إيران تشدد على تخصيب اليورانيوم... وتفتح الباب للمفتشين الأميركيين

غروسي: لا يمكننا الجزم بإمكانية التوصل إلى اتفاق من عدمها

TT

إيران تشدد على تخصيب اليورانيوم... وتفتح الباب للمفتشين الأميركيين

غروسي يتحدث إلى الصحافيين بمقر «الوكالة الدولية للطاقة الذرية» في فيينا (أ.ب)
غروسي يتحدث إلى الصحافيين بمقر «الوكالة الدولية للطاقة الذرية» في فيينا (أ.ب)

أعلن محمد إسلامي، رئيس «المنظمة الإيرانية للطاقة الذرية»، استعداد بلاده لقبول وجود مفتشين أميركيين في منشآتها النووية ضمن مهام «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، شريطة التوصل إلى اتفاق نووي مع واشنطن، فيما قال وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، إن بلاده «لا تمزح» مع أي طرف بشأن تخصيب اليورانيوم.

في الوقت ذاته، وصف رافاييل غروسي، مدير «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، المفاوضات الجارية بين إيران والولايات المتحدة بأنها «مستمرة، وهذا مؤشر إيجابي»، لكن «لا يمكن الجزم في الوقت الحالي بما إذا كان سيُتوصل إلى اتفاق أم لا».

وتستعد طهران وواشنطن لعقد الجولة السادسة من المحادثات بشأن البرنامج النووي الإيراني، وسط توقعات لدى الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، بإعلان «أخبار جيدة» قريباً.

وقال إسلامي للصحافيين، على هامش اجتماع الحكومة: «من الطبيعي ألا يُسمح لمفتشين من دول معادية بالدخول، ولكن في حال التوصل إلى اتفاق نووي، فقد نسمح لمفتشين أميركيين عاملين لدى (الوكالة الدولية للطاقة الذرية) بزيارة مواقعنا النووية».

ويشكل الأميركيون أكبر جنسية بين موظفي «الوكالة» وفق تقرير «الوكالة» لعام 2023.

إسلامي يشرح للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان نماذج من أجهزة الطرد المركزي في معرض للبرنامج النووي الشهر الماضي (الرئاسة الإيرانية)

وأضاف المسؤول الإيراني أن «التخصيب هو أساس وركيزة الصناعة النووية في البلاد. لنفترض أنه يُسمح لشخص ما بامتلاك محطة كهرباء فرعية وشبكة كهرباء، لكن لا يُسمح له بإنشاء محطة طاقة».

ويأتي عرض إسلامي في حين نفت طهران خلال الأيام الأخيرة حصولها على مبادرات أو حلول وسط، من بينها مقترح عُماني لوقف تخصيب اليورانيوم لمدة 6 أشهر أو 3 سنوات، مقابل تخفيف العقوبات الأميركية في إطار اتفاق مؤقت.

نزاع التخصيب

واختلفت إيران والولايات المتحدة بشأن مسألة تخصيب اليورانيوم، فواشنطن تَعدّه وسيلة محتملة لتطوير أسلحة نووية وتطالب بوقفه نهائياً، بينما تصر طهران على أن تخصيبها اليورانيوم خط أحمر لا يمكن الاقتراب منه.

وقال وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، الأربعاء، إن بلاده «لا تمزح» بشأن تخصيب اليورانيوم، مرجحاً تحديد موعد الجولة الجديدة من المفاوضات مع واشنطن خلال أيام.

واحتج عراقجي على ما نشره السفير البريطاني لدى الولايات المتحدة، بيتر ماندلسون، على منصة «إكس» بشأن تأييده مواقف المسؤولين الأميركيين بخصوص وقف البرنامج الإيراني لتخصيب اليورانيوم.

وقال ماندلسون الثلاثاء في ندوة للمجلس الأطلسي بواشنطن: «منذ الثورة الثيوقراطية، لم تكن إيران في وضع أضعف مما هي عليه الآن. إنها منهكة من العقوبات الاقتصادية، ومنهكة من الضربات القاسية التي تعرضت لها جماعاتها الوكيلة، وأضعف بسبب تنامي الرأي العام، خاصة بين الشباب، الذي يبتعد عن النظام. إيران ضعيفة. لكنها لا تزال تحتفظ بمنشآت تخصيب يمكن أن تنتج... قنبلة نووية. وهذا أمر لا يمكننا قبوله»، وقال: «يجب على إيران وقف جميع أنشطة تخصيب اليورانيوم».

وأضاف: «لذا فإن بريطانيا تدعم بقوة مبادرة الرئيس الأميركي للتفاوض على إزالة منشآت التخصيب والمنشآت المرتبطة بها في إيران. نحن ندعم ما يقوم به ستيف ويتكوف، المبعوث الأمريكي الخاص للشرق الأوسط، في مفاوضاته التي تحرز بعض التقدم».

وقال عراقجي إن «إيران مستمرة بحسن نية في التفاعل متعدد الأطراف مع بريطانيا وباقي الأعضاء الأوروبيين في الاتفاق النووي، حتى في ظل عدم رغبة الولايات المتحدة في إشراكهم بمسار المفاوضات الحالي».

وأضاف: «إذا كان موقف بريطانيا هو فرض (صفر تخصيب) في إيران، وهو انتهاك صريح لمعاهدة حظر الانتشار النووي والتزامات بريطانيا بصفتها عضواً في الاتفاق، فلن يبقى موضوع للنقاش بيننا بشأن الملف النووي».

«تفتيش صارم»

وبينما بدا أن المحادثات تسير في طريق مسدود في ظل تأكيد الولايات المتحدة مراراً أنه لا ينبغي السماح لإيران بتخصيب اليورانيوم إطلاقاً وتأكيد طهران أن هذا خط أحمر لأن التخصيب هو حقها غير القابل للتنازل عنه، صرح رافاييل غروسي، مدير «الوكالة الدولية للطاقة الذرية» التابعة للأمم المتحدة، بأن سد هذه الفجوة ليس مستحيلاً.

وقال: «أعتقد أن هناك على الدوام حلاً. ليس من المستحيل التوفيق بين وجهتي النظر».

وأشار إلى أن المفاوضات النووية بين إيران والولايات المتحدة «لا تزال نتائجها غير محسومة»، لكنه وصف استمرارها بأنه «مؤشر إيجابي»، وفقاً لوكالتي «أسوشييتد برس» و«رويترز».

وقال غروسي للصحافيين في فيينا: «في الوقت الراهن، الحكم لا يزال معلقاً. لا يمكننا الجزم بما إذا كان سيُتوصل إلى اتفاق أم لا».

وأشار غروسي إلى تواصله شبه اليومي مع وزير الخارجية الإيراني، بالإضافة إلى محادثاته مع المبعوث الأميركي الخاص للشرق الأوسط ستيف ويتكوف.

وأعرب عن اعتقاده أن «مسار المحادثات يعكس رغبة حقيقية في التوصل إلى اتفاق، وهو أمر ممكن في حد ذاته». وأبدى تفاؤله بإمكانية التوصل إلى اتفاق بين الطرفين، حتى مع الخلافات بشأن مسألة التخصيب، مشيراً إلى أن «الوكالة» قدّمت «بعض الاقتراحات» للطرفين، دون الكشف عن تفاصيلها.

وأضاف أن أي اتفاق مستقبلي يتطلب إجراء «تحقيق دقيق وصارم» من قبل «الوكالة الدولية» في البرنامج الإيراني؛ «يجب أن يكون شرطاً أساسياً، وأنا متأكد من أنه سيكون كذلك لأنه يعني التزاماً جدياً للغاية من جانب إيران لفهم وضعه الحالي بعد سنوات من القيود التي فرضتها طهران على عمليات التفتيش».

وقال غروسي: «أدعو زملائي الإيرانيين دائماً إلى الشفافية المطلقة. وهم يؤكدون لي أن السلاح النووي يخالف الدين الإسلامي، وأنا أقول لهم: (حسناً؛ هذا تصريح أقدره، ولكن في هذا المجال يجب إثبات ذلك، ويجب التحقق منه».

ومع ذلك لم يُشر غروسي إلى ضرورة استئناف إيران تنفيذ البروتوكول الإضافي، وهو اتفاق بين الوكالة والدول الأعضاء يُوسع نطاق إشراف الوكالة ليشمل عمليات تفتيش مفاجئة للمواقع غير المعلنة. وطبقته إيران بموجب اتفاق عام 2015 حتى انسحاب الولايات المتحدة منه في 2018.

وأوقفت إيران العمل بالبروتوكول الإضافي الملحق بمعاهدة حظر الانتشار في فبراير (شباط) 2021، في بداية عهد الرئيس الأميركي السابق جو بايدن.

ورداً على سؤال بشأن إذا كان يقصد تطبيق البروتوكول، قال غروسي «أنا عملي جداً»، وأضاف أن هذا لم يكن موضوعاً في المحادثات. ورغم أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية ليست جزءاً من المحادثات، فإنه على تواصل مع الجانبين بمن فيهم المبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف.

وقال غروسي: «لا أعتقد أنهم يناقشون الأمر بهذه الطريقة. لا أرى أن النقاش يدور حول المعايير القانونية الواجب تطبيقها أو عدم تطبيقها. أميل إلى عدّ هذا أمراً أكثر تخصصاً».

غروسي يتحدث إلى الصحافيين بمقر «الوكالة الدولية للطاقة الذرية» في فيينا (أ.ب)

وأفاد غروسي بأن ماسيمو أبارو، نائب مدير «قسم الضمانات» في «الوكالة»، موجود في طهران حالياً، وهو المكلف إرسال المفتشين لمراقبة البرنامج النووي الإيراني.

وتفيد «الوكالة الدولية للطاقة الذرية» بأن إيران هي الدولة الوحيدة غير الحائزة سلاحاً نووياً التي تخصّب اليورانيوم عند نسبة 60 في المائة، وهو مستوى عالٍ؛ أي إنها باتت قريبة من نسبة 90 في المائة الضرورية لصنع سلاح نووي، مشيرة إلى أنها تواصل تخزين المواد الانشطارية بكميات كبيرة. وكان الاتفاق المبرم عام 2015 يحد من نسبة تخصيب اليورانيوم من جانب إيران عند مستوى 3.76 في المائة.

وقبل تصريحات غروسي، وجّه قائد «الحرس الثوري»، الجنرال حسين سلامي، تحذيراً حاداً إلى الولايات المتحدة، قائلاً: «أصابعنا على الزناد، ونحن في كمين وننتظر. إذا ارتكبوا خطأً، فسيتلقون ردوداً فورية تجعلهم ينسون ماضيهم تماماً».

وفي وقت سابق من هذا الشهر، قال غروسي، في حوار صحافي، إن «الوكالة» تجري تفتيشاً دورياً للمنشآت النووية الإيرانية، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى «شكوك بشأن مناطق رمادية، وكثيراً من الأنشطة الإيرانية».

وأبدى غروسي قلقه من تداعيات أي هجوم إسرائيلي على المنشآت النووية الإيرانية. محذراً بأن ذلك «لن يؤدي بالضرورة إلى حل جذري، بل قد يُشعل صراعاً أوسع».

ولم تستبعد إسرائيل توجيه ضربة إلى المنشآت النووية الإيرانية خلال الأشهر المقبلة، في حين يصر رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، على أن أي محادثات يجب أن تؤدي إلى تفكيك البرنامج النووي الإيراني بالكامل.

وكرر الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، تهديده بشن ضربات جوية تستهدف البرنامج النووي الإيراني في حال إخفاق التوصل إلى اتفاق، بينما حذر مسؤولون إيرانيون باحتمال سعي بلادهم إلى امتلاك سلاح نووي باستخدام مخزونهم من اليورانيوم.


مقالات ذات صلة

بابا الفاتيكان يندد بقتل المحتجين في إيران ويؤكد رفضه للحرب

شؤون إقليمية البابا ليو الرابع بابا الفاتيكان داخل طائرة خلال عودته إلى روما (أ.ب)

بابا الفاتيكان يندد بقتل المحتجين في إيران ويؤكد رفضه للحرب

ندد البابا ليو بابا الفاتيكان بشدة بقتل المحتجين في إيران، وذلك بعدما انتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب البابا الأسبوع الماضي لعدم قيامه بذلك.

«الشرق الأوسط» (الفاتيكان)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

ترمب يسعى لصفقة مع إيران و«رواية انتصار» تصاحب إنهاء الحرب

في لحظةٍ تتقاطع فيها حسابات الحرب مع رهانات السياسة، رفع الرئيس الأميركي دونالد ترمب سقف تهديداته مرةً أخرى ضد إيران.

هبة القدسي (واشنطن)
شؤون إقليمية جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ) p-circle

تقرير: إصابة مجتبى خامنئي «بالغة»... لكنه بكامل وعيه

أفادت صحيفة «نيويورك تايمز» بأن المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي أُصيب بجروح بالغة جراء الضربة الجوية الأميركية - الإسرائيلية التي اغتيل فيها والده.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس (أ.ب)

كاتس: ننتظر الضوء الأخضر الأميركي لاستكمال القضاء على «سلالة خامنئي»

أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن الدولة العبرية «مستعدة لاستئناف الحرب ضد إيران»، مشيراً إلى أنها تنتظر موافقة الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
الولايات المتحدة​ صورة نشرها «الحرس الثوري» لزورق حربي يبحر في مضيق هرمز (أ.ف.ب)

حرب إيران... هدنة معلّقة ومضيق مخنوق

في لحظة بين اللاحرب واللاسلم تبدو المنطقة أمام معادلة مزدوجة: مسار تفاوضي لم يمت لكنه لم يُولد مجدداً، ووقف إطلاق نار لم ينهِ القتال بل نقله من الجو إلى البحر.

إيلي يوسف (واشنطن)

بابا الفاتيكان يندد بقتل المحتجين في إيران ويؤكد رفضه للحرب

البابا ليو الرابع بابا الفاتيكان داخل طائرة خلال عودته إلى روما (أ.ب)
البابا ليو الرابع بابا الفاتيكان داخل طائرة خلال عودته إلى روما (أ.ب)
TT

بابا الفاتيكان يندد بقتل المحتجين في إيران ويؤكد رفضه للحرب

البابا ليو الرابع بابا الفاتيكان داخل طائرة خلال عودته إلى روما (أ.ب)
البابا ليو الرابع بابا الفاتيكان داخل طائرة خلال عودته إلى روما (أ.ب)

ندد البابا ليو بابا الفاتيكان، اليوم الخميس، بشدة بقتل المحتجين في إيران، وذلك بعدما انتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب البابا الأسبوع الماضي لعدم قيامه بذلك، في ‌حين انتقد ‌الحرب الأميركية ‌الإسرائيلية على إيران.

كما استنكر ليو، وهو أول بابا من الولايات المتحدة، مقتل «عدد كبير جداً» من المدنيين في الحرب، وعبّر عن أسفه لانهيار محادثات السلام ‌الأميركية ‌الإيرانية، وذلك في تصريحات ‌أدلى بها على ‌متن الطائرة لدى عودته إلى روما بعد جولة شملت أربع دول أفريقية.

وقال البابا، ‌رداً على سؤال في مؤتمر صحافي حول تقارير تفيد بأن إيران قتلت آلاف المحتجين: «أندد بجميع الأعمال الظالمة، وأندد بإزهاق الأرواح».

وأضاف، وفقاً لوكالة «رويترز»: «عندما يتخذ نظام، أو دولة، قرارات تزهق أرواح الآخرين ظلماً، فمن البديهي أن هذا أمر يستحق التنديد».

وحث البابا ليو الرابع عشر الولايات المتحدة وإيران على العودة إلى مفاوضات السلام.


ترمب يسعى لصفقة مع إيران و«رواية انتصار» تصاحب إنهاء الحرب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
TT

ترمب يسعى لصفقة مع إيران و«رواية انتصار» تصاحب إنهاء الحرب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

في لحظةٍ تتقاطع فيها حسابات الحرب مع رهانات السياسة، رفع الرئيس الأميركي دونالد ترمب سقف تهديداته مرةً أخرى ضد إيران، ملوّحاً بإصدار أوامر للجيش الأميركي بإطلاق النار وتدمير القوارب الإيرانية التي تعيق حركة الملاحة في مضيق هرمز، وإزالة الألغام من الممر المائي.

ويزيد البعد الزمني من تعقيد المشهد؛ فترمب الذي تعهد بتجنب «الحروب الطويلة»، يواجه ضغوطاً داخلية متزايدة لإنهاء الأزمة بسرعة، خاصة مع اقتراب الانتخابات الفصلية للكونغرس في نوفمبر (تشرين الثاني) وارتفاع أسعار الطاقة نتيجة التوتر في مضيق هرمز.

وفي المقابل، تبدو إيران أكثر استعداداً لتحمل تكلفة الوقت؛ ما يمنحها أفضلية نسبية في معركة الإرادات.

ورغم هذه التحديات، لا تزال واشنطن تراهن على أن مزيج الضغط والمرونة قد يفضي إلى اتفاق. ووفقاً للخبراء، فإن ترمب لا يسعى فقط إلى صفقة مع إيران، بل إلى «رواية انتصار» تصاحب الاتفاق؛ إذ لن يُقاس نجاحه بمضمون الاتفاق فحسب، بل بقدرته على تقديمه بوصفه إنجازاً وانتصاراً يتفوق على إرث أوباما واتفاقية عام 2015 النووية مع إيران.

ومع ذلك، يظل الطريق إلى هذا الهدف مليئاً بالتحديات، من تعقيدات الملف النووي إلى توازنات الداخل الإيراني، مروراً بحسابات السياسة الأميركية.

غضب ترمب ونفاد صبره

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية 18 أبريل (أ.ب)

ويأتي تهديد ترمب بإطلاق النار على القوارب الإيرانية، في ظل غياب مؤشرات واضحة بشأن استئناف محادثات السلام التي استضافتها باكستان سابقاً خلال الأيام المقبلة، مع عدم صدور أي تصريحات حول ترتيبات محتملة لزيارة نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إلى باكستان.

وبدا غضب ترمب ونفاد صبره واضحين في تغريدة أخرى، سخر فيها من الصعوبات التي تواجهها إيران في تحديد قيادتها، مشيراً إلى اقتتال داخلي بين متشددين يتكبدون خسائر فادحة في ساحة المعركة، ومعتدلين وصفهم بأنهم «ليسوا معتدلين على الإطلاق».

ولوّح بأن الولايات المتحدة تسيطر سيطرةً تامة على مضيق هرمز، وأنه لا يمكن لأي سفينة الدخول أو المغادرة دون موافقة البحرية الأميركية، مؤكداً أن الحصار على المضيق «محكم تماماً» إلى أن تتمكن إيران من «إبرام صفقة».

وفسّر محللون هذا التحول في الخطاب الرئاسي الأميركي بوصفه انتقالاً من خطاب الردع إلى خطاب يضع قواعد اشتباك ميدانية دقيقة، تستهدف ضبط السلوك الإيراني في الممرات البحرية دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة.

كما رأوا أن ربط ترمب، في تغريداته على «تروث سوشيال»، بين السيطرة الكاملة على مضيق هرمز وإبقائه مغلقاً حتى توافق إيران على صفقة، يمثل رسالة تجمع بين الضغط العسكري والابتزاز التفاوضي.

وأثار ترمب جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية الأميركية بإعلانه عدم وجود جدول زمني لإنهاء وقف إطلاق النار مع إيران؛ إذ عدَّه البعض تراجعاً عن نهج التصعيد، في حين رآه آخرون مرونة تكتيكية ضمن استراتيجية تفاوضية أوسع.

صيغة توازن دقيقة

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس (أ.ب)

ويبدو أن ترمب يسعى إلى المناورة بين ضغوط الداخل وحسابات الخارج؛ بحثاً عن صيغة توازن دقيقة تمكّنه من الخروج من المواجهة مع إيران دون أن يظهر بمظهر المتراجع، خصوصاً بعد تمديد هدنة وقف إطلاق النار، والتراجع عن بعض تهديداته السابقة، والجدل المستمر حول جدوى الحصار الأميركي في مضيق هرمز لإجبار إيران على تقديم تنازلات.

وتقول أليس إيفرز، الباحثة في مجلس العلاقات الخارجية، إن «جميع خيارات ترمب تنطوي على مخاطر عالية في بيئة تصعيدية صفرية، حيث يسعى كل طرف إلى إجبار الآخر على التراجع». وتضيف أن هذا النمط من التصعيد المتبادل يجعل أي تهدئة مؤقتة مجرد استراحة تكتيكية لا تحولاً استراتيجياً.

ويشير تقرير لصحيفة «واشنطن بوست» الأميركية إلى أن إدارة ترمب انتقلت من خطاب التهديد بالحسم العسكري إلى ما يشبه «نمط الانتظار»، حيث جرى تمديد الهدنة دون سقف زمني واضح، مع الإبقاء على أدوات الضغط الأساسية، وعلى رأسها الحصار البحري والعقوبات الاقتصادية.

ولا يعكس هذا التحول رغبة في تجنب التصعيد فحسب، بل محاولة لصياغة مسار تفاوضي يمنح ترمب فرصة إعلان «انتصار سياسي» في حال التوصل إلى اتفاق.

ووفق هذه القراءة، لا ترى واشنطن في التصعيد الإيراني، بما في ذلك هجمات «الحرس الثوري» على الملاحة في مضيق هرمز، خروجاً عن السيطرة بقدر ما تعدّه جزءاً من «لعبة التفاوض بالقوة». فإيران، التي تواجه ضغوطاً اقتصادية متزايدة، تسعى إلى تحسين شروطها عبر استعراض قدرتها على تهديد أحد أهم شرايين الطاقة العالمية، في حين تراهن الولايات المتحدة على أن استمرار الضغط سيدفع طهران إلى تقديم تنازلات أوسع.

إيران مختلفة

جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)

غير أن هذا الرهان يصطدم بواقع أكثر تعقيداً. فإيران اليوم ليست كما كانت خلال مفاوضات عام 2015، حين وقّعت الاتفاق النووي مع إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما؛ إذ راكمت مخزوناً كبيراً من اليورانيوم عالي التخصيب، ورفعت مستوى خبرتها التقنية في المجال النووي وتخصيب اليورانيوم محلياً؛ ما يجعل العودة إلى القيود السابقة أكثر صعوبة.

وتشير تقارير إلى أن طهران قد تكون مستعدة لتقديم «ضمانات إضافية»، لكنها ترفض بشكل قاطع التخلي الكامل عن حقها في التخصيب.

ويبرز هنا التحدي الأكبر أمام ترمب: كيف يمكنه تحقيق اتفاق «أفضل» من اتفاق 2015 الذي انتقده لسنوات قبل أن ينسحب منه في 2018؟ وتكمن الإجابة، وفق مقربين من الإدارة، في إعادة تعريف «الأفضل»، عبر التركيز على فرض قيود أطول زمناً، وتشديد آليات التفتيش، وربما انتزاع تنازلات تتعلق بمستوى التخصيب ومصير المخزون الحالي.

غير أن هذه المقاربة تنطوي على مفارقة؛ إذ إن بعض الخيارات المطروحة اليوم، مثل الإفراج عن أموال إيرانية مجمدة أو تقديم تخفيف مرحلي للعقوبات، تشبه إلى حد بعيد التنازلات التي انتقدها ترمب سابقاً في اتفاق 2015. وأشارت صحيفة «واشنطن بوست» إلى أن الإدارة الأميركية تواجه «المعضلات ذاتها» التي واجهتها إدارة أوباما، مثل رفع العقوبات وحدود التخصيب.

الانقسامات الداخلية الإيرانية

في السياق ذاته، تلعب الانقسامات داخل إيران دوراً محورياً في الحسابات الأميركية؛ إذ ترى واشنطن أن طهران تشهد صراعاً بين تيار براغماتي يسعى لتخفيف الضغوط والانخراط في تسوية، وتيار آخر متشدد يدفع نحو التصعيد العسكري والمواجهة.

وانعكس ذلك، حسب صحيفة «ذا هيل»، في عدم قدرة الوفد الإيراني على تقديم موقف موحد؛ ما أسهم في تعثر المحادثات في باكستان.

غير أن هذا التفسير لا يخلو من حسابات سياسية؛ فتصوير إيران كطرف «منقسم» يمنح الإدارة الأميركية هامشاً للمناورة؛ إذ يبرر استمرار الضغط من جهة، ويفتح الباب أمام التفاوض مع التيار البراغماتي من جهة أخرى، كما يسمح بطرح أي تقدم، حتى إن كان محدوداً، بوصفه نتيجة مباشرة لهذه الاستراتيجية.

في المقابل، يرى خبراء أن هذا الرهان قد يكون مبالغاً فيه؛ إذ يظهر التاريخ أن النظام الإيراني، رغم خلافاته الداخلية، قادر على التماسك في القضايا الاستراتيجية الكبرى. كما أن استمرار الضغوط قد يعزز نفوذ التيار المتشدد بدلاً من إضعافه؛ ما قد يعقّد فرص التوصل إلى اتفاق.

وتقول سوزان مالوني، نائبة رئيس معهد «بروكينغز»، إن الإيرانيين قد يقبلون بتنازلات في مستويات التخصيب أو الجداول الزمنية، لكنهم لن يتخلوا عن حقهم في التخصيب، وهي العقدة الأساسية التي بقيت قائمة منذ عام 2015.


انخفاض عدد عمليات عبور هرمز وازدياد الحوادث الأمنية

صورة لسفينة شحن تحمل حاويات قالت السلطات الإيرانية إنها كانت تحاول عبور مضيق هرمز (أ.ف.ب)
صورة لسفينة شحن تحمل حاويات قالت السلطات الإيرانية إنها كانت تحاول عبور مضيق هرمز (أ.ف.ب)
TT

انخفاض عدد عمليات عبور هرمز وازدياد الحوادث الأمنية

صورة لسفينة شحن تحمل حاويات قالت السلطات الإيرانية إنها كانت تحاول عبور مضيق هرمز (أ.ف.ب)
صورة لسفينة شحن تحمل حاويات قالت السلطات الإيرانية إنها كانت تحاول عبور مضيق هرمز (أ.ف.ب)

انخفضت عمليات عبور السفن عبر مضيق هرمز، بشكل حاد منذ الأحد الماضي، بسبب الحصار الإيراني والأميركي، في حين تضاعفت الحوادث الأمنية التي تشمل السفن، وفق بيانات جمعتها «وكالة الصحافة الفرنسية».

كانت إيران قد أعلنت، الجمعة الماضي، إعادة فتح المضيق، قبل أن تغلقه مجدداً بعد بضع ساعات، السبت، مشيرة إلى استمرار الحصار الأميركي على موانئها.

وبعد بلوغ ذروة في عمليات العبور شملت 26 ناقلة، في 18 أبريل (نيسان) الحالي، انخفض العدد إلى أدنى مستوى منذ بدء الحرب، وفق بيانات من شركة «كبلر».

وفي الفترة من 19 أبريل إلى 22 منه، لم يَعبر المضيق سوى 18 سفينة، بمعدل 4.5 سفينة يومياً. وبالمقارنة، عبَرَ، بين الأول من مارس (آذار) و17 أبريل، نحو تسع سفن يومياً.

صورة من الأقمار الاصطناعية لمجموعة من الزوارق الصغيرة شمال مضيق هرمز (رويترز)

وكان يجري تسجيل نحو 120 عملية عبور يومية، خلال وقت السلم، وفق موقع المعلومات البحرية «لويدز ليست». وبالتالي، انخفضت حركة العبور حالياً بأكثر من 96 في المائة عن المستويات الطبيعية.

في الوقت نفسه، ازداد عدد الحوادث التي أبلغت عنها السفن في المنطقة. وسجلت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية «يو كاي إم تي أو» و/أو شركة الأمن «فانغارد تك» سبع حوادث أو هجمات منذ السبت. وأكدت المنظمة البحرية الدولية خمساً من تلك الحوادث.

ومنذ بداية الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، جرى تسجيل 38 حادثة من قِبل «يو كاي إم تي أو» و«فانغارد» و/أو المنظمة البحرية الدولية.