عراقجي: الدعوات للتفاوض مع إيران بدأت من جديد

قال إن طهران قادرة على الدفاع عن نفسها في حال فرض حرب ثانية

صورة نشرها موقع عراقجي الرسمي من حديثه أمام مؤتمر بمركز أبحاث الوزارة الخارجية الإيرانية في طهران اليوم
صورة نشرها موقع عراقجي الرسمي من حديثه أمام مؤتمر بمركز أبحاث الوزارة الخارجية الإيرانية في طهران اليوم
TT

عراقجي: الدعوات للتفاوض مع إيران بدأت من جديد

صورة نشرها موقع عراقجي الرسمي من حديثه أمام مؤتمر بمركز أبحاث الوزارة الخارجية الإيرانية في طهران اليوم
صورة نشرها موقع عراقجي الرسمي من حديثه أمام مؤتمر بمركز أبحاث الوزارة الخارجية الإيرانية في طهران اليوم

قال وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، إن «الدعوات لاستئناف التفاوض مع إيران قد بدأت من جديد»، مشدداً على أن بلاده بعد مرور عدة أشهر على حرب الـ12 يوماً مع إسرائيل «باتت أقوى دفاعياً مما كانت عليه، وقد أعيد ترميم قدراتها بالكامل»، وأنها «جاهزة» حتى في حال فرض حرب جديدة.

ونقلت وسائل إعلام إيرانية عن عراقجي قوله في مستهل جلسة فرعية لمنتدى «طهران للحوار»، تحت عنوان «القانون الدولي تحت الهجوم... العدوان والدفاع عن النفس»، إن طهران «ملتزمة بالحلول السلمية والحوار»، مضيفاً أن مسار برنامجها النووي يمضي وفق قوانين الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وقال الوزير إن «الهجوم العسكري الأخير على إيران، الذي كان في جوهره شكلاً من أشكال الهجوم على الدبلوماسية، أثبت أنه لا يوجد بديل عن الدبلوماسية»، مشيراً إلى أن «أيّاً من أهداف إسرائيل والولايات المتحدة لم يتحقق».

وكرر عراقجي الرواية الرسمية قائلاً إن «أحد أهداف الهجوم كان تدمير البرنامج النووي الإيراني»، مضيفاً: «قد تُستهدف منشآت وتدمر، لكن التكنولوجيا لا يمكن القضاء عليها بالقصف».

جاء ذلك في وقت ذكرت وسائل إعلام إيرانية أن عراقجي وجّه رسالة خطية إلى رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني، دون الكشف عن تفاصيل الرسالة.

ونقل الرسالة مجيد تخت روانجي، نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون السياسية، الذي يزور الدوحة، حيث أجرى مشاورات مع وزير الدولة بوزارة الخارجية القطرية محمد بن عبد العزيز بن صالح الخليفي، تناولت التعاون الثنائي وسبل تعزيزها، فضلاً عن التطورات في قطاع غزة، بما في ذلك وقف إطلاق النار بين «حماس»، وإسرائيل.

صورة نشرها موقع عراقجي الرسمي من حديثه أمام مؤتمر بمركز أبحاث الوزارة الخارجية الإيرانية في طهران اليوم

وفي الأسبوع الماضي، نفت طهران رسمياً تلقي رسائل من واشنطن عبر الوسطاء، وذلك بعدما قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن المسؤولين الإيرانيين يحاولون استئناف المفاوضات والتوصل إلى اتفاق. وقبل عطلة نهاية الأسبوع، أعاد ترمب التأكيد على سعي إيران لإبرام اتفاق جديد، وتفاخر مرة أخرى بضربات وجهتها الولايات المتحدة لثلاث منشآت رئيسية في برنامج تخصيب اليورانيوم الإيراني، في إطار الحرب الـ12 يوماً بين إسرائيل وإيران.

«قادرة على البقاء»

وأفاد عراقجي بأن الدعوات إلى التفاوض «بدأت من جديد بشكل طبيعي، بعد أن اتضح أن العمل العسكري لم يحقق أهدافه»، مشدداً على أن «التفاوض له إطار واضح».

وأشار المسؤول الإيراني إلى أن «إيران لم تغادر طاولة المفاوضات في أي وقت... الجمهورية الإسلامية كانت دائماً مستعدة للحوار»، لكن «التفاوض له قواعده وإطاره».

وقال عراقجي إن إيران «لم تخن المفاوضات يوماً»، مضيفاً أن «الأطراف المقابلة هي التي خانت الدبلوماسية». واعتبر أن الدبلوماسية «ما تزال قادرة على البقاء، ويمكن أن تشكّل الحل النهائي لتسوية الخلافات». وزاد أن الدبلوماسية «هي الخيار الأخير»، لكنها «يجب أن تمارس ضمن إطارها الطبيعي»، مشدداً على التزام الجمهورية الإسلامية «بالحلول السلمية والحوار، خصوصاً في قضايا المنطقة».

وبشأن أوضاع البلاد بعد الحرب الأخيرة، أعرب عراقجي عن ثقته بأن مستقبل الجمهورية الإسلامية «يبدو مشرقاً للغاية»، لافتاً إلى أن إيران «نجحت في تجاوز حرب شديدة للغاية»، وأن «أهداف النظام الإسرائيلي لم تتحقق بأي شكل».

«أقوى دفاعياً»

وأوضح أن الإسرائيليين «كانوا في الأيام الأولى للحرب يطالبون باستسلام إيراني غير مشروط، وفي الأيام الأخيرة يطلبون وقفاً غير مشروط لإطلاق النار»، معتبراً أن هذا التحول «كان نتيجة لقدرات إيران». وأضاف أن بلاده استعادت قدرتها الدفاعية «في غضون ساعات من اليوم الأول للحرب»، وأن هذه القدرة «توسعت يوماً بعد يوم»، مشيراً إلى أن «المجال الجوي لإسرائيل كان تحت سيطرة الصواريخ الإيرانية»، وأن إيران «تجاوزت الحرب بنجاح».

وأضاف في السياق نفسه أن «التكنولوجيا النووية الإيرانية ما تزال قائمة»، وأن «أي منشأة تتعرض للضرر يمكن إعادة بنائها». ولفت إلى أن إيران «أقوى دفاعياً مما كانت عليه»، مضيفاً أن بلاده «تعلمت دروساً كثيرة من الحرب، وتعرفت إلى نقاط ضعفها وقوتها ونقاط ضعف العدو وقوته». وقال إنه في حال تكرار الحرب اليوم «ستكون إيران قادرة على الدفاع بصورة أفضل وأقوى من الماضي»، معتبراً أن هذه الجاهزية «هي بحد ذاتها عامل ردع يمنع الحرب».

ورأى وزير الخارجية أن الحرب جاءت «نتيجة حساب خاطئ من العدو، الذي اعتقد أن إيران غير قادرة على الدفاع عن نفسها»، مضيفاً: «أما اليوم فنحن أقوى من ذي قبل، وهذه الجاهزية للحرب تشكّل عاملاً مهماً لمنع نشوب حرب جديدة».

«جاهزية لمسارين»

وأقر عراقجي بخسائر وتأثير العقوبات، لكنه رأى أنها «لم تقيّد قدرات إيران»، وأن لدى بلاده «القدرة على تجاوز هذه التحديات». وشدّد على أن الولايات المتحدة وسائر الأطراف «يجب أن يدركوا أن حل القضايا مع إيران لا يكون إلا بالدبلوماسية، وبالتعامل بلغة الكرامة والاحترام مع الشعب الإيراني».

وقال: «كما أثبتنا سابقاً، حين يخاطب الشعب الإيراني بلغة الاحترام والكرامة تكون المفاوضات ناجحة. أما إذا استخدمت لغة أخرى، فسنتحدث نحن أيضاً بلغة أخرى». وأضاف أن إيران اليوم، في ضوء حرب الأيام الـ12 والاتفاق النووي، أمام «تجربتين واضحتين: الأولى احتفل فيها العالم بنجاح الدبلوماسية ثم خانتها الولايات المتحدة، والثانية شهدت حرباً وردت إيران فيها بالمثل». وشدد على أن «إيران مستعدة لكلا المسارين».

وبموازاة كلمته المطولة، أجاب عراقجي على هامش المؤتمر عن أسئلة الصحافيين بشأن الانتقادات الموجهة لأداء الوزارة الخارجية وما وصف بـ«التراخي» في الملفات الرئيسية للسياسة الخارجية، بما في ذلك الخروج من المأزق التفاوضي والسعي لرفع العقوبات.

وألقى عراقجي بالكرة في ملعب الطرف الآخر، قائلاً إن لدى طهران مبادرات تفاوضية جاهزة، لكنها مشروطة بصون مصالح الشعب الإيراني، محذراً من أن أي مسار تفاوضي يتجاهل حقوق الإيرانيين أو يقوم على مطالب «متجاوزة» لن يلقى قبولاً داخلياً، مضيفاً أن النهج الأميركي الحالي «لا يعكس أي استعداد لحوار متكافئ». وشدد على أن إيران «لطالما دعمت الدبلوماسية»، لكنها لن تقبل إلا بمفاوضات «عادلة، استراتيجية، قائمة على المصالح المتبادلة».

وأشار إلى أن وزارة الخارجية حققت «إنجازاً غير مسبوق» في ملف آلية استعادة العقوبات (سناب باك)، بعدما أدى الانقسام داخل مجلس الأمن إلى اعتراف أميركي بأن «إيران قسمت العالم إلى أغلبية تؤيدها وأقلية تؤيد واشنطن».

وحمّل عراقجي الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية المسؤولية عن «إعادة العلاقات الدولية إلى قانون الغاب» عبر سياسات تقوم على الهجوم، وفرض الإملاءات، والمطالبة بالاستسلام، وتحديد ما يجب أن يحدث داخل الدول الأخرى، ما يفضي إلى الفوضى الدولية على حد تعبيره.

وقال عراقجي إن إيران ستواصل «المقاومة أمام الهيمنة»، وفي الوقت نفسه «التمسك بالدبلوماسية والحوار» لإرساء السلام، مشيراً إلى أن طهران ستمضي في «الحلول السلمية لكنها لن تتراجع أمام الضغوط أو الإملاءات». وأضاف أن بلاده «قادرة على الدفاع عن نفسها حتى في حال فرض حرب جديدة».

وأضاف: «سياستنا هي المقاومة في وجه النزعات الاستعلائية؛ لا للهيمنة، ونعم للدبلوماسية والحوار والتفاهم، وقد أثبتنا ذلك عملياً». وشدد على أن إيران حاولت خلال الأشهر الماضية منع تصعيد الحرب، لكن «الانحراف الإدراكي» في واشنطن قاد إلى الاعتقاد بإمكانية تحقيق الأهداف بالقوة العسكرية، قبل أن تعود الولايات المتحدة لاحقاً للبحث عن مكاسب عبر «استعراض التفاوض».

صورة نشرها موقع عراقجي من حديثه للصحافيين ويقف بجواره نائبه سعيد خطيب زاده على هامش منتدى «طهران للحوار» اليوم

وحول ما إذا كانت لدى إيران مقاربة جديدة للتفاوض مع واشنطن، أوضح عراقجي: «لم أقل إن لدينا خطة جديدة؛ لطالما أيدت الجمهورية الإسلامية الدبلوماسية والمفاوضات، ولكن المفاوضات العادلة، المبنية على استراتيجية واضحة، وعلى أساس المصالح المتبادلة، والتي تجرى بصورة منصفة وشريفة. أما النهج الحالي للإدارة الأميركية، فلا يُظهر بأي شكل من الأشكال استعداداً لمفاوضات متكافئة وعادلة يمكن أن تحقق مصالح متبادلة».

وأضاف: «ما شهدناه حتى الآن من الأميركيين هو في الحقيقة محاولة لفرض مطالب قصوى ومتجاوزة. وفي مواجهة مثل هذه المطالب، لا نرى أي مجال للحوار. ومع ذلك، فإن إيران كانت دائماً، ولا تزال، وستظل مستعدة للحوار؛ لكنها لن تشارك أبداً في مفاوضات يغلب عليها الطابع الإملائي».

أما عن احتمال إطلاق جولة جديدة من المفاوضات مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية بوساطة مصر، قال عراقجي: «هناك دول مختلفة، ولا سيما في المنطقة، تبذل جهوداً لإرساء السلام والهدوء ومنع تصاعد التوتر، وتتواصل معنا في هذا الإطار. ونحن أيضاً نجري مشاوراتنا واتصالاتنا بشكل مستمر. كذلك فإن العلاقات والحوار مع الوكالة الذرية مستمران. سفيرنا في فيينا نشط للغاية، وقد التقى قبل ليلتين سفراء إيران وروسيا والصين مع المدير العام للوكالة في اجتماع مشترك». تابع: «هناك قواعد واضحة للتعاون مع الوكالة ينبغي الالتزام بها مع تغير الظروف الميدانية. وما دام هناك احترام هذه القواعد، فإن التعاون سيستمر».

«لا ثقة بالتفاوض»

وعلى هامش المؤتمر، قال نائب وزير الخارجية الإيراني، سعيد خطيب زاده، إن بلاده «لا تثق بالتفاوض مع الولايات المتحدة ما دامت واشنطن تعتمد وضعية مسلحة وتصعيداً عسكرياً»، متحدثاً عن استعداد إيران «لاتخاذ الإجراءات اللازمة في مواجهة الخدع التي يلجأ إليها الطرف المقابل».

وأضاف خطيب زاده الذي يترأس مركز أبحاث وزارة الخارجية: «التفاوض بينما الطرف الآخر يوظف كامل ترسانته العسكرية ضد دول أخرى، ويحشد موارده ويتخذ وضعيات تهديد، لا يمكن اعتباره مفاوضة محايدة». وأضاف أن ما يجري في مثل هذه الظروف «يتطلب الحذر الدائم والانتباه إلى نوايا وإجراءات الطرف المقابل».

وقال إن الولايات المتحدة هاجمت إيران «بعد ساعات فقط من تبادل الرسائل» بينما كانت طهران تستعد للجولة السادسة من المفاوضات في مسقط، موضحاً: «بينما كنا نتهيأ لاستئناف التفاوض، شنت واشنطن والكيان الصهيوني هجوماً منسقاً على البلاد».

ورأى أن «من ينسف طاولة التفاوض لا يمكنه الحديث عن الحوار»، مشيراً إلى أن واشنطن «لم تُبدِ أي استعداد لمفاوضات حقيقية قائمة على النتائج». وأضاف أن إيران «بذلت كل جهدها لمنع الحرب»، لكن ما حدث كان «نتيجة أوهام في واشنطن»، وأن الأميركيين يسعون الآن إلى تحقيق أهدافهم عبر «مسرحية اسمها التفاوض بعد الفشل العسكري». وأضاف أن طهران «مستعدة للتحرك ضمن إطار توجيهات القيادة (المرشد علي خامنئي)»، مضيفاً أن «المصالح العليا للشعب الإيراني» تبقى معيارها الأساسي.


مقالات ذات صلة

«الأمن القومي» الإيراني يدخل على خط السجال حول المفاوضات

شؤون إقليمية صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان

«الأمن القومي» الإيراني يدخل على خط السجال حول المفاوضات

دخل المجلس الأمن القومي الإيراني على خط السجال الداخلي المتصاعد بشأن إدارة المفاوضات مع الولايات المتحدة، بعد موجة انتقادات طالت وزير الخارجية عباس عراقجي.

«الشرق الأوسط» (لندن_طهران)
شؤون إقليمية ناقلات نفط راسية في مضيق هرمز (أ.ب) p-circle

تقرير: الجيش الأميركي يستعد لمداهمة سفن مرتبطة بإيران

ذكرت ​صحيفة «وول ستريت جورنال»، السبت، ‌نقلاً ‌عن ​مسؤولين ‌⁠قولهم ​إن الجيش ⁠الأميركي يستعد لمداهمة ‌ناقلات ​نفط ‌مرتبطة بإيران، والسيطرة ‌على سفن تجارية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تحليل إخباري زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية يوم 18 أبريل (أ.ب)

تحليل إخباري هرمز بين حصارَين... حرب ترمب الاقتصادية أو عودة إيران إلى الحافة

مع عودة التوتر إلى مضيق هرمز، بدا المشهد خلال الساعات الأخيرة أقرب إلى هدنة معلقة فوق فوهة بركان، وفق ما يرى مراقبون.

إيلي يوسف (واشنطن)
شؤون إقليمية وزراء خارجية تركيا والسعودية ومصر وباكستان خلال اجتماعهم في أنطاليا لمناقشة جهود وقف حرب إيران (رويترز)

وزراء خارجية تركيا والسعودية ومصر وباكستان يبحثون جهود استئناف مفاوضات حرب إيران

نفى نائب وزير الخارجية الإيراني سعيد خطيب زاده تحديد موعد لعقد جولة جديدة للمفاوضات مع أميركا، مؤكداً أن بلاده لا تسعى لوقف مؤقت لإطلاق النار بل لإنهاء الحرب.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية صورة التقطها قمر اصطناعي يوم 17 يونيو 2025 تُظهر مبنى مُدمّراً في موقع نطنز النووي بإيران (بلانيت لابز - رويترز) p-circle

هل يمكن نقل مخزون اليورانيوم الإيراني إلى دولة ثالثة؟

هل يمكن نقل هذا المخزون إلى دولة ثالثة، وتخفيف تخصيبه إلى درجات غير ضارة؟

«الشرق الأوسط» (لندن)

«الأمن القومي» الإيراني يدخل على خط السجال حول المفاوضات

صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان
صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان
TT

«الأمن القومي» الإيراني يدخل على خط السجال حول المفاوضات

صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان
صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان

دخل مجلس الأمن القومي الإيراني على خط السجال الداخلي المتصاعد بشأن إدارة المفاوضات مع الولايات المتحدة، بعد موجة انتقادات طالت وزير الخارجية عباس عراقجي واتهامات للجهات الرسمية بالغموض وسوء إدارة المعلومات، خصوصاً بعد إعلانه فتح مضيق هرمز بصورة مؤقتة.

وجاء تدخل المجلس في محاولة لتوضيح مسار محادثات إسلام آباد، وشروط الهدنة المؤقتة، وآلية فتح المضيق، في وقت كانت فيه منابر مقربة من «الحرس الثوري» تصعّد هجومها على وزارة الخارجية، وتطالب بتفسير ما جرى للرأي العام، بينما توزعت المواقف داخل مؤسسات الحكم بين الدعوة إلى الانضباط الإعلامي، والمطالبة بتشدد أكبر، والتشكيك في جدوى التفاوض نفسه.

وفي بيان مطول، قالت الأمانة العامة لمجلس الأمن القومي إن الرسائل والطلبات الأميركية لوقف إطلاق النار وبدء التفاوض بدأت منذ اليوم العاشر للحرب، بعد ما وصفته بـ«فشل الأعداء المعتدين» في الميدان العسكري.

وأضافت الأمانة العامة التي يترأسها القيادي في «الحرس الثوري»، محمد باقر ذو القدر، أن الجمهورية الإسلامية قبلت إجراء مفاوضات إسلام آباد في اليوم الأربعين للحرب، بعد إعلان رسمي من الرئيس الأميركي قبول الخطة الإيرانية المكونة من عشرة بنود إطاراً لمفاوضات إنهاء الحرب.

وأوضح البيان أن المحادثات استمرت 21 ساعة متواصلة، وأن الوفد الإيراني طرح مطالب الشعب الإيراني «بجدية وبروح مبادرة» رغم انعدام الثقة العميق بواشنطن، لكن الطرف المقابل عاد، بحسب البيان، وطرح مطالب جديدة ومبالغاً فيها خلال التفاوض، ما أدى إلى انتهاء الجولة من دون نتيجة محددة وتأجيل استئنافها إلى وقت لاحق.

وأوضح البيان أيضاً أن مقترحات أميركية جديدة طُرحت في الأيام الأخيرة عبر الوسيط الباكستاني، وأنها قيد المراجعة حالياً من دون أن تقدم رداً بعد. وشدد على أن الوفد الإيراني «لن يقدم أي تنازل أو تراجع» فيما وصفته بـ«المعركة السياسية» لتثبيت ما تحقق ميدانياً.

عاصم منير يتحدث إلى قاليباف على هامش لقائهما في مقر الوزارة الخارجية بطهران اليوم (البرلمان الإيراني)

كما أكد أن من الشروط الأساسية لقبول وقف إطلاق النار المؤقت وقف العمليات في جميع الجبهات، بما فيها لبنان. وقال إن إصرار طهران أفضى إلى وقف إطلاق نار في لبنان، على أن يُفتح مضيق هرمز بصورة مؤقتة ومشروطة حتى نهاية فترة الهدنة لعبور السفن التجارية فقط، وليس السفن الحربية أو غير العسكرية التابعة لـ«دول معادية»، وذلك تحت إشراف القوات المسلحة الإيرانية وبموجب مسارات محددة.

وأضاف أن اعتماد «القواعد الأميركية» في الخليج على الإمدادات عبر مضيق هرمز يمثل تهديداً للأمن القومي الإيراني، وأن طهران ستواصل فرض الرقابة والسيطرة على الملاحة حتى انتهاء الحرب بالكامل وتحقيق سلام مستدام في المنطقة. وأوضح أن تنظيم حركة العبور يتم عبر الحصول على معلومات كاملة عن السفن، وإصدار تصاريح وفق القواعد الإيرانية المعلنة، وفرض رسوم تتعلق بالأمن والسلامة وحماية البيئة. كما شدد على أن استمرار ما وصفه بمحاولات «العدو» لعرقلة الملاحة أو فرض حصار بحري سيُعد خرقاً لوقف إطلاق النار، وسيؤدي إلى منع أي فتح مشروط أو محدود للمضيق.

وينتهي بيان المجلس بدعوة تحض الإيرانيين على الحفاظ على اليقظة والتماسك الوطني، مع التأكيد على ضرورة نجاح المسار الدبلوماسي إلى جانب تثبيت نتائج الميدان.

وجاء هذا التوضيح بعدما صعّدت وكالتا «فارس» و«تسنيم»، التابعتان لـ«الحرس الثوري»، لهجتهما تجاه طريقة إدارة الملف. ودعت «فارس» المسؤولين إلى تفسير «الصمت» حيال التطورات الأخيرة، واعتبرت أن المجتمع الإيراني دخل في «هالة من الارتباك»، متسائلة: إذا كانت مصلحة البلاد تقتضي عدم نشر تفاصيل المفاوضات أو التطورات الأخيرة، فلماذا لا يُشرح للشعب سبب هذا النهج وضرورة تجنب الشفافية؟

أما «تسنيم» فذهبت أبعد في انتقادها، ووصفت تغريدة عراقجي بشأن المضيق بأنها «سيئة وناقصة» وتمثل «سوء تقدير كاملاً في إيصال المعلومات»، معتبرة أنها نُشرت من دون شروح كافية، وأثارت غموضاً واسعاً بشأن شروط العبور وآلياته وأدت إلى موجة انتقادات كان يمكن تفاديها.

وطالبت «تسنيم» وزارة الخارجية بإعادة النظر في طريقة إدارتها لهذا الملف، بل دعت إلى تدخل مجلس الأمن القومي لوضع آلية أكثر تماسكاً لضبط الرسائل الصادرة عن المؤسسات الرسمية، بما فيها الخارجية.

وقالت الوكالة إن ما ينشره المسؤولون على منصة «إكس»، حتى إن كان موجهاً إلى الخارج أو مكتوباً بالإنجليزية، ينعكس أيضاً على الداخل الإيراني، وإن أي رسالة تثير القلق أو الإحباط تُعد إخلالاً بالتماسك الداخلي.

وفي الساعات الأولى من نشر تغريدة عراقجي، سارعت «فارس» و«تسنيم» إلى نشر معلومات على لسان مصدر مطلع قريب من الأمن القومي بشأن تفاصيل الشروط المرتبطة بإعادة الفتح المؤقت للمضيق، مؤكدتين أن استمرار الحصار البحري سيُعد انتهاكاً لوقف إطلاق النار، وأن العبور يقتصر على السفن التجارية غير المرتبطة بدول معادية، وفق مسارات محددة وتنسيق مع القوات الإيرانية.

وسرعان ما امتدت ردود الفعل إلى شخصيات إعلامية وسياسية مقربة من «الحرس الثوري». فكتب نظام موسوي، المدير المسؤول السابق لصحيفة «جوان»، أن ثقة الناس بالمسؤولين المفاوضين «لا تعني تجاهل الرأي العام»، موجهاً رسالة مباشرة إلى المسؤولين: «قولوا شيئاً».

وذهب نشطاء آخرون، من بينهم علي قلهكي، إلى انتقاد ما وصفوه بـ«الوضع الإعلامي المتردي»، خصوصاً بعد تعارض مضمون تغريدة عراقجي مع توضيحات لاحقة صدرت عن مصدر عسكري عبر التلفزيون الإيراني.

وفي الاتجاه نفسه، دعا حسن عباسي، المنظّر الاستراتيجي المقرب من «الحرس الثوري»، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، علي أكبر ذو القدر، إلى تعيين متحدث «قدير ومتاح دائماً» للمجلس، مطالباً بإنهاء ما وصفه بـ«فتنة الإشاعات والغموض والحيرة» في أذهان الرأي العام.

وامتد السجال أيضاً إلى شخصيات برلمانية ومحلية. فقال النائب مرتضى محمودي إنه «لولا ظروف الحرب» لكان قد جرى استجواب عراقجي بسبب تغريدته، متهماً وزير الخارجية بأنه لعب مراراً دوراً مهدئاً لأسواق النفط والطاقة العالمية بتصريحات «غريبة وغير مناسبة» في لحظات حساسة.

وزير الخارجية عباس عراقجي خلال لقاء قاليباف ومنير في طهران اليوم (البرلمان الإيراني)

وقال عمدة طهران، المحافظ المتشدد علي رضا زاكاني، إن طاولة المفاوضات كان يفترض أن تكون امتداداً ومكملاً للميدان، وإن أي قرار أساسي يجب أن يظل منسجماً مع توجيهات المرشد الإيراني وبموافقته. كما اعتبر أن أي صحة في الرواية الأميركية بشأن استمرار الحصار تعني أن وقف إطلاق النار نُقض وأن إيران لا تزال «في وسط الحرب».

وفي المعسكر الأكثر تشدداً، صعّد عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان، محمود نبويان، هجومه على مسار التفاوض، وقال إن المفاوضات مع الولايات المتحدة «لن تصل إلى نتيجة»، وإن إيران ستواصل الحرب حتى «الهزيمة الكاملة لترمب ونتنياهو». وأضاف أن مسؤولية السيطرة على مضيق هرمز تعود حصراً إلى بحرية «الحرس الثوري»، ولا يحق لأي جهة أخرى التدخل.

وكشف نبويان عن قرار داخل لجنة الأمن القومي يقضي بمنع عبور السفن العسكرية الأميركية من المضيق، ومنع سفن الدول التي «تمنح قواعد للعدو» من المرور أيضاً.

كما قال وزير الاقتصاد السابق، إحسان خاندوزي، إن المرور عبر مضيق هرمز يجب أن يكون فقط للدول غير المتخاصمة وبشرط تحصيل رسوم، محذراً من أن تُسوّق الولايات المتحدة رفع الحصار البحري كأنه امتياز لإيران، ومشدداً على أن باب الحوار يجب أن يُغلق ما دام الحصار قائماً.

في المقابل، صدرت دعوات إلى قدر من الانضباط الإعلامي من داخل الجهاز التنفيذي. فقد قال علي أحمدنيا، رئيس دائرة الإعلام الحكومي، إن ما وصفه بـ«العمليات النفسية وصناعة الإنجازات عبر التغريدات» يتطلب الحذر، مؤكداً ضرورة الحفاظ على الوحدة وعدم خدمة «مخطط العدو» من دون قصد.

وأضاف أن فريق الدبلوماسية يعمل في إطار استراتيجية «العزة والمصلحة والحكمة» للدفاع عن حقوق إيران في الإعلام وعلى طاولة المفاوضات. وقال وزير الثقافة السابق، محمد مهدي إسماعيلي، إن الاستراتيجية الأميركية في المفاوضات تقوم على «أخذ كل شيء من دون تقديم أي مقابل».

فيما دخلت مؤسسات أخرى على الخط، من بينها السلطة القضائية التي طالب رئيسها، غلام حسين محسني إجئي، بملاحقة الولايات المتحدة وإسرائيل قضائياً ودفعهما تعويضات عن الحرب.

تأتي هذه الخلافات في وقت تشير فيه تقديرات استخباراتية أميركية وغربية إلى أن الحرب الأميركية - الإسرائيلية أضعفت آلية صنع القرار داخل إيران، بعد مقتل عدد من كبار القادة وتضرر منظومة القيادة والسيطرة.

ووفق هذه التقديرات، باتت قنوات التواصل بين مراكز القرار أكثر تعقيداً، فيما يواجه المسؤولون صعوبات في التنسيق وعقد الاجتماعات، وسط مخاوف من الاستهداف.

كما تعزز نفوذ التيار المتشدد داخل «الحرس الثوري» على حساب مؤسسات أخرى، في ظل غموض يحيط بحدود سلطة المرشد الجديد مجتبى خامنئي، الذي لم يظهر علناً منذ توليه المنصب، فيما تعتقد أجهزة استخبارات أميركية وإسرائيلية أنه أصيب خلال الحرب.

ويرى مسؤولون أن هذا المشهد انعكس على أداء المفاوضين، الذين يعملون في بيئة تتسم بتعدد مراكز القرار وتباين الرسائل، ما يزيد صعوبة بلورة موقف تفاوضي موحد أو تقديم تنازلات واضحة.


تقرير: الجيش الأميركي يستعد لمداهمة سفن مرتبطة بإيران

ناقلات نفط راسية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلات نفط راسية في مضيق هرمز (أ.ب)
TT

تقرير: الجيش الأميركي يستعد لمداهمة سفن مرتبطة بإيران

ناقلات نفط راسية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلات نفط راسية في مضيق هرمز (أ.ب)

ذكرت ​صحيفة «وول ستريت جورنال»، السبت، ‌نقلاً ‌عن ​مسؤولين ‌أميركيين ⁠قولهم ​إن الجيش ⁠الأميركي يستعد خلال الأيام ⁠المقبلة ‌لمداهمة ‌ناقلات ​نفط ‌مرتبطة بإيران، والسيطرة ‌على سفن تجارية ‌في المياه الدولية.

ووفق الصحيفة الأميركية، يستهدف الجيش بذلك توسيع نطاق حملته البحرية ضد إيران لتشمل مناطق خارج الشرق الأوسط.

وتأتي هذه الخطوة في ظل استمرار الجيش الإيراني في تشديد قبضته على مضيق هرمز، حيث هاجم «الحرس الثوري» الإيراني عدة سفن تجارية، السبت، في المضيق، معلناً أن الممر المائي الحيوي يخضع «لسيطرة إيرانية مشددة».

وقد دفعت هذه التطورات شركات الشحن إلى حالة من الارتباك بعد يوم من تصريح وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، بأن المضيق مفتوح بالكامل أمام حركة الملاحة التجارية، وهو إعلان رحّب به الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

ويهدف قرار إدارة ترمب بتصعيد الضغط الاقتصادي على طهران إلى إجبار النظام الإيراني على إعادة فتح المضيق، وتقديم تنازلات بشأن البرنامج النووي الإيراني، الذي يعد محور المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران.

ونقلت وكالة أنباء «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» عن محمد رضا عارف، النائب الأول للرئيس الإيراني، قوله، السبت، إن إيران تستخدم السيطرة على مضيق هرمز أداةَ ضغط سياسية في مواجهة العقوبات الدولية.

بدوره، قال الرئيس الأميركي إنه لن يسمح بتحرك إيران لإغلاق المضيق بوضعه تحت الضغط، بعد أن أعادت طهران إغلاق الممر المائي بعد رفض ترمب إزالة الحصار الذي فرضه على الموانئ الإيرانية.

ووفقاً للقيادة المركزية الأميركية، فقد أعادت الولايات المتحدة بالفعل 23 سفينة حاولت مغادرة الموانئ الإيرانية في إطار الحصار البحري.

وسيُمكّن توسيع نطاق هذه الحملة الولايات المتحدة من السيطرة على السفن المرتبطة بإيران حول العالم، بما في ذلك السفن التي تحمل النفط الإيراني والتي تبحر بالفعل خارج الخليج وبحر العرب، وتلك التي تحمل أسلحة قد تدعم النظام الإيراني، وفق «وول ستريت جورنال».


هرمز بين حصارَين... حرب ترمب الاقتصادية أو عودة إيران إلى الحافة

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية يوم 18 أبريل (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية يوم 18 أبريل (أ.ب)
TT

هرمز بين حصارَين... حرب ترمب الاقتصادية أو عودة إيران إلى الحافة

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية يوم 18 أبريل (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية يوم 18 أبريل (أ.ب)

مع عودة التوتر إلى مضيق هرمز، بدا المشهد خلال الساعات الأخيرة أقرب إلى هدنة معلقة فوق فوهة بركان، وفق ما يرى مراقبون؛ ففي أقل من يوم، انتقل الخطاب من حديث عن فتح المضيق واستئناف المرور، إلى إعلان إيراني جديد بأن هرمز «عاد إلى وضعه السابق»، وأنه بات تحت «الإدارة والسيطرة الصارمة» للقوات المسلحة الإيرانية، فيما تمسك الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن الحصار البحري على الموانئ الإيرانية سيظل «سارياً بالكامل» إلى حين التوصل إلى اتفاق شامل.

هذا التناقض لا يعكس فقط حرب روايات بين واشنطن وطهران، بل يكشف أيضاً عن أن الطرفين يحاولان التفاوض من موقع الضغط الأقصى، من دون أن يكون أي منهما مستعداً فعلاً لتحمل كلفة العودة الكاملة إلى الحرب. ويرى مراقبون أن جوهر المرحلة الراهنة لم يعد فقط: مَن يسيطر على هرمز؟ بل: من يستطيع الصمود اقتصادياً وسياسياً أكثر في اختبار الوقت؟

تصريحات متضاربة

ومع عودة إيران إلى إغلاق المضيق عملياً، تجدد التراشق الإعلامي بين واشنطن وطهران. وبعدما قال ترمب إن إيران وافقت على ألا تستخدم المضيق «سلاحاً» مجدداً، وإن جولة جديدة من المحادثات قد تُعقد قريباً، سارعت طهران إلى نفي وجود «اتفاق جديد»، ووصفت الرواية الأميركية بأنها «ضجيج» و«أكاذيب».

كما أفادت «رويترز» بأن القوات الأميركية أعادت 23 سفينة كانت متجهة إلى إيران، في مؤشر على أن واشنطن لا تتعامل مع مسألة الهدنة باعتبارها عودة إلى الوضع الطبيعي، بل باعتبارها فرصة لتكثيف الضغط البحري.

هذه الفجوة بين الإعلانين الأميركي والإيراني تعني أن المضيق قد يكون «مفتوحاً» بالمعنى الدعائي، لكنه ما زال «مقيداً» عملياً بسبب المرور المحدود، والرقابة الإيرانية، وأخطار الألغام والزوارق، فضلاً عن رسائل متبادلة تجعل شركات الشحن والتأمين تتصرف على أساس أن البيئة لا تزال شديدة المخاطر.

من يتحمل الضغط أكثر؟

وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث ورئيس الأركان المشتركة الجنرال دان كين وقائد «سينتكوم» الجنرال شارلز كوبر خلال مؤتمر في البنتاغون (رويترز)

ويرى مراقبون أن رهان ترمب واضح: إذا كانت الحرب العسكرية لم تُجبر إيران على فتح هرمز والتنازل سريعاً، فإن «الحرب الاقتصادية عبر الحصار البحري» قد تفعل ذلك.

ويشيرون إلى أن هذا الرهان ليس مضموناً؛ فمن جهة، فهو يضرب أهم مصدر دخل خارجي لطهران، أي صادرات النفط، ويضغط أيضاً على الواردات الحيوية والمواد الوسيطة اللازمة للصناعة والإعمار. ومن جهة أخرى، لدى إيران خبرة طويلة في التكيف مع العقوبات، وشبكات تهريب، وأسواق ظل، ولديها مشترٍ رئيسي هو الصين، ما يجعل قدرتها على «العيش في الأزمة» أعلى من قدرة خصوم كثيرين على تحمل فوضى إقليمية مفتوحة.

لذلك، تبدو لعبة «من يتراجع أولاً» معقدة؛ لأن واشنطن تعتقد أن الزمن صار ضد إيران، بينما طهران تراهن على أن خصومها والأسواق العالمية ودول الخليج، سيتعبون أولاً من كلفة الاختناق المزمن.

ويلفت دبلوماسيون إلى أن بعض التقديرات تشير إلى أن الضرر لم يعد رمزياً. وذكرت «نيويورك تايمز» أن النفط ما زال يمثل أكثر من 40 في المائة من عائدات التصدير الإيرانية، وأن الصين اشترت 90 في المائة من النفط الإيراني في عام 2024، فيما قُدرت مشترياتها في 2025 بنحو 31.5 مليار دولار، أي ما يعادل 45 في المائة من موازنة الحكومة الإيرانية.

وإذا صحت هذه الأرقام، فإن أي تعطيل ممتد للتدفقات البحرية يضع النظام أمام مشكلة سيولة وعجز مالي حقيقية، لا مجرد ضيق مؤقت، خصوصاً بعد عرض روسيا استعدادها لتعويض الصين عن النقص الإيراني.

ومع ذلك، يظل هذا الضغط أقل حسماً مما يفترضه البيت الأبيض؛ لأن هدف طهران في ظروف الحرب ليس تعظيم الإيرادات بل الإبقاء على الحد الأدنى الذي يسمح للاقتصاد بأن «يعرج» ولا ينهار.

أثر الحصار البحري

ناقلة نفط راسية قرب جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)

وبحسب تقارير أميركية، فإن الحصار البحري الحالي يضرب الاقتصاد الإيراني على ثلاث طبقات: الأولى هي طبقة الإيرادات النفطية المباشرة؛ إذ نقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن محللين، أن إيران قد تصل خلال أسبوعين أو ثلاثة إلى ما يسمى «امتلاء الخزانات»، أي نفاد القدرة التخزينية على اليابسة، ما يضطرها إلى خفض الإنتاج أو إغلاق آبار النفط، وهي خطوة عادة ما تُحدث أضراراً طويلة الأجل لبعض الحقول.

كما تذكر الصحيفة أن تكلفة الحصار قد تبلغ نحو 435 مليون دولار يومياً، منها 276 مليوناً خسائر صادرات، معظمها نفط وبتروكيماويات. وإذا استمر هذا المستوى من النزف الاقتصادي، فإن الخسارة الشهرية تصبح بمليارات الدولارات، لا سيما في اقتصاد أنهكته الحرب أصلاً.

أما الطبقة الثانية، فهي طبقة الإنتاج الصناعي وسلاسل الإمداد؛ فالقصف الأميركي - الإسرائيلي ألحق أضراراً بمصانع وشبكات نقل، ومنشآت كهرباء، ومجمعات بتروكيماوية، ومراكز لإنتاج الصلب.

وفي هذا السياق، لم يعد الحصار مجرد وسيلة لوقف التصدير، بل صار أداة لتعميق الاختناق الداخلي عبر تعطيل استيراد المواد والقطع اللازمة لإعادة تشغيل ما تبقى من الاقتصاد. وهنا تتضح المفارقة؛ لأنه حتى القطاعات التي نجت من القصف قد تُصاب بالشلل إذا تعذر عليها استيراد المدخلات.

أما الطبقة الثالثة فهي الخسارة الكلية المركبة: أي كلفة إعادة الإعمار، وفقدان الوظائف، وانقطاع الإنترنت، وتآكل الثقة. ويتحدث الإعلام الإيراني عن تقدير أولي لإعادة الإعمار عند 270 مليار دولار، وتذّكر تقديرات بخطر يتهدد ما يصل إلى 12 مليون وظيفة، كما تشير إلى خسائر بنحو 1.8 مليار دولار جراء انقطاع الإنترنت خلال 48 يوماً.

وهذه أرقام يجب التعامل معها بحذر؛ لأن بعضها تقديري وبعضها صادر عن جهات غير رسمية، لكنها في مجموعها ترسم صورة لاقتصاد لا يعاني من ضربة واحدة، بل من صدمات متراكبة: حرب، وحصار، واختناق لوجيستي، وعطب رقمي.

الحصار وآلية «سناب باك»

نائب وزير الخارجية الإيراني سعيد خطيب زاده يتحدث للصحافيين على هامش مؤتمر أنطاليا في تركيا (رويترز)

مع فرض واشنطن حصارها البحري، طرحت نقطة قانونية تتعلق بمدى توافقه مع عودة العقوبات الدولية على إيران بموجب آلية «سناب باك».

فمن الناحية السياسية، تحاول واشنطن الإيحاء بأن تلك الآلية تمنحها مظلة أوسع لملاحقة التجارة الإيرانية. لكن من الناحية القانونية البحتة، يجب التفريق بين أمرين: إعادة فرض قيود أممية على إيران، وامتلاك تفويض صريح من مجلس الأمن لفرض حصار بحري شامل ووقف السفن في البحر باسم المجتمع الدولي.

وقالت وزارة الخزانة الأميركية بوضوح في 1 أكتوبر (تشرين الأول) 2025 إن إجراءاتها جاءت دعماً لـ«العودة في 27 سبتمبر (أيلول) 2025» إلى العقوبات الأممية المرفوعة سابقاً، وهذا يعني أن التاريخ الرسمي لإعادة الفرض كان 27 سبتمبر لا أكتوبر، وإن كانت إجراءات التنفيذ الأميركية اللاحقة قد تتابعت في أكتوبر.

لكن عودة العقوبات لا تعني تلقائياً، وفق القانون الدولي، أن أي دولة تستطيع منفردة فرض حصار بحري شامل على نحو مماثل لتفويضات مجلس الأمن السابقة في أزمات أخرى.

فالأدبيات القانونية التي يعرضها الصليب الأحمر الدولي تشير إلى أن إجراءات الاعتراض البحري ذات الأساس الأقوى في مرحلة ما بعد الحرب الباردة كانت عادة ترتكز إلى قرارات صريحة من مجلس الأمن، بينما يبقى قانون الحصار البحري نفسه جزءاً من مجال عرفي معقد وغير مقنن بالكامل في معاهدة جامعة.

وفي المقابل، تنص اتفاقية قانون البحار على أن السفن والطائرات تتمتع بحق «المرور العابر» في المضائق المستخدمة للملاحة الدولية، وهو مبدأ يصعب التوفيق بينه وبين فكرة خنق المرور أو إخضاعه لإرادة دولة مشاطئة أو قوة بحرية منفردة من دون سند دولي صريح. لذلك يمكن القول إن «سناب باك» تقوّي البيئة العقابية ضد إيران، لكنها لا تحسم وحدها مشروعية الحصار البحري الأميركي بالشكل الواسع المعلن، ولا يمنح إيران في المقابل حق تقييد المرور في هرمز باعتباره ورقة سيادية مطلقة.

الخلاصة أن الطرفين عالقان في معادلة استنزاف متبادل: ترمب يريد انتزاع تنازل نووي وملاحي من دون العودة إلى حرب مكلفة، وإيران تريد منع تحويل الهدنة إلى استسلام اقتصادي مغلف بالتفاوض.

لكن التطورات الأحدث تشير إلى أن كليهما لم ينجح بعدُ في فرض روايته الكاملة: واشنطن لم تحصل على فتح طبيعي وآمن لمضيق هرمز، وطهران لم تكسر الحصار أو تفرض اعترافاً عملياً بسيطرتها على شروط المرور.

وبينهما، تقف الأسواق وشركات الشحن أمام واقع واحد: لا حرب شاملة، ولا سلام ملاحياً فعلياً. وفي مثل هذا الوضع، يرى مراقبون أن تمديد الهدنة يصبح ممكناً لأن البديل خطير، لكنه يبقى تمديداً هشاً ما دام كل طرف يرى في الوقت نفسه وسيلة ضغط لا مساحة تسوية.