«فتح» لتجديد القيادة في مرحلة فلسطينية حرجة

مؤتمر ثامن للحركة في مايو وسط إصلاحات ومصالحات

الرئيس محمود عباس خلال افتتاح دورة «المجلس الثوري» (وفا)
الرئيس محمود عباس خلال افتتاح دورة «المجلس الثوري» (وفا)
TT

«فتح» لتجديد القيادة في مرحلة فلسطينية حرجة

الرئيس محمود عباس خلال افتتاح دورة «المجلس الثوري» (وفا)
الرئيس محمود عباس خلال افتتاح دورة «المجلس الثوري» (وفا)

قرَّر «المجلس الثوري» لحركة «فتح» عقد المؤتمر الثامن للحركة، في مايو (أيار) المقبل في خطوة مهمة، وفي وقت حساس، يعمل فيه الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، على ترتيب وضع السلطة الفلسطينية وضمان انتقال سلس لقيادتها.

وأصدر «المجلس الثوري»، وهو بمثابة برلمان لحركة «فتح»، بياناً، السبت، في ختام دورته الـ13 التي عُقدت، على مدار يومين، بمقر الرئاسة في مدينة رام الله، أكد فيه انعقاد المؤتمر العام الثامن للحركة في 14 مايو على أن تعقد الدورة المقبلة للمجلس الثوري قبل انعقاد المؤتمر العام.

وعقد المؤتمر الثامن، يعني اختيار لجنة مركزية جديدة للحركة، وهي أعلى هيئة للحركة تتخذ القرارات في الشأن الفلسطيني، سواء الحركة أو السلطة أو المنظمة، وتضم الآن: الرئيس محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية ورئيس منظمة «التحرير» ورئيس الحركة، ونائبه في رئاسة السلطة والمنظمة حسين الشيخ، ونائبه في رئاسة «فتح» محمود العالول، والقيادي الأسير في السجون الإسرائيلية مروان البرغوثي، وأمين سر اللجنة المركزية، جبريل الرجوب، وعضو تنفيذية المنظمة عزام الأحمد، ورئيس المجلس الوطني روحي فتوح، وآخرين، بينهم عباس زكي، وناصر القدوة، ودلال سلامة.

مشاركون في الدورة الـ13 لـ«المجلس الثوري» (وفا)

ويأتي اختيار قيادة جديدة لـ«فتح» الحركة الأكبر في منظمة التحرير، والتي تمسك بزمام السلطة، في مرحلة حرجة ودقيقة وحساسة ومعقدة، تواجه فيها السلطة بعد السابع من أكتوبر (تشرين الأول)، حرباً من أجل البقاء.

والعام الماضي، في إطار تغيير كبير وغير مسبوق على السلطة، تولَّى حسين الشيخ منصب نائب الرئيس عباس، بعدما تمَّ استحداث منصب نائب لرئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة «التحرير» الفلسطينية رئيس دولة فلسطين، في النظام الأساسي للمنظمة.

وفي أثناء ذلك تعهَّد عباس بإعادة هيكلة الأطر القيادية للدولة، وضخ دماء جديدة في المنظمة و«فتح» وأجهزة الدولة. وأصدر كذلك عفواً عاماً عن جميع المفصولين من حركة «فتح».

وجاءت التغييرات بعدما قلبت حرب غزة كل الموازين، ووضعت السلطة في زاوية صعبة وضيقة تحت وابل من الاتهامات الإسرائيلية والأميركية والعربية كذلك. وربطت دول عربية أي دعم لتمكين السلطة الفلسطينية في قطاع غزة بعد الحرب بإجراء إصلاحات وتغييرات واسعة، وهو مطلب أميركي قديم متجدد لم يجد عباس مهرباً من التعامل معه بجدية هذه المرة.

وتعيين نائب للرئيس عباس، البالغ من العمر 90 عاماً، مثَّل أوضح رسالة على أن السلطة تتغير فعلاً.

وجاء الشيخ بعد سلسلة تغييرات كبيرة داخل السلطة شملت إقالة عباس لحكومته، وتشكيل حكومة جديدة، وتعيين رؤساء جدد لجميع قادة الأجهزة الأمنية تقريباً، وإحالة مئات الضباط برتبة عميد، للتقاعد بمرسوم رئاسي.

وتصر «السلطة» على توحيد الضفة الغربية وقطاع غزة، وتسلم قطاع غزة في مرحلة لاحقة، ثم إطلاق مسار يقود إلى الدولة الفلسطينية.

وتدعم دول غربية وعربية «السلطة»، لكن شريطة إجراء تغييرات واسعة وإصلاحات ومصالحات.

افتتاح الدورة الـ13 لـ«المجلس الثوري» (وفا)

وأكد مصدر مطلع لـ«الشرق الأوسط» أنه، إضافة إلى التغييرات على مستوى قيادة السلطة و«فتح»، يجري العمل الآن على دستور جديد يمنع أي شخص أو فصيل لا يلتزم بمنظمة «التحرير» والتزاماتها، من خوض أي انتخابات، كما يجري العمل على تغيير في المناهج الدراسية، وقد تم فعلاً وقف مدفوعات سابقة لأسر مقاتلين وأسرى، ويجري الآن إعادة جميع المفصولين إلى حركة «فتح».

وقالت المصادر: «كل ذلك في إطار تجديد السلطة الفلسطينية والحركة».

وأكد «المجلس الثوري» استمرار وتصعيد المقاومة الشعبية الميدانية، والتحرك السياسي والقانوني لوقف العدوان. وأكد الرفض القاطع للتهجير، والاستيطان، ومحاولات القفز على منظمة «التحرير» الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا الفلسطيني في أماكن وجوده كافة.

كما أكد المجلس رفض كل أشكال الوصاية والتبعية والاحتواء، مُجدِّداً التمسُّك بالوحدة الجغرافية للأرض الفلسطينية في غزة والضفة بما فيها القدس الشرقية، وعلى الولاية السياسية والقانونية والإدارية للحكومة الفلسطينية على أرض دولة فلسطين المحتلة.

وتؤكد حركة «فتح» أن تثبيت وقف العدوان على غزة، وتدفق المساعدات، والبدء بالتعافي، وإعادة الإعمار، وفتح معبر رفح بالاتجاهين، والانسحاب الكامل لقوات الاحتلال من قطاع غزة تُشكِّل أولوياتنا الوطنية، كما أن وقف العدوان على مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، وعودة أهلها، وإغاثتهم، وتقديم كل أشكال الدعم لهم تمثل أيضاً برنامج عمل يومي للحركة، «وندعو الحكومة الفلسطينية لمضاعفة الجهود الإغاثية والدعم للنازحين قسراً من هذه المخيمات».

وشدَّد على أن مقاومة الاستيطان ومواجهة عدوان المستوطنين تمثلان تحدياً وجودياً.

وقال «المجلس الثوري» إن العام الحالي سيكون عاماً للديمقراطية الفلسطينية، ابتداءً بانتخابات المجالس المحلية في 4 أبريل (نيسان) المقبل.

وأكد «المجلس الثوري» أيضاً أنه قرر عودة جميع الذين صدرت بحقهم قرارات فصل من الحركة، وبشكل فردي، ولا يشمل ذلك مَن لديه قضية منظورة أمام القضاء، حتى يُبت في حالته قضائياً.

ويكتسب المؤتمر الثامن المنتظر أهمية خاصة؛ لأنه على الأغلب سيقوِّي قياديين في الحركة ويضعف آخرين، وينحي البعض استعداداً لمرحلة ما بعد عباس.

وسيحسم المؤتمر الثامن مدى قوة وحضور قيادات «فتح» الذين يتطلعون لخلافة عباس في السلطة، والمنظمة، والحركة.

وعلى الرغم من أن المسألة فتحاوية تنظيمية، فإنها مرتبطة بمستقبل السلطة برمته، وكذلك منظمة «التحرير».

وتجري التغييرات والإصلاحات داخل السلطة و«فتح» بطريقة تصعّب الطريق على حركة «حماس»، مع اشتراط التزام الحركة بالتزامات منظمة «التحرير».

وطالبت «حماس» السلطة الفلسطينية، السبت، بوقف التفرد والتسلط في القرار.

عباس يترأس اجتماعاً للجنة المركزية لحركة «فتح» في جلسة سابقة (أرشيفية من «وفا»)

وقال المتحدث باسم «حماس»، حازم قاسم، إن الحالة السياسية الفلسطينية تحتاج إلى ترتيبات داخلية، وإعادة بناء وفق معايير فلسطينية لتوحيد الموقف الوطني، وتعزيز الصف الداخلي.

وأكد المتحدث أنه «لا يعقل أن يستمر النظام السياسي الفلسطيني في هذا الاختلال» مع تعطيل قيادة السلطة للانتخابات طوال 21 عاماً، واصفاً الواقع الحالي بأنه «تفرد وتسلط وفساد، وهو ما يسمح بالتدخلات الخارجية».

وقال مصدر مطلع لـ«الشرق الأوسط» إن على الحركة أن تسلم الحكم وسلاحها، وتتحول إلى حزب سياسي، وتلتزم بالتزامات منظمة «التحرير» إذا أرادت المشارَكة في النظام السياسي.


مقالات ذات صلة

جيل «الداخل» يتقدم في «فتح»... والبرغوثي يحصد أعلى الأصوات

تحليل إخباري عباس أثناء المؤتمر العام الثامن لحركة «فتح» بمدينة رام الله (إ.ب.أ)

جيل «الداخل» يتقدم في «فتح»... والبرغوثي يحصد أعلى الأصوات

أظهرت نتائج انتخابات اللجنة المركزية لحركة «فتح» التي أعلنت، الأحد، تقدم ما يسمى بـ«جيل الداخل» على حساب الجيل القديم في الحركة المعروف بـ«الحرس القديم».

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي الرئيس الفلسطيني محمود عباس برفقة ابنه ياسر في رام الله بالضفة الغربية يوم 28 مايو 2018 (أرشيفية - رويترز)

انتخابات «فتح»: فوز نجل عباس ومدير المخابرات والزبيدي بعضوية اللجنة المركزية

فاز ياسر عباس، النجل الأكبر لرئيس السلطة الفلسطينية، بعضوية اللجنة المركزية، وهي أعلى هيئة قيادية في حركة «فتح»، وذلك في الانتخابات التي جرت السبت.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
خاص مخيم للنازحين وسط ركام مبانٍ دمَّرتها إسرائيل خلال الحرب بمدينة غزة الجمعة (أ.ب)

خاص «حماس» تختار قائدها الأحد وسط مساعٍ لعقد حوار وطني شامل

علمت «الشرق الأوسط»، أنَّه من المفترض أن تُحسم، الأحد، هوية رئيس المكتب السياسي الجديد لـ«حماس»، حيث تنحصر المنافسة بين خالد مشعل وخليل الحية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي عباس أثناء خطابه في المؤتمر العام الثامن لحركة «فتح» بمدينة رام الله (إ.ب.أ)

عباس في مؤتمر «فتح»: سنحافظ على «أوسلو»... و«7 أكتوبر» دمرنا

أكد الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، في افتتاح مؤتمر «فتح» الثامن تمسكه بالنهج السلمي وسط سلسلة من الحروب الدامية في المنطقة.

كفاح زبون (رام الله)
خاص مئات الآلاف يشاركون في مهرجان انطلاقة حركة «فتح» في غزة 2022 (نقلاً عن وكالة وفا)

خاص كيف سيشارك أعضاء «فتح» في غزة بفعاليات مؤتمرها الثامن؟

تضع اللجنة المشرفة على انعقاد المؤتمر العام الثامن لحركة «فتح» اللمسات الأخيرة لإطلاقه يوم الخميس المقبل، فكيف تجري التحضيرات لمشاركة أعضاء الحركة في غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)

مهلة ترمب لإيران... نافذة تفاوض أم مقدمة لاستئناف الحرب؟

ترمب يتحدث للصحافيين في البيت الأبيض (أ.ب)
ترمب يتحدث للصحافيين في البيت الأبيض (أ.ب)
TT

مهلة ترمب لإيران... نافذة تفاوض أم مقدمة لاستئناف الحرب؟

ترمب يتحدث للصحافيين في البيت الأبيض (أ.ب)
ترمب يتحدث للصحافيين في البيت الأبيض (أ.ب)

لم يكن إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، تعليق ضربة عسكرية جديدة ضد إيران مجرد قرار عابر في مسار الحرب المستمرة منذ أسابيع، بل بدا كاشفاً عن مأزق أوسع: هل يفتح إرجاء الهجوم نافذة حقيقية لاتفاق سياسي، أم إن القرار يندرج في نمط مألوف من التهديدات عالية السقف ثم التراجع في اللحظة الأخيرة؟

المفارقة أن ترمب قدّم التعليق بوصفه استجابة لوساطة خليجية ترى أن «مفاوضات جدية» جارية، وأن اتفاقاً «مقبولاً» يمكن أن يولد قريباً. لكنه، في الوقت نفسه، أبقى التهديد قائماً، موجهاً الجيش إلى الاستعداد لـ«هجوم واسع النطاق» إذا لم تصل المفاوضات إلى نتيجة.

هنا تكمن دلالة اللحظة: واشنطن لا تبدو في موقع الحسم العسكري الكامل، ولا في موقع التسوية السياسية الناضجة، بل في منطقة وسطى تتداخل فيها حسابات الردع، وأسعار النفط، وضغوط الحلفاء، ومحدودية قدرة القوة الجوية على فرض استسلام سياسي كامل.

تجنب دفع التكلفة

ورغم الضربات القاسية التي استهدفت قيادات إيران وبناها العسكرية والبحرية، فإنها ما زالت تحتفظ بأدوات ضغط مؤلمة، مثل الصواريخ، والمسيّرات، والقدرة على تعطيل مضيق هرمز، والتهديد بنقل التوتر إلى باب المندب... ولذلك؛ فإن طلب تأجيل الضربة لا يعني بالضرورة أن طهران قدمت تنازلات جوهرية، بل ربما تكسب الوقت للانخراط مجدداً في حرب إقليمية أكبر تكلفة.

فرزين نديمي؛ كبير الباحثين بالشأن الإيراني في «معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى»، يضع هذا العامل في صلب تفسير القرار. وقال في حديث مع «الشرق الأوسط» إن «أسباباً عسكرية وراء تأجيل الضربة» تتعلق بتهديدات إيران، واحتمال وقوع إصابات وأضرار في صفوف القوات الأميركية، إضافة إلى الردود الإيرانية الأخرى. وبرأيه، فإن ترمب «قد يفضل عدم تجديد العملية العسكرية إذا كان ممكناً تحقيق حد أدنى من الشروط مع تقليص الأخطار»، لكن «احتمالات العمل العسكري تبدو متساوية مع فرص الحل الدبلوماسي».

مروحية أميركية تحلق بجوار سفينة تجارية في عرض البحر خلال عملية مراقبة قرب مضيق هرمز (سنتكوم)

فجوة في الأولويات

تتحدث تسريبات عن تبادل مقترحات وردود مضادة عبر وسطاء، بينهم باكستانيون، وعن نقاشات تشمل الملف النووي، وفتح مضيق هرمز، ورفع بعض القيود أو العقوبات عن النفط الإيراني، وربما إرسال جزء من مخزون اليورانيوم المخصب إلى الخارج، لكن المشكلة ليست في وجود أفكار تفاوضية، بل في ترتيبها...

تريد إيران، وفق ما تسرّب، اتفاقاً يبدأ بوقف الحرب والحصار، ثم يترك الملف النووي؛ الأعلى حساسية، لمسار لاحق. أما واشنطن فتريد اتفاقاً متزامناً يثبت نتائج الحرب: قيود طويلة الأمد على التخصيب، وضمانات ضد امتلاك سلاح نووي، وربما التزامات تتعلق بالصواريخ، والوكلاء، وفتح «هرمز». هذه الفجوة تجعل الحديث عن «تقدم حقيقي» مشروطاً لا مؤكداً.

الأرجح أن ترمب، تحت ضغط أسعار الطاقة والانتخابات النصفية المقبلة، بدأ يضيّق نطاق مطالبه العملية؛ فبدلاً من الإصرار على التزامن بشأن تغيير سلوك إيران الإقليمي، وتفكيك قدراتها الصاروخية، وإنهاء شبكة الوكلاء، بات التركيز العلني أوضح على «الملف النووي» و«هرمز». ولا يعني هذا أن الشروط الأخرى اختفت، لكن الإدارة قد تكون مضطرة إلى التمييز بين ما تريد تحقيقه سياسياً وما تستطيع فرضه عسكرياً.

بين الردع وحدود القوة

تشكك وسائل الإعلام وصحف أميركية عدة في رواية البيت الأبيض، ليس بالضرورة لأنها تعارض ترمب سياسياً فقط؛ بل لأن مسار الأزمة نفسه يعطي أسباباً لهذا التشكيك. الرئيس حدد مواعيد، وأطلق تهديدات، وأعلن أن الحرب تقترب من نهايتها، ثم عاد إلى تمديد المهل. كما أن إيران، رغم الخسائر الكبيرة، لم تقبل حتى الآن شروطاً تعدّها استسلامية، ولم تتخلَّ عن أوراقها الأساسية في «هرمز» أو «الردع الصاروخي».

مايكل روبن، كبير الباحثين في «معهد أميركان إنتربرايز»، يذهب أبعد من ذلك في حديثه مع «الشرق الأوسط»؛ إذ يرى أن ترمب «يرتجل وهو يمضي»، «رغم امتلاكه فرقاً قادرة على التخطيط لاستراتيجيات معقدة». ويقول إن «ما يحرك الرئيس غالباً هو شعوره بأن إيران تهينه شخصياً؛ مما قد يدفعه إلى ضربات أعمق تركيزاً على الملف النووي، أو حتى إلى اغتيالات مستهدفة، لكنه لا يقود إلى استراتيجية متماسكة».

هذا التقييم قاسٍ، لكنه يلامس معضلة حقيقية في إدارة الأزمة: ترمب يريد أن يظهر بمظهر الرئيس الذي لا يتراجع، لكنه يريد أيضاً تجنب حرب مفتوحة لا تحظى بشعبية داخلية وتستنزف الذخائر وترفع أسعار الوقود... يريد إعلان النصر، لكنه لم يحصل بعد على وثيقة استسلام... يريد استخدام القوة لإنتاج اتفاق، لكنه يواجه خصماً اعتاد امتصاص الضغط وإعادة تعريف الخسارة بوصفها صموداً.

لذلك؛ لا يمكن اختزال المسألة في «انتصار الدبلوماسية» أو «ضعف ترمب». التعليق يعكس توازناً متبادلاً: واشنطن تخشى تكلفة التصعيد، وطهران تخشى ضربة أشد تدميراً.

إيرانيون أمام لوحة دعائية مناهضة للولايات المتحدة تُظهر رسماً لمضيق هرمز وشفتَي الرئيس الأميركي دونالد ترمب مَخيطتين (رويترز)

تنازلات متزامنة

رد ترمب العنيف على الإعلام يعكس حساسيته المعروفة تجاه أي تصوير له بوصفه متردداً أو عاجزاً عن فرض شروطه. لكن السؤال الأهم: «هل تشكيك الإعلام نابع من حقائق أم من حسابات سياسية؟ الجواب الأقرب أنه مزيج من الاثنين، مع أفضلية واضحة للوقائع في هذه الحالة»، وفق فرزين نديمي. ويضيف أن «الوقائع تقول إن الضربات الأميركية - الإسرائيلية أضعفت إيران عسكرياً، لكنها لم تحلّ المعضلة السياسية».

والوقائع تقول إن أسعار النفط، والقلق الاقتصادي الأميركي، أصبحا عاملين في حسابات البيت الأبيض. والوقائع تقول أيضاً إن إيران لم تقدم بعد تنازلاً يرقى إلى قبول كامل بالشروط الأميركية، وإن الوسطاء يتحدثون عن صيغ جزئية أكثر مما يتحدثون عن صفقة نهائية.

أما البعد السياسي، فيظهر في طريقة قراءة هذه الوقائع داخل واشنطن... خصوم ترمب يرون في كل تراجع دليلاً على الفوضى. أنصاره يرون في كل تعليق للضربة مناورة ذكية تمنح الخصم فرصة أخيرة. لكن بين القراءتين، تبدو الحقيقة أشد تعقيداً: ترمب يستخدم التهديد العسكري أداةً تفاوضية، لكنه لم ينجح بعد في تحويله اتفاقاً نهائياً.

كما أن إيران تستخدم قدرتها على تعطيل الطاقة والرد الإقليمي لتقليل أثر الضغط الأميركي، لكنها لا تستطيع أيضاً تجاهل تكلفة الحرب والحصار عليها.

لهذا؛ فإن تعليق الضربة لا يكشف بالضرورة عن قرب اتفاق يرضي الجميع؛ لأن اتفاقاً كهذا يفترض تنازلات متزامنة لم تظهر بعد. لكنه لا يعني أيضاً مجرد تراجع مجاني. إنه بالأحرى محاولة لإدارة مأزق: إبقاء العصا مرفوعة من دون استخدامها فوراً، ومنح الوسطاء فرصة قصيرة، وطمأنة الأسواق والحلفاء، مع الحفاظ على صورة الرئيس الذي يستطيع العودة إلى القصف «في أي لحظة».


«مجموعة السبع» تشدد على فتح هرمز وإيقاف القتال

 سفن راسية في مضيق هرمز قبالة مدينة خصب الساحلية في شبه جزيرة مسندم شمال عُمان في 17 مايو الحالي وقد أدت الحرب إلى حصار فعلي للمضيق الحيوي الذي يمر عبره نحو 20 % من صادرات النفط العالمية في زمن السلم (أ.ف.ب)
سفن راسية في مضيق هرمز قبالة مدينة خصب الساحلية في شبه جزيرة مسندم شمال عُمان في 17 مايو الحالي وقد أدت الحرب إلى حصار فعلي للمضيق الحيوي الذي يمر عبره نحو 20 % من صادرات النفط العالمية في زمن السلم (أ.ف.ب)
TT

«مجموعة السبع» تشدد على فتح هرمز وإيقاف القتال

 سفن راسية في مضيق هرمز قبالة مدينة خصب الساحلية في شبه جزيرة مسندم شمال عُمان في 17 مايو الحالي وقد أدت الحرب إلى حصار فعلي للمضيق الحيوي الذي يمر عبره نحو 20 % من صادرات النفط العالمية في زمن السلم (أ.ف.ب)
سفن راسية في مضيق هرمز قبالة مدينة خصب الساحلية في شبه جزيرة مسندم شمال عُمان في 17 مايو الحالي وقد أدت الحرب إلى حصار فعلي للمضيق الحيوي الذي يمر عبره نحو 20 % من صادرات النفط العالمية في زمن السلم (أ.ف.ب)

جدَّد وزراء مالية «مجموعة السبع» تأكيدهم على إعادة فتح مضيق هرمز لمواجهة الاختلالات ‌العالمية ⁠الجارية، بينما دعا ممثل الولايات المتحدة إلى إجراءات «أكثر صرامة» لتعطيل ما وصفها بـ«شبكات التمويل الإيرانية».

ويحاول الغرب منذ أسابيع التوصل إلى أفكار عملية لتحرير الملاحة في مضيق هرمز، الذي يتعرض لحصار مزدوج من واشنطن وطهران، لكن التباينات السياسية بين أوروبا والولايات المتحدة تعوق التوصل إلى أرضية مشتركة.

وقال بيان مشترك عن المجموعة، عقب اجتماعها في باريس الثلاثاء، إن دولها ملتزمة «بالتعاون متعدد الأطراف من ⁠أجل التصدي للمخاطر ‌التي ‌تهدد الاقتصاد ‌العالمي».

ودعا وزراء ‌كندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان وبريطانيا والولايات ‌المتحدة جميع الدول إلى تجنب فرض قيود تعسفية على الصادرات. جميع الدول إلى تجنب فرض قيود تعسفية على الصادرات.

كريستين لاغارد لدى وصولها للمشاركة في اجتماع وزراء مالية ومحافظي البنوك المركزية لمجموعة السبع بباريس (أ.ف.ب)

ودعا وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الثلاثاء، حلفاء بلاده إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة لتعطيل شبكات ‌التمويل ‌الإيرانية، وقال ‌إن ⁠بلاده ستحذف الأسماء «⁠التي عفا عليها الزمن» من قائمة العقوبات لتسهيل مهمة المؤسسات ⁠المالية في القضاء ‌على مخططات ‌تمويل الإرهاب تعقيداً.

وخلال ‌كلمة معدة للإلقاء في مؤتمر لمكافحة تمويل ‌الإرهاب عقب اجتماع وزراء مالية ومسؤولين ماليين ⁠من ⁠دول مجموعة السبع في باريس، أكَّد بيسنت أن المشاركين بحاجة إلى «الوقوف معنا بكل قوة» ضد إيران.

وأكد بيسنت، في تصريحاته للصحافيين، أن الولايات المتحدة مصممة على تطبيق سياسة «الضغط الأقصى» لوقف تمويل النشاطات العسكرية والإرهابية الإيرانية، مشيراً إلى أن هذا النهج يهدف إلى إضعاف قدرات إيران من دون الاعتماد فقط على الخيارات العسكرية.

وأكد بيسنت أن «وزارة الخزانة ستحدث هيكل عقوباتها، لجعل الأمر أكثر فاعلية، لأن أعداءنا يتكيفون ويبتكرون ‌من خلال إنشاء شركات وهمية جديدة»، على حد تعبيره.

وعقب الاجتماع، أظهر ‌موقع ‌وزارة ​الخزانة الأميركية ⁠الثلاثاء ​أن ⁠الولايات ⁠المتحدة ‌فرضت ‌عقوبات ​جديدة على ‌إيران.

من جهته، قال وزير المالية الكندي، فرانسوا فيليب، في تصريحات للصحافيين، إن «مجموعة السبع متحدة بشأن ضرورة فتح هرمز وإيقاف القتال».

المرور الآمن

أكد البيان الختامي التزام المجموعة بضمان استقرار أسواق الطاقة ودعم الدول الأكثر هشاشة من خلال تعزيز دور صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، كما حثَّ البيان على «العودة السريعة إلى حرية المرور الآمنة» عبر مضيق هرمز، الذي لا تزال الملاحة فيه مقيدة بشدة بعد الحصار الفعلي الذي فرضته إيران في بداية الصراع.

وقال مراقبون إن اجتماع الدول السبع تعامل بارتياح مع إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، وقف هجوماً كان مخططاً له ضد إيران الثلاثاء والاستجابة لطلب الدول الخليجية لمحاولة إعطاء الدبلوماسية فرصة للتوصل إلى اتفاق يحد من البرنامج النووي الإيراني.

وناقش وزراء المالية قضايا أخرى تتعلق بضرورة تنويع سلاسل الإمداد للعناصر الأرضية النادرة والمعادن الحيوية، لتقليل الاعتماد على الصين.

وزير المالية الفرنسي رولان ليسكور لدى وصوله إلى اجتماع مجموعة السبع في باريس (أ.ب)

وشارك في الاجتماع ممثلون عن دول خليجية في بعض الجلسات لمناقشة الأزمة، كما شاركت كل من سوريا وأوكرانيا في أجزاء من المناقشات أيضاً، إلى جانب مسؤولين من البرازيل والهند وكوريا الجنوبية.

وينظر إلى إشراك طيف أوسع من الدول في النقاشات المتعلقة بمستقبل الملاحة في الشرق الأوسط، إلى أنه انعكاس لحاجة ملحة لكسر الجمود السياسي، والبحث عن خيارات بديلة، وزيادة الضغط على طرفي الحصار في «هرمز»؛ واشنطن وطهران.

ويقول محللون إن اجتماع المجموعة في باريس قد يعطي الرئاسة الفرنسية دفعة دبلوماسية للتوصل إلى مقاربة مشتركة من شأنها إعادة فتح هرمز، رغم الخلافات في النهج بين الولايات المتحدة، التي تركز على الخيار العسكري والعقوبات، والنهج الأوروبي الذي يركز على تحقيق توازن بين الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية.

غير أن المناقشات، التي وصفها وزير المالية الفرنسي رولان ليسكور بأنها «صعبة»، عكست تحديات حقيقية في توحيد السياسات عبر ضفتي الأطلسي، مع ميل الإدارة الأميركية إلى تطبيق شعار «أميركا أولاً» في بعض الملفات.


ترمب يمهل إيران أقل من 3 أيام لتفادي الضربة

مروحية أميركية تحلق قرب سفينة تجارية في عرض البحر خلال عملية مراقبة قرب مضيق هرمز(سنتكوم)
مروحية أميركية تحلق قرب سفينة تجارية في عرض البحر خلال عملية مراقبة قرب مضيق هرمز(سنتكوم)
TT

ترمب يمهل إيران أقل من 3 أيام لتفادي الضربة

مروحية أميركية تحلق قرب سفينة تجارية في عرض البحر خلال عملية مراقبة قرب مضيق هرمز(سنتكوم)
مروحية أميركية تحلق قرب سفينة تجارية في عرض البحر خلال عملية مراقبة قرب مضيق هرمز(سنتكوم)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الثلاثاء، إن الولايات المتحدة قد تضطر إلى ضرب إيران مجدداً، وإنه كان على بُعد ساعة واحدة فقط من اتخاذ قرار بشن ضربة قبل أن يؤجل الهجوم.

وقال ترمب للصحافيين في البيت الأبيض: «كنت على بُعد ساعة واحدة من اتخاذ قرار بالهجوم اليوم».

وقال ترمب إن قادة إيران يتوسلون لإبرام اتفاق، لكن هجوماً أميركياً جديداً سيحدث في الأيام المقبلة إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق.

وأضاف: «حسناً، أعني، أنا أقول يومين أو ثلاثة أيام، ربما الجمعة أو السبت أو الأحد، أو شيء من هذا القبيل، ربما أوائل الأسبوع المقبل، فترة زمنية محدودة، لأننا لا نستطيع السماح لهم بالحصول على سلاح نووي جديد».

وقال ترمب، الاثنين، إنه أوقف مؤقتاً استئناف الهجمات المخطط لها على إيران بعدما أرسلت طهران مقترح سلام جديداً إلى واشنطن، وإن هناك الآن «فرصة جيدة جداً» للتوصل إلى اتفاق يحد من برنامج إيران النووي.

وتحت ضغط التوصل إلى اتفاق يعيد فتح مضيق هرمز، وهو طريق إمداد رئيسي للإمدادات العالمية من النفط والسلع الأخرى، أعرب ترمب سابقاً عن أمله في أن يكون الاتفاق قريباً لإنهاء الصراع، كما هدد بشن ضربات قوية على إيران إذا لم تتوصل طهران إلى اتفاق.

وفي منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، قال ترمب إن قادة قطر والسعودية والإمارات طلبوا منه تأجيل الهجوم لأن «اتفاقاً سيتم التوصل إليه، وسيكون مقبولاً جداً للولايات المتحدة الأميركية، وكذلك لجميع دول الشرق الأوسط وما وراءه».

وفي حديثه لاحقاً إلى الصحافيين، الاثنين، قال إن الولايات المتحدة ستكون راضية إذا تمكنت من التوصل إلى اتفاق مع إيران يمنع طهران من الحصول على سلاح نووي.

وقال ترمب للصحافيين: «يبدو أن هناك فرصة جيدة جداً للتوصل إلى حل. إذا تمكنا من تحقيق ذلك من دون قصفهم بقوة، فسأكون سعيداً جداً».