السلطة تفضّل «التفاهم» مع ترمب... لكن ليس على حساب الاعتراف بفلسطين

مصادر لـ«الشرق الأوسط»: الخيارات محدودة

آليات تابعة لجيش الاحتلال الإسرائيلي تهدم منازل فلسطينيين في إحدى قرى رام الله بالضفة الغربية المحتلة الاثنين (أ.ف.ب)
آليات تابعة لجيش الاحتلال الإسرائيلي تهدم منازل فلسطينيين في إحدى قرى رام الله بالضفة الغربية المحتلة الاثنين (أ.ف.ب)
TT

السلطة تفضّل «التفاهم» مع ترمب... لكن ليس على حساب الاعتراف بفلسطين

آليات تابعة لجيش الاحتلال الإسرائيلي تهدم منازل فلسطينيين في إحدى قرى رام الله بالضفة الغربية المحتلة الاثنين (أ.ف.ب)
آليات تابعة لجيش الاحتلال الإسرائيلي تهدم منازل فلسطينيين في إحدى قرى رام الله بالضفة الغربية المحتلة الاثنين (أ.ف.ب)

تأمل السلطة الوطنية الفلسطينية الوصول إلى تفاهمات مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن منح التأشيرات للرئيس محمود عباس والوفد المرافق لحضور اجتماعات الجمعية العامة في نيويورك هذا الشهر.

لكن مصادر فلسطينية مطلعة قالت لـ«الشرق الأوسط» إن تلك المساعي والآمال «ليست على حساب الاعترافات بالدولة الفلسطينية».

وكشف مسؤولون أميركيون، الأحد، عن أن إدارة ترمب قررت تعليق الموافقات على كل تأشيرات الدخول إلى الولايات المتحدة لحاملي جوازات السفر الفلسطينية، بعد أيام من قرارها إلغاء التأشيرات الممنوحة سابقاً، وعدم إعطاء تأشيرات جديدة لنحو 80 من أعضاء الوفد الفلسطيني الذي كان يعتزم السفر إلى نيويورك؛ بغية المشاركة في أعمال الدورة السنوية الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، وفي مقدمهم عباس.

ولم تقدم إدارة ترمب سبباً لفرض هذه القيود. غير أن وسائل الإعلام الأميركية ربطتها باعتزام عدد من حلفاء الولايات المتحدة الاعتراف بالدولة الفلسطينية خلال اجتماعات الأمم المتحدة هذا الشهر في نيويورك، في خطوة تعارضها إدارة ترمب بشدة.

مشاورات واسعة في المنطقة

وشرحت المصادر أن «القضية برمتها والسلطة تمران بأصعب وقت دقيق وحساس، وهذا يتطلب قرارات هادئة وموزونة وقد تكون خطيرة. ولهذا بدأت القيادة مشاورات واسعة داخلية ومع دول المنطقة».

وقال مصدر فلسطيني مطلع لـ«الشرق الأوسط» إن اتصالات فلسطينية - أميركية تجرى، وأخرى مع الدول العربية والغربية المؤثرة في محاولة لإقناع واشنطن بالعدول عن قرارها.

وأضاف: «الخيار الأول هو التفاهم مع الأميركيين الذين بدأوا يصعّدون بشكل واضح ومباشر ضد الرئيس محمود عباس والسلطة، ثم يمكن الذهاب إلى الخيارات الأخرى».

وعندما سألت «الشرق الأوسط» المصادر عن طبيعة هذه الخيارات؟ قالت: «إذا لم تتراجع الإدارة الأميركية، فالخيارات محصورة بين الدعوة إلى نقل اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى جنيف بدلاً من نيويورك كما حدث مع الزعيم الراحل ياسر عرفات عام 1988، أو إبقاء الاجتماع كما هو في ظل غياب عباس وهو أمر قد يشكل إحراجاً وضغطاً أكبر على إدارة ترمب، وقد يجلب مزيداً من الاعترافات بالدولة الفلسطينية، من دون أن يتضح إذا ما كان عباس سيلقي خطاباً عبر الفيديو أم ينتدب أحداً بالنيابة أم يمتنع».

فلسطينيون يتظاهرون يوم الاثنين أمام مقر مكتب الأمم المتحدة بـرام الله بالضفة الغربية للمطالبة بوقف حرب التجويع في غزة (أ.ب)

وجاء القرار الأميركي المباشر ضد عباس في وقت دعمت فيه الإدارة الأميركية خطوات إسرائيلية تصعيدية محتملة ضد السلطة تشمل فرض السيادة الإسرائيلية على أجزاء من الضفة الغربية، واتخاذ خطوات فعلية في منطقة «اي 1»، المشروع الذي من شأنه تقسيم الضفة الغربية نصفين، وإخلاء محتمل لمنطقة الخان الأحمر، ومصادرة مزيد من الأموال الفلسطينية، ودفع مشروع إمارة الخليل قدماً، وذلك في إطار الرد على موجة الاعتراف المتوقعة بالدولة الفلسطينية.

وتؤثر الإجراءات الجديدة بشأن التأشيرات على العلاج الطبي، والدراسات الجامعية، وزيارات الأصدقاء أو الأقارب ورحلات العمل. وتتجاوز السياسة الجديدة القيود التي أعلنتها إدارة ترمب أخيراً في شأن تأشيرات الزيارة لفلسطينيي غزة.

وبموجب برقية أرسلتها وزارة الخارجية الأميركية إلى كل سفاراتها وقنصلياتها عبر العالم في 18 أغسطس (آب) الماضي، لن تمنح أي تأشيرات دخول إلى الولايات المتحدة للكثير من فلسطينيي الضفة الغربية المحتلة والشتات.

إضعاف وتفكيك

والخطوات الإسرائيلية الدراماتيكية المتوقعة في الضفة، تشكل تحولاً خطيراً في السياسة، وإضافة إلى أنها تستهدف القضاء على حلم الدولة الفلسطينية، فإنها «تضعف السلطة إلى حد كبير، وتهدف إلى تفكيك المجتمع الفلسطيني وتحويله إمارات في جزر معزولة».

وحسب مصدر ثانٍ في السلطة الفلسطينية، فإن «القرارات الأميركية المباشرة ضد السلطة والداعمة لإسرائيل تثير مخاوف جدية من أنها قد تؤدي في النهاية إلى تقويض السلطة».

وتساءل المصدر: «كيف يمكن أن ينتهي حصار أميركي وإسرائيلي مباشر للسلطة الفلسطينية إذ كانت دول كبيرة تنهار؟... إنهم بحجة القضاء على (حماس) يقضون على السلطة كذلك وعلى كل ما يمثل الفلسطينيين».

شباب فلسطينيون يشاهدون آليات تابعة لجيش الاحتلال الإسرائيلي تهدم منازل فلسطينيين في إحدى قرى رام الله بالضفة الغربية المحتلة الاثنين (أ.ف.ب)

وواصل: «لماذا يُمنع الرئيس من الوصول إلى نيويورك. هل هو مسؤول في (حماس)؟ لماذا يتم منع حملة الجواز الفلسطيني من دخول الولايات المتحدة. هل هم (حماس) أيضاً؟».

وتابع: «ماذا نسمي خطة غزة، كيف نفسّر دعم ضم إسرائيل الضفة الغربية وتوسيع المستوطنات وإقامة إمارات. هل يحاربون أيضاً (حماس)؟».

سلسلة قيود

وأعلن مسؤولون أميركيون إجراءين آخرين في الأسابيع الأخيرة للحد من تأشيرات الفلسطينيين. ففي 16 أغسطس (آب) الماضي، أعلنت وزارة الخارجية أنها أوقفت الموافقات على تأشيرات الزيارة لنحو مليوني فلسطيني من غزة.

وكذلك، أعلنت الوزارة، الجمعة، أن وزير الخارجية ماركو روبيو لن يصدر تأشيرات للمسؤولين الفلسطينيين الذين يعتزمون حضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا الشهر. وأكدت في اليوم التالي أن الحظر يشمل الرئيس عباس ونحو 80 فلسطينياً آخرين.

الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أرشيفية - أ.ف.ب)

ورداً على إشادة السلطة الفلسطينية بخطط بعض الدول الغربية للاعتراف بالدولة الفلسطينية، رأت وزارة الخارجية أنه ينبغي على السلطة الفلسطينية أن تنهي «جهودها الرامية إلى ضمان اعتراف أحادي الجانب بدولة فلسطينية افتراضية». وصرحت المسؤولة في معهد سياسة الهجرة جوليا جيلات بأن أكثر من تسعة آلاف شخص يحملون وثائق سفر من السلطة الفلسطينية دخلوا الولايات المتحدة بتأشيرات زيارة خلال عام 2024، مشيرة إلى أن كثيراً من الفلسطينيين لهم أقارب في الولايات المتحدة.


مقالات ذات صلة

ترحيب فلسطيني بتشكيل لجنة لإدارة قطاع غزة

المشرق العربي خيم لنازجين فلسطينيين في خان يونس بغزة (رويترز) play-circle 01:34

ترحيب فلسطيني بتشكيل لجنة لإدارة قطاع غزة

رحبت الرئاسة الفلسطينية، اليوم الأربعاء، بالجهود التي يبذلها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لاستكمال تنفيذ خطته للسلام.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
خاص خيام لنازحين فلسطينيين في خان يونس جنوب قطاع غزة تحيط بها مياه الأمطار يوم الأربعاء (رويترز) play-circle 01:34

خاص مصادر: أعضاء «لجنة غزة» سيلتقون ميلادينوف في السفارة الأميركية بالقاهرة

كشفت مصادر فلسطينية أن الأعضاء المرشحين لعضوية «لجنة غزة» سيلتقون المرشح لرئاسة هيئة «مجلس السلام» نيكولاي ميلادينوف، الخميس، في السفارة الأميركية بالقاهرة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
الخليج جانب من أعمال الدورة الاستثنائية للمجلس الوزاري الإسلامي بشأن الصومال في جدة السبت (الخارجية السعودية)

«وزاري إسلامي» يبلور موقفاً موحداً إزاء تطورات الصومال

أكدت السعودية رفضها أي محاولات لفرض كيانات موازية تتعارض مع وحدة الصومال وسلامة أراضيه، وأي تقسيم أو إنقاص لسيادته، مُجدَّدة دعمها لمؤسسات الدولة الصومالية.

«الشرق الأوسط» (جدة)
خاص الرئيس محمود عباس خلال افتتاح دورة «المجلس الثوري» (وفا)

خاص «فتح» لتجديد القيادة في مرحلة فلسطينية حرجة

قرَّرت حركة «فتح» عقد مؤتمرها الثامن هذا العام في مرحلة حساسة، وسيضمن المؤتمر تشكيل قيادة جديدة بالحركة، ما يعني تقوية مسؤولين وإقصاء آخرين في مرحلة ما بعد عباس

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي فلسطينية تقف قرب شاحنة تنقل متعلقات عائلاتها التي نزحت قسراً مع عائلات أخرى يوم الخميس من منطقة العوجا البدوية قرب أريحا بالضفة الغربية بعد تصاعد هجمات المستوطنين الإسرائيليين (رويترز) play-circle

هجمات المستوطنين تُجبر 20 عائلة فلسطينية على النزوح من شمال أريحا

اضطر نحو 20 عائلة فلسطينية للرحيل قسراً من الجهة الشمالية لتجمع شلال العوجا البدوي شمال مدينة أريحا بالضفة الغربية المحتلة نتيجة تصاعد هجمات المستوطنين.

«الشرق الأوسط» (رام الله - غزة)

هدوء حذر في طهران... وبهلوي يدعو الإيرانيين للنزول إلى الشوارع مجدداً

رضا بهلوي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في بواشنطن يوم أمس (د.ب.أ)
رضا بهلوي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في بواشنطن يوم أمس (د.ب.أ)
TT

هدوء حذر في طهران... وبهلوي يدعو الإيرانيين للنزول إلى الشوارع مجدداً

رضا بهلوي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في بواشنطن يوم أمس (د.ب.أ)
رضا بهلوي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في بواشنطن يوم أمس (د.ب.أ)

شجع رضا بهلوي، نجل شاه إيران المخلوع، الإيرانيين على النزول إلى الشوارع مرة أخرى في نهاية هذا الأسبوع، وذلك بعدما تم خنق الاحتجاجات في جميع أنحاء البلاد بعد مقتل أكثر من 2600 متظاهر على يد قوات الأمن الإيرانية.

وفي منشور على منصة «إكس»، حث نجل شاه إيران المخلوع «مواطنيه الشجعان» على «رفع أصوات غضبهم واحتجاجهم» من السبت إلى الاثنين.

وقال في المنشور، إن «العالم يرى شجاعتكم وسيقدم دعماً أوضح وأكثر عملية لثورتكم الوطنية».

وجاءت تصريحات بهلوي بعدما عادت إيران إلى الهدوء المشوب بالحذر بعد موجة من الاحتجاجات التي أدت إلى حملة قمع دموية وتحذيرات من عمليات إعدام جماعية لآلاف المعتقلين في جميع أنحاء البلاد.

سيارات تسير في وسط العاصمة الإيرانية طهران يوم أمس الجمعة (ا.ب)

وبدأت التظاهرات في إيران في 28 ديسمبر (كانون الأول) الماضي بإضراب لتجار بازار طهران على خلفية تدهور الأوضاع المعيشية، لكنها تحوّلت إلى حركة احتجاج واسعة النطاق رُفعت فيها شعارات سياسيّة من بينها إسقاط الحُكم الممسك بمقاليد البلاد منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979.وبحسب الأرقام الصادرة عن منظمة «حقوق الإنسان في إيران» التي تتّخذ من النروج مقراً، قُتل ما لا يقلّ عن 3428 متظاهراً في الاحتجاجات. لكن المنظمة نبّهت لإمكان أن يكون عدد القتلى أكبر من ذلك بكثير.

إيرانيون يسيرون في طهران بجوار لوحة إعلانية كُتب عليها بالفارسية «اعرفني.. أنا إيران» (ا.ب)

وأفادت منظمات حقوقية بأن السلطات نفذت حملات اعتقال واسعة على خلفية التظاهرات، مع تقديرات بأن عدد الموقوفين قد يصل الى 20 ألفاً.وأفادت قناة المعارضة «إيران إنترناشونال» التي تبث من الخارج، بمقتل 12 ألف شخص على الأقل، نقلاً عن مصادر حكومية وأمنية رفيعة المستوى.

وكان ترمب توعّد إيران مراراً بتدخّل عسكري أميركي في حال قتلت محتجين، وشجّع المتظاهرين الإيرانيين على السيطرة على المؤسسات الحكومية، قائلاً إن «المساعدة في طريقها» إليهم.لكن بعد مرور أسبوعين على عرضه المساعدة لأول مرة، وبعدما قتلت القوات الإيرانية، وفق تقديرات، آلاف المتظاهرين، لم يسجّل أي تحرّك أميركي، لا بل شكر ترمب الجمعة إيران على إلغائها «كل عمليات الإعدام المقرّرة» بحق متظاهرين.


تحرك روسي لكبح التوتر الإيراني ــ الإسرائيلي

إيرانيون يسيرون بجانب لافتة مكتوب عليها باللغة الفارسية «هذا ليس احتجاجاً» في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)
إيرانيون يسيرون بجانب لافتة مكتوب عليها باللغة الفارسية «هذا ليس احتجاجاً» في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)
TT

تحرك روسي لكبح التوتر الإيراني ــ الإسرائيلي

إيرانيون يسيرون بجانب لافتة مكتوب عليها باللغة الفارسية «هذا ليس احتجاجاً» في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)
إيرانيون يسيرون بجانب لافتة مكتوب عليها باللغة الفارسية «هذا ليس احتجاجاً» في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)

كثفت موسكو تحركاتها الدبلوماسية لخفض التوتر الإيراني – الإسرائيلي، بالتوازي مع تراجع المخاوف من تصعيد أميركي وشيك، وفي وقت صعَّدت السلطات الإيرانية الإجراءات الأمنية المشددة لمنع تجدد الاحتجاجات.

وأعلن الكرملين، أمس، أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أجرى اتصالين هاتفيين منفصلين مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، عارضاً مواصلة دور الوساطة وتكثيف الجهود السياسية والدبلوماسية لمنع انزلاق الأوضاع إلى مواجهة مباشرة.

جاء ذلك في وقت وصل مدير جهاز الموساد الإسرائيلي ديفيد برنياع إلى واشنطن لإجراء محادثات مع المبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف.

وشكر ترمب، الجمعة، الحكومة الإيرانية لإلغائها «كل عمليات الإعدام الـ800 المقررة الأربعاء» بحق متظاهرين.

وقال البيت الأبيض إن التحذيرات لطهران لا تزال قائمة، في حين يواصل الجيش الأميركي تعزيز جاهزيته في المنطقة تحسباً لأي تطور. وأفاد موقع «أكسيوس» عن مسؤولين إسرائيليين بأنهم يتوقعون ضربة عسكرية أميركية لإيران خلال أيام رغم إعلان تأجيلها.

ويأتي هذا في حين خفّت حدّة القلق من ضربة أميركية بعد تصريحات للرئيس ترمب أفادت بتراجع عمليات القتل المرتبطة بقمع الاحتجاجات، مع تأكيد البيت الأبيض في الوقت نفسه إبقاء «كل الخيارات على الطاولة»؛ ما أبقى المشهد مفتوحاً على احتمالات متباينة بين خفض التصعيد واستمرار الضغوط.


ما هو الوضع الراهن للمنشآت النووية الرئيسية بإيران؟

مفتش من «الطاقة الذرية» يركّب كاميرات للمراقبة بمنشأة «نطنز» في أغسطس 2005 (أ.ب)
مفتش من «الطاقة الذرية» يركّب كاميرات للمراقبة بمنشأة «نطنز» في أغسطس 2005 (أ.ب)
TT

ما هو الوضع الراهن للمنشآت النووية الرئيسية بإيران؟

مفتش من «الطاقة الذرية» يركّب كاميرات للمراقبة بمنشأة «نطنز» في أغسطس 2005 (أ.ب)
مفتش من «الطاقة الذرية» يركّب كاميرات للمراقبة بمنشأة «نطنز» في أغسطس 2005 (أ.ب)

انحسرت المخاوف الإقليمية من هجوم أميركي على إيران، بعد أن قال الرئيس دونالد ترمب إن طهران أكدت له أن المحتجين لن يتم إعدامهم، وبالرغم من ذلك قال البيت الأبيض إنه يبقي «جميع خياراته على الطاولة».

ونفّذت إسرائيل والولايات المتحدة آخر الهجمات الكبيرة على إيران في يونيو (حزيران) الماضي، واستهدفت بشكل أساسي المنشآت النووية الرئيسية.

ما هي المواقع النووية التي ​قصفت؟

تعرضت 3 محطات إيرانية لتخصيب اليورانيوم للقصف، محطتان في نطنز، وثالثة داخل جبل في فوردو، إضافة إلى مجمع واسع في أصفهان يضم منشآت مرتبطة بدورة الوقود النووي، ومنطقة تحت الأرض يقول دبلوماسيون إن جزءاً كبيراً من مخزون إيران من اليورانيوم المخصب كان مخزناً فيها.

صورة بالأقمار الاصطناعية تُظهر حُفَراً في منشأة «نطنز» لتخصيب اليورانيوم عقب الضربات الأميركية (أرشيفية - رويترز)

ما حجم الضرر الذي وقع؟

لم يسمح للوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي كانت تجري عمليات تفتيش منتظمة على المنشآت النووية قبل الهجوم، بما في ذلك نطنز وفوردو، بالوصول إلى تلك المواقع منذ قصفها.

مدخل منشأة فوردو في ضواحي مدينة قم (أرشيفية - أرنا)

وأجرت الوكالة عمليات تفتيش في منشآت أخرى لم تتضرر، لكن الحالة الدقيقة للمواقع التي تعرضت للقصف تبقى غير معروفة.

وفي تقريرها الفصلي عن إيران، الصادر في نوفمبر (تشرين الثاني)، قالت الوكالة إن 7 منشآت نووية معروفة «تأثرت بالهجمات العسكرية»، بينما لم تتأثر 13 منشأة أخرى. ولم توضح هذه التقارير حجم الأضرار التي لحقت بالمواقع المتضررة.

وبعد ‌القصف، قالت الوكالة ‌الدولية للطاقة الذرية إن أصغر محطات التخصيب الثلاث، وهي محطة التخصيب التجريبية للوقود في ‌نطنز الواقعة فوق ​الأرض، دمرت.

ورجحت ‌الوكالة أن تكون المنشآت الأكبر تحت الأرض في نطنز وفوردو قد تعرضت لأضرار بالغة على الأقل.

أما حجم الانتكاسة التي تعرض لها البرنامج النووي الإيراني فهو محل جدل. وبينما أكد ترمب مراراً أن المنشآت النووية الإيرانية دمرت، قال المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي، في يونيو، إن إيران قد تستأنف تخصيب اليورانيوم على نطاق محدود خلال أشهر.

أجهزة طرد مركزي في صالة لتخصيب اليورانيوم بمنشأة «نطنز» قبل تعرضها لهجوم أميركي يونيو 2025 (المنظمة الذرية الإيرانية)

ماذا حدث لليورانيوم الإيراني المخصب؟

مصير اليورانيوم المخصب ليس واضحاً تماماً. فبعضه دمر في الغارات الجوية، لكن إيران لم تقدم بعد تقريراً إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية حول ما حدث لمنشآتها التي تعرضت للقصف، ومخزون اليورانيوم المخصب، وذلك بالرغم من تأكيد الوكالة على أن ذلك أمر عاجل وتأخر. ولا يمكن للوكالة الدولية للطاقة الذرية التحقق من ذلك إلا عندما تقدم إيران التقرير.

وقال غروسي، لوكالة «رويترز»، في سبتمبر (أيلول): «أعتقد أن هناك فهماً عاماً بأن المواد لا تزال موجودة بشكل عام. ولكن، بالطبع، يجب التحقق منها. وقد يكون ‌البعض منها قد فقد». ويقول دبلوماسيون إن الوضع لم يتغير كثيراً على ما يبدو منذ ذلك الحين.

وأضاف غروسي: «ليست لدينا مؤشرات تقودنا إلى الاعتقاد بحدوث نقل كبير للمواد».

صورة أرشيفية لمركز «نطنز» للأبحاث النووية الإيرانية على بُعد 270 كيلومتراً جنوب طهران (أ.ف.ب)

وكانت إيران تخصب اليورانيوم بدرجة نقاء تصل إلى 60 في المائة قبل وقوع الضربات. ويمكن بسهولة رفع نقاء هذا اليورانيوم إلى نحو 90 في المائة تقريباً، وهي الدرجة المطلوبة لصنع الأسلحة النووية.

وتقدر الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن إيران كان لديها 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب إلى هذا المستوى عندما بدأ القصف. ويكفي هذا نظرياً، وفقاً لمقياس الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لصنع 10 أسلحة نووية، في حالة رفع درجة النقاء بشكل أكبر. ولدى إيران أيضاً يورانيوم مخصب بمستويات أقل.

ولا تعلن الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن مكان تخزين إيران لتلك المواد. ​ويقول دبلوماسيون إن إحدى منشآت التخزين الرئيسية تحت الأرض في أصفهان يبدو أنها لم تتضرر، باستثناء قصف مدخل النفق المؤدي إليها.

مفتش من «الوكالة الدولية للطاقة الذرية» يجري فحصاً داخل محطة «نطنز» النووية يوم 20 يناير 2014 (أرشيفية - أ.ف.ب)

ما هي المخاوف المتبقية؟

كان أحد الأسباب التي قدّمتها الولايات المتحدة وإسرائيل لتبرير القصف هو أن إيران كانت تقترب كثيراً من القدرة على إنتاج سلاح نووي. وإذا جرى تخصيب اليورانيوم إلى درجة تسمح بصنع أسلحة، يمكن استخدام اليورانيوم لصنع نواة قنبلة نووية. كما يمكن استخدامه لتغذية محطات الطاقة النووية بمستويات تخصيب مختلفة.

وتقول القوى الغربية إنه لا يوجد مبرر مدني معقول لتخصيب إيران لليورانيوم إلى هذا المستوى الانشطاري العالي. وقالت الوكالة الدولية للطاقة الذرية إن ذلك يثير قلقاً بالغاً. ولم تقدم أي دولة أخرى على ذلك دون أن تتجه لإنتاج أسلحة نووية في نهاية المطاف.

وفي الوقت نفسه، وقبل الهجمات، قالت الوكالة الدولية للطاقة الذرية إنها ليس لديها أي مؤشر موثوق على وجود برنامج منسق لامتلاك أسلحة نووية في إيران، وكان هناك كثير من الجدل حول المدة التي ستستغرقها إيران لتطوير قنبلة نووية إذا قررت الاتجاه لذلك.

وتنفي طهران سعيها لامتلاك أسلحة نووية. وبصفتها طرفاً في معاهدة حظر الانتشار النووي، يحقّ لها تخصيب اليورانيوم لأغراض إنتاج الطاقة والأبحاث، ما دامت لا توجه هذه العملية نحو تطوير سلاح نووي.

منشأة «نطنز» لتخصيب اليورانيوم كما تبدو من الداخل في وسط محافظة أصفهان (رويترز)

وتمتلك إيران عدداً غير معروف من أجهزة الطرد المركزي، وهي الآلات التي يمكنها تخصيب اليورانيوم، مخزنة في مواقع غير معروفة. ولأن حجم مخزونها من اليورانيوم المخصب غير معروف الآن، فهناك خطر من أن ‌تتمكن إيران من دمج الاثنين معاً سرّاً وإنتاج يورانيوم من الدرجة التي يمكن استخدامها في صنع الأسلحة، في انتهاك لالتزاماتها بموجب معاهدة منع الانتشار النووي.

وفي الوقت الحالي، يبدو من المرجح أن عملية البحث عن مخزون إيران من اليورانيوم المخصب ستستمر لبعض الوقت.