من «روابط القرى» إلى «إمارة الخليل»... قصة مخطط إسرائيلي عمره 60 سنة

فلسطينيون في القدس أحرقوا سيارة أحد أبرز داعمي فصل مدينة الخليل عن السلطة

فلسطينيون يصلون صلاة الجنازة على أحد قتلى القوات الإسرائيلية بجنوب مدينة الخليل في الضفة الغربية أغسطس 2024 (أ.ف.ب)
فلسطينيون يصلون صلاة الجنازة على أحد قتلى القوات الإسرائيلية بجنوب مدينة الخليل في الضفة الغربية أغسطس 2024 (أ.ف.ب)
TT

من «روابط القرى» إلى «إمارة الخليل»... قصة مخطط إسرائيلي عمره 60 سنة

فلسطينيون يصلون صلاة الجنازة على أحد قتلى القوات الإسرائيلية بجنوب مدينة الخليل في الضفة الغربية أغسطس 2024 (أ.ف.ب)
فلسطينيون يصلون صلاة الجنازة على أحد قتلى القوات الإسرائيلية بجنوب مدينة الخليل في الضفة الغربية أغسطس 2024 (أ.ف.ب)

بعد ثلاثة أيام فقط من الزوبعة التي أثارها تقرير عن محاولة بناء «إمارة» في مدينة الخليل الفلسطينية، وفصلها عن السلطة الوطنية، أحرق شبان فلسطينيون في بلدة العيساوية بالقدس الشرقية المحتلة، مساء الثلاثاء، سيارة يملكها أبرز وجه ممن تبنوا الدعوة، ويدعى وديع الجعبري، أمام بيته في المدينة.

ووثقت مقاطع مصورة نشرها ناشطون عبر وسائل التواصل الاجتماعي لحظة إضرام النيران في السيارة، وسط هتافات غاضبة ضد الجعبري، مؤكدين أنه واحد من الفلسطينيين المقدسيين القلائل الذين حصلوا على الجنسية الإسرائيلية. وشددوا على أنه «عملياً، لا يستطيع التحدث باسم الخليل، ولا أن يسلخها عن الجمع الفلسطيني».

فلسطيني يُشعل النار بإطار سيارة في مدينة الخليل بالضفة الغربية يوليو 2024 (أ.ف.ب)

ونشرت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية، تقريراً، قبل أيام، وروّجته بكثافة وسائل إعلام إسرائيلية، نقل عمن زعم أنهم «21 شخصاً (بينهم الجعبري) من شيوخ القبائل الفلسطينية في الخليل»، قاموا بتوجيه رسالة باللغة العبرية إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تطالب بإطلاق مفاوضات معهم كي ينضموا إلى «الاتفاقيات الإبراهيمية»، وبالتبعية إسقاط «حلّ الدولتين»، الذي يعول عليه الفلسطينيون لبناء دولتهم.

وتشير المعلومات إلى أن الجعبري يحمل الجنسية الإسرائيلية، وليس مقيماً في الخليل، وهو ما يتوافق مع تبرؤ عائلته من دعوته بعد ساعات من إعلانها، وجددوا تمسكهم بالعمل مع كيان السلطة الوطنية.

من بدأ الفكرة؟

منذ نحو 60 عاماً كان أول من طرح فكرة تقسيم الضفة الغربية إلى إمارات تدار مدنياً بقوى محلية تحت السيطرة الأمنية الإسرائيلية هو الجنرال بنيامين بن إليعازر، عندما كان أول حاكم عسكري للضفة الغربية في نهاية الستينات تحت قيادة موشيه ديان، وزير الدفاع.

وعمل إليعازر الذي أصبح لاحقاً وزيراً للدفاع شهوراً طويلة برفقة شلومو غازيت، أول منسق لأعمال الحكومة في المناطق المحتلة، وأصبح لاحقاً رئيساً لشعبة الاستخبارات العسكرية، وتطور المشروع لاحقاً ليعرف باسم «روابط القرى»، التي بدأت أيضاً في الخليل، ولكن الفلسطينيين رفضوها، وأفشلوها.

وبعد تجارب طويلة وعنيفة لتطبيق هذا الحل، توصل ديان وبن إليعازر وغازيت إلى الاستنتاج بأنه يبدو «اقتراحاً مستحيل التطبيق». وراحوا يؤيدون حلاً يقوم على أساس مبدأ «دولتين للشعبين».

موشي ديان على جبهة الجولان السورية يوم 18 أكتوبر 1973 (أ.ف.ب)

وعادت الفكرة إلى التداول في عام 2008، وبادر إليها قادة مجلس الاستيطان اليهودي في الضفة الغربية، وراحوا يعقدون لقاءات استعراضية مع فلسطينيين أسموهم في ذلك الوقت أيضاً «مشايخ»، واختاروا بالضبط أولئك الذين يحرضون على «منظمة التحرير الفلسطينية» والسلطة الوطنية بدعوى أنها «فاسدة»، ويعارضون فكرة قيام دولة فلسطينية مستقلة.

كانت الخطة موجهة هذه المرة أيضاً ضد رئيس الوزراء الإسرائيلي في ذلك الوقت، إيهود أولمرت، الذي عرض على الرئيس الفلسطيني محمود عباس تصوراً لإقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس على أساس حدود 1967.

وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي، بنيامين نتنياهو، في المعارضة، آنذاك، وساند هذا النشاط، ونفذ المحاولات يوسي دغان، الذي يرأس مجلس المستوطنات حالياً، وينتمي إلى الليكود، ويمضي جل وقته في الولايات المتحدة ليجند اللوبي الصهيوني للضغط على الرئيس دونالد ترمب، حتى يؤيد قراراً إسرائيلياً بضم الضفة الغربية إلى إسرائيل.

اسم جديد للخطة

وخلال موجة 2008 لجأ الإسرائيليون إلى استخدام اسم «كانتونات»، حتى يتهربوا من اسم «روابط القرى» سيئ السمعة، لكن هدفهم كان تقويض فكرة أولمرت لإقامة «دولة فلسطينية منزوعة السلاح على مساحة 95 في المائة من الضفة الغربية و100 في المائة من قطاع غزة، مع الحفاظ على 80 في المائة من المستوطنات اليهودية، وتعويض الفلسطينيين عنها بمنحهم أراضي بمساحة مساوية من الأراضي التي تقوم عليها دولة إسرائيل منذ العام 1948، وتكون عاصمتها القدس الشرقية».

وقد امتنعت السلطة الفلسطينية عن إعطاء رد رسمي، مع أن الرئيس محمود عباس قال إنه يؤيدها، وحينها تم إسقاط أولمرت عن الحكم بعد التحقيق معه في قضية فساد.

رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود أولمرت (يمين) مع رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو في الكنيست 2009 (غيتي)

وفي سنة 2009، التقى يسرائيل كاتس، وزير الدفاع الحالي الذي كان وزيراً للمواصلات، مجموعة من النشطاء الفلسطينيين من الخليل، وتباحث معهم في فكرة تخفيض مكانة السلطة الفلسطينية إلى حكم ذاتي مدني يتكون من عدة مجموعات سكانية جغرافية، وتبين أنه فعل ذلك من دون تنسيق مع رئيس حكومته، نتنياهو، فتوقف. وجرت محاولات أضعف نسبياً في عام 2011 لإحياء الخطة، لكن من دون جدوى.

تفكيك ومزاعم عن فوارق

في سنة 2019، طرح مجدداً المستشرق الإسرائيلي مردخاي كيدار الخطة وسماها «مشروع الإمارات»، وانطلق من الادعاء بأنه «لا يوجد شعب فلسطيني»، زاعماً أن «القومية الفلسطينية هي أسطورة وهمية، ولا تفلح في التستر على الفوارق ما بين ثقافة نابلس ورام الله والخليل، وأن اتفاقيات أوسلو فشلت، ويجب تفكيك السلطة الفلسطينية الإرهابية، وفرض السيادة الإسرائيلية على يهودا والسامرة (التسمية العبرية للضفة الغربية)، والتعاون مع المشايخ المحليين، وفرض نزع السلاح».

فلسطينيون خلال احتجاج على الاستيطان قرب الخليل بالضفة الغربية أبريل الماضي (رويترز)

ويتهكم الفلسطينيون على المشروع وخلفيته، ويقولون إن «هنالك فوارق سحيقة أيضاً بين اليهود، الروسي مقابل المغربي، والإثيوبي مقابل الأشكنازي، فلماذا يعتبرون شعباً، بينما الفلسطينيون لا يصلحون شعباً؟».

ماذا تحمل الخطة الجديدة؟

بحسب ما نشرت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية، قبل أيام، فإن هؤلاء الشيوخ المزعومين من الخليل يريدون اعترافاً متبادلاً مع إسرائيل وإقامة «سلام» على غرار «الاتفاقيات الإبراهيمية». وبحسب مصادر عبرية فإن إسرائيل ستعترف بتلك الإمارات المحلية، مقابل اعترافها بالسيادة الإسرائيلية الكاملة على المناطق «ج»، والمناطق غير المأهولة في «ب».

وفي اليمين الإسرائيلي يرون هذه المبادرة فرصة لتفكيك السلطة الفلسطينية بالتدريج، ومن دون أن ينشأ فراغ في منظومة الحكم، ومن دون حاجة إلى تنازلات من إسرائيل عن الأرض.

علم فلسطين وخلفه شوارع خالية في مدينة الخليل بالضفة الغربية المحتلة أبريل 2024 (أ.ف.ب)

وذكرت الصحيفة الأميركية أن في مقدمة المبادرين الشيخ وديع الجعبري، وهو واحد من الشخصيات المركزية في الخليل، وجاء في الرسالة الموجهة إلى الحكومة أن المشايخ يتعهدون بالاعتراف بإسرائيل بوصفها دولة قومية للشعب اليهودي، وإقامة إمارة محلية مستقلة تمثل الشعب العربي في الخليل والمنطقة.

اللافت أن ما نشرته الصحيفة لم يكن تقريراً إخبارياً، بل مقال رأي نشره الصحافي أليوث كاوفمان، وهو رئيس قسم رسائل القراء في الصحيفة.

ويعرف عن كاوفمان بأنه مقرب من نتنياهو ونير بركات، وزير الاقتصاد، الذي تولى مهمة التواصل مع الجعبري.

وأظهر بيان وقع عليه شيوخ عائلة الجعبري (12 شيخاً) في الخليل أن وديع الجعبري ليس منهم، ولا ينتمي إلى الخليل، بل يسكن في القدس، ويحمل جنسية إسرائيلية، وليس مخولاً بالحديث باسمهم.

محاولات مستمرة

ورغم ذلك، فإن القيادة الإسرائيلية تحاول تطبيق ذلك باستمرار، إذ قالت صحيفة «معاريف» إن «إسرائيل تدير اتصالات مع شيوخ وقبائل أخرى في شتى أنحاء السلطة الفلسطينية. والانطلاق هو من الفهم بأن المجتمع الفلسطيني ليس رزمة واحدة وتجري فيها اختلافات كبيرة وجدية في اللغة والثقافة والهوية وتظهر بوضوح في كل من الخليل ونابلس وجنين وغيرها من المناطق. في كل مدينة كبيرة تسيطر عائلات وحمائل أساسية ذات قوة وموارد ضخمة وتستطيع أن تتصرف كقيادة».

فلسطيني يقطف الزيتون من حقله في قرية غرب الخليل أكتوبر 2024 (أ.ف.ب)

لكن الصحف العبرية أشارت إلى أنَّ قادة جهاز الأمن العام (الشاباك) والمؤسَّسة العسكرية الإسرائيلية يُبدون تحفُّظات كبيرة على هذه الخطة، ويرونها فاشلة من البداية. وأكدت مصادر أمنية أنَّ السلطة الفلسطينية تظلُّ شريكاً أساسياً في حفظ الأمن في الضفَّة، وتحذِّر من فوضى محتملة حال تفكيكها من دون بديل منظَّم. وتساءل الجنرال الإسرائيلي المتقاعد، غادي شمني: «كيف يمكن التعامل مع عشرات العائلات المسلَّحة، لكل منها نظامها؟ ستكون كارثة».


مقالات ذات صلة

فرنسا تنظم مؤتمراً لدعم «حل الدولتين» بمقاطعة إسرائيلية وأميركية

شؤون إقليمية ماكرون خلال زيارته معرض «كنوز غزة» في معهد العالم العربي ويظهر ممسكاً بخريطة «فلسطين» مرسومة على قماش (أرشيفية - أ.ف.ب)

فرنسا تنظم مؤتمراً لدعم «حل الدولتين» بمقاطعة إسرائيلية وأميركية

اجتماع في باريس لـ«حل الدولتين» يوجّه «خريطة طريق» إلى قادة «مجموعة السبع»، وسط مخاوف من بقاء الملف الفلسطيني بعيداً عن اهتمامات الأطراف الفاعلة دولياً.

شؤون إقليمية يحضر الاجتماع وزراء خارجية ومسؤولون كبار من عشرات الدول ويُعقد مع مرور عام على إعلان نيويورك المدعوم من الأمم المتحدة الذي وضع خريطة طريق نحو إقامة دولة فلسطينية (رويترز)

مؤتمر في فرنسا يحشد دعماً دولياً للدفاع عن حل الدولتين

تجتمع منظمات مجتمع مدني إسرائيلية وفلسطينية في فرنسا، الجمعة، لحث المجتمع الدولي على عدم التخلي عن حل الدولتين.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شؤون إقليمية ماكرون خلال زيارته معرض «كنوز غزة» في معهد العالم العربي يوم الاثنين ويظهر ممسكاً بخريطة «فلسطين» مرسومة على قماش (أ.ف.ب) p-circle

فرنسا تسعى لإعادة إحياء «حل الدولتين» عبر المجتمع المدني

تسعى فرنسا إلى إحياء «حل الدولتين» مستعينة بمجموعات المجتمع المدني وتستضيف الاجتماع الثاني الموسع لـ«نداء باريس» الذي ينطلق الجمعة في معهد العالم العربي.

ميشال أبونجم (باريس)
المشرق العربي شرطيان إسرائيليان يقفان في منطقة «إي 1» قرب مستوطنة «معاليه أدوميم» خارج القدس في الضفة الغربية (أرشيفية - أ.ف.ب) p-circle 11:06

تهديد ألماني يُعرقل «مؤقتاً» مسار إقامة مستوطنات «إي 1» بالقدس

اعترفت جهات إسرائيلية بأن موقفاً ألمانياً ظهر مؤخراً عرقل «مؤقتاً» مشروع البناء الاستيطاني المعروف باسم «إي – 1» على الأقل لعدة شهور مقبلة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
أوروبا وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (رويترز)

فرنسا تستضيف اجتماعاً مخصصاً لحل الدولتين في يونيو

أعلن وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، الخميس، أن باريس ستستضيف اجتماعاً دولياً في 12 يونيو (حزيران) مخصصاً لحل الدولتين للنزاع الإسرائيلي - الفلسطيني.

«الشرق الأوسط» (باريس)

تركيا: إمام أوغلو يلمح لتأسيس حزب جديد بقيادة أوزيل لتجاوز أزمة «الشعب الجمهوري»

رئيس بلدية إسطنبول المحتجز أكرم إمام أوغلو رافعاً يد أوزغور أوزيل عقب إعلان فوزه برئاسة حزب «الشعب الجمهوري» خلال المؤتمر العام للحزب في 2023 الذي أبطله القضاء التركي في مايو الماضي (حساب الحزب في إكس)
رئيس بلدية إسطنبول المحتجز أكرم إمام أوغلو رافعاً يد أوزغور أوزيل عقب إعلان فوزه برئاسة حزب «الشعب الجمهوري» خلال المؤتمر العام للحزب في 2023 الذي أبطله القضاء التركي في مايو الماضي (حساب الحزب في إكس)
TT

تركيا: إمام أوغلو يلمح لتأسيس حزب جديد بقيادة أوزيل لتجاوز أزمة «الشعب الجمهوري»

رئيس بلدية إسطنبول المحتجز أكرم إمام أوغلو رافعاً يد أوزغور أوزيل عقب إعلان فوزه برئاسة حزب «الشعب الجمهوري» خلال المؤتمر العام للحزب في 2023 الذي أبطله القضاء التركي في مايو الماضي (حساب الحزب في إكس)
رئيس بلدية إسطنبول المحتجز أكرم إمام أوغلو رافعاً يد أوزغور أوزيل عقب إعلان فوزه برئاسة حزب «الشعب الجمهوري» خلال المؤتمر العام للحزب في 2023 الذي أبطله القضاء التركي في مايو الماضي (حساب الحزب في إكس)

تتصاعد التكهنات في أروقة السياسة في تركيا حول توجه رئيس حزب «الشعب الجمهوري» المعارض المنتخب أوزغور أوزيل، الموقوف مؤقتاً عن قيادة الحزب، وفريقه إلى تأسيس حزب جديد على الرغم من تأكيداته المتكررة أنه لن يجبر على هذه الخطوة إلا في حال استنفاد جميع السبل لاستعادة قيادة حزب المعارضة الأكبر والأقدم في البلاد.

وفي إشارة صريحة إلى إمكانية ظهور هذا الحزب، الذي ترجح استطلاعات الرأي أن يصوت له أكثر من 33 في المائة من الناخبين، حال تأسيسه، أكد رئيس بلدية إسطنبول مرشح «الشعب الجمهوري» لانتخابات الرئاسة المقبلة، المحتجز، أكرم إمام أوغلو، على جاهزيتهم لإطلاق حزب جديد مشدداً على أنه لن يتم السماح للحكومة الحالية برئاسة الرئيس رجب طيب إردوغان بالفوز مرة أخرى في الانتخابات.

وقال إمام أوغلو إن حزب «الشعب الجمهوري» ابتعد عن موقعه كحزب رائد على طريق السلطة بعد قرار قضائي صدر في 21 مايو (أيار) الماضي بإعادة رئيس الحزب السابق وفريقه إلى قيادة الحزب مؤقتاً لحين فصل محكمة النقض بشكل نهائي في 20 يوليو (تموز) المقبل في دعوى «البطلان المطلق» لمؤتمره العام الذي عقد في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، وانتخب فيه أوزيل رئيساً للحزب، عاداً أن هذا الوضع داخل الحزب ليس مجرد أزمة إدارية، بل هو تطور يُؤثر في النظام الديمقراطي في تركيا.

حزب جديد

ووصف إمام أوغلو، في تصريحات لقناة «إيلكه» المحلية على هامش محاكمته في قضية الفساد والرشوة في بلدية إسطنبول، المستمرة منذ نحو 3 أشهر في قاعة ملحقة بسجن سيليفري المحتجز به بعد اعتقاله في 19 مارس (آذار) 2025، إعادة كليتشدار أوغلو إلى قيادة الحزب بقرار قضائي مؤقت بأنها «تعليق لإرادة الحزب».

تستمر محاكمة إمام أوغلو بتهمة الفساد وسط تأييد شعبي لترشيحه للرئاسة (رويترز)

وأشار إلى أن كليتشدار أوغلو، الذي وصفه بـ«العدو الداخلي» و«الوصي الذي يتحرك بيد إردوغان»، يحاول عرقلة عقد المؤتمر العام للحزب لانتخاب رئيسه وأعضاء مجالسه بزعم الإجراءات الاحترازية المفرضة من قبل المحكمة، قائلاً: «لا ينبغي للأمة أن تأخذ كليتشدار أوغلو وإدارته على محمل الجد».

وذكر إمام أوغلو أن نحو 1000 من مندوبي الحزب وقعوا على طلب عقد مؤتمر عام استثنائي للحزب في المدة القانونية المحددة في ميثاقه، وهي 45 يوماً من تاريخ تسليم الطلبات التي ستقدم في مقر الحزب، الأربعاء.

ولفت إلى أنه في حال استمرار عرقلة عقد المؤتمر، قد تظهر مسارات سياسية جديدة (تأسيس حزب سياسي جديد)، مضيفاً: «نحن على أتم الاستعداد سياسياً وروحياً وجسدياً، لتسريع مسيرة الأمة، لا إبطائها، وأود أن يعلم الجميع أننا لن نسمح بمنح هذه الحكومة انتخابات أخرى».

وشدد إمام أوغلو على أنه لا يزال مرشحاً للرئاسة بأصوات ملايين من الشعب التركي وأنه سيواصل نضاله السياسي، واصفاً اعتقاله في 19 مارس 2025 بأنه «انقلاب على إرادة الأمة»، مضيفاً أن الدولة لا يمكن أن تستمر إلا بالعدالة وسيادة الأمة المطلقة، وأن من يعرف الحقيقة، ومن يدفع ثمن هذه القضية، سينتصر، بغض النظر عن الحزب الذي ينتمي إليه، سيفوز من لا يهمه سوى الأمة، وسيخسر من لا يهمه سوى السلطة.

استطلاعات رأي

بالتوازي، كشف استطلاع للرأي أجرته شركة «أريا» ونشرت نتائجه، الثلاثاء، أن 33.3 في المائة من المشاركين أكدوا أنهم سيصوتون إلى الحزب الذي سيؤسسه أوزيل وفريقه إذا اتخذ قراراً بذلك، وأن حزب «العدالة والتنمية» الحاكم سيحصل على 30.8 في المائة من الأصوات.

تزايدت شعبية أوزيل وبات مرشحا محتملا قويا للرئاسة بعد أزمة عزله المؤقت من رئاسة حزب «الشعب الجمهوري» (إ.ب.أ)

وأظهر استطلاع آخر، أجرته مؤسسة أنقرة للأبحاث والاستشارات (أنك-آر)، بشأن المنافسة على رئاسة تركيا بين أوزيل حال قرر الترشح، والرئيس رجب طيب إردوغان، حصول أوزيل على نسبة 39.7 في المائة، وإردوغان على 36 في المائة من الأصوات، ما يعني عدم حسم نتيجة الانتخابات من الجولة الأولى.

في السياق، أعطى رئيس حزب «الحركة القومية»، الحليف الأقرب لإردوغان، تأكيداً لاحتمال إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقررة في 7 مايو 2028 قبل موعدها، لافتاً إلى ما أعلنه كبير مستشاري إردوغان للشؤون القانونية، محمد أوتشوم، الاثنين، بشأن احتمال إجراء الانتخابات في 16 أبريل (نيسان) من ذلك العام، عبر تقديم الرئاسة طلب للبرلمان لتجديد الانتخابات.

بهشلي أبدى دعماً لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقررة في عام 2028 قبل معدها لفتح الباب لترشيح إردوغان مجدداً للرئاسة (الرئاسة التركية)

وقال بهشلي، الذي يعد حزبه الشريك الأساسي لحزب «العدالة والتنمية» في «تحالف الشعب»، إن هذا لا يعد تغييراً في أجندة الانتخابات أو إجراء انتخابات مبكرة كما تطالب المعارضة، بغض النظر عن أي تغييرات طفيفة في الجدول الزمني، مضيفاً: «رئيسنا يواصل أداء واجبه، ونحن ندعمه».

استمرار الاعتقالات

في غضون ذلك، نفذت السلطات التركية حملة اعتقالات في بلدية «بيلكدوزو» في إسطنبول، التابعة لحزب «الشعب الجمهوري»، فجر الثلاثاء، اعتقل خلالها 27 شخصاً في إطار تحقيق تجريه النيابة العامة بشأن ارتكاب مخالفات.

مظاهرة لأنصار حزب «الشعب الجمهوري» احتجاجاً على حملات الاعتقالات في البلديات التابعة له (حساي الحزب في إكس)

لأنظمة تقسيم المناطق وتجاوزات في تراخيص البناء في 4 مواقع مختلفة من خلال اختيار شركات مشاركة في بعض مشاريع «شركة إمام أوغلو للإنشاءات» المملوكة لوالد رئيس بلدية إسطنبول المحتجز، مسبقاً؛ ما أدى إلى تشييد مبانٍ مخالفة للتراخيص، وتواطؤ هذه الشركات للتغاضي عن المخالفات.

كما قررت النيابة العامة في إسطنبول توقيف 10 من أصل 18 مشتبهاً بهم في تحقيق فساد استهدف بلدية سيليفري، بمن فيهم رئيس البلدية بورا بالجي أوغلو، وتم الإفراج عن الـ 8 الآخرين مع وضعهم تحت إشراف قضائي.


إيران تسابق المفاوض اللبناني لإنجاز انسحاب إسرائيلي من الجنوب

لبنانية تضع العَلَم اللبناني على كتفيها وتتفقد الدمار في ساحة مدينة النبطية بجنوب لبنان (إ.ب.أ)
لبنانية تضع العَلَم اللبناني على كتفيها وتتفقد الدمار في ساحة مدينة النبطية بجنوب لبنان (إ.ب.أ)
TT

إيران تسابق المفاوض اللبناني لإنجاز انسحاب إسرائيلي من الجنوب

لبنانية تضع العَلَم اللبناني على كتفيها وتتفقد الدمار في ساحة مدينة النبطية بجنوب لبنان (إ.ب.أ)
لبنانية تضع العَلَم اللبناني على كتفيها وتتفقد الدمار في ساحة مدينة النبطية بجنوب لبنان (إ.ب.أ)

يتسابق مساران لتحقيق الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلة، يتمثل الأول في المفاوضات اللبنانية المباشرة مع إسرائيل، التي تُعقد جلستها الخامسة، يوم الاثنين المقبل، في واشنطن، في حين تضغط إيران لإنجاز الانسحاب قبل التوصل إلى اتفاق نووي مع واشنطن، خلال فترة الستين يوماً. وأبلغت «حزب الله» بأنها لن تُوقِّع الاتفاق قبل الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية، وفق ما قال مصدر في «الثنائي الشيعي»، لـ«الشرق الأوسط».

ويتمسك لبنان، منذ البدء، بالمحادثات المباشرة مع إسرائيل، بجملة مطالب؛ أبرزها الانسحاب الكامل للقوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية التي توغّلت إليها خلال الحرب.

نازحة من الجنوب ترفع عَلَم إيران إلى جانب عَلَم «حزب الله» خلال عودتها (رويترز)

ولم يأتِ التفاهم المعلَن بين واشنطن وطهران على ذكر هذه المسألة، وفق البنود المسرَّبة منه، لكن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قال، الثلاثاء، إن إنهاء الحرب لن يكتمل «دون انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي احتلتها في هذه الحرب». وأضاف، في اجتماع مع دبلوماسيين أجانب بثّه التلفزيون الرسمي: «أي هجوم عسكري من قِبل الكيان الصهيوني على لبنان من الآن فصاعداً، واستمرار احتلال الأراضي اللبنانية من الآن فصاعداً، سيُعدّ انتهاكاً لمذكرة التفاهم، من وجهة نظرنا».

مسار المفاوضات اللبنانية

في المقابل، تمضي الدولة اللبنانية في جولة المفاوضات الجديدة المُزمع انعقادها، يوم الاثنين المقبل، في واشنطن، وتمتد حتى يوم الأربعاء، وتناقش التطورات ضِمن جلسات أمنية ودبلوماسية.

وأفادت الرئاسة اللبنانية، في بيان، بأن رئيس الجمهورية جوزيف عون، ورئيس الحكومة نواف سلام، بحثا، الثلاثاء، «التحضيرات الجارية لانعقاد الجولة المقبلة من المفاوضات اللبنانية الأميركية الإسرائيلية في واشنطن، الأسبوع المقبل». وعدَّ عون وسلام أن «التفاهم الأميركي الإيراني يشكل عاملاً إيجابياً على صعيد خفض التوتر في المنطقة ويدفع في اتجاه الحلول السلمية وإنهاء حالة الحرب». وأكدا، في الوقت نفسه، «ثبات الموقف اللبناني في مفاوضات واشنطن لجهة الوقف النهائي لإطلاق النار وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي تحتلها وانتشار الجيش اللبناني حتى الحدود الدولية وعودة الأسرى اللبنانيين وإطلاق مَسيرة الإعمار».

انسحاب تدريجي يُستكمل خلال 60 يوماً

وتسير إيران و«حزب الله» بمسار موازٍ. وقالت مصدر في «الثنائي الشيعي»، لـ«الشرق الأوسط»، إن الاتفاق بين إيران والولايات المتحدة «ينص على وقف إطلاق النار ووقف الاعتداءات الإسرائيلية وضمانة وحدة الأراضي اللبنانية»، مضيفة أن «هذا الأمر يفترض التزاماً إسرائيلياً بذلك، بضمانة الولايات المتحدة». وتابع المصدر: «أُبلغ (حزب الله) من الجانب الإيراني بأن إسرائيل، وبعد توقيع الاتفاق، يوم الجمعة المقبل، يجب أن تبدأ الانسحاب التدريجي من داخل الأراضي اللبنانية المحتلّة، وتستكمل الانسحاب، بشكل نهائي، قبل موعد توقيع الاتفاق النووي مع إيران»، أي ضِمن مهلة الستين يوماً. وقال المصدر: «جرى إبلاغ الحزب بأن طهران لن تُوقِّع الاتفاق النووي مع واشنطن، قبل الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية».

رجل دين شيعي يتفقد الركام في بلدة معروب بجنوب لبنان بعد عودته من رحلة النزوح (إ.ب.أ)

ووجّه أمين عام «حزب الله»، نعيم قاسم، الثلاثاء، رسالة شكر لرئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف؛ «لإلزام الكيان الإسرائيلي بالوقف الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات؛ بما فيها لبنان، ربطاً بوقف الحرب على إيران، كبندٍ أول وأساس للاتفاق بين إيران وأميركا».

قاليباف وبري

في غضون ذلك، تداول رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، ورئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف، في اتصال هاتفي، المستجدّات الميدانية والسياسية المتصلة بمذكرة التفاهم التي وُقِّعت بين الولايات المتحدة وإيران، ولا سيما البند المتضمن إنهاء الحرب الإسرائيلية على لبنان.

آليات للجيش اللبناني تنتشر في بلدة بئر السلاسل وسط حشود العائدين إلى البلدة بجنوب لبنان بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ (أ.ب)

وأفادت رئاسة البرلمان اللبناني بأن قاليباف وبري «شدّدا على وجوب أن تضطلع الولايات المتحدة الأميركية والجهات الضامنة لمذكرة التفاهم والمجتمع الدولي بمسؤولية إلزام إسرائيل بإنهاء حربها ووقف هدم القرى واحترام سيادة لبنان والانسحاب الفوري من الأراضي التي احتلتها».

تشكيك خصوم «حزب الله»

في مقابل ذلك، شكّك خصوم «حزب الله» في الداخل اللبناني بقدرة إيران على فرض انسحاب من الأراضي اللبنانية.

ورأى أعضاء تكتل «الجمهورية القوية» البرلماني، وأعضاء الهيئة التنفيذية في حزب «القوات اللبنانية»، بعد اجتماع استثنائي، أن أي اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران «يبقى شأناً يتعلق بالدولتين المعنيتين». وقالوا، في بيان: «وقف إطلاق النار الوارد في الاتفاق هو عام ويتعلق بمنطقة الشرق الأوسط، وليس له أي انعكاسات عملية على لبنان؛ لأن الذي يقاتل في لبنان هو إسرائيل وليس أميركا». واتهموا طهران بـ«تقديم خدمات لفظية إلى (حزب الله) ليكمل القتال تحقيقاً لأهدافها».

لبنانية عائدة إلى مدينة النبطية بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ (أ.ب)

وأكد المجتمعون أن «المطلوب بعد كل ما عاناه الشعب اللبناني ليس مجرد وقف لإطلاق النار وإبقاء القديم على قدمه، وإيران و(حزب الله) هما الجزء الأساسي من هذا القديم، بل وقف كامل للحروب المتتالية التي مزقت لبنان وأفقرته، وقد آن الأوان لتحقيق ذلك عبر حلّ التنظيمات العسكرية غير الشرعية، وفي طليعتها (حزب الله)». ودعّم المجتمعون المسار التفاوضي المباشر مع إسرائيل؛ «لأن هذا هو المدخل الوحيد للخلاص من الحروب في لبنان، والوصول إلى دولة فعلية تستعيد علاقات لبنان العربية والدولية».

من جهته، شدّد حزب «الكتائب اللبنانية» على أن لبنان «غير معنيّ بأي اتفاق يتناول لبنان سوى ذلك الذي تنخرط فيه الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية المنتخَبة من الشعب اللبناني وعبر الأطراف المفوّضين رسمياً بالتفاوض باسمهم في واشنطن، وهم يضطلعون بدورهم بهدف استعادة سيادته وقراره الحُر، تحقيق الانسحاب الإسرائيلي ووقف الاعتداءات مع استكمال تنفيذ قرارات الحكومة لجهة حصر السلاح بيد الدولة واستعادة القرار الأمني الكامل».


خبراء إسرائيليون يعدون الحرب «خطأً استراتيجياً» مع إيران

 نتنياهو يعقد مؤتمراً صحافياً في القدس الاثنين (أ.ب)
نتنياهو يعقد مؤتمراً صحافياً في القدس الاثنين (أ.ب)
TT

خبراء إسرائيليون يعدون الحرب «خطأً استراتيجياً» مع إيران

 نتنياهو يعقد مؤتمراً صحافياً في القدس الاثنين (أ.ب)
نتنياهو يعقد مؤتمراً صحافياً في القدس الاثنين (أ.ب)

حذر علماء وخبراء أمنيون إسرائيليون من أن مذكرة التفاهم التي وقعتها الولايات المتحدة وإيران قد تمنح طهران فرصة لتسريع الوصول إلى السلاح النووي خلال فترة الستين يوماً المخصصة للمفاوضات، معتبرين أن إدارة الحرب من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو دفعت القيادة الإيرانية إلى اعتبار التسلح النووي «ضرورة ملحة».

وقال تقرير موسع نشرته صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية، بعد ساعات من المؤتمر الصحافي الذي تحدث فيه نتنياهو، مساء الاثنين، عن «الإنجازات» التي تحققت في الحرب بالتنسيق مع ترمب، إن مذكرة التفاهم التي وقعها ترمب ونائبه جي دي فانس ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف: «ليست اتفاقاً سيئاً فحسب، بل قد تتحول إلى فرصة حقيقية تجعل إيران دولة نووية».

وأضافت الصحيفة أن المجموعة التي أطلقت هذا التحذير تضم عشرات من علماء الذرة والجنرالات والمسؤولين الأمنيين الحاليين والسابقين الذين تابعوا المشروع النووي الإيراني على مدى العقود الثلاثة الماضية، ويملكون، وفق التقرير، معرفة واسعة بما يدور داخل مؤسسات الحكم الإيرانية.

ونقلت الصحيفة عن رافي ميرون، النائب السابق لرئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي، قوله إن تطورين أساسيين حصلا في إيران خلال السنوات الأخيرة: الأول أن اليورانيوم وصل إلى مستوى تخصيب يقترب من الاستخدام العسكري؛ إذ إن نسبة تخصيب تبلغ 60 في المائة تكفي للانتقال سريعاً إلى نسبة 90 في المائة المطلوبة لإنتاج سلاح نووي، إلى جانب امتلاك إيران نحو 21 ألف جهاز طرد مركزي متطور.

أما التطور الثاني، بحسب ميرون، فهو امتلاك إيران المعرفة الهندسية اللازمة لتحويل المواد المخصبة إلى مكونات تسليحية.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب على هامش قمة مجموعة السبع في مدينة إيفيان لي بان الفرنسية، الثلاثاء (أ.ب)

وقال ميرون: «لا أقول إن كل شيء مكتمل في المشروع، لكنني واثق بأن الإيرانيين ليسوا أغبياء كما يعتقد البعض لدينا». وأضاف أن نتنياهو نفسه أدرك خطورة هذا المسار منذ عام 2012 عندما بدأ حملته الدولية ضد البرنامج النووي الإيراني.

وأشار إلى أن السنوات الماضية شهدت «حرب ظلال» ضد إيران، شملت عمليات اغتيال وهجمات سيبرانية وسرقة الأرشيف النووي الإيراني، إضافة إلى ضربات عسكرية مباشرة وخطابات سياسية في الكونغرس الأميركي، لكن النتيجة الحالية، وفق تعبيره، هي أن إيران تمتلك كمية من اليورانيوم المخصب تكفي لإنتاج نحو 12.5 قنبلة نووية، بينها 11 قنبلة يمكن تصنيعها من مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة.

وبحسب التقرير، يرى هؤلاء الخبراء أن إدارة الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران كانت «فاشلة استراتيجياً»، ليس بسبب ضعف العمليات العسكرية، بل لأن الضربات، رغم شدتها، لم تستهدف جوهر المشكلة المرتبط بمخزون اليورانيوم المخصب.

وأضافوا أن الضربات العسكرية، إلى جانب الحديث المتكرر عن إسقاط النظام الإيراني، دفعت القيادة الإيرانية إلى الشعور بأنها تخوض «معركة حياة أو موت»، الأمر الذي شجعها على تسريع العمل على المشروع النووي، بالتوازي مع خوض مفاوضات هدفت، بحسب وصفهم، إلى انتزاع هدنة تمنح طهران وقتاً إضافياً للعمل بهدوء.

واعتبر التقرير أن اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، الذي وصفه بأنه كان يبطئ الاندفاع نحو الخيار النووي، أسهم في تعزيز القناعة داخل النظام الإيراني بأن امتلاك السلاح النووي أصبح «ضمانة بقاء».

وقال ميرون إن إيران تواجه الآن خيارين: إما التوجه إلى اتفاق فعلي والتعاون مع الرقابة الدولية، أو استغلال مهلة الستين يوماً لتسريع إنتاج القنبلة النووية. وأضاف أن ما يراه البعض في إسرائيل والولايات المتحدة سبباً لتشديد الحرب وإسقاط النظام، يُنظر إليه داخل طهران بوصفه «بوليصة تأمين» للنظام.

وخلص الخبراء، وفق الصحيفة، إلى أن الحرب لم تُبعد إيران عن السلاح النووي، بل ربما قربتها منه أكثر، وحسّنت موقعها الاستراتيجي.

وأضاف التقرير أن انشغال ترمب ونتنياهو حالياً بتقديم الاتفاق بوصفه «انتصاراً» لأسباب سياسية وانتخابية داخلية، يعكس، بحسب هؤلاء الخبراء، تجاهلاً للخطر الحقيقي، ويمنح إيران فرصة لمواصلة العمل من دون ضغوط كافية، بما قد يؤدي إلى «مفاجأة شبيهة بما فعلته كوريا الشمالية».

وتمسّك نتنياهو، في أول ظهور له بعد الإعلان عن الاتفاق، بأن الحرب حققت أهدافها الأساسية، معتبراً أن الضربات الأميركية - الإسرائيلية «أنقذت إسرائيل من خطر الإبادة النووية».

وقال إن الحملة استهدفت «كل هدف ممكن» في البنية التحتية الإيرانية، بما في ذلك المنشآت النووية ومصانع الصواريخ والعلماء النوويون وقادة «الحرس الثوري».

وأضاف نتنياهو أن أي اتفاق مع إيران يجب أن يكون مدعوماً بـ«تهديد عسكري ذي مصداقية»، قائلاً إن هذا العنصر «لم يكن موجوداً في السابق لكنه موجود الآن». وشدد على أن إسرائيل «لن تسمح لإيران أبداً بامتلاك سلاح نووي، سواء تم التوصل إلى اتفاق أم لا».

وفي ما يتصل بالجبهات الإقليمية، أكد نتنياهو أن القوات الإسرائيلية ستواصل البقاء في «المناطق الأمنية» في لبنان وغزة وسوريا «ما دام ذلك ضرورياً»، مضيفاً أن إسرائيل لن تسمح للفصائل المسلحة بالتمركز قرب حدودها أو إعادة بناء قدراتها العسكرية.