ما تفاصيل «خطة بلير» لحكم غزة للسنوات الخمس المقبلة؟

تغييب السلطة الفلسطينية وإيكال إدارة القطاع لـ«سلطة دولية انتقالية» بصلاحيات شاملة

الدخان يتصاعد عقب هجوم إسرائيلي على مدينة غزة في لقطة مأخوذة من وسط القطاع يوم الثلاثاء (أ.ب)
الدخان يتصاعد عقب هجوم إسرائيلي على مدينة غزة في لقطة مأخوذة من وسط القطاع يوم الثلاثاء (أ.ب)
TT

ما تفاصيل «خطة بلير» لحكم غزة للسنوات الخمس المقبلة؟

الدخان يتصاعد عقب هجوم إسرائيلي على مدينة غزة في لقطة مأخوذة من وسط القطاع يوم الثلاثاء (أ.ب)
الدخان يتصاعد عقب هجوم إسرائيلي على مدينة غزة في لقطة مأخوذة من وسط القطاع يوم الثلاثاء (أ.ب)

فيما انطلقت، الاثنين، مفاوضات في مدينة شرم الشيخ المصرية بشأن تنفيذ المرحلة الأولى من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، المكونة من 20 مادة، لتشكل إطاراً عاماً يرسم مستقبل غزة، بدأ البحث يتركز على ما يسمى «اليوم التالي»، أي مستقبل القطاع بجوانبه كافة، من مسائل تتعلق بمصير «حماس»، ونزع السلاح، والحوكمة، وإعادة الإعمار، والعلاقة بين غزة والضفة الغربية، وبينها وبين السلطة الفلسطينية.

وفي هذا السياق، برز الدور الذي لعبه رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، إذ أظهرت المعلومات المتقاطعة أن «خطة ترمب» وُلدت من خلال مناقشات جرت في البيت الأبيض، نهاية أغسطس (آب) الماضي، بمشاركة الرئيس الأميركي وصهره جاريد كوشنر، الذي عاد مؤخراً إلى الواجهة الدبلوماسية، ولكن من غير صفة رسمية، كما كان حاله خلال ولاية ترمب الأولى، وبمشاركة بلير.

وتفيد معلومات أخرى أن «معهد توني بلير للتغيير العالمي» البحثي الذي أطلقه رئيس الوزراء الأسبق منذ عدة سنوات هو من تولى صياغة الخطة التي شكّلت نواة لمقترحات ترمب. ومنذ 18 سبتمبر (أيلول) الماضي، بدأت موادها بالتسرب.

وعرضت صحيفة «لو فيغارو» الفرنسية الخطة بشيء من التفصيل، يوم الاثنين، وذلك بعد تطرق وسائل إعلام إسرائيلية وبريطانية لجوانب من بنودها.

ومن الجدير بالذكر أن البند التاسع من «خطة ترمب»، الخاص بحكم غزة، يشير إلى قيام «سلطة انتقالية» تعمل تحت إشراف «لجنة السلام»، المفترض أن يترأسها ترمب نفسه. وبلير هو الاسم الآخر الوحيد الوارد في هذا البند، ما يعني أن الطرف الأميركي يعدّه لترؤس هذه السلطة.

رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير مجتمعاً مع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في العاصمة الأردنية عمان يوم 13 يوليو 2025 (أ.ف.ب)

وبحسب «لو فيغاور»، فإن الخطة التي جاءت في 21 صفحة، تنيط إدارة القطاع بـ«السلطة الدولية الانتقالية لغزة». وتقول الصحيفة إنها أُعدت «من قِبل فريق مرتبط بمكتب توني بلير ودوائر أميركية - إسرائيلية مقربة من إدارة ترمب»، وستتراوح مدتها الزمنية ما بين 3 و 5 سنوات.

وتقول مصادر أخرى إنها تستوحي، إلى حد ما، نماذج من الإدارات الانتقالية التي أنشأتها الأمم المتحدة في غرب غينيا الجديدة وكمبوديا وكوسوفو وتيمور الشرقية.

السلطة الدولية الانتقالية لغزة

تمثل «السلطة الدولية الانتقالية لغزة» (GITA) حجر الأساس لحكم القطاع ومستقبله، وفق الوثيقة المنشورة التي يراد منها أن تكون شاملة متكاملة.

وتقول الوثيقة إن السلطة الدولية الانتقالية «تمارس كافة الصلاحيات التنفيذية، والتشريعية، والقضائية. كما أنها تعيّن القضاة والوزراء ورؤساء الأجهزة الأمنية، وتتخذ قراراتها باسم السلطة الدولية. ولا يمكن لأي جهة فلسطينية إلغاء قراراتها»، أي أن مصير القطاع في كافة المناحي مرهون بما ترتئيه، وبعيداً عن أي تدخل لسكانه في المسائل الأساسية.

واللافت أن الوثيقة لا تشير إلى الجهة التي يعود إليها تشكيل هذه «السلطة»، إذ مجلس الأمن لا يظهر في الصورة، ولا أي جهة دولية رسمية. كذلك ليست هناك إشارة دقيقة للمدة الزمنية الممنوحة لها حيث الوثيقة تتحدث عن 3 إلى 5 سنوات، وليس معروفاً ما إذا كان سيتم تمديدها.

والحال أن دولاً، يُراد لها أن تكون جزءاً من «القوة الدولية» التي ستتولى الأمن في غزة ومهمات أخرى، مثل نزع سلاح الفصائل المسلحة، خلال المرحلة الانتقالية، تصرّ على أن يكون انتدابها نتيجة قرار صادر عن مجلس الأمن الدولي، وهو أمر غير وارد في الوثيقة.

من الناحية العملية، يتكون «الطابق الأول» من الخطة من «مجلس إدارة دولي»، بإشراف بلير شخصياً بصفته منسقاً عاماً أو رئيساً تنفيذياً، يضم من 7 إلى 10 أعضاء يتم اختيارهم من رجال أعمال ودبلوماسيين وخبراء اقتصاديين.

ويتمتع مجلس الإدارة الأشبه بـ«مجلس حكم» بصلاحيات موسعة، إذ تعود إليه مسؤولية «اتخاذ القرارات الأساسية في مجالات السياسة والأمن والاقتصاد». ويُقترح أن يبقى مقره خارج غزة، إما في العاصمة القطرية الدوحة أو في العريش المصرية.

توني بلير في صورة أرشيفية مصافحاً الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في مقر رئاسة الحكومة البريطانية في لندن يوم 4 مايو عام 1998 (أ.ف.ب)

ومن الأسماء المقترحة، إلى جانب بلير رئيساً للسلطة الانتقالية، الهولندية سيغريد كاغ نائبة للرئيس للشؤون الإنسانية، والأميركي مارك روان رئيساً لصندوق إعادة الإعمار، والمصري نجيب ساويرس مسؤولاً عن الاستثمارات الإقليمية، والإسرائيلي الأميركي آرييه لايتستون ممثلاً عن اتفاقات إبراهيم، وأخيراً تشير الوثيقة إلى «ممثل» فلسطيني مجهول الهوية وغير متمتع بأي صلاحية.

وتقترح الخطة «طبقة ثانية»، قوامها اختيار «مديرين» فلسطينيين «محايدين من بين شخصيات مهنية غير حزبية». ومهمة هؤلاء إدارة القطاعات العامة ويعملون تحت إشراف مباشر من المجلس الدولي. ولمزيد من الضمانات، تشير الخطة إلى أنهم «سيخضعون لتدقيق دوري من لجنة دولية».

أما «الطبقة الثالثة» فتتألف من «مجلس استشاري محلي» تشارك فيه شخصيات فلسطينية من غزة والضفة، ويكون دوره استشارياً فقط، ومن غير أي صلاحيات تنفيذية.

المكون الاقتصادي

بالنظر للدمار غير المسبوق في القطاع، سيكون الجانب الاقتصادي بالغ الأهمية لأن مهمته ستنصب على إعادة تأهيل القطاع ليكون مكاناً يحسن العيش فيه.

من هنا تجيء أهمية إنشاء الصندوق الدولي تحت مسمى «صندوق تعافي غزة والاستثمار» الذي سيديره الأشخاص المذكورون سابقاً. ومن المفترض تمويله من التبرعات الخارجية، إضافة إلى الاستثمارات الغربية والقروض المضمونة دولياً، بحسب تقرير «لو فيغارو».

وثمة ملاحظتان رئيسيتان؛ الأولى أنه لا إشارة مطلقاً لمسؤولية إسرائيل عن تدمير غزة ومساهمتها في إعادة بناء ما هدّمته طائراتها ودباباتها وجرافاتها؛ والثانية أن «مشاريع إعادة الإعمار سوف تتم وفق نموذج تجاري ربحي، عملاً بمبدأ أن الشركات تستثمر وتشارك في الأرباح».

الجانب الأمني والسياسي

تقترح الخطة إنشاء قوة أمنية متعددة الجنسيات تحت إشراف الأمم المتحدة، أو تحالف بقيادة الولايات المتحدة، كما أنها تؤكد بشكل قاطع على «حظر كامل لأي فصيل فلسطيني مسلح داخل غزة خلال الفترة الانتقالية». ومن بين مهمات هذه القوة «إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية الفلسطينية تحت إشراف دولي».

قصف مدينة غزة متواصل الثلاثاء رغم المفاوضات الجارية في شرم الشيخ المصرية منذ يوم الاثنين (إ.ب.أ)

أما بالنسبة لمرحلية عمل «السلطة الانتقالية» وأهدافها، فإنها تنص على مرحلة تأسيسية أولى تمتد 3 أشهر، يتم خلالها إطلاقها واختيار أعضائها الذين سيبقون خارج القطاع. والمرحلة الثانية المسماة «الانتشار الأولي» يُفترض أن تدوم 6 أشهر لإطلاق الإدارة الجديدة وتأمين الوضع الأمني. بعدها، يتعين أن تنطلق مرحلة إعادة الإعمار بالتركيز على مشاريع البنية التحتية، التي ستدوم من سنتين إلى 3 سنوات.

وأخيراً، تشير الخطة إلى بدء «النقل التدريجي» للمسؤوليات إلى «السلطة الفلسطينية المعدلة»، في إشارة إلى ما جاء في خطة ترمب.

ومن الملاحظ في الخطة أنها تُغيّب السكان. ورغم تناولها مسألة إعادة الإعمار، لا يظهر الفلسطينيون المهجَّرون والمدمرة بيوتهم، على الأقل في ما تسرب من هذه الخطة التي تتسم بتهميش المؤسسات الفلسطينية، وتوكل المسؤولية الأمنية بأكملها لقوى غير فلسطينية طيلة سنوات، وتربط إلى حد كبير إعادة الإعمار بقيام شركات ربحية. وبكلام آخر، سيكون مصير القطاع للسنوات الخمس المقبلة، في حال تم تنفيذ «الخطة» كما هي منشورة، لقيادة خارجية.

والسؤال المطروح؛ هل سيتم العمل بـ«خطة بلير» الذي أعيد إلى المسرح الشرق أوسطي بإرادة أميركية، علماً بأن السنوات التي قضاها مندوباً لـ«اللجنة الرباعية» لم تشهد أي تقدم أو أي إنجاز يحسب له؟


مقالات ذات صلة

إسرائيل تسمح لشركة أميركية بدخول غزة لتسلُّم سلاح «حماس»

المشرق العربي أفراد من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» خلال تسليم رهينة أميركي- إسرائيلي بخان يونس في فبراير (شباط) 2025 (رويترز)

إسرائيل تسمح لشركة أميركية بدخول غزة لتسلُّم سلاح «حماس»

ذكرت هيئة البث الإسرائيلية أن إسرائيل وافقت على دخول شركة أميركية إلى غزة، لبدء خطوات تتعلق بمواقع يفترض أن تسلِّم حركة «حماس» سلاحها فيها.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي فتاة فلسطينية تصعد درجاً في مبنى مدمر استُهدف بغارات جوية إسرائيلية بمنطقة الزوايدة وسط قطاع غزة الأحد (أ.ف.ب)

إسرائيل توسّع «الخط الأصفر» مجدداً... وتكثّف الغارات في عمق غزة

وسّعت إسرائيل حدود «الخط الأصفر» الافتراضي الفاصل بين مناطق تحتلها وأخرى تسيطر عليها «حماس»، الأحد، قبالة مدينتَي غزة ودير البلح بالقطاع.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينية تبكي خلال تشييع طفل في الثامنة من العمر قتل بغارة إسرائيلية بمدينة غزة الجمعة (إ.ب.أ)

عام على وقف النار... إسرائيل تشن حرباً مصغرة في غزة

عشية مرور أول عام على وقف إطلاق النار الهش، شهد قطاع غزة ليلة ساخنة ذكَّرت الآلاف من سكانها بأيام الحرب الصعبة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون يسافرون على طول شارع محاط بالمباني التي دمرتها الضربات العسكرية الإسرائيلية خلال الحرب بين إسرائيل و«حماس» في مدينة غزة يوم 8 أكتوبر 2026 (أ.ب)

7 قتلى بضربات إسرائيلية على غزة

قُتل سبعة أشخاص في ضربات إسرائيلية الخميس في غزة، حسب ما أفاد الدفاع المدني في القطاع.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خارجاً من الجمعية العامة للأمم المتحدة بعد خطابه (أ.ف.ب)

تحذيرات من «حرب بأهداف انتخابية» يحضّرها نتنياهو ضد كل الفلسطينيين

حذّر رئيس حزب «يشار»، غادي آيزنكوت والمرشح البارز لرئاسة الحكومة الإسرائيلية، الرئيس الحالي لمجلس الوزراء بنيامين نتنياهو من مغامرات حربية عشية الانتخابات.

نظير مجلي (تل أبيب)

لندن تتهم طهران باستهداف «قاعدة فيرفورد»

قاذفة أميركية من طراز «بي 1 بي لانسر» في قاعدة «فيرفورد» الجوية بمقاطعة غلوسترشير البريطانية يوم 27 سبتمبر 2026 (رويترز)
قاذفة أميركية من طراز «بي 1 بي لانسر» في قاعدة «فيرفورد» الجوية بمقاطعة غلوسترشير البريطانية يوم 27 سبتمبر 2026 (رويترز)
TT

لندن تتهم طهران باستهداف «قاعدة فيرفورد»

قاذفة أميركية من طراز «بي 1 بي لانسر» في قاعدة «فيرفورد» الجوية بمقاطعة غلوسترشير البريطانية يوم 27 سبتمبر 2026 (رويترز)
قاذفة أميركية من طراز «بي 1 بي لانسر» في قاعدة «فيرفورد» الجوية بمقاطعة غلوسترشير البريطانية يوم 27 سبتمبر 2026 (رويترز)

أعلن رئيس الوزراء البريطاني، آندي بيرنهام، أن التهديد الأمني الذي استهدف «قاعدة فيرفورد» الجوية، التي يستخدمها الجيش الأميركي في الحرب على إيران، جرى «بتوجيه شبه مؤكد» من «الحرس الثوري» الإيراني.

واستدعت لندن أمس، السفير الإيراني لديها للتعبير عن احتجاجها، كما أدرجت مواطنين إيرانيين اثنين على قائمة العقوبات، «لدورهما في تسهيل أنشطة عدائية نيابة عن النظام الإيراني، بقصد التهديد بشن هجمات في الخارج أو التخطيط لها أو تنفيذها»، وذلك على خلفية الحادثة الغامضة التي وقعت في 27 سبتمبر (أيلول).

وحذّرت الولايات المتحدة وشركاؤها، ومنهم أستراليا وكندا وفرنسا وألمانيا، إيران من الإقدام على أعمال عدائية على أراضيها. وقال البيان المشترك الذي وقعته 29 دولة، إن «أي محاولة من جانب إيران لتهديد أشخاص على أراضينا، أو إسكاتهم، أو ترهيبهم، أو مضايقتهم، أو إلحاق الأذى بهم، أو إكراههم.... يُعدّ أمراً غير مقبول».


حادثة قاعدة «فيرفورد» كانت بتوجيه من «الحرس الثوري» الإيراني

قاذفة أميركية من طراز «بي 1 بي لانسر» في قاعدة «فيرفورد» الجوية بمقاطعة غلوسترشير البريطانية يوم 27 سبتمبر 2026 (رويترز)
قاذفة أميركية من طراز «بي 1 بي لانسر» في قاعدة «فيرفورد» الجوية بمقاطعة غلوسترشير البريطانية يوم 27 سبتمبر 2026 (رويترز)
TT

حادثة قاعدة «فيرفورد» كانت بتوجيه من «الحرس الثوري» الإيراني

قاذفة أميركية من طراز «بي 1 بي لانسر» في قاعدة «فيرفورد» الجوية بمقاطعة غلوسترشير البريطانية يوم 27 سبتمبر 2026 (رويترز)
قاذفة أميركية من طراز «بي 1 بي لانسر» في قاعدة «فيرفورد» الجوية بمقاطعة غلوسترشير البريطانية يوم 27 سبتمبر 2026 (رويترز)

قال رئيس الوزراء البريطاني، آندي بيرنهام، الاثنين، إن التهديد الأمني الذي استهدف قاعدة «فيرفورد» الجوية، التي يستخدمها الجيش الأميركي في الحرب على إيران، جرى «بتوجيه شبه مؤكد» من «الحرس الثوري» الإيراني.

وفي هذا السياق، أعلنت لندن استدعاء السفير الإيراني فيها، وإدراج مواطنَين إيرانيين اثنين على قائمة العقوبات، على خلفية الحادثة الغامضة التي وقعت في 27 سبتمبر (أيلول) الماضي.

وكانت الولايات المتحدة قد أعلنت الأسبوع الماضي، بشكل مفاجئ، سحب جميع قاذفاتها من طراز «بي1» من القاعدة التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني، عقب الحادثة.

وقال بيرنهام أمام «مجلس العموم (البرلمان)»: «تقييمنا هو أنه من المرجح للغاية أن يكون قد جرى التنسيق في إيران، وبتوجيه شبه مؤكد من (الحرس الثوري) الإيراني». وأضاف: «لن نتسامح مع هذه التهديدات على أراضينا. سنتصدى بحزم لاستخدام إيران الشبكات الإجرامية، مستخدمين كامل صلاحياتنا لاستهدافها واستهداف قنوات تمويلها».

وأعلنت وزارة الخارجية البريطانية استدعاء السفير الإيراني في لندن.

شرطيان بريطانيان في محيط قاعدة «فيرفورد» الجوية (رويترز)

وقال وزير الخارجية البريطاني، إد ميليباند: «نعلن أيضاً تصنيف مواطنَين إيرانيين اثنين؛ لدورهما في تسهيل أو الانخراط في أنشطة عدائية نيابة عن النظام الإيراني، بقصد واضح يتمثل في التهديد بشن هجمات في الخارج أو التخطيط لها أو تنفيذها».

وأثارت الواقعة تكهنات واسعة منذ استدعاء الشرطة إلى القاعدة الواقعة في جنوب غربي إنجلترا، بعدما أبلغ مزارع عن وجود مجموعة من الرجال معهم شاحنات صغيرة بيضاء، يمارسون نشاطاً وصفه بأنه «مريب».

ورغم إجراء شرطة مكافحة الإرهاب تحقيقاً موسعاً، فإنه قد أُفرج بكفالة عن المشتبه فيهم الـ7 الذين أوقفوا على مدى أيام، ومن بينهم مواطن بريطاني - إيراني، من دون توجيه اتهامات إلى أي منهم.

وصنّفت السلطات البريطانية الواقعة، في حينها، حادثةً «كبيرة»؛ مما أدى إلى إخلاء قرية مجاورة للقاعدة، غير أن مصدر التهديد وطبيعته ظلا يكتنفهما الغموض.

ولم يعثر المحققون على أي متفجرات داخل الشاحنات الصغيرة، لكنهم عثروا على كمية من البنزين، وفق ما ذكره مسؤولون.

وذكّر ميليباند بأن المملكة المتحدة قد «صنّفت (الحرس الثوري) الإيراني بموجب صلاحياتنا الجديدة المتعلقة بتهديدات الدول، وفرضت عقوبات كبيرة على المسؤولين عن أنشطة إيران الخبيثة».


تباعد موقفَي واشنطن وطهران يُبقي إنهاء الحرب بعيداً

فرص نجاح جولة جديدة من المحادثات بين واشنطن وطهران لا تزال غامضة (رويترز)
فرص نجاح جولة جديدة من المحادثات بين واشنطن وطهران لا تزال غامضة (رويترز)
TT

تباعد موقفَي واشنطن وطهران يُبقي إنهاء الحرب بعيداً

فرص نجاح جولة جديدة من المحادثات بين واشنطن وطهران لا تزال غامضة (رويترز)
فرص نجاح جولة جديدة من المحادثات بين واشنطن وطهران لا تزال غامضة (رويترز)

يتباعد موقفا طهران وواشنطن حول شروطهما للعودة إلى التفاوض، مما يجعل فرص إنهاء الحرب تبدو بعيدة في الوقت الحالي. وقالت إيران إنها ما زالت تواصل دراسة الرد الأميركي على مقترحها الرامي إلى إعادة فتح مضيق هرمز خلال 7 أيام وإنهاء الحرب، وسط تعثر الجهود الدبلوماسية بسبب الخلاف على شروط استئناف المفاوضات، لا سيما إصرار واشنطن على بحث الملف النووي الإيراني منذ البداية، وليس في مرة لاحقة.

وأكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، في مؤتمر صحافي يوم الاثنين، أن بلاده لا تزال تدرس الرد الأميركي، وأنها ستنقل موقفها إلى واشنطن عبر الوسطاء فور الانتهاء من تقييمه، مؤكداً استمرار تبادل الرسائل بين الطرفين من دون تقديم تفاصيل إضافية.

وتضطلع قطر وباكستان بدور الوساطة، إلى جانب أطراف أخرى أبرزها روسيا التي عادت إلى ساحة الوساطة بقوة مؤخراً في مسعى يرمي إلى إنهاء الحرب التي دخلت شهرها الثامن.

خلاف على الشروط

لافتة مناهضة للولايات المتحدة تحمل صورة ترمب في شمال طهران (إ.ب.أ)

تأتي التصريحات الإيرانية في وقت تواجه فيه الجهود الدبلوماسية صعوبات في التوصل إلى صيغة مشتركة لإنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز بصورة كاملة. وكانت طهران قد قدمت مقترحها في منتصف سبتمبر (أيلول)، وأكدت لاحقاً تلقيها رداً أميركياً، لكن الاتصالات لم تحقق تقدماً ملموساً منذ ذلك الحين.

من جانبه، قال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي، إن الردَّ الأميركي على الشروط السبعة الواردة في المقترح الإيراني بفتح مضيق هرمز خلال 7 أيام، «غيرُ كافٍ». وأضاف أن واشنطن وافقت على بعض الشروط الإيرانية، لكنها لم توضح موقفها من بقية الشروط، من دون أن يحدد أي الشروط التي وافقت عليها واشنطن وتلك التي لن توافق عليها.

وأضاف أن بعض المسائل لا تزال بحاجة إلى توضيح، من دون الكشف عن طبيعتها.

وأشار رضائي إلى أن إيران لن تعود إلى النهج الدبلوماسي السابق، قائلاً إن «دبلوماسية إيران تغيّرت»، في إشارة إلى تمسك بلاده بموقفها في المفاوضات.

وتكتسب الأزمة أهمية دولية بالنظر إلى الدور الاستراتيجي للمضيق، الذي كان يمر عبره قبل الحرب نحو خُمس التجارة العالمية من النفط والغاز الطبيعي المسال، مما يجعل استعادة حركة الملاحة فيه عاملاً رئيسياً في أي تسوية محتملة.

توسيع نطاق المواجهة

بزشكيان ورضائي يحضران اجتماعاً بشأن إعادة الإعمار (الرئاسة الإيرانية)

وبالتزامن مع تعثر المسار الدبلوماسي، صعّد رضائي لهجته تجاه الولايات المتحدة، متهماً إدارة الرئيس دونالد ترمب بالفشل في تحقيق أهدافها العسكرية المتعلقة بالمضيق، وموجهاً انتقادات حادة إلى لعمليات الأميركية.

كما حذّر من أن تجدد القتال على نطاق واسع قد يدفع إيران إلى استهداف بنى تحتية في المنطقة، تشمل الكابلات ومراكز البيانات ومنشآت الذكاء الاصطناعي ومواقع أخرى، في تهديد من شأنه توسيع نطاق المخاطر الأمنية والاقتصادية المرتبطة بالصراع.

ولم يقدم رضائي تفاصيل إضافية عن طبيعة الأهداف المحتملة أو توقيت تنفيذ هذه التهديدات، التي تأتي في ظل استمرار التوترات وتعثر الجهود الرامية إلى التوصل إلى اتفاق.

ويتمثل أحد أبرز مواضع الخلاف في ترتيب الملفات المطروحة على طاولة التفاوض؛ إذ تصر الولايات المتحدة على مناقشة البرنامج النووي الإيراني منذ البداية، بينما تريد طهران إعطاء الأولوية لإعادة فتح مضيق هرمز واستعادة الأمن في الممر المائي، على أن يُبحث الملف النووي ضمن مسار المفاوضات لاحقاً.

حوار أميركي ـ إسرائيلي بشأن ضرب إيران

لافتة إعلانية كبيرة مناهضة لإسرائيل في خلفية ميدان وسط طهران 12 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

من جهة ثانية، أكدت مصادر سياسية في تل أبيب أن الاتصالات بين إسرائيل والولايات المتحدة بشأن توجيه ضربة إسرائيلية منفردة إلى إيران، في ظل الاستعدادات للانتخابات الإسرائيلية، لا تزال مستمرة، وأنه لم يُحسم بعد اتجاهها النهائي.

وقالت المصادر نفسها إن الملف لا يزال مطروحاً بجدية، رغم تقديرات ترى أن تسريب تفاصيل هذه الاتصالات قد يكون جزءاً من حرب نفسية تستهدف إرباك القيادة الإيرانية، وزيادة الضغوط على طهران. في المقابل، يتعامل مسؤولون إسرائيليون مع احتمال تنفيذ الضربة بجدية، في ضوء حاجة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى تطور أمني كبير قد يعزز موقعه عشية الانتخابات.

وحسب هذه التقديرات، قد لا تنجح الضربة بالضرورة في تأجيل الانتخابات أو إنقاذ نتنياهو من الهزيمة، لكنها قد ترفع أسهمه لدى الناخبين، وتساعده على استعادة أصوات انتقلت إلى المعسكر المنافس.

كان الكاتب في صحيفة «معاريف»، بن كسبيت، المعروف بصلاته بمصادر سياسية في تل أبيب، قد كشف عن أن مسؤولين أميركيين قالوا إن إسرائيل هي المتحمسة لاستئناف الحرب، فطلبوا منها مهاجمة إيران منفردة، كي تتحمل هي الأعباء والمخاطر السياسية المترتبة على الهجوم، بدلاً من أن يتحملها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي يستعد لخوض الانتخابات النصفية للكونغرس.

وأضاف بن كسبيت أن رئيس الأركان الإسرائيلي، إيال زامير، أبلغ الأميركيين بأن ضربة من هذا النوع قد تؤدي إلى تأجيل الانتخابات الإسرائيلية، مشيراً إلى أن واشنطن تراجعت عن طلبها في تلك المرحلة.

استعادة إنتاج المسيّرات والصواريخ

لافتة تحمل صورة ترمب بجوار منظومة صواريخ إيرانية في ساحة آزادي بطهران (رويترز)

جاء الطلب الأميركي بهجوم منفرد تقوم به إسرائيل، وفقاً لتقرير صحيفة «معاريف»، على خلفية تطورات تشير إلى أن إيران تعمل على استعادة قدراتها في إنتاج الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية، على الرغم من الغارات التي استهدفتها خلال الأشهر الماضية، وفق ما أوردته وسائل إعلام أميركية.

كانت وكالة «بلومبرغ» الأميركية للأنباء قد ذكرت مؤخراً أن إيران تمكنت من الحفاظ على مصانع للصواريخ والطائرات المسيّرة، رغم تعرضها لغارات إسرائيلية وأميركية على مدى أشهر، نقلاً عن أشخاص مطلعين على التفاصيل.

وحسب التقرير، استطاعت طهران إعادة بناء جزء من ترسانتها خلال الفترة التي توقفت فيها إدارة ترمب عن شن مزيد من الغارات، مع انشغال واشنطن بالاستعداد للانتخابات النصفية للكونغرس. ونقل التقرير عن مصادر غربية أن إيران لا تزال قادرة على إنتاج الأسلحة، وتجديد مخزوناتها.

وأشار أحد المصادر إلى أن إيران لا تزال تمتلك مخزوناً كبيراً من الصواريخ الباليستية والأسلحة البحرية المضادة للسفن، وأنها قادرة على زيادة مخزونها بسرعة، كما أفادت المعلومات التي أوردها التقرير بأن روسيا تزود طهران بصواريخ، استناداً إلى معلومات نُشرت في يونيو (حزيران) الماضي.

وتتعارض هذه التقديرات، وفق «بلومبرغ»، مع تصريحات متكررة لترمب وأعضاء في إدارته، أكدوا فيها أن الغارات الجوية ألحقت دماراً واسعاً بالقدرات الإيرانية التي تهدد القواعد الأميركية وحلفاء واشنطن في المنطقة.

تصعيد في «هرمز»

القوات الأميركية قالت إنها ساعدت أكثر من 2000 سفينة تجارية على عبور مضيق هرمز (سنتكوم)

في غضون ذلك، أعلن «الحرس الثوري» أن قواته استهدفت، يوم الاثنين، سفينة كانت تحاول عبور مضيق هرمز، مما أدى إلى اشتعال النيران فيها. وقالت بحرية «الحرس الثوري» في بيان نُشر على موقعه الإلكتروني «سباه نيوز»، إن «ناقلة نفط عملاقة تعرضت لضربة في مضيق هرمز واشتعلت فيها النيران».

وأضاف البيان أن السفينة المستهدفة «حاولت العبور بعد تعطيل أجهزة التعرّف والتتبع الخاصة بها، وأنها تجاهلت التحذيرات الصادرة عن بحرية (الحرس الثوري)».

تصاعدت التوترات في مضيق هرمز وخليج عُمان مع تجدد الهجمات على السفن التجارية وناقلات النفط؛ مما أدى إلى انخفاض عدد السفن العابرة للمضيق إلى أدنى مستوياته في أكثر من شهرين، وفقاً لما أوردته «رويترز»، وذلك بعدما بلغت الهجمات على ناقلات النفط، الأسبوع الماضي، أعلى مستوى لها منذ اندلاع الحرب.

وأعلن «الحرس الثوري» أيضاً أن ناقلة نفط انفجرت، واشتعلت فيها النيران بعد اصطدامها بلغم بحري في أثناء عبورها المضيق مساء يوم الأحد، في أثناء محاولتها عبور مضيق هرمز عبر المسار الجنوبي. وأفادت وكالة أنباء الطلبة الإيرانية شبه الرسمية (إسنا) بأن هذه هي ثالث ناقلة نفط «مخالفة» تشتعل فيها النيران منذ يوم السبت، خلال عبورها مساراً غير مسموح به في مضيق هرمز.

وأكدت الوكالة أن «جميع السفن الموجودة في نطاق مضيق هرمز التي تطفئ أنظمة الملاحة والتعريف الخاصة بها ستُصنف على أنها معادية، وسيتم التعامل معها بحزم وشدة».

منافسة على التحكم في المضيق

من جانبها، أعلنت القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم»، يوم الأحد، استهداف سفينة شحن تجارية في خليج عُمان في أثناء محاولتها اختراق الحصار البحري المفروض على إيران، بعدما تجاهلت التحذيرات الأميركية.

وأوضحت «سنتكوم» في بيان نشرته عبر منصة «إكس»، أن مقاتلة أميركية أطلقت ذخيرة دقيقة مستهدِفةً مؤخرة السفينة «أوشن موليكا»، التي ترفع علم بنما، وتُعرف أيضاً باسم «أريكا صن»؛ مما أدى إلى «تعطيل نظام الدفع، من دون إلحاق أضرار كاملة بالسفينة وطاقمها».

كما أفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، يوم السبت، بتعرض ناقلة لإطلاق نار في «هرمز» بمقذوف مجهول أصاب جانبها الأيسر، وأدى إلى اندلاع حريق على متنها، وفقاً لإفادة قبطانها.

ومنذ بداية الحرب، استهدفت إيران مراراً سفناً حاولت عبور مضيق هرمز من دون الحصول على إذن منها.

كان قائد القوات البحرية في «الحرس الثوري» علي عظمائي، قد حذّر خلال عطلة نهاية الأسبوع من أن أي سفينة تُغلق أجهزة التتبع لتجنب رصدها في أثناء عبور المضيق ستُعد هدفاً معادياً.

وقيّدت إيران حركة الملاحة في هذا المضيق الحيوي لإمدادات الطاقة العالمية، منذ بدء الحرب في 28 فبراير (شباط)، وفي المقابل، فرضت واشنطن حصاراً على الموانئ الإيرانية. وأصبحت الملاحة في المضيق والتحكم بها إحدى نقاط التجاذب الأساسية بين طهران وواشنطن، إذ تتمسك الأولى بأن تكون هي المشرفة على حركة العبور عبر مسار تحدده، في حين ترفض الثانية وأطراف عدة أخرى هذا الأمر.

وتتبادل الولايات المتحدة وإيران إجراءات الضغط البحري وسط مخاوف من تداعيات أمنية واقتصادية على إمدادات الطاقة العالمية.

وتعكس المواقف الإيرانية في مضيق هرمز والمفاوضات والملف النووي اتساع الفجوة مع واشنطن، مما يزيد من نطاق التوترات الإقليمية، في وقت لا تزال فيه فرص التوصل إلى تسوية للحرب مرتبطة بتجاوز الخلافات بشأن شروط التفاوض وترتيب أولوياته.

غير أن التهديدات باستهداف البنى التحتية الإقليمية، إلى جانب تصاعد الهجمات، تُبرز حجم المخاطر التي قد تواجه أي جهود لاحتواء الصراع ومنع امتداده إلى جبهات جديدة.