ماكرون: تهديدات إسرائيل لن تثنينا عن الاعتراف بالدولة الفلسطينية

الدولة العبرية تلوّح بضم الضفة الغربية أو ممتلكات تابعة لباريس

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يكرّم الجمعة في ساحة قصر الأنفاليد بوسط باريس رئيس الأركان السابق تييري بوركهارد بمناسبة انتهاء مهمته على رأس الجيوش الفرنسية (أ.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يكرّم الجمعة في ساحة قصر الأنفاليد بوسط باريس رئيس الأركان السابق تييري بوركهارد بمناسبة انتهاء مهمته على رأس الجيوش الفرنسية (أ.ب)
TT

ماكرون: تهديدات إسرائيل لن تثنينا عن الاعتراف بالدولة الفلسطينية

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يكرّم الجمعة في ساحة قصر الأنفاليد بوسط باريس رئيس الأركان السابق تييري بوركهارد بمناسبة انتهاء مهمته على رأس الجيوش الفرنسية (أ.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يكرّم الجمعة في ساحة قصر الأنفاليد بوسط باريس رئيس الأركان السابق تييري بوركهارد بمناسبة انتهاء مهمته على رأس الجيوش الفرنسية (أ.ب)

مع اقتراب موعد 22 سبتمبر (أيلول) الحالي، الذي سيشهد في الأمم المتحدة، على هامش أعمال الجمعية العامة، قمة لإحياء حل الدولتين (فلسطين وإسرائيل) كسبيل وحيد لوضع حد للنزاع الفلسطيني – الإسرائيلي، ولاعتراف مجموعة من الدول، على رأسها فرنسا، بالدولة الفلسطينية، يحمى وطيس الجدل بين باريس وتل أبيب، أو بالأحرى بين الرئيس إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

وآخر مستجداته تهديد الحكومة الإسرائيلية بإغلاق القنصلية الفرنسية في القدس أو حتى فرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية أو على أراض فيها، بالتوازي مع الهجمات على غزة والتهديد بمزيد من التشريد لسكانها أو حتى الترحيل وإعادة الاستيطان في القطاع.

وقالت شارين هاسكل، نائبة وزير الخارجية الإسرائيلي، الخميس، إن إغلاق القنصلية الفرنسية «موضوع مطروح على طاولة رئيس الوزراء»، مضيفة أنها «تأمل» حصول هذا الأمر، مذكّرة بأن إسرائيل «فعلت الشيء نفسه مع النرويج وآيرلندا، ويمكننا التفكير في فعل ذلك مع دول أخرى». واتهمت هاسكل ماكرون بأنه «يدمر سنوات من الدبلوماسية بين إسرائيل وفرنسا». ومن الأفكار المتداولة إسرائيلياً، وفق مصادر واسعة الاطلاع في باريس، وضع إسرائيل اليد على أربعة مواقع دينية منها موقع «قبر الملوك» الواقع في القدس الشرقية، وهو موقع أثري يعود لفرنسا.

ماركو روبيو

ما يشد أزر إسرائيل تضامن الولايات المتحدة المطلق معها. وجديده تصريحات وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، الخميس، من كيتو، عاصمة الإكوادور، حيث قال: «لقد أبلغنا كل زعماء هذه الدول (العازمة على الاعتراف بفلسطين) قبل أن يعلنوا قرارهم أنه لن تكون هناك دولة فلسطين؛ لأن هذه ليست الطريقة التي ستنشأ بها دولة فلسطين» مضيفاً: «لقد أخبرناهم بأن ذلك سيؤدي إلى إجراءات مماثلة، وسيجعل وقف إطلاق النار (في غزة) أكثر صعوبة».

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو في حديث مع رئيس الحكومة فرنسوا بايرو بعد اجتماع مجلس الوزراء الأربعاء في قصر الإليزيه (رويترز)

ويندرج في إطار الضغوط الأميركية رفض واشنطن منح تأشيرات للوفد الفلسطيني (وعلى رأسه الرئيس محمود عباس) لمنعه من المشاركة في القمة. وسبق لوزارة الخارجية الأميركية أن أرسلت، في شهر يونيو (حزيران) الماضي، رسالة إلى كافة سفاراتها عبر العالم، تدعوها لثني الدول العازمة على الاعتراف بالدولة الفلسطينية عن قرارها، بل عن المشاركة في القمة التي كانت مقررة، أساساً، في الشهر المذكور. إلا أنها أجلت للشهر الحالي بسبب حرب الـ12 يوماً بين إسرائيل وإيران، والتي انضمت إليها الولايات المتحدة لاحقاً.

تكمن مشكلة إسرائيل في أن إعلان ماكرون، رسمياً، عزمه على الاعتراف بالدولة الفلسطينية، أطلق دينامية سياسية واسعة، حيث إن مجموعة من الدول التحقت بفرنسا، ومن بينها كندا وبريطانيا وأستراليا والنرويج وبلجيكا والبرتغال وفنلندا وآيسلندا، علماً بأن بعضها ربطه بشروط والآخر من غير شروط.

ولم يوفر نتنياهو أي وسيلة للإعراب عن غيظه، بل ذهب إلى حد التهديد باللجوء إلى تدابير انتقامية بحق فرنسا. ومنذ أن ظهر بوضوح أن ماكرون لن يتراجع عن قرار الاعتراف، عمدت إسرائيل إلى تحفيز الإعلام والأحزاب السياسية الموالية لها ومجموعات الضغط لمهاجمة الرئيس الفرنسي وتبني السردية الإسرائيلية التي تعتبر أن الاعتراف بمثابة «مكافأة» لـ«حماس»، وتشجيع على الإرهاب والمقامرة بأمن إسرائيل واستنهاض معاداة السامية.

وبالمقابل، فإن الرد الرسمي الفرنسي يشدد على أن «حل الدولتين» يسدي خدمة لإسرائيل بإخراجها من دوامة العنف وتسهيل انخراطها في بيئتها الإقليمية، ويعد بداية «ضربة» لـ«حماس» ولآيديولوجيتها.

رسائل نارية بين ماكرون ونتنياهو

تضم الرسالة التي وجهها نتنياهو إلى ماكرون، في 18 الشهر الماضي، إشارة إلى كافة الاتهامات الإسرائيلية لباريس. وجاء في فقرات منها: «إن دعوتكم إلى إقامة دولة فلسطينية تغذي نار معاداة السامية». ومنها أيضاً: «منذ تصريحاتكم العلنية التي هاجمت إسرائيل وأعلنت الاعتراف بدولة فلسطينية، ازدادت معاداة السامية قوة»، مضيفاً أن ماكرون يكافئ إرهاب «حماس»، ويعزز رفضها إطلاق سراح الرهائن، ويشجع أولئك الذين يهددون اليهود الفرنسيين، ويشجع كراهية اليهود في شوارع فرنسا.

ورد الإليزيه بأن ما جاء في هذه الرسالة «تحليل مقيت وخاطئ». وبعد أسبوع، رد ماكرون بنفسه رسمياً من خلال رسالة مطولة (نحو ألفي كلمة) نشرت في صحيفة «لوموند» يوم 26 أغسطس (آب). وتضمن رد ماكرون تفنيداً ممنهجاً لمزاعم نتنياهو، معتبراً أنها «غير مقبولة وتشكل إهانة لفرنسا» من حيث تأكيدها أنها لا تحارب معاداة السامية.

واتهم ماكرون نتنياهو باستخدام معاداة السامية «ورقة سياسية أو أداة ضغط»، معدّداً ما قامت به باريس التي تعتبر حماية اليهود «أولوية مطلقة منذ اليوم الأول» لرئاسته. ودافع ماكرون عن تمسكه بحل الدولتين الذي «لا يستهدف الإساءة (لإسرائيل) بل يرسخ أمنها، ونجاح السلام يُعدّ أساساً لاستقرارها واندماجها» الإقليمي.

وهاجم ماكرون مجدداً ما تقوم به إسرائيل في غزة، وهي «أعمال لا يمكن تبرريها بأي شكل من الأشكال»، مضيفاً أن «التهجير الجماعي لسكان غزة بسبب المجاعة والعنف، بالإضافة إلى كونه أمراً غير أخلاقي، ستكون له آثار مباشرة ودائمة على الأمن الإقليمي والدولي، بما في ذلك أمن إسرائيل وأوروبا».

صورة مأخوذة من مقطع فيديو يظهر مجموعة أشخاص يحاولون سحب جثة من الدرج الخارجي لمستشفى ناصر بعد وقت قصير من غارة إسرائيلية على خان يونس يوم 25 أغسطس (رويترز عبر وكالة أ.ب)

ليّ ذراع

في ظل هذه الأجواء، أثار الاتصال الذي جرى بين وزيري خارجية فرنسا وإسرائيل، جان نويل بارو وجدعون ساعر، الأربعاء، الكثير من التساؤلات، بل العجب؛ لأن مضمونه تناول زيارة محتملة لماكرون إلى إسرائيل في أجواء من التصعيد بين الطرفين.

ونقل عن ساعر قوله لبارو إن فرنسا «اتخذت في الآونة الأخيرة سلسلة من الخطوات والمواقف المعادية لإسرائيل»، وإنه ما دامت باريس ماضية في مبادرتها وجهودها التي تضر بمصالح إسرائيل، فلا مجال لزيارة ماكرون إلى إسرائيل. ولذا، فشرط إتمام الزيارة مرتبط بتراجع باريس عن مبادرتها، وهو ما ترفضه فرنسا بشكل مطلق.

بيد أن ماكرون حرص، إزاء الهجمة الإسرائيلية المتواصلة على فرنسا وعلى الدول التي تحذو حذوها، على تأكيد ثوابت بلاده في تغريدة على منصة «إكس»، جاء فيها: «لن يوقف أي هجوم أو محاولة ضم أو تهجير للسكان الدينامية» التي تم إطلاقها بخصوص الاعتراف بالدولة الفلسطينية والتي انضم إليها بالفعل «العديد من الشركاء».

وانتقد ماكرون القرار الأميركي بعدم منح تأشيرات دخول للمسؤولين الفلسطينيين، معتبراً ذلك «أمراً غير مقبول»، مضيفاً: «ندعو إلى التراجع عن هذا الإجراء، والسماح بتمثيل فلسطيني وفقاً لاتفاق المقر (مقر الأمم المتحدة في نيويورك)».

ما يحصل بين باريس وتل أبيب مفتوح على كثير من التطورات. بيد أن باريس لا تنوي التراجع ولا الخضوع لمطالب نتنياهو، بحسب ما تشير تصريحات مسؤوليها، رغم أن ما تنوي الدولة القيام به يواجه معارضة من اليمين التقليدي واليمين المتطرف في فرنسا، وكذلك من دول في الاتحاد الأوروبي على غرار ألمانيا والمجر والنمسا.


مقالات ذات صلة

نافذة الوساطة تضيق بين الحصار الأميركي ورفض التنازل الإيراني

شؤون إقليمية وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)

نافذة الوساطة تضيق بين الحصار الأميركي ورفض التنازل الإيراني

لم تعد إسلام آباد تبدو، بعد مغادرة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي العاصمة الباكستانية، محطة مرشحة لاختراق وشيك في مسار وقف الحرب بين واشنطن وطهران.

إيلي يوسف (واشنطن)
المشرق العربي ركاب يقفون عند نقطة تفتيش في مطار بولاية جورجيا الأميركية (إ.ب.أ)

تقرير: إدارة ترمب تأمر برفض منح «غرين كارد» لمنتقدي إسرائيل

أصدرت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب توجيهاتٍ جديدة تقضي برفض منح «غرين كارد» (البطاقة الخضراء) للمهاجرين الذين شاركوا في احتجاجاتٍ مؤيدة للفلسطينيين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
المشرق العربي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مراسم إحياء ذكرى يوم الهولوكوست السنوي في نصب ياد فاشيم التذكاري للهولوكوست بالقدس 14 أبريل 2026 (أ.ب)

نتنياهو: «حزب الله» يحاول تقويض جهود السلام مع لبنان

اتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الجمعة، «حزب الله» بمحاولة تقويض جهود الدولة العبرية للتوصل إلى اتفاق سلام مع لبنان.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس (أ.ب)

كاتس: ننتظر الضوء الأخضر الأميركي لاستكمال القضاء على «سلالة خامنئي»

أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن الدولة العبرية «مستعدة لاستئناف الحرب ضد إيران»، مشيراً إلى أنها تنتظر موافقة الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية مقاتلون فلسطينيون خلال الهجوم على جنوب إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023 (أ.ب)

المحكمة العليا الإسرائيلية تنظر في التماسات تشكيل لجنة تحقيق بهجوم أكتوبر

نظرت المحكمة العليا في إسرائيل في التماسات لإلزام الحكومة بتشكيل لجنة تحقيق رسمية في هجوم السابع من أكتوبر 2023.


إسرائيل تعين أول سفير لها في أرض الصومال

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)
رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)
TT

إسرائيل تعين أول سفير لها في أرض الصومال

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)
رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)

عينت إسرائيل أول سفير لها في أرض الصومال، بعد أشهر من اعترافها رسمياً بالإقليم الانفصالي في الصومال، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية اليوم الأحد.

في أواخر ديسمبر (كانون الأول)، أصبحت إسرائيل أول دولة تعترف بأرض الصومال منذ أن أعلنت استقلالها من طرف واحد عن الصومال في عام 1991 في أعقاب الحرب الأهلية.

وقالت الوزارة إن مايكل لوتم الذي يشغل حالياً منصب سفير اقتصادي متجول في أفريقيا، سيكون مبعوث إسرائيل إلى أرض الصومال.

وسبق للوتم أن شغل منصب سفير إسرائيل لدى كينيا وأذربيجان وكازاخستان.

ويأتي تعيينه عقب إقامة علاقات دبلوماسية بين الجانبين في ديسمبر 2025، وزيارة وزير الخارجية جدعون ساعر إلى أرض الصومال في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وفي فبراير (شباط)، أعلنت أرض الصومال تعيين محمد حاجي سفيراً لها لدى إسرائيل.

تحظى أرض الصومال بموقع استراتيجي على خليج عدن، ولها عملة وجواز سفر وجيشها الخاص، لكنها تواجه صعوبة في الحصول على اعتراف دولي، وسط مخاوف من استفزاز الصومال وتشجيع الحركات الانفصالية الأخرى في أفريقيا.

وأثارت زيارة ساعر إلى أرض الصومال إدانة من الصومال الذي وصفها بأنها «توغل غير مصرح به».


نافذة الوساطة تضيق بين الحصار الأميركي ورفض التنازل الإيراني

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
TT

نافذة الوساطة تضيق بين الحصار الأميركي ورفض التنازل الإيراني

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)

لم تعد إسلام آباد تبدو، بعد مغادرة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي العاصمة الباكستانية، محطة مرشحة لاختراق وشيك في مسار وقف الحرب بين واشنطن وطهران.

فالمشهد الذي بدأ بإشارات أميركية إلى توجُّه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى باكستان، أملاً في استئناف مسار تفاوضي مباشر أو غير مباشر، انتهى عملياً إلى جولة إيرانية على المسؤولين الباكستانيين، وتسليم موقف طهران ومطالبها، ثم مغادرة من دون لقاء مع الموفدين الأميركيين اللذين ألغيا سفرهما إلى إسلام آباد.

وبذلك انتقلت الأزمة من مرحلة «اختبار إمكان الجولة الثانية» إلى مرحلة أكثر قتامة: الوسيط الباكستاني تلقى الرسائل، لكنه لم ينجح في جمع الطرفين، ولا حتى في تثبيت صيغة واضحة لمحادثات غير مباشرة فورية، حتى الآن.

هذا التطور لا يعني انهيار الدبلوماسية بالكامل، ولا يعني العودة الفورية إلى الحرب مثلما أكَّد الرئيس الأميركي نفسه دونالد ترمب، لكنه يكشف أن نافذة التفاوض تضيق بسرعة.

وقبل توجه عراقجي إلى إسلام آباد، فقد أكَّدت إيران، وفق تقارير عدة، أنها لا تخطط لاجتماع مباشر مع الأميركيين، وأنها ستنقل مواقفها عبر باكستان. ونقلت وكالة «رويترز» أن عراقجي رفض «المطالب القصوى» الأميركية، وأن طهران ما زالت تفضِّل قناة باكستانية غير مباشرة، بينما أفادت وكالة «أسوشييتد برس» بأنه لا توقعات بلقاء مباشر بين المسؤولين الإيرانيين والأميركيين رغم الحراك الدبلوماسي في إسلام آباد.

لقاء مستبعد

المعوق الأول أمام الانفراجة لم يعد في تفاصيل الطاولة فقط، بل في غياب الطاولة نفسها. فبعدما كان احتمال حضور ويتكوف وكوشنر إلى باكستان يفتح الباب أمام اجتماع مباشر أو رسائل متزامنة بين الوفدين، جاءت مغادرة عراقجي لتجعل هذا الاحتمال غير مطروح عملياً في هذه الجولة.

وغادر الوزير الإيراني إسلام آباد بعد لقائه رئيس الوزراء شهباز شريف وقائد الجيش عاصم منير ومسؤولين باكستانيين، بعدما شرح موقف بلاده من وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب.

عراقجي خلال اجتماعه مع قائد الجيش الباكستاني عاصم منير في إسلام آباد (أ.ب)

هنا تكمن دلالة التحول. فإيران لم تكتفِ بنفي الاجتماع المباشر، بل تصرفت كما لو أن مهمتها في باكستان تقتصر على تسليم مطالبها للوسيط، لا التفاوض عليها مع واشنطن. أما الإدارة الأميركية، التي أرادت تقديم توجُّه مبعوثيها بوصفه دليلاً على أن الضغط العسكري والبحري فتح باب الدبلوماسية، فوجدت نفسها أمام طرف يرفض إضفاء شرعية على تفاوض يجري تحت الحصار.

لذلك لم تعد الجولة الثانية مسألة جدول أعمال مؤجَّل، بل مسألة ثقة مفقودة في الإطار نفسه: هل يجلس الطرفان للتفاوض، أم يكتفيان بإدارة حرب الرسائل عبر الوسطاء؟

حصار هرمز

العقدة الثانية هي الحصار البحري الأميركي ومضيق هرمز. فقد جعلت طهران رفع الحصار عن موانئها ووقف التهديدات الأميركية شرطاً جوهرياً للعودة إلى أي تفاوض فعلي. وفي المقابل، تتمسك واشنطن بأن الحصار سيبقى حتى فتح هرمز والتوصل إلى اتفاق يلبي مطالبها.

هذه ليست مشكلة إجرائية، بل معادلة ردع متقابلة: إيران تقول إنها لن تفاوض وهي مخنوقة اقتصادياً وبحرياً، والولايات المتحدة تقول إنها لن ترفع الخنق قبل أن تلمس تنازلات.

ونقلت وسائل إعلام عن عراقجي أنه سلَّم باكستان مطالب طهران، وفي مقدمها رفع الحصار البحري الأميركي عن الموانئ الإيرانية، ووقف التهديدات واستمرار الحرب، والتراجع عن شروط تعدُّها إيران «مبالغاً فيها»، بينها التخلي الكامل عن تخصيب اليورانيوم.

مدمرة أميركية تقترب من سفينة إيرانية تم اعتراضها بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)

كما نقلت أن القوات المسلحة الإيرانية، عبر مقر «خاتم الأنبياء»، هدَّدت بالرد إذا استمر الجيش الأميركي في «الحصار والقرصنة»، مؤكدة أنها تراقب تحركات الخصوم وتواصل السيطرة على مضيق هرمز الاستراتيجي.

هذا التصعيد يغيِّر طبيعة الوساطة، فبدلاً من أن تكون باكستان قناة لتقريب المواقف، باتت شاهدة على تصلب مزدوج: إيران تستخدم هرمز والحصار كورقة سيادية واقتصادية، وواشنطن تستخدم الحصار لإجبار طهران على تقديم تنازلات.

وواصلت كذلك سياسة الضغط بالعقوبات، بما في ذلك استهداف شبكات شحن وكيانات مرتبطة بتجارة النفط الإيراني، في رسالة مفادها أن الدبلوماسية لن تعني وقف أدوات الإكراه.

النووي أصل الأزمة

رغم أن هرمز والحصار يحتلان واجهة الأزمة، يبقى الملف النووي مركز الثقل الحقيقي. فواشنطن لا تريد فقط وقفاً للنار أو فتحاً للمضيق، بل اتفاقاً يمنع إيران من إعادة بناء قدرتها النووية والصاروخية، ويعالج مخزون اليورانيوم وآليات التفتيش ومستقبل التخصيب.

أما طهران، فتتعامل مع طلب التخلي الكامل عن التخصيب بوصفه إعلان استسلام لا بنداً تفاوضياً. ورأت صحيفة «نيويورك تايمز» أنه لهذه الأسباب تبدو الفجوة واسعة. فالإدارة الأميركية ترفع سقف مطالبها إلى حد وقف طويل أو غير محدود للتخصيب، وإخراج أو تخفيف المخزون، وربط أي تخفيف للعقوبات بتعهدات قابلة للتحقق.

لكن إيران ترى أن قبول هذه الشروط تحت الحصار سيجردها من ورقة سيادية واستراتيجية، وسيظهرها داخلياً كمن خسر الحرب واستسلم. ومن هنا جاء تشديد المصادر الإيرانية، على أن طهران «مستعدة للتفاوض، ولكنها لن تستسلم»، وأنها لن تقبل الجلوس إلى طاولة تطرح فيها واشنطن خطوطها الحمراء كأوامر مسبقة.

وترى الصحيفة أن المشكلة أن أي اتفاق محدود لن يكفي واشنطن سياسياً، وأي اتفاق شامل لن يكون سهلاً على طهران داخلياً. فكلما وسَّعت الولايات المتحدة لائحة المطالب لتشمل التخصيب والصواريخ وهرمز وسلوك إيران الإقليمي، أصبح الاتفاق أثقل من أن يحمله وسيط واحد في جولة قصيرة.

وكلما ربطت طهران التفاوض برفع الحصار مسبقاً، منحت واشنطن ذريعة للقول إن الضغط لم يبلغ غايته بعد.

طهران انقسام أم تصلب موحد؟

العقدة الرابعة تتصل بقراءة القرار الإيراني. هل فشل إسلام آباد ناجم عن انقسامات داخل طهران، أم عن موقف موحد يرفض التنازل؟ وفي هذا الصدد قال صحيفة «وول ستريت جورنال» إن ثمة صراعاً بين تيارين، الأول أكثر براغماتية ويريد وقف النزف الاقتصادي، والثاني متشدد ويرفض تقديم تنازلات نووية أو بحرية.

ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أميركيين وإسرائيليين قولهم إن المشكلة ليست في وجود تصدع حاسم، بل في عدم استعداد النظام، بمختلف أجنحته، لتقديم التنازلات المطلوبة.

بزشكيان يجتمع مع رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ورئيس القضاء غلام حسين محسني إجئي (الرئاسة الإيرانية)

وهذا الفارق مهم. فإذا كانت إيران منقسمة فعلاً، يستطيع الوسطاء البحث عن صيغة تحفظ ماء الوجه للتيار الذي يريد صفقة. أما إذا كانت متماسكة في رفضها للشروط الأميركية، فإن مهمة باكستان تصبح شبه مستحيلة.

تصريحات عراقجي في إسلام آباد، ومغادرته من دون لقاء الأميركيين، توحيان بأن طهران تريد أن تثبت أمرين في وقت واحد: أنها لا تغلق باب الوساطة، لكنها لا تقبل تحويل الوساطة إلى قناة لإملاء الشروط.

واشنطن تريد طاولة تؤكد أن الحصار والحرب دفعا إيران إلى التراجع، بينما طهران تريد قناة تثبت أنها ما زالت قادرة على فرض شروط الدخول إلى أي مسار. وبين هذين المنطقين، تراجعت احتمالات الجولة الثانية من مفاوضات فعلية إلى مجرد تبادل مواقف عبر باكستان.


جواب عراقجي ينسف «مواعيد» إسلام آباد

رئيس الأركان الباكستاني عاصم منير يلتقي وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي ، والوفد المرافق له في إسلام آباد أمس (إ.ب.أ)
رئيس الأركان الباكستاني عاصم منير يلتقي وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي ، والوفد المرافق له في إسلام آباد أمس (إ.ب.أ)
TT

جواب عراقجي ينسف «مواعيد» إسلام آباد

رئيس الأركان الباكستاني عاصم منير يلتقي وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي ، والوفد المرافق له في إسلام آباد أمس (إ.ب.أ)
رئيس الأركان الباكستاني عاصم منير يلتقي وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي ، والوفد المرافق له في إسلام آباد أمس (إ.ب.أ)

أنهى وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، أمس، زيارته لإسلام آباد، فيما كان العالم يترقب وصول مبعوثي الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى العاصمة الباكستانية لإجراء مفاوضات غير مباشرة بين الطرفين، في إطار المساعي الدبلوماسية للتوصل إلى تسوية في حرب إيران.

ونسف جواب عراقجي ومغادرته إسلام آباد «المواعيد» التي كان يعد لها الوسيط الباكستاني لجلسة ثانية من المفاوضات، مساء أمس، رغم أن الوفد الإيراني كان قد أعلن أن زيارته ليست للتباحث مع أميركا بل تأتي في إطار جولة تشمل سلطنة عُمان وروسيا. وكان لافتاً أن وكالة «إيرنا» الرسمية ذكرت ليلاً أن عراقجي يعتزم زيارة باكستان مجدداً بعد انتهاء زيارته إلى مسقط، وقبل توجهه إلى موسكو.

والتقى عراقجي نظيره الباكستاني إسحق دار، ورئيس الوزراء شهباز شريف، وقائد الجيش عاصم منير الذي يؤدي دوراً محورياً في الوساطة. وقال إنه سلَّمهم رد إيران على المقترح الأميركي للتوصل إلى اتفاق، مضيفاً: «علينا أن نرى ما إذا كانت واشنطن جادة فعلاً بشأن الدبلوماسية».

من جانبه، أعلن ترمب أنه ألغى الزيارة المرتقبة لمبعوثيه، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، إلى إسلام آباد، مؤكداً أن ذلك لا يعني حكماً باستئناف الحرب مع إيران.

وقال ترمب إن أحداً لا يعرف من يتولى زمام القيادة حالياً في طهران، مضيفاً على منصته «تروث سوشيال» أن «هناك اقتتالاً داخلياً هائلاً وحالة من الإرباك داخل ما يُسمى بالقيادة لديهم».