حالات الانتحار تزداد في صفوف الجيش الإسرائيلي

جنود إسرائيليون يقفون على دبابات قرب حدود إسرائيل مع غزة... جنوب إسرائيل 1 يناير 2024 (رويترز)
جنود إسرائيليون يقفون على دبابات قرب حدود إسرائيل مع غزة... جنوب إسرائيل 1 يناير 2024 (رويترز)
TT

حالات الانتحار تزداد في صفوف الجيش الإسرائيلي

جنود إسرائيليون يقفون على دبابات قرب حدود إسرائيل مع غزة... جنوب إسرائيل 1 يناير 2024 (رويترز)
جنود إسرائيليون يقفون على دبابات قرب حدود إسرائيل مع غزة... جنوب إسرائيل 1 يناير 2024 (رويترز)

تعاني إسرائيل من زيادة كبيرة في حالات الانتحار واضطراب ما بعد الصدمة في صفوف الجيش بعد حملتها العسكرية التي استمرت عامين على قطاع غزة رداً على هجوم حركة «حماس» في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

وتناولت تقارير حديثة من ​وزارة الدفاع الإسرائيلية ومقدمي الخدمات الصحية بالتفصيل أزمة الاضطرابات النفسية التي يعاني منها الجنود مع استمرار القتال في غزة ولبنان وتصاعد التوتر مع إيران، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وسرعان ما اتسع نطاق الحرب في غزة وامتد إلى لبنان مع تبادل إسرائيل وجماعة «حزب الله» إطلاق النار عبر الحدود. ونشرت إسرائيل مئات الآلاف من الجنود وقوات الاحتياط على الجبهتين في بعض من أعنف المعارك منذ قيامها.

وقال مسؤولون من غزة ولبنان، إن القوات الإسرائيلية قتلت أكثر من 71 ألف فلسطيني في غزة و4400 في جنوب لبنان. وذكرت إسرائيل أن أكثر من 1100 جندي قُتلوا منذ هجوم السابع من أكتوبر 2023.

وأدت الحرب إلى تدمير معظم قطاع غزة الذي يعاني سكانه البالغ عددهم نحو مليونين من نقص حاد في المأوى والغذاء والرعاية الصحية.

وقال متخصصون فلسطينيون في الصحة النفسية، إن سكان غزة يعانون من «بركان» من الصدمات النفسية، وتسعى أعداد كبيرة منهم الآن للعلاج، وإن الأطفال يعانون من أعراض مثل نوبات الفزع الليلية وعدم القدرة على التركيز.

جنود إسرائيليون يتمركزون خلال العملية البرية للجيش الإسرائيلي في قطاع غزة... 13 نوفمبر 2023 (رويترز)

ارتفاع حالات اضطراب ما بعد الصدمة

تظهر دراسات إسرائيلية أن ‌الحرب أثّرت على الصحة النفسية للجنود الذين ينفّذون أهداف الحرب الإسرائيلية المعلنة، وهي القضاء على «حماس» في غزة واستعادة الرهائن ونزع ‌سلاح «⁠حزب ​الله».

ويعاني أيضاً بعض ‌الجنود الذين تعرّضوا للهجوم عندما اجتاحت «حماس» قواعدهم العسكرية في هجوم السابع من أكتوبر من اضطرابات نفسية.

وذكرت وزارة الدفاع الإسرائيلية أنها سجلت زيادة بنسبة 40 في المائة تقريباً في حالات اضطراب ما بعد الصدمة بين الجنود منذ سبتمبر (أيلول) 2023، وتتوقع أن ترتفع النسبة إلى 180 في المائة بحلول عام 2028.

وأضافت الوزارة أن 60 في المائة من بين 22 ألفاً و300 من الجنود والعسكريين يتلقون العلاج من إصابات خلال الحرب يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة.

ووسّعت الوزارة الرعاية الصحية المقدمة لمن يعانون من مشاكل نفسية وزادت المخصصات المالية لهذا الغرض، وقالت إن هناك زيادة بنحو 50 في المائة في استخدام العلاجات البديلة.

وقالت شركة مكابي، ثاني أكبر مزود للرعاية الصحية في إسرائيل، في تقريرها السنوي لعام 2025، إن 39 في المائة من العسكريين الإسرائيليين الذين يتلقون العلاج لديها طلبوا دعما نفسيا بينما عبّر 26 في المائة منهم عن مخاوف تتعلق بالاكتئاب.

واستقبلت عدة منظمات إسرائيلية، مثل هاغال شيلي غير الحكومية التي تستخدم ركوب ⁠الأمواج أسلوباً علاجياً، مئات الجنود النظاميين والاحتياط الذين يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة. ويقتني بعض الجنود السابقين أيضا كلاباً مدربة تدريباً خاصاً للمساعدة في الدعم النفسي والعاطفي.

صورة نُشرت في 2 يناير 2024 تظهر جنوداً إسرائيليين خلال العملية في قطاع غزة (رويترز)

الشعور بالذنب

قال الطبيب النفسي رونين ‌سيدي، الذي يشرف على أبحاث المحاربين القدامى في مركز هعيمك الطبي بشمال إسرائيل، إن الجنود يعانون ‍بشكل عام من مصدرين مختلفين للصدمة.

يرتبط المصدر الأول «بتجارب خوف شديد» و«الخوف ‍من الموت» في غزة ولبنان أو حتى داخل إسرائيل. فقد عايش العديد من الجنود هجوم «حماس»، الذي اقتادت فيه الحركة الفلسطينية أيضاً حوالي 250 رهينة إلى القطاع، وتداعياته بشكل مباشر.

وذكر سيدي أن المصدر الثاني هو الأضرار المعنوية، أو الشعور بالذنب الذي يعاني منه الشخص بسبب شيء ما فعله، أو بسبب مقتل أبرياء في القطاع.

وقال بول (28 عاماً)، وهو جندي احتياط وأب لثلاثة أطفال، إنه اضطر إلى ترك وظيفته كمدير مشروع في شركة عالمية لأن «صوت الرصاص» فوق رأسه ظل ​يلازمه حتى بعد عودته من القتال.

وذكر بول، الذي رفض الكشف عن اسمه بالكامل بسبب مخاوف تتعلق بالخصوصية، أنه شارك في مهام قتالية في غزة ولبنان وسوريا.

وأضاف أنه يعيش في حالة تأهب دائم رغم تراجع حدة القتال في الشهور القليلة الماضية.

وأردف يقول: «أعيش ⁠هكذا كل يوم».

مركبة عسكرية إسرائيلية على طريق في جنوب إسرائيل بالتزامن مع إطلاق صواريخ من قطاع غزة... خارج مدينة سديروت 7 أكتوبر 2023 (رويترز)

صدمات بلا علاج

يتعين على الجندي الذي يسعى للحصول على دعم حكومي لصحته النفسية أن يمثل أمام لجنة تقييم تابعة لوزارة الدفاع لتحديد مدى خطورة حالته ومنحه موافقة رسمية. وقال بعض المتخصصين في علاج الصدمات النفسية إن هذه العملية قد تستغرق شهورا ويمكن أن تثني الجنود عن طلب المساعدة.

وقالت وزارة الدفاع الإسرائيلية إنها تقدّم بعض أشكال المساعدة الفورية للجنود بمجرد بدء عملية التقييم، وإنها كثفت هذه الجهود منذ اندلاع الحرب.

وخلصت لجنة في الكنيست الإسرائيلي في أكتوبر، إلى أن 279 جندياً حاولوا الانتحار في الفترة من يناير (كانون الثاني) 2024 إلى يوليو (تموز) 2025، وهي زيادة حادة مقارنة بالسنوات السابقة. وجاء في تقرير اللجنة أن الجنود المقاتلين شكلوا 78 في المائة من مجمل حالات الانتحار في إسرائيل عام 2024.

وذكر الطبيب النفسي سيدي أن خطر الانتحار أو إيذاء النفس يزيد إذا لم يتم العلاج من الصدمة.

وأضاف: «بعد السابع من أكتوبر والحرب، أصبحت مؤسسات الصحة النفسية في إسرائيل مكتظة تماماً، والكثير من الناس إما لا يستطيعون الحصول على العلاج أو حتى لا يعلمون أن الضيق الذي يشعرون به له علاقة بما مروا به».

ولا تزال احتمالات مشاركة الجنود في القتال عالية. ولا يزال الجيش الإسرائيلي منتشراً في أكثر من نصف قطاع غزة ومستمراً في القتال هناك رغم الهدنة التي دعمتها الولايات المتحدة في أكتوبر وقُتل خلالها أكثر من 440 فلسطينياً وثلاثة جنود إسرائيليين.

ولا يزال الجيش الإسرائيلي يحتل أجزاء من جنوب لبنان، في الوقت الذي يواصل فيه الجيش اللبناني ‌عملية نزع سلاح «حزب الله» بموجب اتفاق منفصل توسطت فيه الولايات المتحدة.

وفي سوريا، احتلت القوات الإسرائيلية جزءاً كبيراً من جنوب البلاد منذ الإطاحة ببشار الأسد.

ومع احتدام التوتر مع إيران وتهديد واشنطن بالتدخل لحماية المحتجين هناك، تجد إسرائيل نفسها أيضا في مواجهة عنيفة أخرى مع طهران بعد حرب دامت بينهما 12 يوماً في يونيو (حزيران) 2025.


مقالات ذات صلة

إسرائيل تتهم محامياً فلسطينياً فرنسياً بإدارة «خلية إرهابية»

شؤون إقليمية أفراد من الشرطة الإسرائيلية في القدس (رويترز - أرشيفية)

إسرائيل تتهم محامياً فلسطينياً فرنسياً بإدارة «خلية إرهابية»

اتهمت إسرائيل، الثلاثاء، المحامي الفلسطيني الفرنسي صلاح حموري بتنظيم وإدارة «خلية إرهابية» أوروبية مؤلفة من فلسطينيين من القدس الشرقية المحتلة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)

نتنياهو: الجيش الإسرائيلي ينشر قوات كبيرة في جنوب لبنان

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الثلاثاء، إن الجيش ينشر «قوات كبيرة على الأرض» في جنوب لبنان، ويسيطر على «مناطق استراتيجية».

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي عائشة الصفدي تحمل صورة ابنها مدوّناً عليها تاريخ اعتقاله على يد إسرائيل داخل منزلها بقرية بيت جن جنوب سوريا (أ.ف.ب)

عام على غياب راعي غنم سوري لا يجيد القراءة ولا الكتابة خطفته إسرائيل

اقتاد الجيش الإسرائيلي محمد زوج شادية الصفدي من منزلهما في بلدة بيت جن بريف دمشق خلال مداهمة ليلية، تاركاً خلفه 4 أطفال ينتظرون عودته، دون معلومات عن مصيره...

«الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا عناصر من جيش «أرض الصومال» (الصفحة الرسمية لجيش الإقليم الانفصالي على «فيسبوك»)

تدريب ضباط «أرض الصومال» في إسرائيل... تعاون أمني يفاقم التوترات

دخلت العلاقات بين إسرائيل وحليفها في القرن الأفريقي، الإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، مرحلة تعاون جديدة تتمثل في التدريبات الأمنية والمحادثات العسكرية.

محمد محمود (القاهرة )
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)

نتنياهو يأمر بتكثيف العمليات في لبنان بهدف «سحق حزب الله»

أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الاثنين، أن إسرائيل ستكثف عملياتها العسكرية في لبنان ضد «حزب الله» المدعوم من طهران.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

إسرائيل تتهم محامياً فلسطينياً فرنسياً بإدارة «خلية إرهابية»

أفراد من الشرطة الإسرائيلية في القدس (رويترز - أرشيفية)
أفراد من الشرطة الإسرائيلية في القدس (رويترز - أرشيفية)
TT

إسرائيل تتهم محامياً فلسطينياً فرنسياً بإدارة «خلية إرهابية»

أفراد من الشرطة الإسرائيلية في القدس (رويترز - أرشيفية)
أفراد من الشرطة الإسرائيلية في القدس (رويترز - أرشيفية)

اتهمت إسرائيل، الثلاثاء، المحامي الفلسطيني الفرنسي صلاح حموري بتنظيم وإدارة «خلية إرهابية» أوروبية مؤلفة من فلسطينيين من القدس الشرقية المحتلة كانت قد فُككت أواخر عام 2025، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وذكرت الشرطة الإسرائيلية وجهاز الأمن الداخلي (الشاباك) في بيان مشترك أن «خمسة من سكان القدس الشرقية، أعضاء في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، اعتُقلوا واستُجوبوا من جانب «الشاباك» خلال شهري نوفمبر (تشرين الثاني) وديسمبر (كانون الأول) 2025».

وأضاف البيان: «كشف تحقيق (الشاباك) أن حموري التقى خلال عامي 2024 و2025 بأعضاء الخلية، وجميعهم من سكان القدس الشرقية، في دول أوروبية عدة، وجنّدهم لإنشاء بنية تحتية تهدف إلى تنفيذ أنشطة إرهابية في إسرائيل».

وقال البيان إن حموري «زوّدهم لهذا الغرض بهواتف تُمكّنهم من إجراء اتصالات مشفرة».

وُلد حموري في القدس لأم فرنسية، وكان يحمل تصريح إقامة دائمة يُمنح للفلسطينيين المقيمين في القدس الشرقية التي احتلتها إسرائيل ثم ضمّتها لاحقاً.

أُلغي تصريحه في أواخر نوفمبر 2022 لما وصفته إسرائيل بـ«خرق الولاء» للدولة الإسرائيلية، وذلك قبل شهر من ترحيله إلى فرنسا، وهي خطوة ندد بها حموري ووصفها بـ«الترحيل».

أُلقي القبض عليه عام 2005، وحُكم عليه من محكمة إسرائيلية عام 2008 بالسجن سبع سنوات لإدانته بالتورط في مؤامرة لاغتيال عوفاديا يوسف، الحاخام الأكبر السابق لإسرائيل ومؤسس حزب شاس اليهودي المتشدد.

أُفرج عن حموري الذي دأب على تأكيد براءته، عام 2011 ضمن صفقة تبادل أسفرت عن إطلاق سراح الجندي الفرنسي الإسرائيلي جلعاد شاليط.

تتهمه إسرائيل بالانتماء إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وهي منظمة تصنفها إسرائيل بأنها «إرهابية». وينفي محاميه هذه التهمة.


نتنياهو: الجيش الإسرائيلي ينشر قوات كبيرة في جنوب لبنان

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)
TT

نتنياهو: الجيش الإسرائيلي ينشر قوات كبيرة في جنوب لبنان

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الثلاثاء، إن الجيش ينشر «قوات كبيرة على الأرض» في جنوب لبنان، ويسيطر على «مناطق استراتيجية»، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وجاءت تصريحاته بعد أن وسّع الجيش الإسرائيلي عملياته البرية في جنوب لبنان متجاوزًا «الخط الأصفر»، وهو خط الترسيم الذي أقامته إسرائيل على بعد عدة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية عقب اتفاق وقف إطلاق النار مع «حزب الله» في 16 أبريل (نيسان).

وأفادت وسائل ​إعلام إسرائيلية، الثلاثاء، بأن الجيش الإسرائيلي وسّع نطاق عملياته ‌البرية ‌في ​جنوب ‌لبنان إلى ⁠ما ​وراء «الخط الأصفر»، ⁠وهو خط ترسيم رسمته إسرائيل قرب الحدود، إلا أن ⁠التقارير لم ‌تقدّم ‌تفاصيل ​إضافية ‌عن ‌مدى هذا التوسع.

وفي المساء، أصدر الجيش الإسرائيلي إنذارا بوجوب إخلاء 19 بلدة وقرية في جنوب لبنان، قبل توجيه ضربات رغم وقف إطلاق النار.
وفي بيان أول، عدّد المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي باللغة العربية أفيخاي أدرعي 14 قرية، ثم أضاف في بيان ثان خمس بلدات أخرى، داعيا سكانها للانتقال إلى شمال نهر الزهراني.

 

 


«الأصول المجمدة» تعقد مسار التفاهم الأميركي - الإيراني

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يصل إلى مطار زفارتنوتس الدولي في العاصمة الأرمينية يريفان، الثلاثاء (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يصل إلى مطار زفارتنوتس الدولي في العاصمة الأرمينية يريفان، الثلاثاء (إ.ب.أ)
TT

«الأصول المجمدة» تعقد مسار التفاهم الأميركي - الإيراني

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يصل إلى مطار زفارتنوتس الدولي في العاصمة الأرمينية يريفان، الثلاثاء (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يصل إلى مطار زفارتنوتس الدولي في العاصمة الأرمينية يريفان، الثلاثاء (إ.ب.أ)

بلغت المفاوضات الأميركية - الإيرانية مرحلة دقيقة مع عودة الوفد الإيراني المفاوض إلى طهران، الثلاثاء، بعد محادثات أجراها في الدوحة حول آلية الإفراج عن جزء من الأصول الإيرانية المجمدة، بالتوازي مع تأكيد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أن التوصل إلى اتفاق لا يزال ممكناً خلال أيام، رغم الضربات الأميركية الأخيرة في جنوب إيران وما أثارته من اتهامات إيرانية بانتهاك وقف إطلاق النار.

وقال التلفزيون الإيراني الرسمي إن الوفد الذي ترأسه رئيس البرلمان وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف عاد إلى طهران بعد محادثات أجراها مع مسؤولين قطريين.

وكان قاليباف قد توجه، الاثنين، على رأس وفد رفيع للمشاركة في محادثات تهدف إلى وضع اللمسات الأخيرة على مسودة تفاهم مع واشنطن لإنهاء الحرب. وضم الوفد وزير الخارجية عباس عراقجي ومحافظ البنك المركزي عبد الناصر همتي.

وجاءت المحادثات في وقت تواصلت فيه الجهود للتوصل إلى مذكرة تفاهم أولية، تشمل إنهاء الحرب وفتح مضيق هرمز واستئناف مسار تفاوضي أوسع بشأن الملفات الأكثر تعقيداً، وفي مقدمها البرنامج النووي الإيراني.

غير أن الضربات الأميركية الأخيرة، التي قالت واشنطن إنها استهدفت زوارق ومواقع صاروخية «دفاعاً عن النفس»، أعادت إظهار هشاشة وقف إطلاق النار، بينما واصلت طهران وواشنطن الحديث عن إمكان استمرار المحادثات.

وقال روبيو، للصحافيين في مدينة جايبور الهندية صباح الثلاثاء، إن محادثات جرت في قطر، مضيفاً: «سنرى ما إذا كان بإمكاننا إحراز أي تقدم. أعتقد أن هناك الكثير من النقاشات الدائرة حول نقاط محددة في الوثيقة الأولية، لذا سيستغرق الأمر بضعة أيام».

وتابع: «أعرب الرئيس عن رغبته في التوصل إلى اتفاق. إما أن يعقد صفقة جيدة أو لا يعقد أي صفقة».

وأكد روبيو أن «المضايق يجب أن تكون مفتوحة»، مضيفاً: «سيتم فتحها بطريقة أو بأخرى، لذا يجب أن تكون مفتوحة». ووصف ما يحدث في مضيق هرمز بأنه «غير قانوني وغير مشروع وغير مستدام للعالم وغير مقبول».

محطة الدوحة

في الضفة الأخرى، نقلت وكالة «تسنيم»، التابعة لـ«الحرس الثوري»، عن مصدر مطلع قريب من فريق التفاوض أن قاليباف بحث في قطر آلية الإفراج عن 12 مليار دولار في المرحلة الأولى من التفاهم المحتمل، ضمن مذكرة مؤلفة من 14 بنداً تنص على الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة خلال مسار المفاوضات، والمقدرة بنحو 24 مليار دولار.

وقال المصدر إن طهران تشدد على إتاحة نصف هذا المبلغ مع بدء إعلان مذكرة التفاهم، على أن يُنقل النصف الآخر خلال 60 يوماً. وأضاف أن زيارة قاليباف إلى قطر جاءت لبحث آلية تنفيذ هذا المطلب، وكيفية الوصول إلى 12 مليار دولار في الخطوة الأولى، وإزالة العوائق المرتبطة به.

وأوضح المصدر أن تجربة الإفراج السابقة عن الأموال الإيرانية في كوريا الجنوبية وقطر دفعت طهران إلى التشديد على متابعة الخطوات التنفيذية بدقة، تفادياً لتكرار التعقيدات السابقة. وأضاف أن الزيارة استفادت من تلك التجربة لضمان عدم حدوث أي خلل في الوصول إلى الأموال، وحققت «نتائج جيدة» في هذا الجانب.

وقال المصدر إن «مفاوضات قطر كانت جيدة في مجملها، وأسهمت في تحقيق تقدم في المفاوضات العامة»، لكنه أضاف أن طهران تتعامل مع الملف بحذر شديد؛ لأن الولايات المتحدة «معروفة بأنها طرف سيئ العهد»، على حد تعبيره.

وجاء ذلك بعدما نفت قطر تقريراً إسرائيلياً أفاد بأنها عرضت على إيران قرضاً بقيمة 12 مليار دولار لضمان توقيع اتفاق سلام مع الولايات المتحدة.

وقال المتحدث باسم الخارجية القطرية، ماجد الأنصاري، إن التقارير التي تزعم أن الدوحة «عرضت» 12 مليار دولار على إيران «كاذبة ولا أساس لها»، مضيفاً أنها تُروَّج من أطراف تسعى إلى «إفشال الاتفاق وتقويض الجهود الدبلوماسية الرامية إلى خفض التصعيد وتعزيز الاستقرار في المنطقة».

ونقلت «تسنيم» عن مصدر مطلع آخر، رداً على تصريحات المتحدث باسم الخارجية القطرية بأن الدوحة لا تقدم أموالاً لضمان مذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة، قوله إن «تصريحات القطريين ليست خاطئة في مجملها»، موضحاً أن الأموال التي جرى بحثها في الدوحة تعود إلى إيران، ولا علاقة لها بضمان التفاهم.

وأضاف أن طهران، بسبب تجاربها السابقة، تسعى «بدقة وتشدد كاملين» إلى استعادة هذه الأموال.

وقالت «تسنيم» إن زيارة الوفد الإيراني جاءت في إطار السعي إلى الإفراج عن جزء من الأموال المجمدة في المرحلة الأولى من تنفيذ مذكرة التفاهم المحتملة. وأضافت أن إيران تصر على الإفراج عن جزء من هذه الأموال خلال العملية؛ لأنها لا تثق بالجانب الأميركي، وتسعى إلى تحقيق نتائج مؤكدة ومنفعة ملموسة.

وذكرت الوكالة أن أهمية الملف دفعت قاليباف، بصفته رئيس فريق التفاوض، إلى التوجه بنفسه إلى الدوحة لمتابعته في محادثات مع أمير قطر. ونقلت عن مصدر مطلع قوله إن الزيارة شهدت «تقدماً»، واتخذت خلالها «خطوات إلى الأمام».

الأموال المجمدة

تتضارب المعلومات حول الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج. وتشير بعض التقديرات غير الرسمية إلى أنها تتراوح بين 100 مليار و120 مليار دولار.

وقال محافظ البنك المركزي الإيراني السابق، ولي الله سيف، بعد إعلان الاتفاق النووي في 2015، إن الاتفاق من شأنه إطلاق 30 مليار دولار من أصول إيران المجمدة.

وخلال مفاوضات فيينا التي تعثرت في مارس (آذار) 2022، طالبت إيران بالإفراج عن أصول مجمدة من عائدات مبيعاتها النفطية في اليابان وكوريا الجنوبية، إضافة إلى مستحقات بيع الغاز والكهرباء للعراق، والمقدرة بنحو 6 مليارات دولار.

وتقدر الأصول الإيرانية المجمدة في كوريا الجنوبية بنحو 7 مليارات دولار، وفي اليابان بـ1.6 مليار دولار، وفي لوكسمبورغ بـ1.5 مليار دولار. وكانت صحف إيرانية قد ذكرت، في ذلك الوقت، أن لإيران نحو 20 مليار دولار في الصين.

وفي عام 2023، جرى تحويل 6 مليارات دولار من الأموال الإيرانية المجمدة في بنوك كورية جنوبية إلى قطر مقابل الإفراج عن خمسة مواطنين أميركيين محتجزين في إيران. غير أن تلك الأموال لم تُفرج للاستخدام الإيراني، إذ تدهورت العلاقات بين واشنطن وطهران عقب هجوم «حماس» على إسرائيل في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، الذي أشعل حرب غزة.

وقالت المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية فاطمة مهاجراني إن إحدى مشكلات طهران في المفاوضات تتمثل في «تناقض الأقوال والسلوك الأميركي»، لكنها أبدت ثقة بـ«القوات العسكرية وفريق الدبلوماسية» الإيراني، معربة عن أملها في الوصول إلى «سلام مستدام».

وأضافت مهاجراني أن الحكومة تسعى إلى السيطرة على التضخم، لكنها أشارت إلى أن التطورات الدولية تؤثر في معدلاته، مؤكدة أن الحكومة تحاول ضبطه عبر «الانضباط في الموازنة».

وقالت إن العقوبات والاضطرابات الدولية تؤثر في كل الصناعات، وإن قطاع الدواء «ليس استثناءً».

روبيو بين الاتفاق والضغط

جاءت تصريحات روبيو بعد ضربات أميركية جديدة قالت إيران إنها انتهاك صارخ لوقف إطلاق النار. وقالت وزارة الخارجية الإيرانية إن الضربات الأميركية التي وقعت في إقليم هرمزغان بجنوب البلاد تمثل «انتهاكاً صارخاً» للهدنة الهشة، في وقت أفادت وسائل إعلام إيرانية بسماع دوي انفجارات فجر الثلاثاء في الإقليم.

وقالت الولايات المتحدة إن الضربات استهدفت زوارق كانت تحاول زرع ألغام ومواقع إطلاق صواريخ. وبعد الهجمات، قال روبيو إن التوصل إلى اتفاق لا يزال ممكناً، لكنه قد يحتاج إلى «بضعة أيام» بسبب النقاشات الجارية حول بنود محددة في الوثيقة الأولية.

وتحدثت مصادر إيرانية وأميركية عن تقدم في مذكرة تفاهم، أو اتفاق أولي، من شأنه وقف الحرب واستئناف الملاحة عبر مضيق هرمز، مع منح المفاوضين 60 يوماً لمناقشة قضايا أكثر تعقيداً، بينها البرنامج النووي الإيراني.

وتقول الرواية الإيرانية إن الاتفاق الأولي يقتصر على إنهاء الحرب في جميع الجبهات، ووضع إطار عمل لمدة 30 يوماً بشأن حركة المرور عبر مضيق هرمز، وربما تقديم دعم مالي عبر الإفراج عن جزء من الأصول المجمدة، على أن تبحث القضايا الأكثر حساسية، مثل البرنامج النووي، في مرحلة ثانية.

وقال مصدر إيراني كبير لـ«رويترز» إن إيران كانت تضغط خلال محادثات قطر لإدراج بند الإفراج عن مليارات الدولارات من الأصول المجمدة ضمن المذكرة. ونقلت وكالة «فارس»، التابعة لـ«الحرس الثوري»، عن مصدر قوله إن الإفراج عن هذه الأموال هو «آخر نقطة خلاف جدية» تحول دون الانتهاء من مذكرة التفاهم.

الغبار النووي

قال ترمب، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، إنه يتوقع من إيران أن تسلم اليورانيوم المخصب لديها إلى الولايات المتحدة لتدميره، أو أن يتم تدميره في مكانه بحضور شهود دوليين.

وكتب ترمب: «اليورانيوم المخصب (الغبار النووي) إما سيتم تسليمه على الفور إلى الولايات المتحدة لنقله إلى الوطن وتدميره، أو من الأفضل، بالتنسيق مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، تدميره في مكانه أو في موقع آخر مقبول بحضور لجنة الطاقة الذرية، أو ما يوازيها، كشاهد على هذه العملية والحدث».

ويرى ترمب أن الهدف الرئيسي من الحرب هو منع إيران من صنع سلاح نووي باستخدام اليورانيوم العالي التخصيب. وتنفي طهران دوماً وجود أي خطط لصنع سلاح نووي، وتقول إن لها الحق في تخصيب اليورانيوم لأغراض مدنية.

وفي خطاب بمناسبة موسم الحج، قال المرشد الإيراني مجتبى خامنئي إن «عقارب الساعة لا يمكن أن تعود إلى الوراء»، مجدداً تهديدات والده المرشد السابق علي خامنئي للقوات الأميركية في منطقة الشرق الأوسط وكذلك. وأشار إلى ضرورة تكرار شعارات «الموت لأميركا» و«الموت لإسرائيل»، فضلاً عن الوعود بـ« زوال إسرائيل»، وذلك في رد ضمني على دعوة ترمب لإيران بالانضمام لـ«اتفاقيات إبراهيم».

مبنى الكابيتول الأميركي في واشنطن بعد ضربات أميركية - إسرائيلية على إيران 2 مارس 2026 (أرشيفية - رويترز)

وفي الوقت نفسه، لا يزال مضيق هرمز في قلب المفاوضات. وقد أدى إغلاقه الفعلي إلى أزمة غير مسبوقة في إمدادات النفط، وارتفاع أسعار الخام والوقود والأسمدة والغذاء. وردت إيران على الضربات الأميركية - الإسرائيلية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) بإطلاق طائرات مسيّرة وصواريخ على دول في الخليج العربي تستضيف قواعد أميركية.

وانخفضت حركة المرور عبر المضيق، الذي كان يمر عبره عادة نحو خُمس التجارة العالمية من النفط والغاز الطبيعي المسال، إلى جزء ضئيل من مستواها السابق للحرب. وارتفع خام برنت نحو 3.5 في المائة الثلاثاء، ليتجاوز 99 دولاراً للبرميل بعد أنباء الضربات الأميركية.

وتتجه الأنظار الأربعاء إلى منتجع كامب ديفيد الرئاسي في واشنطن، حيث يعقد ترمب اجتماعاً نادراً لمجلس الوزراء، مع اقتراب المحادثات مع إيران من مرحلة حاسمة، وفق ما صرح مسؤول في البيت الأبيض لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

ويعكس اختيار المنتجع المنعزل في جبال ماريلاند، الذي نادراً ما يزوره ترمب مقارنة برؤساء سابقين، حساسية المناقشات. وذكرت صحيفة «نيويورك بوست» أن الملف الإيراني سيهيمن على الاجتماع المتوقع أن يحضره جميع أعضاء مجلس الوزراء، مع طرح الملف الاقتصادي أيضاً على جدول الأعمال.

وشهد كامب ديفيد في الماضي محطات دبلوماسية بارزة، بينها اتفاقات 1978 بين مصر وإسرائيل في عهد جيمي كارتر، وقمة إسرائيلية - فلسطينية فاشلة عام 2000 في عهد بيل كلينتون. وتعد هذه الزيارة الثانية فقط لترمب إلى كامب ديفيد خلال ولايته الثانية، وكانت الأولى قبل أيام من شن الولايات المتحدة ضربات استهدفت منشآت نووية إيرانية في يونيو (حزيران) 2025.