تركيا «لا ترغب» في قتال بين الجيش السوري و«قسد»

الكشف عن رسالة لأوجلان حذّر فيها من مساعي إسرائيل وإيران لإقامة دولة كردية

قوات الأمن السورية خلال دخولها مخيم «الهول» الذي يضم عائلات عناصر تنظيم «داعش» الإرهابي في الحسكة شمال شرقي سوريا (د.ب.أ)
قوات الأمن السورية خلال دخولها مخيم «الهول» الذي يضم عائلات عناصر تنظيم «داعش» الإرهابي في الحسكة شمال شرقي سوريا (د.ب.أ)
TT

تركيا «لا ترغب» في قتال بين الجيش السوري و«قسد»

قوات الأمن السورية خلال دخولها مخيم «الهول» الذي يضم عائلات عناصر تنظيم «داعش» الإرهابي في الحسكة شمال شرقي سوريا (د.ب.أ)
قوات الأمن السورية خلال دخولها مخيم «الهول» الذي يضم عائلات عناصر تنظيم «داعش» الإرهابي في الحسكة شمال شرقي سوريا (د.ب.أ)

بينما أكدت تركيا رغبتها في عدم حدوث اقتتال بين الجيش السوري و«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، قال الرئيس رجب طيب إردوغان، السبت، إنه بمجرد القضاء على «التهديد الانفصالي» في شمال سوريا ستنعم المنطقة برمّتها بالأمن وليس الشعب السوري فحسب.

وأكد أردوغان، خلال كلمة، أن المستفيد الأول من وجود دولة سورية موحدة ومستقرة هم السوريون بمختلف مكوناتهم من عرب وأكراد وتركمان وعلويين ودروز ومسيحيين. وشدد على أن مكافحة تنظيم «داعش» باتت اليوم أقوى وأكثر حزماً.

جاء كلامه غداة تصريحات لوزير الخارجية التركي هاكان فيدان، قال فيها إن «ما نريده نحن في الأساس هو ألا يكون هناك قتال على الإطلاق (بين دمشق وقسد). ليأتِ الطرفان ويبحثا مشكلاتهما على طاولة الحوار بروح سلمية وبطريقة حضارية».

فيدان متحدثاً في مقابلة تلفزيونية ليل الجمعة - السبت (إعلام تركي)

وأضاف فيدان، في مقابلة تلفزيونية ليل الجمعة - السبت، رداً على سؤال عن احتمال قيام القوات السورية بعملية عسكرية في مدن عين العرب (كوباني، حسب التسمية الكردية) أو الحسكة أو القامشلي في حال عدم التوصل إلى اتفاق خلال فترة وقف إطلاق النار مع «قسد»، أن هناك مساراً يجري بوساطة الولايات المتحدة لتنفيذ الاتفاق الموقّع يوم 18 يناير (كانون الثاني) الحالي.

تركيا لا تريد قتالاً

وأشار فيدان إلى احتمال تمديد وقف إطلاق النار بين الحكومة السورية و«قسد»، التي تشكل «وحدات حماية الشعب» الكردية عمادها الأساسي، خلال فترة نقل سجناء تنظيم «داعش» الإرهابي من سوريا إلى العراق.

وأكد أن «الخيار الأفضل هو نقل سجناء (داعش) من سوريا، وخلال حدوث ذلك يجب أن تستمر حالة عدم الاشتباك القائمة»، مضيفاً: «ما نريده نحن أساساً هو ألا يكون هناك أي قتال».

وذهب فيدان إلى أن التقدم الميداني السريع الذي حققته القوات السورية ضد «قسد» خلال أسبوعين لم يكن مفاجئاً لتركيا، عازياً ذلك إلى أن الأمر كان يحتاج إلى «شرارة بداية» فقط.

الرئيس السوري أحمد الشرع خلال اجتماع مع وفد تركي في دمشق يوم 22 ديسمبر الماضي (الخارجية التركية)

وأضاف فيدان: «كنا نعرف جيداً ديناميكيات المناطق التي تحتلها (قسد)، لا سيما المناطق ذات الغالبية العربية، وطبيعة البنية العشائرية، ومتى وكيف وتحت أي ظروف يمكن لها أن تنتفض، وكنا نناقشها باستمرار مع الجانب السوري».

وأشار فيدان إلى آخر اجتماع تنسيقي تركي - سوري عُقد في دمشق في 22 ديسمبر (كانون الأول) الماضي بمشاركته ووزير الدفاع، يشار غولر، ورئيس المخابرات إبراهيم كالن، ونظرائهم السوريين، مؤكداً أن التواصل والتنسيق مستمران بشكل دائم.

عناصر من قوات الأمن السورية أمام بوابة مخيم «الهول» الذي يضم عائلات عناصر «داعش» في شمال شرقي سوريا (إ.ب.أ)

وذكر أنه «عندما تنتفض العشائر العربية ضد التنظيم الإرهابي (قسد) الذي يحتل مناطقها، وتعلم أن الحكومة تقف خلفها، ومع سحب الولايات المتحدة دعمها لهذا النهج الخاطئ بدعوى محارية تنظيم (داعش) الإرهابي، لا يبقى هناك معنى للاستمرار. كانت هناك معادلة أبقت التنظيم قائماً، وعندما بدأت عناصرها تتفكك واحدة تلو الأخرى، انهارت تلقائياً».

وقال فيدان إن قائد «قسد»، مظلوم عبدي، ليس صاحب القرار الأصلي، بل هو مجرد واجهة يتلقى تعليماته من قيادات الجناح المسلح لتنظيم «حزب العمال الكردستاني» في جبل قنديل بالعراق، وسبق أن وقّع اتفاقات ثم تراجع عنها لاحقاً بعد تلقيه التوبيخ من قيادته، حسبما قال الوزير التركي.

وأشار فيدان في الوقت ذاته إلى أن وجود «العمال الكردستاني» في سنجار ومناطق أخرى في العراق وضع غير قابل للاستمرار، وأن أي دولة ذات سيادة لن تقبل بذلك.

أوجلان يدعو إلى سوريا ديمقراطية

في السياق ذاته، دعا زعيم «حزب العمال الكردستاني»، السجين في تركيا منذ 26 عاماً، عبد الله أوجلان، إلى أن يتوصل أكراد سوريا إلى اتفاق مع الدولة يحقق الاندماج فيها، بشرط تحقيق الديمقراطية المحلية، التي تضمن أن تكون صلاحيات البلديات وإدارة المناطق بيد الشعب نفسه.

وذكر أوجلان، خلال لقاء مع وفد برلماني تركي في 24 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، نشر البرلمان نصه على موقعه الإلكتروني، السبت، بعد انتقادات واسعة لإبقائه سرياً، أنه يمكنه التحدث مع قائد «قسد»، مظلوم عبدي، لإقناعه بالانضواء تحت مظلة هذا الحل.

وقال إن ما يريده لتركيا، يريده أيضاً لسوريا، وهذا يشمل الديمقراطية المحلية، وبالنسبة إلى سوريا لا حاجة إلى ديمقراطية طائفية أو عِرقية، بل الحاجة إلى ديمقراطية مُعزَّزة في سياق محلي.

أكراد سوريون خلال مظاهرة في القامشلي 27 فبراير 2025 ابتهاجاً بدعوة أوجلان إلى حل حزب العمال الكردستاني (أ.ف.ب)

ولفت أوجلان إلى أن التركمان في وضع أسوأ من الأكراد، فهم لا يملكون مجتمعاً أو جماعةً للتعبير عن أنفسهم، مشدداً على أنه سيبذل قصارى جهده لمنع ظهور «حافظ أسد جديد في سوريا».

وشدد أوجلان على أنه «لا ينبغي للأكراد في سوريا أن يكونوا أداة بيد إسرائيل أو دول أخرى لإنشاء دولة مستقلة»، لافتاً إلى أن الأكراد «ضروريون جداً لإسرائيل؛ ومن دون قيام دولة كردية لن تتمكن إسرائيل من تحقيق الهيمنة في المنطقة».

وأشار إلى أنه بسبب ذلك هناك دعاية واسعة النطاق بين الأكراد تزعم أن أوجلان «يخرّب فرص قيام دولتكم»، موضحاً أنه سيبذل قصارى جهده لإفشال من يروجون لذلك اعتماداً على ميزة خاصة، هي أن له نفوذاً كبيراً داخل الحركة الكردية في المنطقة.

ولفت أوجلان إلى أن إيران تتمتع أيضاً بنفوذ على «حزب العمال الكردستاني» لا يقل عن نفوذ إسرائيل، وأنه لا يتفق مع آيديولوجية إيران، مضيفاً: «لا (اتفاقيات أبراهام) التي اقترحتها إسرائيل ولا المشروع الشيعي الذي اقترحته إيران مناسبان لمصالحنا الوطنية، فالاندماج الديمقراطي هو الأهم».

حزب كردي و«عين العرب»

في الوقت ذاته، دعا حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» إلى رفع ما وصفه بـ«الحصار المفروض» على مدينة عين العرب (كوباني)، «فوراً»، محذراً من وقوع «مأساة إنسانية».

الرئيسان المشاركان لحزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» تولاي حاتم أوغولاري وتونجر باكيرهان خلال مؤتمر صحافي (حساب الحزب على «إكس»)

وقال الرئيسان المشاركان للحزب، تونجر باكيرهان وتولاي حاتم أوغولاري، في مؤتمر صحافي، السبت، إن الوضع في كوباني تصاعد من «أزمة» إلى «كارثة مميتة»، وإن وفد الحزب والمنظمات الكردية الذي زار المنطقة خلال الأيام الماضية شاهد الوضع على الطبيعة. وطالبا بإنهاء فوري للحصار المفروض عليها.

إلى ذلك، فرَّقت الشرطة حشداً تجمع في ساحة أكسراي في وسط إسطنبول بدعوة من الحزب و«منصة المؤسسات الديمقراطية»؛ للسير إلى ميدان ساراتشهانه، احتجاجاً على عمليات الجيش السوري ضد «قسد».

ومنعت الشرطة انطلاق المسيرة، كما ألقت القبض على الرئيس المشارك لفرع حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» في إسطنبول، وداد تشينار ألطان.


مقالات ذات صلة

دمشق: نفقا تهريب على الحدود مع لبنان... وكبتاغون

المشرق العربي جنود سوريون في قرية حوش السيد علي (أرشيفية - أ.ب)

دمشق: نفقا تهريب على الحدود مع لبنان... وكبتاغون

أعلنت وزارة الدفاع السورية عن تنفيذ عمليتين أمنيتين منفصلتين على الحدود السورية - اللبنانية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي سيارة لقوات الأمن أمام كنيسة في السقيلبية اليوم السبت (أ.ب)

سوريا: عودة الهدوء إلى مدينة مسيحية بعد أحداث شغب

عاد الهدوء إلى مدينة السقيلبية ذات الغالبية المسيحية في ريف حماة، بعد ليلة من أعمال الشغب، إلا أن أجواء قلق ما زالت تسود في أوساط المسيحيين قبل «أحد الشعانين».

سعاد جروس (دمشق)
أوروبا من داخل قاعة محكمة العدل العليا في شونيبيرغ قبل افتتاح محاكمة زعيم ميليشيا سوري متهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية... برلين 27 مارس 2026 (أ.ف.ب)

محاكمة سوري في برلين بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية

بدأت، الجمعة، في برلين محاكمة مواطن سوري وصل إلى ألمانيا كلاجئ عام 2015، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم ضد الإنسانية والقتل.

«الشرق الأوسط» (برلين)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع (رويترز)

الرئيس السوري يزور برلين الاثنين

يزور الرئيس السوري أحمد الشرع ألمانيا، حيث يلتقي المستشار فريدريش ميرتس، الاثنين، حسبما أفاد متحدث حكومي في برلين الجمعة.

«الشرق الأوسط» (برلين)
المشرق العربي أشخاص على دراجة نارية يمرون بجوار مركبة عسكرية محترقة بعد اشتباكات دامية في مدينة السويداء السورية يوم 25 يوليو 2025 (رويترز)

تحقيق أممي: أعمال العنف في محافظة السويداء السورية قد ترقى إلى «جرائم حرب»

قالت لجنة أممية إن أعمال العنف التي شهدتها محافظة السويداء في جنوب سوريا في يوليو 2025، شهدت ارتكابات قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

زيلينسكي في الأردن «لعقد اجتماعات مهمة»

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)
TT

زيلينسكي في الأردن «لعقد اجتماعات مهمة»

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)

قال ​الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الأحد، إنه وصل ‌إلى ‌الأردن ​لعقد «اجتماعات مهمة».

وكتب ​زيلينسكي ‌على ‌موقع «إكس»: «اليوم في الأردن. الأمن ‌هو الأولوية القصوى، ومن الضروري أن ⁠يبذل ⁠جميع الشركاء الجهود اللازمة لتحقيقه. أوكرانيا تقوم بدورها. اجتماعات مهمة ​تنتظرنا».

وزار زيلينسكي، خلال الأيام الماضية، السعودية والإمارات وقطر. يأتي ‌هذا ⁠في ​الوقت الذي ⁠تسعى فيه كييف إلى تعزيز ⁠علاقاتها الدفاعية في ‌منطقة ‌الخليج.


إسرائيل تفتتح مسار توغل جديداً من سوريا إلى لبنان عبر جبل الشيخ

دبابة على الحدود بين إسرائيل ولبنان (إ.ب.أ)
دبابة على الحدود بين إسرائيل ولبنان (إ.ب.أ)
TT

إسرائيل تفتتح مسار توغل جديداً من سوريا إلى لبنان عبر جبل الشيخ

دبابة على الحدود بين إسرائيل ولبنان (إ.ب.أ)
دبابة على الحدود بين إسرائيل ولبنان (إ.ب.أ)

يفرض التوغّل الإسرائيلي عبر محور جبل الشيخ إيقاعاً ميدانياً مختلفاً، مع انتقال العمليات من الضغط الناري التقليدي إلى اختبار محاور التفاف مرتفعة، من شأنها إعادة رسم خطوط الاشتباك، وتغيير قواعد المواجهة تدريجياً.

وأعلن الجيش الإسرائيلي تنفيذ عملية عابرة للحدود انطلاقاً من الشق السوري لجبل الشيخ وصولاً إلى منطقة جبل «روس» داخل الأراضي اللبنانية (مزارع شبعا)، في خطوة تعكس توجهاً لتوسيع نطاق العمليات نحو تضاريس أكثر تعقيداً. وبحسب البيان، نفذت وحدة كوماندوز جبلية المهمة عبر تسلّق في ظروف ثلجية، بهدف تمشيط المنطقة، وجمع معلومات استخبارية، إلى جانب كشف بنى تحتية ميدانية.

هذا التطور يتجاوز كونه عملية استطلاع موضعية، ليشير إلى إعادة تفعيل محور استراتيجي يمنح أفضلية جغرافية واضحة؛ إذ يتيح الموقع المرتفع إمكان الإشراف على مساحات واسعة، وفتح مسارات التفاف تتجاوز خطوط التماس التقليدية.

آليات عسكرية إسرائيلية على الجانب اللبناني من الحدود (إ.ب.أ)

أفضلية جغرافية وتطويق للجنوب

قال مصدر مطّلع على مجريات الحرب في الجنوب لـ«الشرق الأوسط» إن «التطور الأبرز ميدانياً يتمثّل في دخول قوة إسرائيلية من محور جبل الشيخ، في خطوة كانت متوقعة ضمن السيناريوهات المطروحة، نظراً للأفضلية الجغرافية التي يوفرها هذا المحور، ما يتيح إمكان التقدّم نحو البقاع الغربي أو الالتفاف نزولاً باتجاه كفرشوبا (السفح الغربي لجبل الشيخ) وتنفيذ عمليات ميدانية من هناك»، لافتاً إلى أن «هذا المسار، في حال تثبيته، قد يتيح عملياً قطع التواصل الجغرافي بين الجنوب والبقاع الغربي خلال وقت قصير نسبياً، وهو ما كان يُطرح نظرياً ضمن التقديرات العسكرية».

بدوره، رأى العميد المتقاعد ناجي ملاعب أن «السيناريو الأخطر يتمثل في احتمال استخدام محور جبل الشيخ لتطويق الجنوب أو قطع إمداد الجنوب عن البقاع الغربي؛ ما قد يؤثر مباشرة على البنية اللوجيستية لـ(حزب الله)»، مؤكداً أن «المسار الميداني لا يزال مفتوحاً على احتمالات متعددة، لكن المرحلة المقبلة تنطوي على مخاطر تصعيد كبيرة».

وقال لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «أهمية جبل الشيخ تكمن في كونه أعلى مرتفَع بات بيد إسرائيل؛ ما يمنحها قدرة واسعة على الرصد الاستخباري، سواء للصواريخ أو المسيّرات، إضافة إلى تعزيز منظومات المراقبة المتقدمة»، مشيراً إلى أن «الحديث عن عمليات تسلل عبر المناطق الجبلية، رغم طابعه المحدود، قد يهدف إلى استدراج «حزب الله» للتمركز في هذه النقاط، ومنع أي توغل أوسع لاحقاً، لكنه في الوقت نفسه يفتح الباب أمام جبهة جديدة».

تصاعد الدخان عقب غارة إسرائيلية في ظل تصاعد المواجهات في جنوب لبنان (رويترز)

صعوبات المواجهة البرية

رأى المصدر أن «التطور الأبرز يتمثل في احتمال فتح جبهة باتجاه البقاع عبر تمركزات على الحدود السورية المحاذية لجبل الشيخ، وهو ما قد يؤدي إلى توسيع نطاق الاشتباك وإشغال (حزب الله) في جبهة إضافية»، محذّراً من أن «أي توغل من الجانب السوري نحو الأراضي اللبنانية، وما قد يستتبعه من رد، قد يضع الجيش السوري أمام معادلة حساسة؛ إذ سيُفسَّر إطلاق النار على أنه يستهدف الأراضي السورية؛ ما يستدعي موقفاً رسمياً حاسماً من دمشق».

وأوضح أن «المؤشرات حتى الآن تدل على أن القيادة السورية تتجه إلى عدم الانخراط في أي مواجهة، وقد أبلغت موقفها بعدم السماح باستخدام أراضيها في نزاعات إقليمية، وهو ما انعكس أيضاً في تعزيز انتشار الجيش السوري على الحدود اللبنانية والعراقية»، لافتاً إلى أن «تفادي توريط سوريا، سواء في الجبهة اللبنانية أو العراقية، يشكل عاملاً أساسياً في منع توسّع النزاع».

وفي قراءة ميدانية، أشار إلى أن «المواجهة البرية في الجنوب لا تزال تواجه صعوبات؛ إذ إن التصدي الحالي أربك الجيش الإسرائيلي، وأوقعه في خسائر بشرية ومادية، ما يدل على أن التقدم لم يحقق أهدافه المعلنة حتى الآن»، لافتاً في المقابل إلى أن «رفع مستوى الجهوزية الإسرائيلية، سواء عبر استدعاء أعداد كبيرة من الاحتياط، أو تدفق كميات ضخمة من الذخائر، يعكس استعداداً لعمليات أوسع قد لا تبقى محصورة في الجنوب».


لماذا تعجز بغداد عن التصدي لأعمال الفصائل المسلحة؟

تصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
تصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
TT

لماذا تعجز بغداد عن التصدي لأعمال الفصائل المسلحة؟

تصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
تصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)

يتابع كثير من العراقيين باهتمام وقلق واضحين ارتدادات الحرب الإقليمية المستعرة بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى على البلاد، وهي ارتدادات، حسب مراقبين، لم تكن لتقع إلا بحدها الأدنى لولا انخراط الفصائل المسلحة الموالية لإيران في تنفيذ هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة بشكل واسع على أهداف مدنية وعسكرية ودبلوماسية واقتصادية في الداخل العراقي، من دون أي تحرك جدّي من حكومة بغداد حيال تلك الهجمات التي تجاوز سقفها نحو 500 هجمة، واكتفت الحكومة خلالها بإصدار بيانات الإدانة والاستنكار، من دون أن تتمكن من إلقاء القبض على عنصر واحد من الجماعات المنفذة لتلك الهجمات.

ويوماً بعد آخر، تنخرط البلاد في الحرب الإقليمية من دون أن يكون للحكومة أو القوى السياسية أي قرار أو تدبير لمواجهة ذلك، نتيجة سطوة الفصائل المسلحة وقرارها المنفرد بدخول الحرب. ويثير هذا الواقع كثيراً من علامات الاستفهام والتعجب في الأوساط الشعبية، وكذلك لدى بعض الشخصيات السياسية، حول حدود دور الحكومة ووظيفتها في مقابل نفوذ الفصائل وسلطتها.

وقد عبّر وزير الخارجية، فؤاد حسين (كردي)، السبت، عن استغرابه مما وصفه بـ«السياسة الشيعية» في إدارة البلاد، المتأرجحة بين التحالف مع الولايات المتحدة والاستجابة لمطالبها من جهة، ومواجهتها من جهة أخرى.

وقال في مقابلة تلفزيونية، إن «ساسة الشيعة ذبحونا بهذه السياسة»، وأضاف: «إنهم ينقدون أميركا من جهة، لكنهم يستجيبون لتغريدة الرئيس الأميركي دونالد ترمب»، في إشارة إلى التغريدة التي رفض فيها ترشيح قوى «الإطار التنسيقي» نوري المالكي لرئاسة الوزراء.

وذكر حسين، أنه «لا أحد يعرف الفرق بين الحشد والفصائل، وبعضهم يستخدم عجلات وهويات الحشد، والفرق بين الحشد الذي هو مؤسسة أمنية والفصائل غير الشرعية، وهذه صورة صعبة يتم نقلها إلى الخارج، والأميركان يعلمون أن قسماً من هذه الفصائل لديهم أقسام منهم في الحشد».

ارتباط عقائدي بإيران

بدوره، يشير الأكاديمي ورئيس «مركز التفكير السياسي»، إحسان الشمري، إلى مجموعة من العوامل المتداخلة التي تتسبب في عجز الحكومة العراقية عن مواجهة هجمات الفصائل، ومن ضمن هذه العوامل «الارتباط العقائدي لتلك الفصائل، وتحالفها العسكري مع إيران، ما وفر لها قوة كبيرة في الداخل، لا سيما على المستوى السياسي. وبات يُنظر إلى أي استهداف لها على أنه، عملياً، استهداف لإيران ومحاولة لإضعاف نفوذها».

ويضيف الشمري في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن «الفصائل المسلحة بعد عام 2018 أصبحت أكثر تمكيناً في الدولة العراقية، من خلال دخول أجنحتها السياسية في مؤسسات الدولة، وقد وفّر لها حصانة سياسية حالت دون بروز أي مساءلة حول ما تقوم به، وصار معروفاً اليوم أن لدى الفصائل نحو 100 نائب في البرلمان».

وإلى جانب «القدم الراسخة» للفصائل في معظم مفاصل الدولة، يقول الشمري، إن «حكومة تصريف الأعمال الحالية التي تشكّلت عن طريق المحاصصة كان للفصائل الدور الأساسي فيها، وفي هذه الحالة يصعب الذهاب نحو فرضية قيام الحكومة بمواجهة الفصائل سياسياً وأمنياً».

غياب الإرادة السياسية

ويضيف الشمري عوامل أخرى للإخفاق الحكومي بمواجهة الفصائل تتمثل في «غياب الإرادة السياسية لدى الفاعل الأكبر وهو الفاعل الشيعي على وجه التحديد».

ويرى أن الفاعل السياسي الشيعي ما زال يعتقد أنه «ليس من الصحيح الذهاب لتقويض عمل هذه الفصائل، خاصة وهي تتمتع بقوة لا يستهان بها داخل منظومة قوى (الإطار التنسيقي)؛ لذلك قد يصعب على (الإطار التنسيقي) عموماً أو على المعتدلين داخله أن يتخذوا موقفاً سياسياً داعماً لأي خطوة من شأنها تقويض أو مواجهة الفصائل».

ويذكر الشمري أسباباً أخرى، من بينها إخفاق معظم الحكومات المتعاقبة في مواجهة نفوذ الفصائل، رغم إصرارها على تضمين برامجها الحكومية مسألة حصر السلاح بيد الدولة. كما تبرز خشية من اندلاع صدام أو حرب أهلية في حال اتخاذ قرار حكومي بمواجهة هذه الفصائل.

«التنسيقي» شرعن للفصائل

ويعلل المحلل والدبلوماسي السابق الدكتور غازي فيصل، العجز عن مواجهة الفصائل بأسباب عدة، أبرزها «قيام قيادات وأحزاب في (الإطار التنسيقي) بتأسيس الفصائل المسلحة وشرعنة وجودها، سواء عبر إدماجها في الحشد الشعبي ومنحها صفة قانونية بقرار من البرلمان، أو من خلال الدفاع المستمر عنها وعدم السماح بمساءلتها».

ويضيف فيصل، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن «وجود أكثر من 34 فصيلاً مسلحاً، من بينها 6 فصائل خاضعة للعقوبات الأميركية، تدين بولائها الكامل لولاية الفقيه في إيران، يمنحها حماية وفرصة كبيرة للإفلات من المساءلة داخل العراق، في ظل النفوذ الإيراني في البلاد».

ويعتقد أن «الفصائل المسلحة هي امتداد لقوى (الإطار التنسيقي) التي تُهيمن على الحكومة، وهي لذلك بمنأى عن المحاسبة، والمؤكد أنها غير معنية بتعليمات الحكومة وأوامرها، وكذلك غير معنية برؤية مرجعية النجف التي تميل للنأي بالبلاد عن الحرب، وهي تلتزم حصرياً بتعليمات ولاية الفقيه و(الحرس الثوري) الإيراني».

لهذه الأسباب وغيرها، يستبعد فيصل قدرة الحكومة على مواجهة الفصائل، على الرغم من معرفتها الأكيدة بكثير من عناصرها وقادتها، وكذلك عملها في معظم الهجمات التي نفذتها وتنفذها منذ أسابيع، وقد شاهدنا كيف أنها استهدفت مقر جهاز المخابرات العراقي ولم تتحرك ضدها، وقبلها قامت باستهداف منزل رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، وأخيراً استهدافها منازل القيادات الكردية في أربيل ودهوك.