناطق القريبة من إيران، ودفع تعويضات عن الأضرار التي خلفتها الحرب الأميركية - الإسرائيلية.

وأفادت وكالة «إرنا» الرسمية، بأن نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون السياسية كاظم غريب آبادي أبلغ أعضاء لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان أن طهران تسعى أيضاً إلى رفع العقوبات، والإفراج عن الأموال المجمدة، وإنهاء الحصار البحري الأميركي المفروض على البلاد.

وتبدو الشروط قريبة من عرض طهران السابق الذي رفضه ترمب الأسبوع الماضي واصفاً إياه بأنه «قمامة».

نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي يجتمع بأعضاء لجنة الأمن القومي البرلمانية في مكان غير محدد الثلاثاء (تسنيم)

وتطالب إيران بإنهاء الحرب على كل الجبهات، ورفع العقوبات، واستئناف صادرات النفط، والإفراج عن أصولها المجمدة، والحصول على تعويضات، وضمان عدم شن هجمات جديدة، إضافة إلى تثبيت دورها في مضيق هرمز.

وقال مصدر باكستاني إن إسلام آباد، التي تنقل الرسائل بين الجانبين منذ استضافتها جولة المحادثات الوحيدة الشهر الماضي، أطلعت واشنطن على المقترح الإيراني. وأضاف أن الطرفين «يواصلان تغيير شروطهما»، قائلاً: «ليس لدينا كثير من الوقت».

ونقلت «واشنطن بوست» عن مسؤول باكستاني أن إيران والولايات المتحدة تبادلتا عدة مقترحات ومقترحات مضادة خلال الأسبوع الماضي. وقال دبلوماسي شرق أوسطي للصحيفة إن ترمب كان غير راضٍ عن العرض الإيراني السابق بشأن قيود تخصيب اليورانيوم، وأراد اتفاقاً بقيود أوسع. ووفق هذه الرواية، رفضت إيران مقترحاً أميركياً بحظر التخصيب 25 عاماً، ثم مقترحاً لاحقاً بحظره 20 عاماً.

وتشير المقترحات الأخيرة، وفق المسؤول الباكستاني، إلى أن واشنطن قد تنظر في رفع العقوبات عن صادرات النفط الإيرانية إذا وافقت طهران على وقف دعم القوى الوكيلة في المنطقة، وأن إيران قد تبدي استعداداً لإرسال جزء من مخزون اليورانيوم المخصب إلى الخارج. غير أن أياً من المسألتين لم يُحسم بعد، وسط خلاف على ترتيب الاتفاق؛ إذ تريد طهران اتفاقاً لإنهاء الحرب قبل إعلان اتفاق نووي، فيما تريد واشنطن إعلان الاتفاقات دفعة واحدة.

وفي إشارات متضاربة، قال مصدر إيراني رفيع لـ«رويترز» إن الولايات المتحدة وافقت على الإفراج عن ربع الأموال الإيرانية المجمدة، التي تبلغ عشرات المليارات من الدولارات، والمودعة في بنوك أجنبية، فيما تطالب طهران بالإفراج عن جميع الأصول. وأضاف أن واشنطن أبدت مرونة بالسماح لإيران بمواصلة بعض الأنشطة النووية السلمية تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

لكن الولايات المتحدة لم تؤكد أنها وافقت على أي شيء في المحادثات، إذ نفى مسؤول أميركي تقريراً لوكالة «تسنيم»، التابعة لـ«الحرس الثوري»، أفاد بأن واشنطن وافقت على تعليق العقوبات النفطية في أثناء المفاوضات.

وكانت وكالة «فارس»، التابعة لـ«الحرس الثوري»، قد ذكرت أن الرد الأميركي تضمن خمس نقاط، أبرزها نقل 400 كيلوغرام من اليورانيوم الإيراني العالي التخصيب إلى الولايات المتحدة، والإبقاء على منشأة نووية واحدة فقط عاملة في إيران، وعدم دفع تعويضات أو الإفراج عن أكثر من 25 في المائة من الأصول المجمدة، وربط وقف الحرب بالدخول في مفاوضات رسمية.

«مستعدة لكل السيناريوهات»

ورد مسؤولون إيرانيون بلهجة تصعيدية على تهديدات ترمب. وقال قائد عمليات هيئة الأركان المشتركة في إيران، علي عبداللهي، إن على الولايات المتحدة وحلفائها ألا يرتكبوا مجدداً «خطأ استراتيجياً» أو «سوء تقدير»، مؤكداً أن القوات المسلحة الإيرانية «أكثر استعداداً وقوة من السابق»، وسترد على أي هجوم جديد «بسرعة وحسم وقوة وعلى نطاق واسع».

وقال رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، إبراهيم عزيزي، إن تردد ترمب في مهاجمة إيران يعود إلى إدراكه أن أي تحرك ضدها سيقابل «برد عسكري حاسم» و«جبهة داخلية موحدة». وكتب على «إكس» أن ترمب «لا يكترث بوساطة قادة دول الخليج»، معتبراً أن «القوة هي اللغة الوحيدة التي يفهمها».

وقال المتحدث باسم اللجنة، إبراهيم رضائي، إن أي هجوم أميركي جديد سيواجه «رداً أقوى»، وسيجعل ترمب «أكثر إحراجاً». وأضاف، وفق التلفزيون الرسمي، أن طهران «مستعدة لكل السيناريوهات»، وأن على الأميركيين «إما الخضوع للدبلوماسية وشروط إيران، وإما الخضوع لقوة صواريخها».

كما كتب محسن رضائي، القيادي في «الحرس الثوري» والمستشار العسكري للمرشد الإيراني، أن تحديد موعد لهجوم ثم إلغاءه «نابعان من وهم» دفع الشعب والمسؤولين في إيران إلى الاستسلام. وقال لاحقاً إن إيران «لن تقبل الحصار البحري الأميركي»، موجهاً حديثه إلى الجيش الأميركي: «نصيحتي لكم أن تتراجعوا قبل أن يتحول بحر عُمان إلى مقبرة لسفنكم».

تأتي تهديدات ترمب وسط استمرار الاستعدادات الأميركية - الإسرائيلية لاحتمال استئناف الهجمات على إيران، بعد وقف إطلاق نار هش دخل حيز التنفيذ في 8 أبريل (نيسان)، عقب نحو 40 يوماً من الحرب التي بدأت بضربات أميركية - إسرائيلية في 28 فبراير (شباط).

وتقول تقارير أميركية إن البنتاغون يدرس احتمال استئناف عملية «الغضب الملحمي» في الأيام المقبلة، بينما أبلغ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن تل أبيب تراقب إيران من كثب، وأنها «مستعدة لأي سيناريو».

مروحية أميركية تحلق قرب سفينة تجارية في عرض البحر خلال عملية مراقبة قرب مضيق هرمز (سنتكوم)

وفي وقت سابق من هذا الأسبوع، نقلت «نيويورك تايمز» عن مسؤولين في الشرق الأوسط أن واشنطن وتل أبيب منخرطتان في استعدادات مكثفة، هي الكبرى منذ بدء وقف إطلاق النار، لاحتمال استئناف الهجمات.

وبحسب الصحيفة، حذر بعض المسؤولين الأميركيين من أن تصريح ترمب العلني بتأجيل الضربة «قد يكون شكلاً من أشكال التضليل، وأنه لا يزال بإمكانه المضي قدماً في شن الضربات».

وأشار المسؤولون إلى أنه في فبراير، خطط مسؤولون أميركيون وإيرانيون لجولة من المفاوضات قبل أيام قليلة من بدء الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل.

ورغم أن الحملة العسكرية ألحقت أضراراً كبيرة بإيران، بينها تدمير آلاف الأهداف وإضعاف البحرية الإيرانية وقتل قادة عسكريين واستخباراتيين، فإن مسؤولين عسكريين أميركيين يقولون إن طهران أظهرت قدرة كبيرة على الصمود.

ووفق تقرير لـ«نيويورك تايمز»، استغلت إيران الهدنة لإزالة الأنقاض عن عشرات مواقع الصواريخ الباليستية، ونقل منصات إطلاق متحركة، وتعديل تكتيكاتها استعداداً لأي جولة جديدة.

وقال مسؤول عسكري أميركي إن كثيراً من الصواريخ الإيرانية نُشرت في كهوف ومنشآت محفورة في جبال يصعب تدميرها، وإن الضربات الأميركية استهدفت غالباً مداخل المواقع، ما أدى إلى دفنها لا تدميرها. وأضاف أن إسقاط طائرة «إف-15 إي» وإصابة «إف-35» بنيران أرضية كشفا أن تكتيكات الطيران الأميركية أصبحت أكثر قابلية للتوقع.

وقال الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأميركية، خلال جلسة استماع في مجلس النواب، الثلاثاء، إن عملية «الغضب الملحمي» أضعفت بدرجة كبيرة صواريخ إيران الباليستية ومسيّراتها، ودمّرت 90 في المائة من قاعدتها الصناعية الدفاعية.

إن عملية «الغضب الملحمي» أضعفت بدرجة كبيرة صواريخ إيران الباليستية ومسيّراتها، ودمّرت 90 في المائة من قاعدتها الصناعية الدفاعية.

وأكد أن الولايات المتحدة «لا تستهدف المدنيين» وتتعامل بجدية مع تقارير الخسائر المدنية، ووصف التحقيق، الذي يجريه الجيش الأميركي بشأن ‌قصف مدرسة ‌بنات في ​إيران، ‌بأنه «معقد»، ⁠نظراً ​لوجود المدرسة ⁠داخل موقع إيراني نشط لإطلاق صواريخ كروز.

ووقع الهجوم ⁠في ⁠28 فبراير أول يوم للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران. وقال مسؤولون إيرانيون إنها أسفرت عن مقتل 168 من الأطفال، معظمهم ​من ​الفتيات.

وقال كوبر إن قوات «سنتكوم» أدت أدواراً رئيسية خلال الأشهر السبعة الماضية، شملت تنفيذ خطة الرئيس للسلام في غزة، وتقليص تهديد «داعش» في سوريا، ونقل أكثر من 5700 سجين من عناصر التنظيم من سوريا إلى العراق، وبناء «أكثر منظومة دفاع جوي إقليمية تكاملاً وفاعلية»، وصولاً إلى التعامل مع «التهديد الإيراني المتسارع».

الناتو لمهمة في «هرمز»

منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير يبقى مضيق هرمز في قلب الصراع. فقد كان يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية، قبل أن تغلقه إيران فعلياً منذ بداية الحرب، في حين تفرض الولايات المتحدة حصاراً بحرياً على الموانئ الإيرانية.

وتقول طهران إنها لن تفتح المضيق قبل إنهاء الحصار، بينما تلوح واشنطن بإجراءات عسكرية إذا فشلت المفاوضات.

وقالت القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» إن قواتها أعادت توجيه 88 سفينة تجارية وعرقلت مرور أربع سفن لضمان الامتثال الكامل للحصار البحري على إيران.

وفي تصعيد إضافي، قال «الحرس الثوري» إن كابلات الألياف الضوئية للإنترنت التي تمر عبر مضيق هرمز يمكن أن تُخضع لنظام تصاريح.

وذكر في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي أن إيران، بعد فرض سيطرتها على المضيق، يمكنها استناداً إلى «سيادتها» على قعر وباطن البحر في مياهها الإقليمية، إخضاع الكابلات العابرة للممر لنظام موافقات.

في بروكسل، قال القائد الأعلى لقوات الحلفاء في أوروبا، أليكسوس غرينكويتش، إن أي مهمة محتملة لحلف شمال الأطلسي في مضيق هرمز تبقى «قراراً سياسياً». وأضاف خلال لقائه قادة عسكريين من دول الحلف أن الظروف التي قد يدرس فيها «الناتو» التحرك في المضيق «تعود في نهاية المطاف إلى القرار السياسي».

وأفادت «بلومبرغ» بأن «الناتو» بدأ مناقشة احتمال مساعدة السفن على العبور إذا لم يُعد فتح المضيق بحلول أوائل يوليو. ونقلت عن دبلوماسي في دولة عضو أن الفكرة تحظى بدعم عدة أعضاء، لكنها لا تملك بعد الإجماع المطلوب. ومن المقرر أن يلتقي قادة الحلف في أنقرة يومي 7 و8 يوليو.

وقالت الوكالة إن بعض الحلفاء ما زالوا يعارضون تفويض مهمة للحلف في المضيق خشية الانجرار إلى النزاع، فيما تطور فرنسا وبريطانيا خطة للمساعدة في تأمين الملاحة بمجرد تراجع القتال.

تعبئة الشارع

في الداخل الإيراني، تعيش طهران أجواء تعبئة حرب. فقد أقامت السلطات أكشاكاً للتدريب العسكري في ساحات العاصمة لتعليم المدنيين أساسيات استخدام الكلاشنيكوف، في إطار الاستعداد لاحتمال استئناف القتال مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

وشملت الجلسات رجالاً ونساءً وأطفالاً حضروا عروضاً عن تفكيك السلاح وتركيبه. وقال عنصر من «الحرس الثوري» إن المشاركة «طوعية» وتهدف إلى إعداد المدنيين لمواجهة جديدة.

وتبنّى التلفزيون الرسمي المبادرة، واستضاف عنصراً من «الحرس الثوري» لتعليم مذيعة كيفية التصويب وإطلاق النار، في مشهد دافع عنه مسؤول في هيئة الإذاعة والتلفزيون، معتبراً أنه عمل رمزي لإظهار الاستعداد العسكري الشعبي.