إسرائيل تهدد لبنان باستمرار الضغط العسكري رداً على قراراته «الضبابية»

طلبت من واشنطن دعم خططها لتحطيم «حزب الله» في الجنوب والبقاع

لبنانيون يتفقدون موقعاً استهدفته غارة إسرائيلية في بلدة أنصارية بجنوب لبنان الخميس الماضي (إ.ب.أ)
لبنانيون يتفقدون موقعاً استهدفته غارة إسرائيلية في بلدة أنصارية بجنوب لبنان الخميس الماضي (إ.ب.أ)
TT

إسرائيل تهدد لبنان باستمرار الضغط العسكري رداً على قراراته «الضبابية»

لبنانيون يتفقدون موقعاً استهدفته غارة إسرائيلية في بلدة أنصارية بجنوب لبنان الخميس الماضي (إ.ب.أ)
لبنانيون يتفقدون موقعاً استهدفته غارة إسرائيلية في بلدة أنصارية بجنوب لبنان الخميس الماضي (إ.ب.أ)

عدّت جهات سياسية إسرائيلية قرارات الحكومة اللبنانية بشأن جمع السلاح «ضبابيةً وسريةً ولا تتضمن جدولاً زمنياً»، مدعية أن «(حزب الله) فرح بهذه القرارات؛ لأنها تنطوي على حلول وسط مع مطالبه».

ورأت هذه الجهات أن «الحكومة (اللبنانية) تجنبت الصدام مع (الحزب) وتهربت عملياً من إيجاد حل جذري يتلاءم مع احتياجات الاستقرار في المنطقة».

وفي حين جاء هذا الرد الإسرائيلي عبر تسريبات لوسائل الإعلام العبرية من بعض السياسيين والأمنيين في تل أبيب، ذكرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» أن «الجيش الإسرائيلي يعتقد أن (حزب الله) ما زال يحتفظ بعشرات الصواريخ الدقيقة وآلاف الصواريخ التقليدية وكمية كبيرة من الطائرات المسيّرة، وبعضها من صنع ذاتي، رغم أن خطّ التزويد بالأسلحة انقطع مع سقوط نظام بشار الأسد في سوريا. وهذه الأسلحة كافية لتهديد أمن إسرائيل».

محاولات منقوصة

ونقلت الصحيفة عن مسؤول عسكري كبير أن «(الحزب) يسعى بكل قوته لإعادة بناء قوته العسكرية، خصوصاً في الجنوب والبقاع، والجيش الإسرائيلي يلاحقه ويسعى لمنع نشاطاته عبر عمليات القصف والاغتيالات الدقيقة».

وتابع: «الجيش اللبناني يحاول، ولكن محاولاته منقوصة؛ أولاً لأن (الحزب) مصمم على استعادة قوته، ومثابر على ذلك. وثانياً لأن السلطة اللبنانية تسير بحذر وخوف. وثالثاً لأن الجيش لم يتخلص بعد من عناصر نفوذ لـ(حزب الله) في صفوفه».

ضغوط واشنطن

ووفق مصدر آخر، فإن إسرائيل تطالب الإدارة الأميركية بأن تدعم خططها لتحطيم «حزب الله» عسكرياً. وكشف المصدر عن أن «واشنطن تطالب إسرائيل بتخفيف عملياتها العسكرية، التي تضعف الحكومة اللبنانية ومساعيها لإعادة البناء. لكن إسرائيل ترد بالقول إنه لا يمكن تقوية السلطة اللبنانية وجيشها من دون إضعاف (حزب الله)».

الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبلاً وفداً عسكرياً أميركياً في قصر «بعبدا» السبت (أ.ف.ب)

ويضيف: «هناك على الطاولة يوجد اقتراح قدّمه المبعوث الأميركي، توماس براك، للقيادة اللبنانية، يتضمن مطالب اعتمدتها حكومة لبنان بالفعل بشكل رسمي، في اجتماعاتها بتاريخ 5 و8 أغسطس (آب) الماضي، لكن القيادة اللبنانية والجيش اللبناني بصيغته الحالية غير قادرين على تنفيذها (تفكيك كامل لسلاح حزب الله حتى نهاية 2025). ويُقترح دفع مسار تدريجي يأخذ في الحسبان القيود اللبنانية، ضمن جدول زمني واقعي لتفكيك (حزب الله) ونزع سلاحه».

وتنطلق إسرائيل في رؤيتها هذه من القناعة بأن «الحرب الطويلة منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 أحدثت تغييرات في التوازن الإقليمي، وبشكل خاص في مكانة المحور الإيراني، ومن ضمن ذلك تغييرات جوهرية في الساحة اللبنانية، ويجب استثمارها لمصلحة الجميع». وتقصد بالجميع «الغرب».

فرص لإسرائيل

وهي تقول، وفقاً للبروفسورة أورنا مزراحي، الباحثة الرفيعة في «معهد دراسات الأمن القومي» في تل أبيب، إن «ضعف (حزب الله) الحالي يولّد فرصاً لإسرائيل. ومع ذلك، فإن الإنجازات العسكرية، حتى الآن، لم تؤدِّ إلى واقع أمني مستقر، ولا يوجد ضمان بأن يجري الحفاظ عليها على المدى البعيد».

وترى أن «(حزب الله) لم يُهزم بعد، وما زال يشكّل تهديداً لإسرائيل، في ضوء تمسكه بآيديولوجية (المقاومة) وبقدرات عسكرية، حتى لو كانت أكثر محدودية، واستثماره جهوداً واسعة، بدعم مستمر من إيران، في إعادة بناء منظوماته ومكانته في لبنان».

لافتات دعم للجيش اللبناني في شوارع بيروت (أ.ب)

وتتابع: «بالتوازي، لا تزال الدولة اللبنانية ضعيفة وتجد صعوبة في الإفلات من قبضة التنظيم، التي تهدد سيادتها واستقرارها. ومع ذلك، يمكن للتطورات في الساحة اللبنانية أن تسمح بدفع المصالح الأمنية والسياسية لإسرائيل مقابل لبنان، من خلال صياغة استراتيجية تأخذ في الحسبان ضعف التنظيم الحالي من جهة، والقيود التي تؤثر على القيادة اللبنانية من جهة أخرى».

توصية بنظام أمني جديد

يذكر أن معهد الأبحاث المذكور كان قد أوصى الحكومة الإسرائيلية بوضع خطة استراتيجية، تصر من خلالها على مطلبين أساسيين حتى التوصل إلى نظام أمني جديد على طول الحدود مع لبنان:

«الحفاظ على حرية عمل الجيش الإسرائيلي في تطبيق القرار (1701) بجنوب لبنان؛ حتى يتم ضمان تطبيقه فعلاً بشكل كامل، وتأجيل النقاش بشأن المسار الدائم للحدود بين الدولتين، حيث إن النقاش بشأن هذا الموضوع، الذي سيؤدي إلى تنازلات مؤلمة من جانب إسرائيل، يجب أن يُجرى بالتوازي مع التقدم نحو التجريد الكامل لـ(حزب الله) من سلاحه».

واقترح الباحثون في المعهد برنامجاً تفصيلياً من مراحل عدة تتضمن ما يلي:

«في المرحلة الأولى: تفكيك وجود (حزب الله) في جنوب لبنان وفقاً للقرار (1701)، مقابل انسحاب تدريجي للجيش الإسرائيلي من النقاط الخمس (مشروط بامتثال الجيش اللبناني للمطالب) إلى جانب اتفاق بشأن مستقبل قوات (يونيفيل)، (وليس المطالبة برحيلها الفوري)».

في المرحلة الثانية: «تفكيك وجود (حزب الله) في سهل البقاع وعلى الحدود مع سوريا (يمكن بالتنسيق مع النظام السوري) مقابل ترسيم الحدود البرية بين إسرائيل ولبنان (وإذا أمكن، العمل أيضاً، بالتوازي، على ترسيم الحدود بين سوريا ولبنان) وتشكيل نظام أمني متفق عليه على طول الحدود».

في المرحلة الثالثة: «تفكيك سلاح (حزب الله) في كل لبنان، مع التركيز على وجوده في الضاحية ببيروت، مقابل وقف الهجمات الإسرائيلية في لبنان وتطبيق نظام أمني جديد، يشمل إمكانية نشر قوة أميركية ذات صلاحيات رقابية، شبيهة بقوة المراقبين المتعددة الجنسيات في شبه جزيرة سيناء، إلى جانب الجيش اللبناني وبدلاً من القوات الدولية العاملة في جنوب لبنان (يونيفيل)».


مقالات ذات صلة

روبيو يرى اتفاقاً لبنانياً - إسرائيلياً على «زوال حزب الله»

المشرق العربي دخان يتصاعد في عمليات هدم إسرائيلية لبلدة الطيبة بجنوب لبنان (إ.ب.أ)

روبيو يرى اتفاقاً لبنانياً - إسرائيلياً على «زوال حزب الله»

رأى وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أن الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية «متفقتان» على التوصل إلى «السلام وزوال حزب الله»، عادَّاً اللبنانيين «ضحية» لإيران.

علي بردى (واشنطن)
المشرق العربي من الوقفة التضامنية للصحافيين في بيروت (الصورة من الإنترنت)

الصحافة اللبنانية تشكو لـ«الإسكوا» الاستهداف الإسرائيلي المتعمّد

دعا نقيب محرري الصحافة اللبنانية جوزيف القصيفي إلى محاسبة إسرائيل دولياً على استهدافها الصحافيين اللبنانيين.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
يوميات الشرق يضع إدغار مازجي الصراعات في الواجهة (غاليري «آرت أون 56»)

«ومع ذلك»... لوحات تعبُر فوق الجراح

جمهور المعرض جاء من مختلف الأعمار، كأنّ الحاجة إلى الفنّ هنا تتجاوز الذائقة لتصبح ضرورة نفسية...

فيفيان حداد (بيروت)
المشرق العربي لقطة من فيديو لعنصر من «حزب الله» يجهِّز مسيّرات لإطلاقها باتجاه الأراضي الإسرائيلية

تصعيد ميداني إسرائيلي يوسّع رقعة العمليات في جنوب لبنان

أعاد كلام رئيس الحكومة الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بوجود «تهديدَين رئيسيَّين» يواجهان الجيش الإسرائيلي، هما الصواريخ والطائرات المسيّرة.

صبحي أمهز (بيروت)
شؤون إقليمية وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس (د.ب.أ)

كاتس: نعيم قاسم يلعب بنار ستحرق «حزب الله» وكل لبنان

أكد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس الاثنين أن الأمين العام لجماعة «حزب الله» نعيم قاسم «يلعب بالنار» مهدداً بأنها «ستحرق (حزب الله) وكل لبنان».

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

يهود متشددون يقتحمون منزل قائد الشرطة العسكرية بإسرائيل رفضا للتجنيد

 محتج من اليهود المتشددين الرافضين للتجنيد يحمل لافتة أثناء احتجاجه مع آخرين ضد التجنيد الإجباري (ا.ف.ب)
محتج من اليهود المتشددين الرافضين للتجنيد يحمل لافتة أثناء احتجاجه مع آخرين ضد التجنيد الإجباري (ا.ف.ب)
TT

يهود متشددون يقتحمون منزل قائد الشرطة العسكرية بإسرائيل رفضا للتجنيد

 محتج من اليهود المتشددين الرافضين للتجنيد يحمل لافتة أثناء احتجاجه مع آخرين ضد التجنيد الإجباري (ا.ف.ب)
محتج من اليهود المتشددين الرافضين للتجنيد يحمل لافتة أثناء احتجاجه مع آخرين ضد التجنيد الإجباري (ا.ف.ب)

اقتحمت مجموعة محتجين من اليهود المتشددين الرافضين للتجنيد منزل قائد الشرطة العسكرية الإسرائيلية الثلاثاء، واعتصموا في حديقته احتجاجا على إجراءات لمعاقبة من يرفضون الاستجابة لاستدعاءات التجنيد.

ويأتي ذلك بعدما أمرت المحكمة العليا الإسرائيلية الأحد الدولة بوقف المزايا المالية الممنوحة لليهود المتشددين الذين يتجنبون الخدمة العسكرية، وبالشروع في ملاحقات جنائية بحقهم.

وأثار التحرك إدانات غاضبة من القيادات العسكرية والسياسية.

وأظهرت مقاطع على وسائل التواصل الاجتماعي عشرات من الرجال المتشددين يهتفون داخل حديقة منزل قائد الشرطة العسكرية يوفال يمين في عسقلان، بينما كان داخل المنزل مع عائلته، بحسب وسائل إعلام إسرائيلية.

وقال رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو «أدين بشدة الهجوم الوحشي والعنيف على رئيس الشرطة العسكرية، وأطالب باتخاذ إجراءات حازمة بحق الضالعين».

من جهته، ندّد وزير الدفاع يسرائيل كاتس بـ«الاقتحام المتعمّد» لمنزل يمين «في وقت كانت عائلته داخله»، معتبرا أن أي محاولة للمساس بأفراد الأجهزة الأمنية تمثّل «تجاوزا لخط أحمر».

ويتمتع اليهود المتشددون منذ قيام إسرائيل عام 1948 بإعفاء من الخدمة العسكرية الإلزامية شرط التفرغ للدراسية الدينية.

لكن المحكمة العليا طعنت مرارا في هذا الاستثناء خلال السنوات الأخيرة، وصولا إلى حكم صدر في 2024 يُلزم الحكومة تجنيدهم.

غير أن نتانياهو يعتمد على دعم الأحزاب المتشددة للبقاء في السلطة، ما دفعه إلى معارضة إنهاء هذا الإعفاء.

ويمثل الحريديم 14 في المائة من السكان اليهود في إسرائيل، ومنهم 66 ألف رجل في سن الخدمة العسكرية.

ومع الحكم الأخير، تأمر المحكمة عمليا بوقف الإعانات التي تتيح لليهود المتشددين تخفيضات على الضرائب المحلية ووسائل النقل العامة ورعاية الأطفال.


الرئيس الإسرائيلي يدعو لمحادثات تمهّد للنظر في عفو عن نتنياهو

بنيامين نتنياهو (رويترز)
بنيامين نتنياهو (رويترز)
TT

الرئيس الإسرائيلي يدعو لمحادثات تمهّد للنظر في عفو عن نتنياهو

بنيامين نتنياهو (رويترز)
بنيامين نتنياهو (رويترز)

دعا الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ محامي رئيس الوزراء والادعاء العام إلى اجتماع في مقر إقامته، بحسب ما أعلن مكتبه الثلاثاء، في وقت يدرس طلب عفو في إطار محاكمات الفساد الجارية بحق بنيامين نتنياهو.

ويواجه نتنياهو اتهامات في قضيتين بمحاولة الحصول على تغطية إعلامية إيجابية من وسائل إعلام إسرائيلية، إضافة إلى قضية ثالثة يُتّهم فيها بتلقي أكثر من 260 ألف دولار في شكل هدايا فاخرة من مليارديرات مقابل خدمات سياسية. وقد أُسقطت عنه تهمة رابعة بالفساد.

وقالت المستشارة القانونية للرئيس ميخال تسوك-شافير في رسالة إلى الأطراف إن هرتسوغ «يرى أنه قبل ممارسة صلاحياته في ما يتعلق بالطلب المقدّم بشأن رئيس الوزراء، ينبغي بذل كل جهد لعقد محادثات بين الأطراف للتوصل إلى تفاهمات».

ووجّهت الرسالة إلى محامي نتنياهو عميت حداد، والمدعية العامة غالي بهاراف-ميارا، والمدعي العام للدولة عميت آيسمان، وفق وكالة الصحافة الفرنسية.

ويعدّ نتنياهو الذي نفي مرارا ارتكاب أي مخالفات، أول رئيس وزراء إسرائيلي في منصبه يمثل أمام القضاء بتهم فساد. ولطالما وصف الإجراءات القضائية التي بدأت عام 2019 بأنها «محاكمة سياسية».

وأوضح مكتب هرتسوغ أن هذه المحادثات تشكّل «مجرد خطوة تمهيدية قبل أن ينظر الرئيس في استخدام صلاحية العفو».

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد تطرق إلى القضية مباشرة في خطاب أمام الكنيست في أكتوبر (تشرين الأول)، داعيا هرتسوغ إلى منحه العفو. وأرسل لاحقا رسالة رسمية يطلب فيها العفو عن نتنياهو، أعقبها طلب رسمي من محامي الأخير.

واستؤنفت محاكمة نتنياهو قبل أسبوعين بعد رفع القيود الطارئة التي فُرضت خلال الحرب مع إيران.


«الحرس الثوري» يستحوذ على سلطة الحرب ويضعف دور المرشد

إيرانيون يمرون أمام ملصق للمرشد مجتبى خامنئي في طهران الثلاثاء (إ.ب.أ)
إيرانيون يمرون أمام ملصق للمرشد مجتبى خامنئي في طهران الثلاثاء (إ.ب.أ)
TT

«الحرس الثوري» يستحوذ على سلطة الحرب ويضعف دور المرشد

إيرانيون يمرون أمام ملصق للمرشد مجتبى خامنئي في طهران الثلاثاء (إ.ب.أ)
إيرانيون يمرون أمام ملصق للمرشد مجتبى خامنئي في طهران الثلاثاء (إ.ب.أ)

بعد شهرين من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، لم تعد إيران تملك حاكماً واحداً غير منازع في قمة السلطة، في قطيعة مفاجئة عن إرث الماضي قد تدفع طهران إلى مزيد من التصلب، بينما تدرس استئناف المحادثات مع واشنطن.

منذ تأسيسها عام 1979، دارت المؤسسة الحاكمة في فلك مرشد يملك السلطة النهائية في كل القضايا الرئيسية للدولة، لكن مقتل المرشد علي خامنئي في اليوم الأول من الحرب، وصعود نجله الجريح مجتبى، أدخلا البلاد في نظام مختلف يهيمن عليه قادة «الحرس الثوري»، ويتسم بغياب مرجعية حاسمة وذات سلطة نافذة لاتخاذ القرار، حسب تحليل لوكالة «رويترز».

ولا يزال مجتبى خامنئي في قمة النظام، لكن 3 مصادر مطلعة على المداولات الداخلية قالت إن دوره يقتصر إلى حد كبير على إضفاء الشرعية على القرارات التي يتخذها جنرالاته، لا إصدار التوجيهات بنفسه.

ويقول مسؤولون ومحللون إيرانيون إن ضغوط الحرب أدت إلى تركيز السلطة في دائرة داخلية أضيق من المحافظين المتشددين، متجذرة في المجلس الأعلى للأمن القومي، ومكتب المرشد، و«الحرس الثوري»، الذي بات يهيمن على الاستراتيجية العسكرية والقرارات السياسية الرئيسية.

وقال مسؤول حكومي باكستاني كبير أُطلع على محادثات السلام بين إيران والولايات المتحدة التي تتوسط فيها إسلام آباد: «الإيرانيون بطيئون بشكل مؤلم في ردودهم». وأضاف: «يبدو أنه لا توجد هيكل قيادي واحدة لاتخاذ القرار. أحياناً يستغرق الأمر يومين أو 3 أيام كي يردوا».

عراقجي يستقبل قائد الجيش الباكستاني عاصم منير في طهران الأسبوع الماضي

وقال محللون إن العقبة أمام التوصل إلى اتفاق ليست الصراعات الداخلية في طهران، بل الفجوة بين ما تستعد واشنطن لتقديمه، وما كان «الحرس الثوري» المتشدد مستعداً لقبوله.

وكان وزير الخارجية عباس عراقجي الوجه الدبلوماسي لإيران في المحادثات مع الولايات المتحدة، وانضم إليه أخيراً رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، وهو قيادي في «الحرس الثوري» ورئيس بلدية طهران سابقاً ومرشح رئاسي، وقد برز خلال الحرب بوصفه قناة رئيسية بين النخب السياسية والأمنية والدينية في إيران.

لكن على الأرض، كان المحاور المركزي هو قائد «الحرس الثوري» أحمد وحيدي، وفق مصدر باكستاني ومصدرين إيرانيين، الشخصية المحورية في إيران، بما في ذلك في الليلة التي أُعلن فيها وقف إطلاق النار.

ولم يظهر مجتبى علناً حتى الآن. وقال مصدران مقربان منه إنه يتواصل من خلال مساعديه بـ«الحرس الثوري» أو عبر اتصالات صوتية محدودة بسبب قيود أمنية، وأصيب مجتبى بجروح بالغة في ساقه خلال الموجة الأولى من الغارات الإسرائيلية والأميركية على إيران، والتي قُتل فيها والده وعدد من أقاربه.

ولم ترد وزارة الخارجية الإيرانية بعد على طلب للتعليق على ما أثاره هذا المقال. ونفى مسؤولون إيرانيون في السابق وجود أي انقسامات بشأن المفاوضات مع الولايات المتحدة.

في قبضة قادة عسكريين

قدّمت إيران، الاثنين، مقترحاً جديداً إلى واشنطن، ويقول مسؤولون إيرانيون كبار إنه يتصور محادثات مرحلية، مع تنحية الملف النووي جانباً في البداية إلى أن تنتهي الحرب، وتُحل الخلافات بشأن الملاحة في الخليج العربي. وتصر واشنطن على ضرورة معالجة الملف النووي منذ البداية.

وقال آلان آير، الخبير في الشؤون الإيرانية والدبلوماسي الأميركي السابق، إن «أياً من الطرفين لا يريد التفاوض»، مضيفاً أن كلاً منهما يعتقد أن الوقت كفيل بإضعاف الطرف الآخر؛ إيران عبر ورقة الضغط في هرمز، وواشنطن عبر الضغط الاقتصادي والحصار.

وقال آير إن أياً من الطرفين لا يستطيع، في الوقت الراهن، أن يبدي مرونة؛ فـ«الحرس الثوري» حذر من الظهور بمظهر الضعف أمام واشنطن، بينما يواجه الرئيس دونالد ترمب ضغوط انتخابات التجديد النصفي، ولا يملك هامشاً كبيراً للمرونة من دون تكلفة سياسية.

وأضاف آير الذي شارك بالمفاوضات النووية خلال إدارة باراك أوباما من كثب: «بالنسبة إلى الطرفين، ستُفسر المرونة على أنها ضعف».

جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)

ولا يعكس هذا الحذر ضغوط اللحظة الراهنة فقط، بل الطريقة التي تمارس بها السلطة الآن داخل إيران. ورغم أن مجتبى هو رسمياً صاحب السلطة النهائية في إيران، فإنه، بحسب مطلعين، شخصية تصادق أكثر مما تقود؛ فهو يقر نتائج صيغت عبر توافق مؤسسي، ولا يفرض سلطته. ويقول هؤلاء إن السلطة الفعلية انتقلت إلى قيادة حرب موحدة تتمحور حول المجلس الأعلى للأمن القومي.

ورفعت شخصيات متشددة، مثل المفاوض النووي السابق سعيد جليلي ومجموعة من النواب الراديكاليين، حضورها عبر خطاب حاد خلال الحرب، لكنها تفتقر إلى النفوذ المؤسسي اللازم لتعطيل القرارات أو تشكيل النتائج.

ويدين مجتبى بصعوده إلى «الحرس الثوري»، الذي همّش البراغماتيين ودعمه بوصفه حارساً موثوقاً به لأجندته المتشددة. وتقول مصادر مطلعة على دوائر صنع القرار الداخلية في البلاد لـ«رويترز» إن ازدياد هيمنة «الحرس الثوري»، الذي تعزز أصلاً بفعل الحرب، يشير إلى سياسة خارجية أكثر عدوانية وقمع داخلي أشد.

ويرى «الحرس الثوري» مدفوعاً بالتوجه الآيديولوجي الثوري ورؤية أمنية في المقام الأول، أن مهمته تتمثل في الحفاظ على الجمهورية الإسلامية في الداخل مع إظهار الردع في الخارج.

وهذه الرؤية، التي غالباً ما يتقاسمها متشددون في القضاء والمؤسسة الحاكمة، تعطي الأولوية لسيطرة مركزية صارمة ومقاومة الضغوط الغربية، خصوصاً في السياسة النووية ونفوذ إيران الإقليمي.

السلطة بيد القطاع الأمني

وقالت المصادر المقربة من دائرة الحكم أن آيديولوجيا «الحرس الثوري» تشكل في الواقع الاستراتيجية الرئيسية؛ إذ تبقى عملية صنع القرار راسخة في يده. وأضافت المصادر أنه مع دخول البلاد في حالة حرب ورحيل خامنئي، لا يملك أي طرف داخل النظام القوة أو النطاق لمقاومة ما يراه «الحرس الثوري»، حتى لو أراد ذلك.

ولم يعد الخيار أمام القيادة الإيرانية بين سياسة معتدلة وأخرى متشددة، بل بين التشدد وما هو أشد تشدداً. وقال مصدران إيرانيان قريبان من دوائر السلطة إن فصيلاً صغيراً قد يدفع باتجاه الذهاب أبعد، لكن «الحرس الثوري» أبقى هذا الاندفاع حتى الآن تحت السيطرة.

ويمثل هذا التحول إعادة ترتيب حاسمة للسلطة، من أولوية رجال الدين إلى هيمنة القطاع الأمني. وقال آرون ديفيد ميلر، المفاوض الأميركي السابق: «انتقلنا من سلطة رجال الدين إلى السلطة العسكرية... إلى نفوذ (الحرس الثوري). هكذا تحكم إيران».

إيرانية تسير بجانب نموذج رمزي لصاروخ «خيبر شكن» الباليستي في طهران الاثنين (رويترز)

وقال أليكس فاتانكا، الزميل البارز في معهد الشرق الأوسط، إن اختلافات في الرأي موجودة، لكن صنع القرار تركز حول المؤسسات الأمنية، مع قيام مجتبى بدور شخصية جامعة مركزية، لا صاحب قرار منفرد.

ورغم الضغط العسكري والاقتصادي المستمر من الولايات المتحدة وإسرائيل، لم تُظهر إيران أي مؤشرات إلى التصدع أو الاستسلام بعد نحو 9 أسابيع من الحرب

وأشار ميلر أيضاً إلى أنه لا توجد أدلة على وجود انقسامات جوهرية داخل النظام أو معارضة ذات مغزى في الشوارع.

ويشير هذا التماسك إلى أن القيادة باتت في يد «الحرس الثوري» والأجهزة الأمنية، التي تبدو كأنها تقود الحرب بدلاً من مجرد تنفيذ عمليات قتالية. وقال ميلر إن توافقاً استراتيجياً برز داخل النظام: تجنب العودة إلى حرب شاملة، والحفاظ على أوراق الضغط، خصوصاً في مضيق هرمز، والخروج من الصراع أقوى سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.