عراقجي يكشف كواليس نهاية حرب الـ12 يوماً: المرشد صادق على قرار الهدنة

قال إن ترمب أوقف الطيارين الإسرائيليين «بعد تهديداتنا بالرد الأقوى»

بزشكيان وعراقجي خلال ملتقى في مقر «الخارجية» السبت (الرئاسة الإيرانية)
بزشكيان وعراقجي خلال ملتقى في مقر «الخارجية» السبت (الرئاسة الإيرانية)
TT

عراقجي يكشف كواليس نهاية حرب الـ12 يوماً: المرشد صادق على قرار الهدنة

بزشكيان وعراقجي خلال ملتقى في مقر «الخارجية» السبت (الرئاسة الإيرانية)
بزشكيان وعراقجي خلال ملتقى في مقر «الخارجية» السبت (الرئاسة الإيرانية)

كشف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي تفاصيل جديدة حول قرار طهران قبول وقف إطلاق النار مع إسرائيل بعد حرب استمرت 12 يوماً الشهر الماضي، موضحاً أن المجلس الأعلى للأمن القومي «اتخذ خلال اجتماع استثنائي في اليوم الثامن أو التاسع من المواجهة، قراراً استراتيجياً يقضي بالموافقة على الهدنة دون شروط مسبقة إذا تقدمت إسرائيل بطلب رسمي لذلك»، لافتاً إلى أن القرار جاء «من موقع القوة».

وقال عراقجي في حوار مع التلفزيون الرسمي: «بناءً على هذا القرار، بما أن إيران كانت تدافع عن نفسها فقط ولم تكن تتعدى على أحد، فإن وقف إطلاق النار كان منطقياً ومعقولاً دون شروط مسبقة»، لافتاً إلى أن «جميع قرارات المجلس الأعلى للأمن القومي يجب أن تحظى بموافقة المرشد (علي خامنئي) حتى يتم تنفيذها، وفي هذه الحالة أيضاً تمت الموافقة على القرار، وكان جاهزاً للإصدار». وأشار الوزير إلى أنه في الساعة الواحدة صباحاً وردت اتصالات تفيد باستعداد إسرائيل لوقف إطلاق النار، أعقبها إجراء مشاورات مكثفة مع قائد «الحرس الثوري» والجهات المعنية للتأكد من توافق الطلب مع القرار المصادق عليه. وجرى لاحقاً التأكيد على أن إيران ستوقف العمليات العسكرية فقط إذا أوقف الطرف الآخر هجماته.

وقال في هذا الصدد: «بصفتي وزيراً للخارجية، قمت بإجراء مشاورات مع قائد (الحرس الثوري) والجهات المعنية لتقييم مدى انطباق الظروف مع القرار الصادر من المجلس الأعلى للأمن القومي».

وأشار عراقجي إلى سوء تفاهم في الساعات الأولى من وقف إطلاق النار، حول التوقيت، قائلاً: «حدث سوء فهم بيني وبين القوات المسلحة؛ إذ اعتقد الزملاء أن المهلة تمتد حتى الساعة 4 بتوقيت غرينتش؛ لذا استمرت الضربات ضد الكيان حتى الساعة 7:30 بتوقيت طهران، ثم حدث سوء فهم آخر بعد ظهر ذلك اليوم تم احتواؤه عبر اتصال هاتفي».

وأضاف: «بعد ظهر اليوم الأول لوقف إطلاق النار، ادعى الكيان أن إيران أطلقت صواريخ وانتهكت الاتفاق، فأرسلوا طائراتهم للهجوم. قمت على الفور بإرسال رسالة إلى المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، مفادها أن إسرائيل تبحث عن ذريعة وتتهم إيران بالانتهاك دون أي أساس، وإن قاموا بأي عمل عدائي فسنرد بقوة أكبر من ذي قبل. وقلت: (ما فعلوه في لبنان لن يتمكنوا من تكراره هنا)».

وتابع عراقجي: «رأيتم كيف غرد ترمب لاحقاً يأمر الطيارين بالعودة، وأوقف إسرائيل، وأصبح واضحاً أن هناك سبباً آخر، وهو أن كل شيء كان مُنسقاً مع الأميركيين منذ البداية».

وكان عراقجي قد نشر تغريدة فجر 24 يونيو (حزيران)، أشار فيها إلى بدء وقف إطلاق النار في الساعة 4 فجراً بتوقيت طهران.

وحول ما إذا حاولت إسرائيل استهدافه، قال عراقجي: «لم أتلقَّ أي تهديد هاتفي من الكيان الصهيوني، لكن وقع انفجار في منزل مقابل مقر سكني أثناء الحرب، وتمكنت الأجهزة الأمنية من السيطرة على الموقف». وأردف: «تعرضنا أكثر من مرة لتحليق طائرات مسيّرة فوقنا أثناء تنقلاتنا من وإلى تركيا».

وسافر عراقجي من طهران إلى تركيا للتوجه إلى جنيف بهدف المشاركة في مفاوضات عُقدت في 20 يونيو مع نظرائه الأوروبيين في جنيف.

ورداً على سؤال عما إذا كانت إيران مستعدة للحرب خلال العام الماضي، قال: «كانت القوات المسلحة في حالة استنفار حربي، والحكومة كانت مستعدة للمواجهة. بعد اغتيال إسماعيل هنية وعملية (الوعد الصادق 2) - مطلع أكتوبر/ تشرين الأول - وسقوط سوريا وانتخاب ترمب، كنا على وشك الحرب 3 مرات على الأقل».

وأضاف: «كانت الحكومة والقوات المسلحة مستعدة، وكانت الدبلوماسية نشطة للغاية، ومن خلال خلق رعب استراتيجي في المنطقة تمكنا من منع حرب شاملة».

شكوك بعد اغتيال هنية

وتبادلت إيران وإسرائيل الضربات العام الماضي، في أبريل (نيسان) وفي أكتوبر الماضي. وشنت إسرائيل في مطلع أكتوبر هجوماً ضربت خلاله منظومات دفاع جوي وراداراً في غرب ووسط إيران.

وقال عراقجي إن «الحرب الأخيرة كانت متوقعة»، وأضاف: «الكيان الصهيوني كان ينتظر رداً بعد عملية أكتوبر، وأرسلوا رسائل بأن ردهم سيكون مؤلماً».

وقال عندما طُرح موضوع الرد بعد الهجوم الإسرائيلي في 26 أكتوبر «انتقد أحد الأصدقاء: لماذا لا يتم تنفيذ العملية؟ ولمَ يعترض الرئيس؟»، وأضاف: «في تلك الجلسة تعامل رئيس الأركان محمد باقري مع ذلك الشخص في هذا الخصوص، وقال: لماذا تطرح مثل هذا الكلام؟ أنا المسؤول عن الدفاع عن البلد، وفي اللحظة التي أتأكد فيها من قدرتي على حماية البلد من تبعات الرد، سأقوم بمهمتي. ولم أسأل السيد الرئيس بعدُ، وهو قد دافع دفاعاً كاملاً عن الرئيس».

وأشار عراقجي إلى اغتيال إسماعيل هنية في طهران في 31 يوليو (تموز) العام الماضي، بعد ساعات من أداء الرئيس مسعود بزشكيان اليمين أمام البرلمان. وقال: «عندما اغتيل هنية كنت أحد المرشحين لوزارة الخارجية، وفي مساء ذلك اليوم عقد المرشد اجتماعاً (لمجلس الأمن القومي) كما جرت العادة عند حدوث قضايا مهمة، وتمت دعوتي أيضاً».

عراقجي يستقبل الرئيس مسعود بزشكيان في مقر «الخارجية» (الرئاسة الإيرانية)

وأضاف: «في ذلك الاجتماع، كان الرأي بالإجماع على ضرورة الرد، ولكن كانت هناك خلافات بين السياسيين والعسكريين حول التوقيت والكيفية. السبب الرئيسي للتردد بشأن التوقيت جاء من الجانب العسكري في الواقع. كان القادة العسكريون يعتقدون أن الهجوم يجب أن يتم في وقت نكون فيه متأكدين من قدرتنا على الدفاع عن البلد بعد الهجوم».

وتابع عراقجي: «كان هناك اختلاف في الرأي بشأن توقيت وكيفية الهجوم بين القادة العسكريين والسياسيين على حد سواء. في ذلك الاجتماع، تقرر أن يتم استكمال الاستعدادات العسكرية للدفاع عن البلد بعد الهجوم الأول، ثم تُنفذ العملية».

وأشار عراقجي إلى اتصالاته الإقليمية قبل الحرب مع إسرائيل. وقال: «سافرت 17 مرة إلى المنطقة بهدف تمكين الدبلوماسية من منع الحرب. الدبلوماسية دائماً هي الطريق الأقل خطراً وتكلفة لتحقيق الأهداف، ولها الأولوية دائماً». وأضاف: «نقلت الرسالة لجميع الدول بأن أي مواجهة بين إيران وإسرائيل لن تبقى محصورة بينهما، دون أن يعني ذلك أننا سنحارب دولاً أخرى».

وقال عراقجي في جزء من المقابلة إن «إسرائيل تبذل كل جهدها لجر أميركا إلى الحرب. وإذا دخلت أميركا الحرب، فصواريخنا لن تحتاج إلى الوصول إلى الأراضي الأميركية؛ فهناك ما يكفي من القواعد الأميركية في المنطقة (للرد عليها)، وللأسف بعضها في أراضيكم، وسنضطر لضربها».

وقبل بث المقابلة بساعات، كانت مواقع إيرانية قد أشارت إلى أن هيئة الإذاعة والتلفزيون منعت الحلقة الثانية من برنامج حواري مع المسؤولين الإيرانيين، استضاف عراقجي، وكانت الحلقة الأولى قد بُثت الجمعة، وكان ضيفها الجنرال أحمدي وحيدي، مستشار قائد «الحرس الثوري». وجاء بث المقابلة بعد يوم من زيارة الرئيس مسعود بزشكيان إلى مقر «الخارجية» الإيرانية.

المسار التفاوضي

ورد عراقجي على سؤال حول ما إذا كانت إيران قد خُدعت في المفاوضات مع الولايات المتحدة، قائلاً: «عند اتخاذ قرار الدخول في المفاوضات، يكون القرار وطنياً ويجب الالتزام به. القول إن وزارة الخارجية خُدعت غير صحيح؛ لأن المفاوضات كانت قراراً استراتيجياً للدولة بأكملها. وزارة الخارجية أدت دورها وفق توجيهات القيادة العليا للنظام».

أما عن احتمال استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة، فقد قال عراقجي: «في وقت الانتصار، عندما يكون عَلمك مرفوعاً، يجب أن تذهب للمفاوضات؛ لأننا أثبتنا قوتنا للعالم». وأضاف: «الكيان الإسرائيلي كان يظن أن إيران ستنهار في أسبوع، لكن ذلك لم يحدث، وشاهدنا كيف تم تعيين قادة جدد خلال ساعات، وتم الرد على الهجمات بقوة».

واختتم عراقجي بالتأكيد على أن «العدو هو من طلب وقف إطلاق النار، وكنا نحن من وجّه الضربة الأخيرة».

ودافع عراقجي عن المسار التفاوضي، قائلاً: «لم نتضرر من المفاوضات، بل حققنا مكاسب كبيرة؛ فقد أثبتنا أحقيتنا أمام الشعب الإيراني والمجتمع الدولي. هل يمكن لأحد أن يدعي أن الحرب لم تكن ستقع لو لم نتفاوض؟ بالتأكيد كانت ستقع، وربما كانت ستندلع في وقت أبكر».

تصاعد الدخان بعد هجوم إسرائيلي استهدف مبنى هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية بطهران في 16 يونيو (رويترز)

وأوضح أن «تماسك الشعب الإيراني أثناء الحرب جاء نتيجة قناعته بأن النظام بذل كل جهده لمنعها، وذهب إلى طاولة المفاوضات في حين كان الطرف الآخر يسعى إلى الحرب. منطقنا كان قوياً للغاية، والدليل أن أكثر من 120 دولة دعمتنا وأدانت العدوان على إيران».

وأشار رئيس الدبلوماسية الإيرانية إلى أن «منطق الاتفاق النووي كان قائماً على بناء الثقة بشأن برنامجنا النووي مع قبول قيود زمنية. وعندما أبدى ترمب رغبته في التفاوض، أكدنا استعدادنا للحوار بالمنطق نفسه؛ لأننا لا نسعى إلى امتلاك سلاح نووي».

وأضاف: «طُرحت خلال المفاوضات مقترحات مختلفة، مثل فكرة الكونسورتيوم (التحالف النووي الإقليمي)، لكنها لم تكن مقبولة لدينا».


مقالات ذات صلة

«الأمن القومي» الإيراني يدخل على خط السجال حول المفاوضات

شؤون إقليمية صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان

«الأمن القومي» الإيراني يدخل على خط السجال حول المفاوضات

دخل المجلس الأمن القومي الإيراني على خط السجال الداخلي المتصاعد بشأن إدارة المفاوضات مع الولايات المتحدة، بعد موجة انتقادات طالت وزير الخارجية عباس عراقجي.

«الشرق الأوسط» (لندن_طهران)
شؤون إقليمية ناقلات نفط راسية في مضيق هرمز (أ.ب) p-circle

تقرير: الجيش الأميركي يستعد لمداهمة سفن مرتبطة بإيران

ذكرت ​صحيفة «وول ستريت جورنال»، السبت، ‌نقلاً ‌عن ​مسؤولين ‌⁠قولهم ​إن الجيش ⁠الأميركي يستعد لمداهمة ‌ناقلات ​نفط ‌مرتبطة بإيران، والسيطرة ‌على سفن تجارية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تحليل إخباري زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية يوم 18 أبريل (أ.ب)

تحليل إخباري هرمز بين حصارَين... حرب ترمب الاقتصادية أو عودة إيران إلى الحافة

مع عودة التوتر إلى مضيق هرمز، بدا المشهد خلال الساعات الأخيرة أقرب إلى هدنة معلقة فوق فوهة بركان، وفق ما يرى مراقبون.

إيلي يوسف (واشنطن)
شؤون إقليمية وزراء خارجية تركيا والسعودية ومصر وباكستان خلال اجتماعهم في أنطاليا لمناقشة جهود وقف حرب إيران (رويترز)

وزراء خارجية تركيا والسعودية ومصر وباكستان يبحثون جهود استئناف مفاوضات حرب إيران

نفى نائب وزير الخارجية الإيراني سعيد خطيب زاده تحديد موعد لعقد جولة جديدة للمفاوضات مع أميركا، مؤكداً أن بلاده لا تسعى لوقف مؤقت لإطلاق النار بل لإنهاء الحرب.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية صورة التقطها قمر اصطناعي يوم 17 يونيو 2025 تُظهر مبنى مُدمّراً في موقع نطنز النووي بإيران (بلانيت لابز - رويترز) p-circle

هل يمكن نقل مخزون اليورانيوم الإيراني إلى دولة ثالثة؟

هل يمكن نقل هذا المخزون إلى دولة ثالثة، وتخفيف تخصيبه إلى درجات غير ضارة؟

«الشرق الأوسط» (لندن)

مقتل جندي إسرائيلي في جنوب لبنان

جندي إسرائيلي يوجه دبابة قرب الحدود مع لبنان (رويترز)
جندي إسرائيلي يوجه دبابة قرب الحدود مع لبنان (رويترز)
TT

مقتل جندي إسرائيلي في جنوب لبنان

جندي إسرائيلي يوجه دبابة قرب الحدود مع لبنان (رويترز)
جندي إسرائيلي يوجه دبابة قرب الحدود مع لبنان (رويترز)

أعلن الجيش الإسرائيلي، اليوم (الأحد)، مقتل أحد جنوده خلال اشتباكات في جنوب لبنان، حيث دخل وقف إطلاق النار المؤقت حيز التنفيذ هذا الأسبوع.

وأفاد بيان للجيش عن مقتل «ليدور بورات، البالغ 31 عاما، من أشدود، وهو جندي في الكتيبة 7106، اللواء 769، خلال اشتباكات في جنوب لبنان»، دون تقديم مزيد من التفاصيل.

وبحسب إحصاء لوكالة الصحافة الفرنسية استنادا إلى بيانات عسكرية، ارتفع إجمالي عدد قتلى الجيش الإسرائيلي في الحرب الدائرة منذ ستة أسابيع بين إسرائيل و«حزب الله» إلى 15.

وهذه هي المرة الثانية التي يعلن فيها الجيش عن مقتل أحد جنوده في جنوب لبنان منذ بدء الهدنة التي أعلنتها الولايات المتحدة لمدة عشرة أيام الجمعة، في إطار جهود أوسع لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط بشكل دائم.

وكانت جولة القتال الأخيرة في لبنان قد بدأت في 2 مارس (آذار) عندما شن «حزب الله، المدعوم من طهران، هجمات صاروخية على إسرائيل ردا على مقتل المرشد في إيران علي خامنئي خلال الموجة الأولى من الضربات الإسرائيلية الأميركية.

وردت إسرائيل بشن ضربات قالت إنها تستهدف «حزب الله» في بيروت والمناطق الجنوبية من البلاد حيث أطلقت أيضا عملية برية.


إغلاق «هرمز» مجدداً يعقّد المفاوضات


مروحيتان هجوميتان أميركيتان من طراز «إيه إتش-64 أباتشي» تحلّقان فوق مضيق هرمز (سنتكوم)
مروحيتان هجوميتان أميركيتان من طراز «إيه إتش-64 أباتشي» تحلّقان فوق مضيق هرمز (سنتكوم)
TT

إغلاق «هرمز» مجدداً يعقّد المفاوضات


مروحيتان هجوميتان أميركيتان من طراز «إيه إتش-64 أباتشي» تحلّقان فوق مضيق هرمز (سنتكوم)
مروحيتان هجوميتان أميركيتان من طراز «إيه إتش-64 أباتشي» تحلّقان فوق مضيق هرمز (سنتكوم)

أعادت إيران، السبت، إغلاق مضيق هرمز بعد ساعات من فتحه بصورة محدودة، مطالبة بإنهاء الحصار الأميركي على موانئها، في خطوة زادت المفاوضات الجارية تعقيداً، وأعادت التوتر إلى الممر البحري الحيوي.

وجاء القرار بعدما أكدت واشنطن أن إعادة فتح المضيق لا تعني رفع الحصار البحري. وقال الجيش الأميركي إن 23 سفينة امتثلت لأوامره بالعودة إلى إيران منذ بدء تنفيذ الحصار البحري. وجاءت التطورات في حين كان يسود ترقب بشأن تحديد جولة ثالثة من المحادثات، بوساطة إسلام آباد.

ومع إغلاق المضيق، أطلق قاربان لبحرية «الحرس الثوري» النار على ناقلة شمال شرقي عُمان من دون تحذير لاسلكي، في حين نقلت «رويترز» عن ثلاثة مصادر في الأمن البحري والشحن أن سفينتين تجاريتين على الأقل تعرضتا لإطلاق نار أثناء محاولة العبور. وقالت الهيئة إن الناقلة وطاقمها بخير، في حين استدعت الهند سفير طهران بعد تعرض سفينة تحمل شحنة نفط خام لهجوم.

وفي واشنطن، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن المحادثات مع إيران «تسير على نحو جيد جداً»، لكنه اتهم طهران بمحاولة إعادة إغلاق المضيق، مضيفاً: «لا يمكنهم ابتزازنا». ولوّح بعدم تمديد الهدنة التي تنتهي الأربعاء إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق طويل الأمد، مؤكداً استمرار الحصار، في حين أفادت «وول ستريت جورنال» بأن الجيش الأميركي يستعد للصعود على متن ناقلات مرتبطة بإيران، والاستيلاء على سفن تجارية في المياه الدولية، مع استعداد الجانبين لاحتمال استئناف القتال.

وفي طهران، لوّح محمد رضا عارف، النائب الأول للرئيس الإيراني، برفض تمديد الهدنة، قائلاً: إما أن يمنحونا حقوقنا على طاولة المفاوضات أو ندخل ساحة المعركة.

وقال قائد عمليات هيئة الأركان علي عبداللهي إن «هرمز» عاد إلى «الوضع السابق» تحت رقابة مشددة، في حين أن رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف اتهم ترمب بطرح «ادعاءات كاذبة».

وأفاد مجلس الأمن القومي بأن طهران تراجع مقترحات نقلها قائد الجيش الباكستاني عاصم منير، الذي أنهى مساء الجمعة زيارة إلى طهران استغرقت ثلاثة أيام.


«الأمن القومي» الإيراني يدخل على خط السجال حول المفاوضات

صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان
صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان
TT

«الأمن القومي» الإيراني يدخل على خط السجال حول المفاوضات

صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان
صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان

دخل مجلس الأمن القومي الإيراني على خط السجال الداخلي المتصاعد بشأن إدارة المفاوضات مع الولايات المتحدة، بعد موجة انتقادات طالت وزير الخارجية عباس عراقجي واتهامات للجهات الرسمية بالغموض وسوء إدارة المعلومات، خصوصاً بعد إعلانه فتح مضيق هرمز بصورة مؤقتة.

وجاء تدخل المجلس في محاولة لتوضيح مسار محادثات إسلام آباد، وشروط الهدنة المؤقتة، وآلية فتح المضيق، في وقت كانت فيه منابر مقربة من «الحرس الثوري» تصعّد هجومها على وزارة الخارجية، وتطالب بتفسير ما جرى للرأي العام، بينما توزعت المواقف داخل مؤسسات الحكم بين الدعوة إلى الانضباط الإعلامي، والمطالبة بتشدد أكبر، والتشكيك في جدوى التفاوض نفسه.

وفي بيان مطول، قالت الأمانة العامة لمجلس الأمن القومي إن الرسائل والطلبات الأميركية لوقف إطلاق النار وبدء التفاوض بدأت منذ اليوم العاشر للحرب، بعد ما وصفته بـ«فشل الأعداء المعتدين» في الميدان العسكري.

وأضافت الأمانة العامة التي يترأسها القيادي في «الحرس الثوري»، محمد باقر ذو القدر، أن الجمهورية الإسلامية قبلت إجراء مفاوضات إسلام آباد في اليوم الأربعين للحرب، بعد إعلان رسمي من الرئيس الأميركي قبول الخطة الإيرانية المكونة من عشرة بنود إطاراً لمفاوضات إنهاء الحرب.

وأوضح البيان أن المحادثات استمرت 21 ساعة متواصلة، وأن الوفد الإيراني طرح مطالب الشعب الإيراني «بجدية وبروح مبادرة» رغم انعدام الثقة العميق بواشنطن، لكن الطرف المقابل عاد، بحسب البيان، وطرح مطالب جديدة ومبالغاً فيها خلال التفاوض، ما أدى إلى انتهاء الجولة من دون نتيجة محددة وتأجيل استئنافها إلى وقت لاحق.

وأوضح البيان أيضاً أن مقترحات أميركية جديدة طُرحت في الأيام الأخيرة عبر الوسيط الباكستاني، وأنها قيد المراجعة حالياً من دون أن تقدم رداً بعد. وشدد على أن الوفد الإيراني «لن يقدم أي تنازل أو تراجع» فيما وصفته بـ«المعركة السياسية» لتثبيت ما تحقق ميدانياً.

عاصم منير يتحدث إلى قاليباف على هامش لقائهما في مقر الوزارة الخارجية بطهران اليوم (البرلمان الإيراني)

كما أكد أن من الشروط الأساسية لقبول وقف إطلاق النار المؤقت وقف العمليات في جميع الجبهات، بما فيها لبنان. وقال إن إصرار طهران أفضى إلى وقف إطلاق نار في لبنان، على أن يُفتح مضيق هرمز بصورة مؤقتة ومشروطة حتى نهاية فترة الهدنة لعبور السفن التجارية فقط، وليس السفن الحربية أو غير العسكرية التابعة لـ«دول معادية»، وذلك تحت إشراف القوات المسلحة الإيرانية وبموجب مسارات محددة.

وأضاف أن اعتماد «القواعد الأميركية» في الخليج على الإمدادات عبر مضيق هرمز يمثل تهديداً للأمن القومي الإيراني، وأن طهران ستواصل فرض الرقابة والسيطرة على الملاحة حتى انتهاء الحرب بالكامل وتحقيق سلام مستدام في المنطقة. وأوضح أن تنظيم حركة العبور يتم عبر الحصول على معلومات كاملة عن السفن، وإصدار تصاريح وفق القواعد الإيرانية المعلنة، وفرض رسوم تتعلق بالأمن والسلامة وحماية البيئة. كما شدد على أن استمرار ما وصفه بمحاولات «العدو» لعرقلة الملاحة أو فرض حصار بحري سيُعد خرقاً لوقف إطلاق النار، وسيؤدي إلى منع أي فتح مشروط أو محدود للمضيق.

وينتهي بيان المجلس بدعوة تحض الإيرانيين على الحفاظ على اليقظة والتماسك الوطني، مع التأكيد على ضرورة نجاح المسار الدبلوماسي إلى جانب تثبيت نتائج الميدان.

وجاء هذا التوضيح بعدما صعّدت وكالتا «فارس» و«تسنيم»، التابعتان لـ«الحرس الثوري»، لهجتهما تجاه طريقة إدارة الملف. ودعت «فارس» المسؤولين إلى تفسير «الصمت» حيال التطورات الأخيرة، واعتبرت أن المجتمع الإيراني دخل في «هالة من الارتباك»، متسائلة: إذا كانت مصلحة البلاد تقتضي عدم نشر تفاصيل المفاوضات أو التطورات الأخيرة، فلماذا لا يُشرح للشعب سبب هذا النهج وضرورة تجنب الشفافية؟

أما «تسنيم» فذهبت أبعد في انتقادها، ووصفت تغريدة عراقجي بشأن المضيق بأنها «سيئة وناقصة» وتمثل «سوء تقدير كاملاً في إيصال المعلومات»، معتبرة أنها نُشرت من دون شروح كافية، وأثارت غموضاً واسعاً بشأن شروط العبور وآلياته وأدت إلى موجة انتقادات كان يمكن تفاديها.

وطالبت «تسنيم» وزارة الخارجية بإعادة النظر في طريقة إدارتها لهذا الملف، بل دعت إلى تدخل مجلس الأمن القومي لوضع آلية أكثر تماسكاً لضبط الرسائل الصادرة عن المؤسسات الرسمية، بما فيها الخارجية.

وقالت الوكالة إن ما ينشره المسؤولون على منصة «إكس»، حتى إن كان موجهاً إلى الخارج أو مكتوباً بالإنجليزية، ينعكس أيضاً على الداخل الإيراني، وإن أي رسالة تثير القلق أو الإحباط تُعد إخلالاً بالتماسك الداخلي.

وفي الساعات الأولى من نشر تغريدة عراقجي، سارعت «فارس» و«تسنيم» إلى نشر معلومات على لسان مصدر مطلع قريب من الأمن القومي بشأن تفاصيل الشروط المرتبطة بإعادة الفتح المؤقت للمضيق، مؤكدتين أن استمرار الحصار البحري سيُعد انتهاكاً لوقف إطلاق النار، وأن العبور يقتصر على السفن التجارية غير المرتبطة بدول معادية، وفق مسارات محددة وتنسيق مع القوات الإيرانية.

وسرعان ما امتدت ردود الفعل إلى شخصيات إعلامية وسياسية مقربة من «الحرس الثوري». فكتب نظام موسوي، المدير المسؤول السابق لصحيفة «جوان»، أن ثقة الناس بالمسؤولين المفاوضين «لا تعني تجاهل الرأي العام»، موجهاً رسالة مباشرة إلى المسؤولين: «قولوا شيئاً».

وذهب نشطاء آخرون، من بينهم علي قلهكي، إلى انتقاد ما وصفوه بـ«الوضع الإعلامي المتردي»، خصوصاً بعد تعارض مضمون تغريدة عراقجي مع توضيحات لاحقة صدرت عن مصدر عسكري عبر التلفزيون الإيراني.

وفي الاتجاه نفسه، دعا حسن عباسي، المنظّر الاستراتيجي المقرب من «الحرس الثوري»، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، علي أكبر ذو القدر، إلى تعيين متحدث «قدير ومتاح دائماً» للمجلس، مطالباً بإنهاء ما وصفه بـ«فتنة الإشاعات والغموض والحيرة» في أذهان الرأي العام.

وامتد السجال أيضاً إلى شخصيات برلمانية ومحلية. فقال النائب مرتضى محمودي إنه «لولا ظروف الحرب» لكان قد جرى استجواب عراقجي بسبب تغريدته، متهماً وزير الخارجية بأنه لعب مراراً دوراً مهدئاً لأسواق النفط والطاقة العالمية بتصريحات «غريبة وغير مناسبة» في لحظات حساسة.

وزير الخارجية عباس عراقجي خلال لقاء قاليباف ومنير في طهران اليوم (البرلمان الإيراني)

وقال عمدة طهران، المحافظ المتشدد علي رضا زاكاني، إن طاولة المفاوضات كان يفترض أن تكون امتداداً ومكملاً للميدان، وإن أي قرار أساسي يجب أن يظل منسجماً مع توجيهات المرشد الإيراني وبموافقته. كما اعتبر أن أي صحة في الرواية الأميركية بشأن استمرار الحصار تعني أن وقف إطلاق النار نُقض وأن إيران لا تزال «في وسط الحرب».

وفي المعسكر الأكثر تشدداً، صعّد عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان، محمود نبويان، هجومه على مسار التفاوض، وقال إن المفاوضات مع الولايات المتحدة «لن تصل إلى نتيجة»، وإن إيران ستواصل الحرب حتى «الهزيمة الكاملة لترمب ونتنياهو». وأضاف أن مسؤولية السيطرة على مضيق هرمز تعود حصراً إلى بحرية «الحرس الثوري»، ولا يحق لأي جهة أخرى التدخل.

وكشف نبويان عن قرار داخل لجنة الأمن القومي يقضي بمنع عبور السفن العسكرية الأميركية من المضيق، ومنع سفن الدول التي «تمنح قواعد للعدو» من المرور أيضاً.

كما قال وزير الاقتصاد السابق، إحسان خاندوزي، إن المرور عبر مضيق هرمز يجب أن يكون فقط للدول غير المتخاصمة وبشرط تحصيل رسوم، محذراً من أن تُسوّق الولايات المتحدة رفع الحصار البحري كأنه امتياز لإيران، ومشدداً على أن باب الحوار يجب أن يُغلق ما دام الحصار قائماً.

في المقابل، صدرت دعوات إلى قدر من الانضباط الإعلامي من داخل الجهاز التنفيذي. فقد قال علي أحمدنيا، رئيس دائرة الإعلام الحكومي، إن ما وصفه بـ«العمليات النفسية وصناعة الإنجازات عبر التغريدات» يتطلب الحذر، مؤكداً ضرورة الحفاظ على الوحدة وعدم خدمة «مخطط العدو» من دون قصد.

وأضاف أن فريق الدبلوماسية يعمل في إطار استراتيجية «العزة والمصلحة والحكمة» للدفاع عن حقوق إيران في الإعلام وعلى طاولة المفاوضات. وقال وزير الثقافة السابق، محمد مهدي إسماعيلي، إن الاستراتيجية الأميركية في المفاوضات تقوم على «أخذ كل شيء من دون تقديم أي مقابل».

فيما دخلت مؤسسات أخرى على الخط، من بينها السلطة القضائية التي طالب رئيسها، غلام حسين محسني إجئي، بملاحقة الولايات المتحدة وإسرائيل قضائياً ودفعهما تعويضات عن الحرب.

تأتي هذه الخلافات في وقت تشير فيه تقديرات استخباراتية أميركية وغربية إلى أن الحرب الأميركية - الإسرائيلية أضعفت آلية صنع القرار داخل إيران، بعد مقتل عدد من كبار القادة وتضرر منظومة القيادة والسيطرة.

ووفق هذه التقديرات، باتت قنوات التواصل بين مراكز القرار أكثر تعقيداً، فيما يواجه المسؤولون صعوبات في التنسيق وعقد الاجتماعات، وسط مخاوف من الاستهداف.

كما تعزز نفوذ التيار المتشدد داخل «الحرس الثوري» على حساب مؤسسات أخرى، في ظل غموض يحيط بحدود سلطة المرشد الجديد مجتبى خامنئي، الذي لم يظهر علناً منذ توليه المنصب، فيما تعتقد أجهزة استخبارات أميركية وإسرائيلية أنه أصيب خلال الحرب.

ويرى مسؤولون أن هذا المشهد انعكس على أداء المفاوضين، الذين يعملون في بيئة تتسم بتعدد مراكز القرار وتباين الرسائل، ما يزيد صعوبة بلورة موقف تفاوضي موحد أو تقديم تنازلات واضحة.