لماذا لم يلغِ الجيش الإسرائيلي «حالة الطوارئ» في المنطقة الحدودية مع لبنان؟

حطام سيارة استهدفتها مسيّرة إسرائيلية في بلدة حاروف جنوب لبنان أمس (إ.ب.أ)
حطام سيارة استهدفتها مسيّرة إسرائيلية في بلدة حاروف جنوب لبنان أمس (إ.ب.أ)
TT

لماذا لم يلغِ الجيش الإسرائيلي «حالة الطوارئ» في المنطقة الحدودية مع لبنان؟

حطام سيارة استهدفتها مسيّرة إسرائيلية في بلدة حاروف جنوب لبنان أمس (إ.ب.أ)
حطام سيارة استهدفتها مسيّرة إسرائيلية في بلدة حاروف جنوب لبنان أمس (إ.ب.أ)

مع صدور قرار قيادة الجيش الإسرائيلي، الاثنين، إلغاء حالة الطوارئ الحربية في المنطقة الجنوبية مع قطاع غزة، والإبقاء في الوقت نفسه على حالة الطوارئ في الشمال، في الوقت الذي تكثف فيه قواته غاراتها واغتيالاتها بشكل يومي، تثار تساؤلات حول نوايا القيادتين السياسية والعسكرية، وإن كانت توحي باستعدادات عسكرية لإشعال الجبهة مع «حزب الله» في لبنان مجدداً.

أورتاغوس وبلاسخارت

تأتي هذه التطورات في وقت تُبذل فيه جهود دولية عديدة لمنع التدهور الحربي؛ أبرزها زيارة مورغان أورتاغوس، نائبة مبعوث الرئيس الأميركي إلى لبنان، التي أخذها وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الأحد، في جولة ميدانية بالقيادة الشمالية وعلى الحدود اللبنانية، لإطلاعها على «إعادة بناء بنى تحتية عسكرية للحزب بالمنطقة الحدودية».

قائد القيادة الشمالية رافي ميل يطلع وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس والموفدة الأميركية مورغان أورتاغوس على الوضع على الحدود اللبنانية (إعلام إسرائيلي)

كما برزت زيارة المنسقة الخاصة للأمم المتحدة في لبنان جينين هينيس - بلاسخارت، الاثنين، إلى تل أبيب في إطار مشاوراتها الدورية مع الجهات المعنية بشأن تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701 الصادر عام 2006.

أوسع تدريب

وبحسب ما أورده موقع «واللا» العبري، قتل الجيش الإسرائيلي منذ دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، نحو 330 عنصراً من «حزب الله»، بينهم 10 خلال الأيام العشرة الأخيرة، في سلسلة من الغارات الجوية والعمليات الميدانية. وبالتوازي، أنهت الفرقة 91 في الجيش الإسرائيلي، أوسع تدريب لها منذ اندلاع الحرب، شمل سيناريوهات دفاع وهجوم في البحر والجو والبر، ضمن مساعٍ إسرائيلية لرفع مستوى الجهوزية لمعركة تعدّها «معركة حتمية»، وتهدف إلى ضرب «العمق اللبناني وشلّ القدرات الاستراتيجية لـ(حزب الله)».

تقديرات أمنية

وتقدّر الأجهزة الأمنية الإسرائيلية أن «حزب الله»، باعتباره «تنظيماً عسكرياً محترفاً ومدعوماً من إيران»، يواصل دراسة المعركة الأخيرة واستخلاص الدروس منها.

دورية لـ«اليونيفيل» في جنوب لبنان (إ.ب.أ)

ويقول مسؤولون أمنيون إنّ «(حزب الله) تلقّى ضربات قاسية، لكنه حقّق أيضاً بعض النجاحات، وسيحاول تطويرها وتوظيفها في الحرب المقبلة».

وتتوقع هذه الأجهزة أن يسعى الحزب إلى فرض معادلات جديدة واستخدام وسائل مختلفة عن المواجهات السابقة، وهو ما يفرض، بحسب الجيش الإسرائيلي، تحدياً استخباراتياً كبيراً يتمثل في «منع مفاجأة مشابهة لهجوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023».

السقف الإسرائيلي

وبناء عليه، رفعت إسرائيل من سقف مطالبها، حيث اشترطت خلو المناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني من أي وجود عسكري لبناني، وليس فقط من عناصر «حزب الله»، فيما أعلنت رفضها استمرار انتشار قوات «اليونيفيل» هناك، مؤكدة احتفاظها بحقها في تنفيذ عمليات عسكرية أحادية عند الضرورة.

ووفق المصادر نفسها، فإن محادثات غير معلنة جرت مؤخراً بين وفد لبناني ومسؤولين أميركيين في واشنطن انتهت بالفشل، بعد أن نقل الجانب الأميركي المطالب الإسرائيلية التي عدّتها بيروت انتهاكاً لسيادتها وتجاوزاً لقرار مجلس الأمن رقم 1701.

ووفق تقديرات الجيش الإسرائيلي، التي نشرها معظم وسائل الإعلام العبرية، فإن «حزب الله» يعيد تموضعه استعداداً لمواجهة جديدة، متّبعاً سياسة «الاحتواء المحسوب» تجاه الهجمات الإسرائيلية، عبر «التضحية بقوات تكتيكية على الحدود مقابل تعزيز قدراته في العمق اللبناني».

ميدان القتال المستقبلي

وفي هذه الأثناء، يواصل الجيش الإسرائيلي تنفيذ هجمات تستهدف مواقع في مختلف المناطق اللبنانية بذريعة «إنفاذ» اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، برعاية أميركية وفرنسية. ويزعم الجيش الإسرائيلي أن الغاية من الهجمات الراهنة هي «منع (حزب الله) من إعادة بناء قدراته العسكرية وإحباط استعداده للحرب المقبلة، بل والمساهمة في تشكيل ميدان القتال المستقبلي»، على حدّ تعبيره.

حطام سيارة استهدفتها مسيّرة إسرائيلية في بلدة حاروف جنوب لبنان أمس (إ.ب.أ)

وتقدّر إسرائيل أن «حزب الله» نقل مراكزه الأساسية إلى عمق الأراضي اللبنانية، لا سيما في منطقة البقاع، «ما سيجبر الجيش الإسرائيلي، في أي مواجهة مستقبلية، على تنفيذ عملية برية وجوية واسعة داخل لبنان، مع استخدام أكبر للمجنزرات والدبابات، وزيادة نيران الإسناد من الجوّ والبرّ، وتوسيع منظومات الحماية للقوات البرية والقدرات اللوجيستية، أكثر مما جرى حتى الآن في سوريا، وحتى في غزة».

حرب عقول

وذكر موقع «واللا» أن تقديرات الجيش الإسرائيلي بأن «حزب الله» يسعى إلى تطوير قدرات وحدة 127 المختصّة بتسيير الطائرات من دون طيار ضد أهداف داخل إسرائيل، وأنه أثبت في الحرب الأخيرة أنه قادر على تشغيل فرق صغيرة موزّعة في مناطق متعدّدة بلبنان لإطلاق طائرات مسيّرة نحو العمق الإسرائيلي، بفاعلية. ولذلك، ترى تل أبيب أنّ المواجهة المقبلة ستكون «حرب عقول» بين أساليب الهجوم والدفاع المتبادلة، في ظل سعي الطرفين لتطوير قدراتهما التقنية والاستخبارية.

جنود إسرائيليون خلال دورية في مستوطنة أفيفيم الزراعية بجوار الحدود اللبنانية بالجليل الأعلى (أ.ب)

وقال رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية السابق، تمير هايمان، في موقع «القناة 12» الإلكتروني اليوم (الاثنين)، إن أي احتكاك مع «حزب الله» يعدّ خطراً استراتيجياً. وهناك خطة لنزع سلاح «حزب الله»، لكن الحكومة اللبنانية لم تصادق عليها أبداً. ورغم وجود التصريحات، فإنه لا توجد احتكاكات ميدانية حقيقية مع «حزب الله».

الجدول الإيراني

وأضاف هايمان، الذي يرأس حالياً «معهد أبحاث الأمن القومي» في جامعة تل أبيب، أن «إسرائيل هزمت (حزب الله) والوضع الحالي يشير إلى تحسين الدفاع عن بلدات الشمال، ومن خلال عمليات متواصلة لمنع ترميم (حزب الله)، كاف في هذه المرحلة».

آليات عسكرية إسرائيلية تقف على مقربة من الحدود اللبنانية بعد بدء اتفاق وقف إطلاق النار (رويترز)

وأضاف: «لا توجد أي رغبة أو إلحاح للتقدم أكثر من ذلك، في المستوى الدبلوماسي. والمشكلة أن هذا يتلاءم تماماً مع الجدول الزمني الإيراني، فهم أيضاً بحاجة إلى الوقت، وعلينا ألا نوهم أنفسنا بأنه بواسطة هجمات متقطعة سننجح في منع ازدياد قوة جيش إرهابي. لقد خبِرنا أن هذا لا ينجح».


مقالات ذات صلة

لبنان يحاصر النفوذ الإيراني ويستوضح من واشنطن دوافع عقوباتها

خاص جنود من الجيش اللبناني يديرون نقطة تفتيش في بيروت يوم 14 مايو 2026 (إ.ب.أ)

لبنان يحاصر النفوذ الإيراني ويستوضح من واشنطن دوافع عقوباتها

يقف لبنان على بعد أيام من اجتماع المسار الأمني-العسكري بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي في 29 مايو (أيار) الجاري في البنتاغون، استعداداً لاستئناف المفاوضات

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي آثار دمار في مدينة صور جنوب لبنان بعد استهداف بغارة إسرائيلية (د.ب.أ)

لبنانيون تحت الإنذار... الغارات تُحوّل الهواتف إلى مصدر خوف يومي

تسبق اليد العين إلى الهاتف لدى كثير من اللبنانيين، لا بحثاً عن الرسائل أو تصفحاً لمواقع التواصل الاجتماعي، بل لمعرفة ما إذا كانت ساعات النوم حملت غارات جديدة.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي أشخاص يصلون برفقة جثامين ضحايا الغارة الإسرائيلية على قرية دير قانون النهر الجنوبية لبدء مراسم الدفن في منطقة صور بجنوب لبنان (أ.ف.ب) p-circle

لبنان: مقتل 6 مسعفين في هجومين إسرائيليين خلال 24 ساعة

‌كشفت وزارة الصحة اللبنانية أمس (الجمعة) أن 6 لبنانيين من العاملين بالمجال الطبي لقوا حتفهم في غارتين إسرائيليتين على جنوب البلاد.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي مسجد متضرر في بلدة معشوق جنوب لبنان بعد غارة إسرائيلية استهدفت المنطقة (إ.ب.أ)

إسرائيل توسّع ضغطها بالمسيّرات وتختبر «سيطرة المرتفعات» في جنوب لبنان

اتّسعت رقعة الغارات الإسرائيلية على جنوب لبنان خلال الساعات الأخيرة في مشهد عكس تصعيداً ميدانياً يقوم على الضغط المتواصل وتثبيت أفضلية مرتبطة بالمرتفعات.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي صورة ملتقطة في 21 مايو 2026 تظهر دخاناً يتصاعد من موقع غارة إسرائيلية استهدفت قرية ميفدون جنوب لبنان (أ.ف.ب)

6 قتلى في غارة إسرائيلية على جنوب لبنان

قُتل ستة أشخاص، الجمعة، بينهم مسعفان من «جمعية الرسالة الإسلامية» التابعة لحركة «أمل»، حليفة «حزب الله»، جراء غارة إسرائيلية على بلدة في جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

ترمب وإيران بين «ضربة حاسمة»... و«جولة استنزاف»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحمل مظلة تحت المطر خلال وصوله على متن طائرة «إير فورس وان» يوم 22 مايو 2026 في ماريلاند (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحمل مظلة تحت المطر خلال وصوله على متن طائرة «إير فورس وان» يوم 22 مايو 2026 في ماريلاند (أ.ب)
TT

ترمب وإيران بين «ضربة حاسمة»... و«جولة استنزاف»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحمل مظلة تحت المطر خلال وصوله على متن طائرة «إير فورس وان» يوم 22 مايو 2026 في ماريلاند (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحمل مظلة تحت المطر خلال وصوله على متن طائرة «إير فورس وان» يوم 22 مايو 2026 في ماريلاند (أ.ب)

أعاد تغيير الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، برنامجه لعطلة نهاية الأسبوع، واجتماعه بفريقه للأمن القومي، وضع الملف الإيراني على حافة جديدة بين الدبلوماسية والحرب. فالمفاوضات التي تدور عبر وسطاء إقليميِّين، وفي مقدمتهم باكستان، لم تصل بعد إلى صيغة توقف الحرب وتفتح باباً لاتفاق أوسع. وفي المقابل، تبدو واشنطن أمام معادلة أكثر تعقيداً مما كانت عليه عند بدء عملية «الغضب الملحمي»: قائمة الأهداف واسعة، من منشآت الطاقة، إلى مواقع الصواريخ واليورانيوم العالي التخصيب.

لكن القدرة على تحويل الضربات إلى نتيجة سياسية حاسمة لم تعد مضمونة. فإيران تضرَّرت عسكرياً، لكنها لم تستسلم سياسياً، ومضيق «هرمز» لا يزال ورقة ضغط مركزية، بينما الخشية تزداد من أن تؤدي أي جولة جديدة إلى توسيع الصراع في المنطقة وتضرُّر أكبر لأسواق الطاقة العالمية.

ضغط عسكري... وتفاوض متعثر

لم يكن اجتماع ترمب مع كبار مستشاريه الأمنيِّين مجرد مراجعة روتينية. فقد جاء في لحظة تتحدَّث فيها التسريبات عن ضيق متزايد لدى الرئيس من مسار التفاوض، وعن قناعة داخل بعض دوائر الإدارة بأنَّ إيران تستخدم الوقت من دون تقديم تنازلات جوهرية. ووفق ما نقلته «أكسيوس»، اطّلع ترمب على وضع المفاوضات وعلى سيناريوهات انهيارها، بحضور نائبه جي دي فانس، ووزير الدفاع بيت هيغسيث، ومدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف، ومسؤولين آخرين.

تزامن ذلك مع مؤشرات سياسية لا تقل دلالة: عودة ترمب إلى واشنطن بدلاً من قضاء نهاية الأسبوع في بدمينستر، واعتذاره عن عدم حضور زفاف نجله دونالد جونيور؛ بسبب «ظروف تتعلق بالحكومة». هذه التفاصيل لا تصنع قرار الحرب وحدها، لكنها تعكس أنَّ البيت الأبيض يتعامل مع الأيام المقبلة بصفتها نافذة حرجة. فالرئيس، بحسب التسريبات، يريد إما اختراقاً دبلوماسياً سريعاً، وإما عملية عسكرية «حاسمة» يستطيع بعدها إعلان النصر والخروج من الحرب.

غير أنَّ هذه الصيغة، الجذابة سياسياً، تصطدم بسؤال أكثر صعوبة: ماذا يعني «الحسم» إذا كانت الضربات السابقة لم تُرغم طهران على التسليم؟

الرئيس دونالد ترمب يصل إلى البيت الأبيض في واشنطن يوم 22 مايو 2026 (أ.ب)

وساطات اللحظة الأخيرة

تتحرَّك باكستان وأطراف إقليمية ضمن محاولة لصوغ تفاهم أولي، وليس اتفاقاً نهائياً. الفكرة المطروحة هي «رسالة نوايا» أو مذكرة تفاهم تُمدِّد وقف القتال، وتفتح 30 يوماً من التفاوض حول اتفاق أوسع.

لكن الخلاف يبدأ من ترتيب الأولويات. واشنطن تريد أن يتضمَّن الإطار التزاماً إيرانياً بتعليق طويل للتخصيب، وتسليم نحو ألف رطل من اليورانيوم القريب من مستوى الاستخدام العسكري، وضمان حرية الملاحة في «هرمز». أما طهران، فتريد أن يبدأ أي تفاهم بوقف الحرب ورفع القيود البحرية والمالية، وأن تُترك القضايا النووية الثقيلة إلى مرحلة لاحقة.

هذه الفجوة تجعل الوساطة أقرب إلى إدارة حافة الهاوية منها إلى هندسة تسوية ناضجة، بحسب محللين. فالوسيط الباكستاني، المشير عاصم منير، ذهب إلى طهران فيما بدا محاولةً أخيرةً لتجميع صيغة تحفظ ماء وجهَي الطرفين.

لكن حتى التصريحات الأكثر تفاؤلاً بقيت محدودة. وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، تحدَّث عن «تقدُّم طفيف»، لا عن اختراق. وفي المقابل، تقول طهران إنَّ المحادثات مستمرة، لكنها ليست قريبةً من اتفاق. لذلك تبدو المفاوضات، كما وصفها مسؤول أميركي، «مؤلمة»: مسودات تتبادل يومياً، لكن من دون انتقال حقيقي من إدارة الأزمة إلى حلها.

نتائج غير مضمونة

إذا قرَّر ترمب استئناف العمليات، فلن تكون المشكلة في نقص الأهداف. وتتحدَّث «نيويورك تايمز» عن منشآت طاقة لم تُمَس بعد، ومواقع صاروخية أعادت إيران فتحها، ومخزون يورانيوم عالي التخصيب مدفون في منشأة أصفهان، فضلاً عن بنى تحتية مرتبطة بـ«الحرس الثوري». لكن كثرة الأهداف لا تعني وضوح الاستراتيجية. فالضربات الأميركية - الإسرائيلية السابقة دمَّرت جزءاً كبيراً من القوة البحرية والجوية الإيرانية، وألحقت أضراراً واسعة بالمواقع العسكرية والصاروخية، لكنها لم تُنتج خضوعاً سياسياً.

ضرب قطاع الطاقة قد يرفع التكلفة على النظام، لكنه يهدِّد أيضاً بإيقاع معاناة واسعة بالمدنيين، وبفتح سجال قانوني وسياسي حول مشروعية استهداف محطات كهرباء وتحلية وجسور ومنشآت نفطية. وضرب مواقع الصواريخ في «هرمز» يواجه بدوره مشكلة عملياتية: بعض التقديرات الاستخبارية تشير إلى أنَّ إيران استعادت الوصول إلى معظم مواقعها الصاروخية على طول المضيق، وأن قسماً كبيراً من منشآت التخزين والإطلاق تحت الأرض عاد إلى العمل جزئياً أو كلياً. أما خيار استهداف مخزون اليورانيوم في أصفهان فيحمل معضلة أخرى: قد يدفن المادة أكثر، لكنه يجعل التحقُّق من مصيرها أصعب، وقد يعقِّد أي اتفاق لاحق لتسليمها أو إخراجها.

ترمب ينزل من طائرة الرئاسة الأميركية عند وصوله إلى قاعدة أندروز المشتركة في ماريلاند يوم 22 مايو 2026 (أ.ب)

«هرمز»... و«باب المندب»

تمنح المضائق إيران قدرةً على تحويل التفوُّق العسكري الأميركي إلى أزمة اقتصادية عالمية. فمضيق «هرمز» كان يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط اليومية عالمياً قبل الحرب، وأي اضطراب فيه ينعكس فوراً على الأسعار والتأمين والشحن وأسواق الطاقة. لذلك لا يقتصر قرار الضربة على حسابات عسكرية داخل إيران، بل يشمل أيضاً احتمال الرد عبر الخليج والعراق واليمن، وربما عبر تهديد «باب المندب»، وإرباك خطوط التجارة والطاقة.

هنا تظهر حساسية موقف دول المنطقة. فهي لا تريد إيران نوويةً أو مسيطرةً على الممرات البحرية، لكنها لا تريد أن تكون هدفاً للانتقام، كما حصل بعد 28 فبراير (شباط). ومن هنا تبدو تحفظاتها مفهومة: فهي لا تعارض الضغط على إيران بالضرورة، لكنها تخشى أن تتحوَّل الجولة الجديدة إلى حرب بنى تحتية مفتوحة.

تحدي المسيّرات

يقول الباحث فرزين نديمي، المتخصص في شؤون الأمن والدفاع في إيران ومنطقة الخليج في معهد واشنطن، إن حملة «الغضب الملحمي» ألحقت ضرراً كبيراً بترسانة المسيّرات الإيرانية وقاعدتها الصناعية، ربما وصل وفق تقديرات أميركية إلى نحو 85 في المائة من القدرات المرتبطة بها. لكنه يشدِّد في المقابل على أنَّ البرنامج لم يُقتلَع من جذوره، لأنَّه قائم على شبكة واسعة وموزعة: مخازن مخفية، وورش صغيرة، وجامعات ومعاهد تقنية، وشركات واجهة، وموردون مزدوجو الاستخدام، وقنوات دعم من روسيا والصين.

الأخطر، وفق نديمي، أنَّ إيران تكيَّفت مع الضربات. فبدلاً من الاعتماد فقط على موجات كبيرة ومكشوفة، انتقلت إلى هجمات أصغر وأكثر تكراراً وانتقائية، تستهدف نقاطاً ذات قيمة عالية: رادارات، ومرافئ، وخزانات وقود، ومدارج مطارات، ومراكز اتصالات، ومحطات طاقة وتحلية.

هذه المقاربة تجعل حتى النجاح المحدود كافياً لإنتاج أثر استراتيجي. كما يحذِّر نديمي من أنَّ الاعتماد الأميركي والخليجي المفرط على صواريخ اعتراض باهظة ضد مسيّرات رخيصة ليس مستداماً مالياً أو عملياتياً. لذلك يرى أنَّ الأولوية لا يجب أن تكون عسكرية فقط، بل تشمل دفاعاً طبقياً أرخص، واستهدافاً غير حركي لسلاسل الإمداد، وعقوبات على شبكات صينية وروسية تغذي برنامج المسيّرات.

هذه القراءة تكشف جوهر المعضلة: الضربة قد تؤجِّل الخطر، لكنها لا تنهيه إذا لم تترافق مع حملة طويلة ضد قدرة إيران على إعادة البناء.


رئيس الوزراء الباكستاني يزور الصين

رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف لدى وصوله إلى الصين (مكتب رئيس الوزراء الباكستاني)
رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف لدى وصوله إلى الصين (مكتب رئيس الوزراء الباكستاني)
TT

رئيس الوزراء الباكستاني يزور الصين

رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف لدى وصوله إلى الصين (مكتب رئيس الوزراء الباكستاني)
رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف لدى وصوله إلى الصين (مكتب رئيس الوزراء الباكستاني)

وصل رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، السبت، إلى الصين في زيارة رسمية تستمر أربعة أيام بدعوة من نظيره الصيني لي تشيانغ، على ما أفاد الإعلام الرسمي.

ولم تؤكّد وزارة الخارجية الصينية ما إذا كان المسؤولان سيبحثان الحرب في الشرق الأوسط، فيما تقوم باكستان بدور الوساطة في المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وتم التوصل إلى وقف إطلاق النار في الثامن من أبريل (نيسان)، وضع حداً للأعمال العدائية في الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران منذ 28 فبراير (شباط)، لكن جهود التفاوض لم تفضِ حتى الآن إلى اتفاق سلام دائم.

وحذّر الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، من أن المباحثات تقف عند «مفترق طرق» بين الاتفاق واستئناف الضربات.

وكان المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، غوو جياكون، قد صرح لوسائل الإعلام، الخميس، بأن المسؤولين سيبحثان «القضايا ذات الاهتمام المشترك»، مؤكداً أن بكين ستعمل مع إسلام آباد على «الإسهام بشكل إيجابي في استعادة السلام والاستقرار في الشرق الأوسط في أقرب وقت ممكن».

وأكد أن «الصين تدعم الوساطة العادلة والمتوازنة التي تضطلع بها باكستان من أجل تحقيق السلام ووضع حد للحرب».

وكان ترمب قد صرح، الأربعاء، لشبكة «فوكس نيوز»، بعد محادثات أجراها مع الرئيس الصيني الأسبوع الماضي في بكين، أن شي جينبينغ عرض تقديم مساعدة لفتح مضيق هرمز.

وأغلقت طهران عملياً منذ بدء الحرب هذا الممر البحري الاستراتيجي الذي كان معبراً لخُمس الإنتاج العالمي من النفط والغاز المُسال وتتمسك بالسيطرة على حركة الملاحة عبره، بينما ردت الولايات المتحدة بمحاصرة الموانئ الإيرانية.


واشنطن وطهران... ما تبقّى من معادلة الربح والخسارة

إيرانية تمر أمام لوحة دعائية مناهضة للولايات المتحدة تُظهر رسماً لمضيق هرمز وشفتَي الرئيس الأميركي دونالد ترمب مخيطتين (رويترز)
إيرانية تمر أمام لوحة دعائية مناهضة للولايات المتحدة تُظهر رسماً لمضيق هرمز وشفتَي الرئيس الأميركي دونالد ترمب مخيطتين (رويترز)
TT

واشنطن وطهران... ما تبقّى من معادلة الربح والخسارة

إيرانية تمر أمام لوحة دعائية مناهضة للولايات المتحدة تُظهر رسماً لمضيق هرمز وشفتَي الرئيس الأميركي دونالد ترمب مخيطتين (رويترز)
إيرانية تمر أمام لوحة دعائية مناهضة للولايات المتحدة تُظهر رسماً لمضيق هرمز وشفتَي الرئيس الأميركي دونالد ترمب مخيطتين (رويترز)

ربما يكون الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد انتصر في كل معركة خاضها ضد إيران تقريباً، لكن بعد مرور 3 أشهر على بدء هجومه على إيران يواجه الآن سؤالاً أكبر: كيف ستنتهي الحرب؟

مع حصار إيران مضيق هرمز ورفضها تقديم تنازلات في القضية النووية تتزايد الشكوك حول قدرة ترمب على ترجمة النجاحات التكتيكية للجيش الأميركي إلى نتيجة يمكن تصويرها بشكل مقنع على أنها ​انتصار جيوسياسي.

يقول بعض المحللين إن أحاديثه المتكررة عن النصر الكامل محل شك، إذ يتأرجح الطرفان بين دبلوماسية غير مؤكدة وتهديداته المتكررة باستئناف الضربات، الأمر الذي من شأنه أن يدفع إيران إلى الرد دون شك بشنّ هجمات على دول بالمنطقة.

مع ذلك، يقول تيار آخر من المحليين إن إيران خسرت نخبة قيادية ذات خبرة، كما انكمش اقتصادها وتضرر جزء لا يستهان به من قدراتها العسكرية، رغم قولها في الآونة الأخيرة إنها تمكنت من استعادة شيء منها.

يواجه ترمب الآن خطر خروج الولايات المتحدة من الصراع في وضع غير حاسم، في حين أن إيران، رغم تعرضها لضربات عسكرية واقتصادية قد تنتهي بامتلاك قدرة على احتجاز خُمس إمدادات العالم من النفط والغاز.

لم تنتهِ الأزمة بعد، ويرى بعض الخبراء احتمالاً بأن يجد ترمب مخرجاً إذا سارت المفاوضات لصالحه.

وقال آرون ديفيد ميلر، المفاوض السابق لشؤون الشرق الأوسط في إدارات جمهورية وديمقراطية: «مرت 3 أشهر ويبدو أن الحرب التي صُممت لتكون قصيرة الأمد لترمب تتحول إلى تحدٍّ استراتيجي طويل الأمد».

بالنسبة لترمب، هذا أمر مهم خاصة بالنظر إلى حساسيته المعروفة تجاه اعتباره خاسراً. وفي أزمة إيران، يرى نفسه القائد الأعلى لأقوى جيش في العالم الذي يخوض مواجهة أمام قوة من الدرجة الثانية.

ويقول المحللون إن هذا المأزق قد يجعل ترمب، الذي لم يُحدد بعد خطة واضحة لإنهاء الأزمة، أكثر ميلاً لرفض أي تسوية تبدو كأنها تراجع عن مواقفه المتطرفة أو تكرار للاتفاق النووي مع ‌إيران الذي أبرم في عهد ‌الرئيس السابق باراك أوباما عام 2015، وانسحب منه ترمب في ولايته الأولى.

وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، أوليفيا ويلز، إن الولايات المتحدة «حققت أو تجاوزت ​جميع ‌الأهداف العسكرية ⁠في (عملية ملحمة الغضب)».

وأضافت: «الرئيس ​ترمب ⁠يُمسك بجميع الأوراق، ويبقي بحكمة جميع الخيارات مطروحة على الطاولة».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

ضغط وإحباط

خاض ترمب حملته الانتخابية للولاية الثانية متعهداً بالإحجام عن أي تدخلات عسكرية غير ضرورية، لكنه أدخل الولايات المتحدة في مأزق قد يلحق ضرراً دائماً بسجله في السياسة الخارجية ومصداقيته في الخارج.

وتشهد الأزمة هذا الجمود المستمر في وقت يواجه فيه ضغوطاً داخلية بسبب ارتفاع أسعار البنزين في الولايات المتحدة وانخفاض معدلات تأييده بعد أن شن حرباً لا تحظى بدعم واسع قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني). ويسعى الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه ترمب للحفاظ على أغلبيته في الكونغرس.

ونتيجة ذلك، وبعد مرور أكثر من 6 أسابيع على سريان وقف إطلاق النار، يعتقد بعض المحللين أن ترمب يواجه خياراً صعباً: إما قبول اتفاق قد يكون معيباً كمنفذ للخروج من الأزمة، وإما التصعيد عسكرياً والمخاطرة بإطالة أمد الحرب. ويقولون إن من بين خياراته في حال انهيار الدبلوماسية شن جولة من الضربات الموجعة لكن محدودة، وتصويرها على أنها انتصار نهائي وينهي الحرب.

ويقول المحللون إن هناك احتمالاً آخر، وهو أن يحاول ترمب تحويل التركيز إلى كوبا، كما اقترح، على أمل تغيير الموضوع ومحاولة تحقيق انتصار قد يكون أسهل.

إذا كان الأمر كذلك، فقد ينتهي به الأمر إلى إساءة تقدير التحديات من هافانا، تماماً كما يقر ⁠بعض مساعدي ترمب في أحاديث خاصة بأنه أساء تقدير العملية ضد إيران، معتقداً أنها ستُشبه المداهمة العسكرية التي أمر بها في الثالث من يناير (كانون ‌الثاني)، وانتهت باعتقال رئيس فنزويلا وتولي نائبته شؤون البلاد.

مروحية أميركية تُحلق قرب سفينة تجارية في عرض البحر خلال عملية مراقبة قرب مضيق هرمز (سنتكوم)

سردية الصراع

ومع ذلك، فإن المدافعين عن ترمب ما زالوا موجودين. فقد رفض ألكسندر غراي المستشار السابق ‌في ولاية ترمب الأولى والرئيس التنفيذي الحالي لشركة «أميركان جلوبال ستراتيجيز» للاستشارات فكرة أن حملة الرئيس ضد إيران على وشك أن تفشل.

وقال إن ​الضربة القوية التي تلقتها القدرات العسكرية الإيرانية تُعد في حد ذاتها «نجاحاً استراتيجياً»، وإن مصير البرنامج النووي الإيراني لم يتحدد بعد.

ومع ذلك فإن هناك دلائل على شعور ترمب بالإحباط حيال عجزه عن التحكم في سردية الصراع وهاجم منتقديه واتهم وسائل ‌الإعلام «بالخيانة».

وتجاوز الصراع مثلي المدة القصوى التي حددها ترمب عند 6 أسابيع عندما انضم إلى إسرائيل في شن الحرب يوم 28 فبراير (شباط). ورغم أن القاعدة السياسية لحركته «فلنجعل أميركا عظيمة مجدداً» أيدته في شن الحرب، ظهرت تصدعات في الدعم الذي كان يحظى به بالإجماع تقريباً من جانب المشرعين الجمهوريين.

في البداية، أدت موجات من الغارات الجوية إلى تدمير سريع لمخزون إيران من الصواريخ الباليستية وإغراق جزء كبير من أسطولها البحري ومقتل كثير من كبار قادتها.

لكن طهران ردّت بإغلاق مضيق هرمز لترتفع أسعار الطاقة بشكل حاد، وبشن هجمات على إسرائيل وعلى دول في منطقة الخليج. ثم أمر ترمب بفرض حصار على موانئ إيران، لكن ذلك لم ينتهِ حتى الآن بإحداث اختراق.

ورد قادة إيران على ادعاءات ترمب بالانتصار بدعاية تصور حملته على ‌أنها «هزيمة ساحقة»، رغم أنه من الواضح أن المسؤولين الإيرانيين بالغوا في تقدير براعتهم العسكرية.