الوساطة العمانية محور زيارة الرئيس الإيراني إلى مسقط

طهران تحدثت عن توقيع وثيقة لتعاون طويل الأمد

سلطان عمان هيثم بن طارق يستقبل الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في قصر العلم (الرئاسة الإيرانية)
سلطان عمان هيثم بن طارق يستقبل الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في قصر العلم (الرئاسة الإيرانية)
TT

الوساطة العمانية محور زيارة الرئيس الإيراني إلى مسقط

سلطان عمان هيثم بن طارق يستقبل الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في قصر العلم (الرئاسة الإيرانية)
سلطان عمان هيثم بن طارق يستقبل الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في قصر العلم (الرئاسة الإيرانية)

وصل الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى مسقط، الثلاثاء، في زيارة رسمية تستمر يومين، وسط أجواء ترقب للمحادثات التي ترعاها سلطنة عمان بين إيران والولايات المتحدة بشأن برنامج طهران النووي.

واستقبل سلطان عمان هيثم بن طارق، الرئيس الإيراني في قصر العلم بمسقط، بمراسم استقبال رسمية، تلتها جلسات مشتركة لمناقشة تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين وتطويرها في مختلف المجالات.

وقالت وكالة الأنباء العمانية إنه جرى خلال الجلسة «استعراض عمق العلاقة التاريخية التي تجمع البلدين الصديقين، وتبادل وجهات النظر حول المستجدات الراهنة في المنطقة، والسعي في تعزيز الشراكة العُمانية - الإيرانية لا سيما في مجالات الصناعة والتجارة والتعليم»، إضافة إلى «تعزيز التعاون في الأنشطة اللوجيستية والصحية».

وأفاد بيان للرئاسة الإيرانية بأن بزشكيان أشار إلى الدور «الفعال والبنّاء» لسلطنة عمان في مسار المفاوضات غير المباشرة.

ونقل البيان عن بزشكيان قوله: «نقدر جهود البلد الصديق والأخ عمان في مسار الوساطة في موضوع المفاوضات، ونتمنى أن تؤدي هذه الجهود إلى نتائج جيدة».

وقال بزشكيان إن عُمان «تحظى بمكانة استراتيجية في السياسة الخارجية الإيرانية»، وأضاف: «الجمهورية الإسلامية لديها ثقة كاملة بعمان، وهذه الثقة تزيد من مسؤولية الطرفين في تعزيز العلاقات ومتابعة تفاهمات أعمق وأقوى».

وكان في استقبال بزشكيان على مدرج مطار مسقط كلٌّ من شهاب بن طارق آل سعيد، نائب رئيس الوزراء لشؤون الدفاع، ووزير الخارجية بدر البوسعيدي.

بزشكيان يصافح وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي وشهاب بن طارق آل سعيد نائب رئيس الوزراء لشؤون الدفاع في مطار مسقط (الرئاسة الإيرانية)

وقبيل مغادرته إلى مسقط تلبيةً لدعوة من السلطان هيثم بن طارق، قال بزشكيان إن زيارته إلى مسقط تهدف إلى تعزيز العلاقات الثنائية في مختلف المجالات.

وأوضح بزشكيان أن الزيارة تأتي «في إطار السياسات العامة التي حددها المرشد (علي خامنئي)، وبهدف إقامة أفضل العلاقات مع دول الجوار».

وتؤدي عمان دور الوسيط في المحادثات الجارية بين إيران والولايات المتحدة، التي انطلقت في 12 أبريل (نيسان). واستضافت مسقط ثلاث جولات من أصل خمس جولات، كما احتضنت سفارتها في العاصمة الإيطالية روما، جولتين.

وقال بزشكيان: «سنتعاون مع سلطنة عمان في جميع المجالات الممكنة، كما سنناقش القضايا الإقليمية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية والأوضاع في غزة»، حسبما أوردت وكالة «إيسنا» الحكومية.

وشدد بزشكيان على أهمية تنسيق المواقف الإقليمية، قائلاً: «يجب أن نصل إلى لغة ورؤية مشتركتين بين دول المنطقة؛ لمواجهة ما يجري في غزة من جرائم، لا يمكن لأي صاحب ضمير أن يقبل بها. وسنعبّر عن احتجاجنا في المحافل الدولية».

وفيما يخص العلاقات الاقتصادية، أشار بزشكيان إلى أن حجم التبادل التجاري بين إيران وعمان يبلغ نحو 2.3 مليار دولار، وهو في تصاعد مستمر.

وأضاف: «سنتابع خلال الزيارة ملفات النقل البري والبحري، والتجارة والصناعة، والعلم والتكنولوجيا، والاتصالات، إلى جانب التعاون بين المحافظات والاستثمارات».

وقال بزشكيان للصحافيين: «يرافقنا رئيس غرفة التجارة، فيما وصلت فرق أخرى إلى عمان قبلنا، ونأمل أن تسفر هذه الجهود والتنسيق المسبق عن نتائج ملموسة تسهم في تطوير علاقات أكثر دفئاً وفاعلية بين البلدين».

ووقع البلدان 5 اتفاقيات تعاون، و10 مذكرات تفاهم، و3 برامج تنفيذية، إضافة إلى تدشين طابع بريدي مشترك. وشملت الاتفاقيات الموقّعة التعاون القضائي والقانوني، والتعاون السياسي، وتشجيع وحماية الاستثمارات، والمساعدة الجمركية، إلى جانب اتفاقية للأفضليات التجارية.

كما تم توقيع مذكرات تفاهم في مجالات أمن الطيران، والصحة، والاتصالات، والإعلام، والتعاون المتحفي، وقطاعات أخرى.

نائب الرئيس محمد رضا عارف شارك في مراسم توديع بزشكيان قبيل مغادرته إلى مسقط (الرئاسة الإيرانية)

مبادرة الوسيط العماني

وتحظى الزيارة بأهمية بالغة نظراً للدور الدبلوماسي الذي تلعبه مسقط في الوساطة بين إدارة الرئيس دونالد ترمب، وحكومة مسعود بزشكيان.

وقبل ساعات من وصول بزشكيان إلى مسقط، نقلت وسائل إعلام حكومية عن المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، قوله إن طهران «لن تتخلى عن حقها في استخدام الطاقة النووية لأغراض سلمية، بما في ذلك تخصيب اليورانيوم».

ونقلت وكالة «إيسنا» الحكومية عن بقائي قوله لشبكة «سي إن إن»، إن الوصول إلى اتفاق ممكن إذا كان الهدف منع التسلح النووي، لكنه حذّر من أن محاولة حرمان إيران من حقوقها ستكون «شديدة الإشكالية»، وقد تقوّض العملية التفاوضية.

وأضاف أن إيران ملتزمة بالحفاظ على سلمية برنامجها النووي، مشدداً على أن الإيرانيين «لا يستسلمون للضغط أو التهديد»، وأن طهران ستدافع عن أمنها القومي في مواجهة أي تهديدات عسكرية.

كان بقائي قد أشار، الاثنين، إلى تواصل الفريق التفاوضي الإيراني مع الوسيط العماني؛ لتحديد وقت ومكان الجولة المقبلة من المفاوضات غير المباشرة. وأضاف: «سيعلن الجانب العماني عن هذا الأمر بعد التشاور مع الطرفين (إيران وأميركا)، بمجرد الوصول إلى توافق في هذا الصدد».

ونفى بقائي ما تردد عن احتمال عقد مفاوضات بين إيران والولايات المتحدة خلال زيارة الرئيس الإيراني عُمان، مؤكداً أنه «لا مفاوضات مقررة بين الجانبين على هامش الزيارة»، ووصف ما نُشر في هذا السياق بأنه «غير دقيق».

وأوضح بقائي أن زيارة الرئيس إلى عُمان، المقررة يومي الثلاثاء والأربعاء، تأتي تلبيةً لدعوة من سلطان عُمان، واستكمالاً لزيارته الأخيرة إلى طهران.

وقال بقائي إن «زيارة بزشكيان عُمان كان مُخططاً لها منذ وقت طويل»، لافتاً إلى أن «الزيارة تهدف إلى تعزيز العلاقات الثنائية وتوسيع التعاون بين البلدين». وأوضح أنه «من الطبيعي أن تتناول المباحثات تطورات المنطقة والملف النووي، بما في ذلك مفاوضات إيران وأميركا، لكن ذلك لا يعني وجود مفاوضات مباشرة بين الجانبين خلال هذه الزيارة».

ونفى بقائي صحة تقارير أشارت إلى موافقة إيرانية على مقترح عُماني بشأن وقف تخصيب اليورانيوم لمدة 3 سنوات. وقال: «هذا الكلام غير صحيح».

وبشأن ما إذا كان الطرفان قد ناقشا خلال الجولة الخامسة من المفاوضات إمكانية إبرام اتفاق مؤقت، أجاب بقائي: «الاتفاق المؤقت لم يكن حتى الآن على جدول أعمالنا، ومن الطبيعي ألا يكون هذا الموضوع قد نوقش في هذا الاجتماع».

وأضاف المتحدث، رداً على سؤال عن مبادرة عُمانية لإزالة العقبات من أمام الجولة الخامسة: «من الطبيعي أن تطرح عُمان، بصفتها ميسّرة لهذه العملية، آراءها عندما ترى أنها قادرة على المساعدة، كما أنها تنسق مع طرفي المفاوضات».

وقال وزير الخارجية العماني، بدر البوسعيدي، عقب انتهاء الجولة الأخيرة، إنها أحرزت «بعض التقدم غير الحاسم»، وأضاف: «نأمل توضيح المسائل المتبقية خلال الأيام المقبلة لنتمكن من المضي قدماً نحو الهدف المشترك».

كان وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، قد قال عقب انتهاء الجولة الأخيرة إن نظيره العماني «قدّم بعض الأفكار، وقرّرنا إجراء مزيد من المراجعات الفنية اللازمة عليها في العواصم».

وأوضح عراقجي أن «هذه الحلول قد تكون مفتاحاً للتقدم»، مبدياً ارتياحه، دون أن يقدم تفاصيل.

وقال بقائي، الاثنين، إن هذه الأفكار تأتي «بناءً على مناقشات الطرفين»، وإنها ليست حصرية من الجانب العُماني، وإنما مقدمة من مختلف الأطراف. وقال إن «أي مبادرة يجب أن تأخذ في الحسبان خط إيران الأحمر الواضح في موضوع التخصيب».

ونفت طهران، الأسبوع الماضي، تقريراً من صحيفة «الغارديان» البريطانية عن ضغوط إقليمية واقتراح «تخصيب صفري» لمدة 3 سنوات. وقال مجيد تخت روانجي، نائب وزير الخارجية الإيراني: «لم يُطرَح مثل هذا الأمر، ولن نتنازل عن حقنا في التخصيب مطلقاً».

وقال بقائي: «الأمر الواضح تماماً هو أن مسألة التخصيب جزء لا يتجزأ من حق إيران في امتلاك طاقة نووية سلمية، ولسنا مطلقاً مخوّلين بإظهار أدنى مرونة في هذا الشأن».

وأفادت وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري»، الثلاثاء، عن مسؤول إيراني بارز في الفريق المفاوض النووي، بأن مقترح سلطنة عمان لم يتضمن وقفاً مؤقتاً لعملية تخصيب اليورانيوم. ونفى المسؤول الذي لم تذكر الوكالة اسمه، «ما أشيع بشأن تضمن المقترح العماني بنداً ينص على التوقف المؤقت لمدة 6 أشهر عن التخصيب». وقال: «لن يتوقف التخصيب تحت أي ظرف من الظروف، كما أن المقترح العماني يتضمن الاعتراف بحق إيران في التخصيب».

أتى ذلك رداً على ما قاله النائب أحمد بخشايش أردستاني، عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية، عن رفض طهران مقترحاً عمانياً يقضي بوقف تخصيب اليورانيوم لمدة 6 أشهر. وأضاف، في حديث لموقع «إيران أوبزرفر» الإخباري: «قال لنا العُمانيون: أوقفوا التخصيب مؤقتاً لمدة ستة أشهر، ثم يمكنكم استئنافه لاحقاً، لكن إيران لم تقبل هذا الاقتراح العماني؛ لأنه، استناداً إلى التجارب السابقة، هناك احتمال أن يطالب الطرف المقابل بمزيد من التنازلات».

وتابع: «لقد بلغنا مرحلة نمتلك فيها كمية من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة تكفي لصنع عدة قنابل نووية. فمخزون إيران البالغ 300 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بهذه النسبة يمكن أن يُنتج ما يصل إلى 10 قنابل نووية. وإذا استمرت تهديدات إسرائيل، فلدينا القدرة على رفع مستوى التخصيب إلى ما هو أبعد من ذلك».

ومع ذلك، احتجت صحيفة «جوان»، الناطقة باسم «الحرس الثوري»، على ما تسرب في صحف غربية بشأن ما وصفته بـ«مقترح وسط» قدمته عُمان لأطراف المفاوضات، للتوصل إلى «اتفاق سياسي» للخروج من المأزق التفاوضي، وهو «تعليق التخصيب حتى نهاية مدة ترمب الرئاسية».

وقالت جوان، الاثنين: «إذا كان الأمر كذلك، أو أي مقترح آخر لا يضمن استمرار دورة الوقود والتخصيب بنسبة 20 في المائة وبقاء المواد المخصبة في إيران، فهذا مقترح من طرف واحد، وليس (حلاً وسطاً)».

تعاون اقتصادي

وقال السفير الإيراني لدى سلطنة عمان، موسى فرهنك، إن بزشكيان والسلطان هيثم بن طارق، سيوقّعان وثيقة لتعاون طويل المدى، حسب وكالة «إيسنا» الحكومية.

وأشار السفير إلى توقيع ما لا يقل عن 14 وثيقة تعاون في مجالات سياسية واقتصادية وثقافية خلال زيارة بزشكيان التي تستغرق يومين، من بينها وثيقة إطار التعاون السياسي طويل الأمد التي تحدد آفاق التعاون في المستقبل.

ومن المتوقع توقيع 4 إلى 5 اتفاقيات تعاون مهمة بالإضافة إلى 10 مذكرات تفاهم وتنفيذية بين طهران ومسقط.

وحسب فرهنك، يعيش حالياً نحو 25 ألف إيراني في عمان، وهناك مئات الشركات الإيرانية المسجلة والفاعلة هناك، لافتاً إلى أن حجم العلاقات التجارية بين إيران وعمان ارتفع من 200 مليون دولار قبل نحو 10 سنوات إلى 2.5 مليار دولار حالياً، معتبراً أن هذا النمو يمثل «مساراً ثابتاً» رغم المنافسة الاقتصادية في المنطقة.

وأشار إلى أن العلاقات السياسية القائمة تسهل توسيع التعاون التجاري، مما يمهد الطريق لاتخاذ خطوات أكبر في المستقبل.

وأجرى قيس بن محمد اليوسف، وزير التجارة والصناعة، مباحثات مع محمد فرزين، محافظ البنك المركزي الإيراني، بهدف تعزيز العلاقات الاقتصادية والمالية بين البلدين، وفقاً لوكالة الأنباء العمانية.

وتم خلال اللقاء بحث سبل تعزيز التعاون الثنائي في مجالات التجارة والاستثمار، ومناقشة سبل تسهيل التحويلات المالية وإجراءات التبادل التجاري بين الجانبين. وكان فرزين قد وصل، الأحد، إلى سلطنة عمان، للقاء نظيره العماني ومناقشة سبل تعزيز التعاون النقدي والمصرفي بين البلدين.

وعشية الزيارة، توجه وفد تجاري يضم 85 عضواً من القطاع الخاص الإيراني إلى مسقط، وفقاً للإعلام الرسمي الإيراني.


مقالات ذات صلة

واشنطن تلوّح بمزيد من الضغوط الاقتصادية على طهران

شؤون إقليمية شعلة غاز على منصة إنتاج النفط بجانب العَلَم الإيراني (رويترز)

واشنطن تلوّح بمزيد من الضغوط الاقتصادية على طهران

لوّحت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بمزيد من الضغوط الاقتصادية على إيران بعد أيام من فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية ومنعها من تصدير النفط.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن)
الولايات المتحدة​ وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث يتحدث بينما يستمع إليه الأدميرال براد كوبر قائد القيادة المركزية الأميركية خلال مؤتمر صحافي بالبنتاغون في أرلينغتون بولاية فيرجينيا 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب) p-circle 00:30

الجيش الأميركي يلوّح بضرب محطات الكهرباء والطاقة الإيرانية

أكد وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، الخميس، أنّ الولايات المتحدة ستواصل منع كل السفن من بلوغ الموانئ الإيرانية، أو الخروج منها «ما دام لزم الأمر».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ طائرات تنطلق من على سطح حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» خلال الحرب على إيران يوم 3 مارس 2026 (رويترز)

الجيش الأميركي يوسّع حصار إيران ليشمل شحنات بضائع مهربة

قال سلاح البحرية الأميركية في بيان، الخميس، إن الجيش وسّع الحصار البحري المفروض على إيران، ليشمل شحنات البضائع المهربة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الخليج علم الإمارات (الشرق الأوسط)

الإمارات تحتج لدى العراق على «هجمات انطلقت من أراضيه»

استدعت وزارة الخارجية الإماراتية القائم بأعمال السفارة العراقية، وسلّمته مذكرة احتجاج عبّرت فيها عن إدانتها واستنكارها لما وصفته بـ«الاعتداءات الإرهابية».

«الشرق الأوسط» (أبوظبي)
شؤون إقليمية علم إيراني يظهر بالقرب من مبنى سكني تضرر جراء غارة جوية على طهران (رويترز) p-circle

تقرير: إيران تُعيد تأهيل منصات إطلاق صواريخ مدفونة وسط هدنة هشة

في ظلّ هدنة مؤقتة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تكشف المعطيات الميدانية عن سباق خفي لإعادة ترتيب القدرات العسكرية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

نتنياهو: جيشنا سيبقى في جنوب لبنان ضمن منطقة أمنية بعمق 10 كم

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مراسم إحياء ذكرى يوم الهولوكوست السنوي في نصب ياد فاشيم التذكاري للهولوكوست بالقدس 14 أبريل 2026 (أ.ب)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مراسم إحياء ذكرى يوم الهولوكوست السنوي في نصب ياد فاشيم التذكاري للهولوكوست بالقدس 14 أبريل 2026 (أ.ب)
TT

نتنياهو: جيشنا سيبقى في جنوب لبنان ضمن منطقة أمنية بعمق 10 كم

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مراسم إحياء ذكرى يوم الهولوكوست السنوي في نصب ياد فاشيم التذكاري للهولوكوست بالقدس 14 أبريل 2026 (أ.ب)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مراسم إحياء ذكرى يوم الهولوكوست السنوي في نصب ياد فاشيم التذكاري للهولوكوست بالقدس 14 أبريل 2026 (أ.ب)

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الخميس، إن وقف إطلاق النار مع لبنان يمثل فرصة لـ«سلام تاريخي»، مشدداً على مطلبه بنزع سلاح «حزب الله» كشرط مسبق لأي اتفاق. وصرّح نتنياهو: «لدينا فرصة للتوصل إلى اتفاق سلام تاريخي مع لبنان»، موضحاً أن القوات الإسرائيلية «ستبقى في الجنوب (اللبناني) ضِمن منطقة أمنية بعمق 10 كيلومترات».

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد أعلن، الخميس، أن نتنياهو والرئيس اللبناني جوزيف عون اتفقا على وقف لإطلاق النار لمدة عشرة أيام يبدأ الخميس عند الساعة 21:00 بتوقيت غرينتش، مشيراً إلى أن هذا الاتفاق «سيشمل (حزب الله)» المدعوم من إيران.


ترمب: واشنطن وطهران قريبتان جداً من التوصل إلى اتفاق

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في حديقة البيت الأبيض (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في حديقة البيت الأبيض (أ.ب)
TT

ترمب: واشنطن وطهران قريبتان جداً من التوصل إلى اتفاق

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في حديقة البيت الأبيض (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في حديقة البيت الأبيض (أ.ب)

أعلن الرئيس الاميركي دونالد ترمب، الخميس، أن الولايات المتحدة وإيران «قريبتان جدا» من التوصل إلى اتفاق، وأنه يدرس إمكان زيارة باكستان لتوقيع هذا الاتفاق.

وقال للصحافيين في البيت الأبيض إن طهران وافقت على تسليم مخزونها من اليورانيوم المخصب، في وقت يدرس البلدان إجراء جولة ثانية من المفاوضات في إسلام آباد، وفق وكالة الصحافة الفرنسية.

وصرح ترمب قبيل توجهه الى لاس فيغاس «نحن قريبون جدًا من إبرام اتفاق مع إيران». وأضاف «كان علينا التأكد من أن إيران لن تحوز ابدا السلاح النووي... لقد وافقوا تماما على ذلك. لقد وافقوا على كل شيء تقريبًا، لذا إذا قبلوا بالجلوس إلى طاولة المفاوضات (مجددا)، فسيكون هناك فرق».

وسُئل هل سيتوجه إلى باكستان لتوقيع الاتفاق، فأجاب «قد أذهب، نعم. إذا تم توقيع الاتفاق في إسلام آباد، قد أذهب».

وأشاد الرئيس الأميركي برئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف وقائد الجيش عاصم منير، لقيامهما بجهود الوساطة مع إيران.

وأكد أن إيران وافقت على تسليم مخزونها من اليورانيوم المخصب، والذي يشكل نقطة خلاف رئيسية بين الجانبين، موضحا «وافقوا على إعادة الغبار النووي إلينا»، مستخدما هذا التعبير للإشارة إلى مخزون اليورانيوم المخصّب الذي تقول الولايات المتحدة إنه يمكن استخدامه في تصنيع أسلحة نووية.

وأكمل: «لدينا تصريح، تصريح ‌قوي للغاية بأنهم لن يملكوا ⁠أسلحة ⁠نووية لمدة تزيد عن 20 عاما».

وجزم بأن «الحصار الأميركي لمضيق هرمز صامد على نحو جيد»، وفق ما أوردته وكالة «رويترز».

وتطرّق الرئيس الأميركي إلى إعلانه هدنة 10 أيام بين إسرائيل ولبنان، موضحاً أن وقف إطلاق النار «سيشمل (حزب الله)».

وتناول موضوع السجال الكلامي مع الفاتيكان بقوله إن «على البابا ليو أن يدرك أن إيران تشكل تهديداً للعالم».


دعوات إصلاحية في إيران لدعم المفاوضات وسط تباين داخلي

خاتمي خلال مراسم الذكرى السابعة لوفاة حليفه الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني في طهران الشهر الماضي (جماران)
خاتمي خلال مراسم الذكرى السابعة لوفاة حليفه الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني في طهران الشهر الماضي (جماران)
TT

دعوات إصلاحية في إيران لدعم المفاوضات وسط تباين داخلي

خاتمي خلال مراسم الذكرى السابعة لوفاة حليفه الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني في طهران الشهر الماضي (جماران)
خاتمي خلال مراسم الذكرى السابعة لوفاة حليفه الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني في طهران الشهر الماضي (جماران)

نقلت صحف إصلاحية، الخميس، عن الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي دعوته إلى دعم مسار المفاوضات الجارية مع الولايات المتحدة، بوساطة باكستانية، وتثبيت «المكاسب التي حققتها إيران بعد الحرب»، معتبراً أن البلاد باتت في موقع يتيح لها السعي إلى «سلام مستدام» رغم صعوبة المرحلة.

وقال خاتمي، خلال اجتماع مع مستشاريه، إن الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، بعد أربعين يوماً من القتال والهجمات المكثفة على الموارد البشرية والعسكرية والاقتصادية والعلمية، أدخلت البلاد في «مرحلة جديدة»، مضيفاً أن هذا الواقع لا يمكن فهمه أو التعامل معه بالأدوات الذهنية والافتراضات السابقة.

وأضاف أن إيران، «بفضل المدافعين الشجعان وتضحيات الشعب الواعي»، تمكنت من إحباط ما وصفه بـ«حلم إسقاط نظامها السياسي واستقلالها ووحدة أراضيها وحضارتها التاريخية»، مضيفاً أن «الصمود» وضعها في «موقع عزة» يجعل الوصول إلى «سلام دائم»، رغم تعقيداته، «ليس بعيد المنال».

وشدّد خاتمي على أن السلام المستدام هو «الوجه الآخر للدفاع الشامل»، لكنه أكثر تعقيداً من الميدان العسكري، موضحاً أن السلام لا يقتصر على غياب الحرب، بل يحتاج إلى «حوارات حقيقية، ومفاوضات ذكية، واتفاقات معقولة». وقال إن الحوار في المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وعلى المستويين الداخلي والخارجي، يمثل بدوره شكلاً من أشكال الدفاع الفعال.

وأشار إلى أن مؤسسات الدولة والحكومة بدأت بالفعل خطوات في هذا الاتجاه، مضيفاً أن «الأركان القانونية في البلاد شرعت في إجراءات مهمة، وأجرت المفاوضات اللازمة»، ومعتبراً أن «على الجميع أن يساعدوا في إنجاح هذه الجهود».

ورأى خاتمي أن الحرب أظهرت بوضوح مواقف القوى والتيارات من مسألة السلام، ومنحت صورة أوضح عن الجهات الداعمة له والجهات المنخرطة في تأجيج الحرب. كما قال إن مفكرين ومراكز أبحاث ووسائل إعلام وحكومات عدة باتت تتحدث بوضوح عن فشل الاستراتيجيات الأميركية والإسرائيلية القائمة على الحرب والتصعيد.

وأضاف أن تراجع هذا النهج، إلى جانب التأثير المتزايد للحرب على الاقتصاد العالمي، وضع إيران في موقع يمكنها من امتلاك هامش أوسع بعد الحرب، ليس في إدارة المواجهة فقط، بل أيضاً في الإسهام في تثبيت سلام إقليمي ودولي.

وأعرب خاتمي عن اعتقاده أن البلاد دخلت مرحلة «أكثر حساسية»، تستوجب «تجنب الاندفاع والتطرف، والعمل على تثبيت النجاحات العسكرية والسياسية الراهنة»، فضلاً عن قراءة دقيقة لاحتياجات المجتمع ومتطلبات ما بعد الحرب والتحولات الاقتصادية والسياسية الدولية.

ودعا إلى التوجه نحو مستقبل يبعد شبح الحرب والتهديد عن إيران، ويتيح مشاركة جميع المواطنين، وخصوصاً النخب والمفكرين والشرائح المختلفة، في إعادة بناء البلاد على أسس الحرية والاستقلال والازدهار.

وشدّد خاتمي على أن دعم المفاوضات يمثل أولوية في هذه المرحلة، وأن الحفاظ على المكاسب الحالية يمر عبر إدارة هادئة وعقلانية للمرحلة المقبلة، بما يعزز فرص الوصول إلى تسوية مستقرة.

الحفاظ على السرية

وعكست الصحف الإيرانية الصادرة، الخميس، تبايناً في مقاربة ملف الحرب والمفاوضات مع الولايات المتحدة، بين دعوات إلى الحفاظ على السرية، واعتبار فشل محادثات إسلام آباد موقفاً أفضل من التوصل إلى اتفاق، وانتقادات لضعف إدارة المعلومات الموجهة إلى الرأي العام.

وكتب حسين شريعتمداري، رئيس تحرير صحيفة «كيهان»، أن جميع الأنظمة الحاكمة «لديها أسرار وخفايا لا يمكن كشفها ويجب أن تبقى مخفية»، معتبراً أن حجب بعض المعلومات لا يعني استبعاد الناس، بل يهدف إلى إبقاء أسرار الدولة بعيداً عن الخصوم ومنعهم من القيام بردود فعل استباقية.

وأضاف أن إجابة المسؤولين المعنيين بالحرب على بعض الأسئلة قد تؤدي إلى «كشف أسرار البلاد وتسبب مشكلات للنظام»، مشيراً إلى أن بعض القرارات قد تستند إلى «حسابات دقيقة وواقعية» لا يمكن إعلانها.

أما صحيفة «قدس»، التابعة لهيئة «آستان قدس رضوي» الخاضعة لمكتب المرشد الإيراني، فرأت أن فشل المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة في إسلام آباد بدا «أفضل من أي اتفاق»، معتبرة أن الوفد الإيراني واجه «المطالب المفرطة» للجانب الأميركي وتمسك بمصالح البلاد.

وقالت الصحيفة إن إيران «لا تملك خياراً سوى إثبات وجودها وفرضه بقوة»، مضيفة أن ذلك لا يتحقق إلا عبر «المقاومة والاستعداد للمواجهة وتحميل العدو التكلفة». كما اعتبرت أن المفاوضات لا ينبغي أن تستهدف إنهاء النزاع، بل إدارة الصراع وتثبيت الوقائع والضغط المتبادل.

على الضفة الأخرى، انتقدت صحيفة «خراسان»، القريبة من رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، طريقة إدارة المعلومات المرتبطة بالمفاوضات، مشيرة إلى وجود فجوة واضحة بين السلطات والرأي العام.

وقالت إن المشكلة الأساسية ليست في معارضة المجتمع لقرارات النظام، بل في «نقص المعلومات»، مضيفة أن المواطنين الذين أظهروا دعماً خلال «40 ليلة» ينتظرون معلومات دقيقة وسريعة، لا مجرد بيانات عامة.

وحذرت الصحيفة من أن الفراغ المعلوماتي يمكن أن يتحول سريعاً إلى قلق، ثم إلى فقدان للثقة إذا لم يعالج في الوقت المناسب، مشددة على ضرورة بناء رواية إعلامية واضحة للمفاوضات، تتولاها جهة واحدة تتمتع بالمصداقية والسرعة والخبرة الإعلامية، مع رسائل مفهومة وتوقيت واضح.

«تراجع واشنطن»

ورأت صحيفة «فرهيختغان»، المقربة من علي أكبر ولايتي، أن زيارة قائد الجيش الباكستاني عاصم منير إلى طهران تحمل دلالات تتجاوز الوساطة المباشرة بين واشنطن وطهران.

وبحسب الصحيفة، فإن منير بات، منذ إقصاء عمران خان، صاحب الدور الأبرز في إدارة الملفات الكبرى في باكستان، ولا سيما تلك المرتبطة بالتوازنات الدولية وانعكاسات التنافس بين الصين والولايات المتحدة على بلاده. ومن هذا المنطلق، فسّرت الصحيفة تحركه نحو طهران بوصفه جزءاً من موقع باكستان داخل هذا التنافس، وليس استجابة ظرفية فقط للأزمة الإيرانية - الأميركية.

وأضافت الصحيفة أن اختيار باكستان لتولي الوساطة بعد تراجع أدوار وسطاء إقليميين سابقين، مثل عُمان وقطر، يعكس تحولاً في بيئة التفاوض فرضته الحرب، كما يعكس، في تقديرها، صعوداً نسبياً للموقع الصيني في إدارة التوازنات الإقليمية، في مقابل تراجع هامش الحركة الأميركي.

وأشارت إلى أن إسلام آباد تحركت خلال الحرب في خط أقرب إلى بكين، سواء في مواقفها المعلنة أو في قبولها استضافة المفاوضات.

وفي هذا السياق، اعتبرت «فرهيختغان» أن مجرد عودة عاصم منير إلى طهران بعد جولة إسلام آباد تمثل، في أحد أوجهها، مؤشراً إلى «تراجع واشنطن» عن لهجة الإنذار التي حملها نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس، إذ كان قد قدم المقترح الأميركي عند مغادرته باكستان على أنه «العرض النهائي»، وأن على إيران قبوله أو رفضه.

وترى الصحيفة أن دخول منير مجدداً على خط الوساطة بعد ذلك يعني عملياً أن باب التفاوض لم يغلق، وأن الولايات المتحدة عادت إلى البحث عن مخرج عبر الوسيط الباكستاني، بما يوحي، من وجهة نظرها، بأن الضغط العسكري والحصار البحري لم يحققا حسماً سريعاً، وأن واشنطن اضطرت إلى العودة إلى مسار المراجعة والاتصال.