«اعتراف ماكرون»... حجر في المياه الراكدة لحل الدولتين

إسرائيل ترفض... والسلطة الفلسطينية ترحب... وانقسام في الداخل الفرنسي

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)
TT

«اعتراف ماكرون»... حجر في المياه الراكدة لحل الدولتين

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

بعد ثماني سنوات من الانتظار الذي أعقب التصويت على قرار في مجلس النواب الفرنسي يحثّ الحكومة على الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وبعد تردد دام طويلاً بحجة تقول إن الاعتراف يجب أن يتم «في الوقت الملائم»، وأن يكون «مفيداً» لجهة الدفع باتجاه السلام، أقدم الرئيس إيمانويل ماكرون على الإعلان، أخيراً، أن بلاده «يمكن أن تعترف بالدولة الفلسطينية»، بمناسبة المؤتمر الدولي المفترض أن يلتئم برئاسة مشتركة فرنسية - سعودية، في مقر الأمم المتحدة في نيويورك، في يونيو (حزيران) القادم.

ورأي محللون أن نية ماكرون الاعتراف بفلسطين أن يرمي حجراً في المياه الراكدة لحل الدولتين، فيما أوضحت الخارجية الفرنسية في مؤتمرها الصحافي، يوم الخميس، أن المؤتمر «وليد تصويت جرى في الأمم المتحدة في فبراير (شباط) من العام الماضي وسيكون تحت عنوان: دعم حل الدولتين».

وإعلان ماكرون جاء، مساء الأربعاء، في إطار حديث لمحطة «فرانس 5» جرى تسجيله يوم الثلاثاء عقب عودته من زيارته لمصر، حيث كان ملف غزة أساسياً في المحادثات الثنائية مع الرئيس عبد الفتاح السيسي، أو في إطار القمة الثلاثية التي ضمَّت العاهل الأردني، أو في التواصل الجماعي مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وكانت لافتةً الزيارة المشتركة التي قام بها مع الرئيس السيسي لمدينة العريش التي تعد القاعدة الخلفية لإيصال المساعدات إلى غزة.

ماكرون: ما سأفعله ليس إرضاءً لهذا أو ذاك

السيسي يتوسط ماكرون والملك عبد الله الثاني في القاهرة 7 أبريل 2025 (الرئاسة المصرية)

بدايةً، تجدر الإشارة إلى أن ماكرون كان جازماً بقوله إنه «يجب أن نتحرك نحو الاعتراف، وهذا ما سنفعله في الأشهر المقبلة». وقال ماكرون ما حرفيته: «هدفنا هو، في تاريخ ما خلال يونيو القادم، أن نترأس مع المملكة العربية السعودية، هذا المؤتمر (حول حل الدولتين)، حيث يمكننا وضع اللمسات الأخيرة على حركة الاعتراف المتبادل من كثير من الدول».

وتابع: «سأفعل ذلك ليس إرضاءً لهذا الشخص أو ذاك، بل لأنني أعتقد أنه، في مرحلة ما، سيكون أمراً عادلاً. ولأنني أريد أيضاً أن أشارك في ديناميكية جماعية، ينبغي أن تمكن أيضاً جميع الذين يدافعون عن فلسطين من الاعتراف بإسرائيل بدورهم، وهو ما لم يفعله كثير منهم». وخلاصته أن هذا المسار سيجعل من الممكن أيضاً «أن نكون واضحين في محاربة أولئك الذين ينكرون حق إسرائيل في الوجود، كما هو الحال مع إيران، وأن نلتزم بالأمن الجماعي في المنطقة».

وإذا أقدمت فرنسا على هذه الخطوة، فإنها ستكون أول دولة غربية تتمتع بالثقل السياسي والدبلوماسي، وهي قادرة على التأثير على دول أخرى أوروبية أو غير أوروبية، لكنها ستجد، بالطبع، إسرائيل والولايات المتحدة في وجهها، إضافةً إلى وضع ميداني صعب في الضفة الغربية أو غزة، مما يجعل قيام الدولة الفلسطينية الموعودة تحدياً استثنائياً.

ثلاث ملاحظات

طفل فلسطيني يجلس على أنقاض مبنى في موقع غارة إسرائيلية على منطقة سكنية بحي الشجاعية (أ.ف.ب)

ما يطرحه ماكرون يستوجب، وفق مصادر دبلوماسية، ثلاث ملاحظات؛ أولاها أنه يضع لمؤتمر نيويورك أهدافاً كثيرة تتخطى مجرد اعتراف بلاده بالدولة الفلسطينية، إذ إنه يريد اعترافاً «جماعياً» من الدول الأوروبية التي لم تعترف بعد بالدولة الفلسطينية، فيما أربع منها فعلت ذلك العام الماضي، وهي: إسبانيا وآيرلندا والنرويج وسلوفينيا.

وحتى اليوم، هناك 147 دولة اعترفت بالدولة الفلسطينية، لكنَّ دولاً رئيسية مثل بريطانيا وألمانيا وفرنسا لم تقم بعد بذلك. وهذا الاعتراف الجماعي هو ما يسميه ماكرون «الديناميكية الجماعية». وفي هذا الخصوص، وتبريراً لها، تساءلت مصادر فرنسية عن «الفائدة العملية» التي أفضى إليها اعتراف الدول الأربع المشار إليها، حيث إن مبادرتها «بقيت رمزية» ومن غير أي تأثير ميداني وعملي على الأحداث.

أما الملاحظة الثانية الرئيسية فهي تتناول ربط ماكرون بين الاعتراف بالدولة الفلسطينية والاعتراف بإسرائيل من جانب الدول العربية والشرق أوسطية التي لم تعترف بها حتى اليوم.

ويثير هذا الربط إشكالية حقيقية: فهل يعني ماكرون أن الاعتراف بالدولة الفلسطينية لن يرى النور إلا إذا قبلت الدول العربية أو دول أخرى مثل إيران، التي قال عنها إنها «تُنكر حق إسرائيل في الوجود»، شرط الاعتراف بإسرائيل؟ والمعروف أن كثيراً من الدول العربية تربط اجتياز هذه الخطوة بانطلاق مسار جدي يُفضي إلى قيام الدولة الفلسطينية، فيما الحكومة الإسرائيلية تقوم بكل ما هو في مستطاعها، ميدانياً وسياسياً وعسكرياً واستيطانياً، لمنع قيام هذه الدولة.

والملاحظة الثالثة تتناول، تحديداً، المطلوب من إسرائيل، إذ إن كلام ماكرون لا يأتي على ذلك، ولا ينص على أن أحد أهداف المؤتمر هو أن تقبل إسرائيل، أخيراً، بأن تقوم إلى جانبها دولة فلسطينية.

ردود الفعل

وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر (أ.ب)

لم يتأخر رد الفعل الإسرائيلي على قرار ماكرون. فقد سارع جدعون ساعر، وزير الخارجية، إلى التعبير عن رفض تل أبيب هذه الخطة، وكتب على منصة «إكس»، بعد وقت قصير من بث كلام الرئيس الفرنسي، أن اعترافاً أحادياً بدولة فلسطينية وهمية من جانب أي دولة، ضمن الواقع الذي نعرفه جميعاً، سيكون مكافأة للإرهاب وتعزيزاً لحركة (حماس)».

وأضاف ساعر أن «هذا النوع من الأفعال لن يجلب السلام والأمن والاستقرار إلى منطقتنا، بل على العكس ستُبعدها عنَّا». ومن جانبه، سارع سفير إسرائيل في باريس جوشوا زاركا، وبعيداً عن كل الأعراف الدبلوماسية، إلى مهاجمة ماكرون، قائلاً لإذاعة «فرانس إنفو» صباح الخميس، إن «الحديث عن دولة فلسطينية، اليوم، فيما الحرب متواصلة، يعد في نظرنا أمراً غير مسؤول».

وأضاف أنه «يعد تشجيعاً لـ(حماس) على البقاء في السلطة، ولأن السلطة الفلسطينية تريد الجدولة، ولكن من غير توفير السلام». وعدَّد السفير الإسرائيلي مجموعة شروط تبدأ بتحرير الرهائن، وتخلي «حماس» عن سلاحها، وتوفير شروط الاستقرار التي تُفضي إلى السلام، ومنها تنشئة الأجيال الجديدة على العيش بسلام «لأن ما يتعلمونه أن في رام الله أو غزة هو قتل اليهود».

في المقابل، رأت الخارجية الفلسطينية، في تغريدة على موقعها في منصة «فيسبوك»، أن ما صدر عن ماكرون يعد «خطوة في الاتجاه الصحيح لحماية حل الدولتين وتحقيق السلام، في انسجام صريح مع القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية». ودعت الخارجية الفلسطينية، استباقياً، الدول التي ستشارك في مؤتمر نيويورك إلى توفير الدعم والإسناد لتطبيق حل الدولتين، معتبرة أن «الوقف الفوري لجرائم الإبادة والتهجير والضم، واستعادة الأفق السياسي لحل الصراع وتمكين الشعب الفلسطيني من تجسيد دولته على الأرض، كل ذلك يعد مفتاحاً لحل الصراع وتحقيق أمن وازدهار المنطقة واستقرارها».

كذلك، نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن وزيرة الدولة الفلسطينية للشؤون الخارجية، فارسين أغابكيان، أن اعتراف فرنسا بدولة فلسطين «سيكون خطوة في الاتجاه الصحيح بما يتماشى مع حماية حقوق الشعب الفلسطيني وحل الدولتين».

انقسامات في الداخل الفرنسي

البرلمان الفرنسي (أرشيفية لجلسة عامة بالجمعية الوطنية)

لم يمر كلام ماكرون دون إحداث انقسامات في الداخل الفرنسي؛ فاليسار، ممثَّلاً في «الحزب الاشتراكي» وحزب «فرنسا الأبية» وكذلك «الخضر»، أبدى تأييداً كاملاً لما طرحه ماكرون. وقال أوليفيه فور، أمينه العام، إن الاعتراف «لا بديل عنه، ويتعين أن يحصل في يونيو، ويجب أن يترافق مع حركة جماعية للأوروبيين بحيث نستطيع، كأوروبيين، أن نضغط على القرار الإسرائيلي».

وبالتوازي، أشار فور إلى ضرورة أخذ أمن إسرائيل بعين الاعتبار. ومن جانبه، رأى فرنسوا هولاند، رئيس الجمهورية (الاشتراكي) السابق، أنه إذا أتاحت مبادرة ماكرون اعترافات متبادلة فإنه «سيشكل مساراً جيداً». بيد أنه سارع إلى التنبيه إلى أن «المهم هو قيام دولة فلسطينية، ولكن من غير (حماس)، وأن تكون غزة منطقة يتمكن سكانها، ببساطة، من العيش فيها».

وقالت ماتيلد بانو، رئيسة المجموعة النيابية لحزب «فرنسا الأبية»: «أخيراً، وبعد عامين على انطلاق مجزرة غزة، فرنسا تخطط للاعتراف بالدولة الفلسطينية». كذلك عدَّت «الحركة الديمقراطية» على لسان النائب مارك فيسنو، أن ما دعا إليه ماكرون «فكرة جيدة»، متمنياً أن تُفضي إلى «اعترافات متبادلة» بين الفلسطينيين والإسرائيليين، و«بحقهم في العيش بأمن في إطار نظام ديمقراطي».

وأعرب جيرار لارشيه، رئيس مجلس الشيوخ، المنتمي إلى حزب «الجمهوريون» اليميني التقليدي، عن تأييده لمبادرة ماكرون، لكنه تساءل: «هل الشروط متوافرة للذهاب إلى الاعتراف بالدولة؟» وأجاب عن سؤاله بـ«كلا»، معللاً ذلك بوجود رهائن إسرائيليين في غزة وبهجمات «حماس» ضد إسرائيل. كذلك، فإن رئيسة مجلس النواب يائيل براون - بيفيه، دعمت بفتور مبادرة ماكرون، شرط «أن تدفع بالتوجه نحو إقامة دولتين مع توفير ضمانات أمنية لهما».

يبقى أن اليمين المتطرف ممثلاً بحزب «التجمع الوطني»، رأى أن ما اقترحه ماكرون «سابق لأوانه». ورأى سيباستيان شينو، نائب رئيس الحزب، أنه رسالة مضمونها: «الجأوا إلى الإرهاب وسوف نعترف بحقوقكم». وفي هذا السياق، هاجمت مجلة «تريبيون جويف» التي تُصدرها الطائفة اليهودية، مبادرة الرئيس الفرنسي التي رأت فيها «شرعنة ما قامت به (حماس) يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول)» في عام 2023.


مقالات ذات صلة

ماكرون يلتقي ميرتس في بروكسل الأربعاء عشية قمة للاتحاد الأوروبي

أوروبا المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يحضران مؤتمراً صحافياً في برلين ألمانيا 23 يوليو 2025 (رويترز)

ماكرون يلتقي ميرتس في بروكسل الأربعاء عشية قمة للاتحاد الأوروبي

أعلنت الرئاسة الفرنسية أن الرئيس إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني فريدريش ميرتس سيلتقيان الأربعاء في بروكسل لتنسيق جهودهما عشية قمة للاتحاد الأوروبي.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وزوجته بريجيت بعد اقتراعهما في الانتخابات المحلية بمدينة لو توكيه في شمال فرنسا (أ.ف.ب)

ماكرون: فرنسا غير مستعدة للمشاركة في تأمين مضيق هرمز في الظرف الراهن

أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن فرنسا غير مستعدة للمشاركة في تأمين مضيق هرمز «في الظرف الراهن».

«الشرق الأوسط» (باريس)
المشرق العربي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

ماكرون يدعو إسرائيل إلى محادثات «مباشرة» مع لبنان... ويعرض استضافتها في باريس

دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اليوم (السبت)، إسرائيل إلى القبول بإجراء «محادثات مباشرة» مع الحكومة اللبنانية ومختلف مكونات المجتمع.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (رويترز) p-circle

ماكرون يشدد على أن الحرب الإيرانية لن تخفف الضغط على روسيا

أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الجمعة، خلال استقباله نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن روسيا «تُخطئ» إذا اعتقدت أن الحرب على إيران ستخفف الضغط عليها.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا الرئيس ​الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (إ.ب.أ) p-circle

موفد بوتين يعقد «اجتماعاً مثمراً» مع ويتكوف... وزيلينسكي يلتقي ماكرون في باريس

موفد بوتين يعقد «اجتماعاً مثمراً» مع ويتكوف... وزيلينسكي يلتقي ماكرون في باريس، وأوكرانيا تنتظر موافقة البيت الأبيض على اتفاق لإنتاج المسيّرات.

«الشرق الأوسط» (لندن)

إسماعيل خطيب… وزير الاستخبارات من حرب الظل إلى الاغتيال

صورة نشرها الموقع الرسمي للمرشد الإيراني لوزير الاستخبارات إسماعيل خطيب نوفمبر العام الماضي
صورة نشرها الموقع الرسمي للمرشد الإيراني لوزير الاستخبارات إسماعيل خطيب نوفمبر العام الماضي
TT

إسماعيل خطيب… وزير الاستخبارات من حرب الظل إلى الاغتيال

صورة نشرها الموقع الرسمي للمرشد الإيراني لوزير الاستخبارات إسماعيل خطيب نوفمبر العام الماضي
صورة نشرها الموقع الرسمي للمرشد الإيراني لوزير الاستخبارات إسماعيل خطيب نوفمبر العام الماضي

في هيكل المؤسسة الحاكمة في طهران، لا يعد منصب وزير الاستخبارات مجرد حقيبة حكومية عادية. فالوزارة التي تأسست بعد ثورة عام 1979، أحد أهم أعمدة النظام الأمني، وتتولى إدارة شبكة واسعة من العمليات الاستخباراتية داخل إيران وخارجها.

ورغم أن الرئيس الإيراني يرشح الوزير رسمياً، فإن هذا المنصب الحساس يحسم عملياً بموافقة وإشراف المرشد، ما يجعله جزءاً من البنية الأمنية المرتبطة مباشرة بمكتب القيادة.

من هذا الموقع صعد رجل الدين المحافظ إسماعيل خطيب إلى رأس جهاز الاستخبارات الإيراني عام 2021، بعد مسيرة امتدت أكثر من أربعة عقود داخل المؤسسات الأمنية والقضائية في الجمهورية الإسلامية.

غير أن نهاية تلك المسيرة جاءت بشكل دراماتيكي خلال الحرب بين إيران وإسرائيل. ففي اليوم التاسع عشر من الحرب أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن سلاح الجو الإسرائيلي نفذ ضربة في طهران أدت إلى مقتل خطيب.

وقال الجيش الإسرائيلي إن خطيب كان مسؤولاً عن إدارة جهاز يشرف على عمليات التجسس والعمليات السرية للنظام، فضلاً عن دوره في قمع الاحتجاجات داخل إيران.

وجاء ذلك بعد أيام من إعلان آخر سلط الضوء على اسمه خارج إيران؛ إذ عرض برنامج «مكافآت من أجل العدالة» التابع لوزارة الخارجية الأميركية مكافأة تصل إلى عشرة ملايين دولار مقابل معلومات عن عدد من كبار المسؤولين الإيرانيين المرتبطين بـ«الحرس الثوري» ومكتب المرشد، بينهم إسماعيل خطيب.

وكان خطيب، على مدى سنوات، أحد رجال الأمن الذين عملوا بعيداً عن الأضواء داخل مؤسسات الاستخبارات، قبل أن يصبح في قلب الصراع الإيراني – الإسرائيلي مع تصاعد حرب الظل بين الطرفين في السنوات الأخيرة.

وجاء الإعلان عن مقتله ليضيف اسمه إلى قائمة القتلى من أعضاء مجلس الأمن القومي الإيراني، بعد مقتل أمين عام المجلس علي لاريجاني ومحمد باكبور قائد «الحرس الثوري».

من الحوزة إلى مؤسسات الثورة

ولد إسماعيل خطيب عام 1961 في مدينة قائنات بمحافظة خراسان الجنوبية شرق إيران. وفي منتصف السبعينات توجه إلى الحوزة العلمية في قم، حيث درس الفقه والأصول على يد عدد من كبار المراجع الدينيين.

كان من بين أساتذته رجال دين بارزون مثل محمد فاضل لنكراني وناصر مكارم شيرازي ومجتبى تهراني، كما حضر دروس الفقه التي كان يلقيها علي خامنئي قبل أن يصبح مرشداً للبلاد. وكانت هذه الخلفية الدينية المسار التقليدي لكثير من رجال الدين الذين دخلوا مؤسسات الدولة بعد ثورة 1979 التي أطاحت بنظام الشاه.

خامنئي يستقبل وزير الاستخبارات إسماعيل خطيب زاده ومسؤولي الأجهزة الأمنية الأسبوع الماضي (موقع المرشد)

بعد تأسيس «الجمهورية الإسلامية»، انخرط خطيب سريعاً في مؤسسات النظام الجديد. ففي سن التاسعة عشرة التحق بـ«الحرس الثوري»، وعمل في وحدات الاستخبارات والعمليات خلال الحرب الإيرانية – العراقية في الثمانينات. وتشير معلومات إلى أنه أصيب خلال الحرب، ما جعله لاحقاً ضمن فئة «المحاربين القدامى»، وهي صفة تحمل وزناً سياسياً في الساحة الإيرانية.

الدخول إلى وزارة الاستخبارات

في منتصف الثمانينات، وبعد تأسيس وزارة الاستخبارات والأمن عام 1983، انتقل خطيب إلى العمل داخل الوزارة الجديدة التي أصبحت الجهاز الاستخباراتي المدني الرئيسي في البلاد. وعمل في البداية في أقسام مختلفة، بينها قسم الشؤون الخارجية والتحليل الاستخباراتي بالوزارة، قبل أن يبرز اسمه في التسعينات عندما عين مديراً لدائرة الاستخبارات بمحافظة قم.

وكانت قم معقل رجال الدين، إحدى أكثر المحافظات حساسية في إيران نظراً لوجود الحوزة العلمية وشبكة المؤسسات الدينية فيها. وكانت إدارة الملف الأمني في هذه المدينة تعني التعامل مع توازنات معقدة بين رجال الدين والتيارات السياسية المختلفة داخل النظام.

واستمر خطيب في هذا المنصب الحساس لأكثر من عقد، في فترة شهدت توترات سياسية داخل المدينة، أبرزها الأحداث المرتبطة بنائب المرشد الأول حسين علي منتظري، الذي كان في وقت ما خليفة محتملاً للمرشد الأول (الخميني) قبل أن يتم إقصاؤه.

العمل قرب مركز السلطة

مع مرور الوقت انتقل خطيب إلى مواقع أكثر قرباً من مركز القرار. ففي عام 2010 انضم إلى مكتب المرشد علي خامنئي في وحدة مسؤولة عن أمن وحماية القيادة، وهو موقع حساس لا يبلغه إلا مسؤولون من أعلى المستويات في الجهاز الاستخباراتي.

وبعد ذلك بعامين جرى تعيينه مديراً لمركز حماية واستخبارات السلطة القضائية، وهو جهاز يتولى مراقبة المؤسسات القضائية وموظفيها وضمان ولائهم السياسي.

وبقي في هذا المنصب حتى عام 2019، في فترة كان فيها صادق لاريجاني رئيساً للسلطة القضائية. ومع انتقال إبراهيم رئيسي لاحقاً إلى رئاسة القضاء، تعززت العلاقة بين الرجلين.

محطة «آستان قدس»

في عام 2019 انتقل خطيب إلى مؤسسة «آستان قدس رضوي» في مدينة مشهد، وهي واحدة من أكبر المؤسسات الاقتصادية والدينية في إيران وتشرف على إدارة ضريح الإمام الرضا.

وتولى خطيب هناك مسؤولية الأمن والحماية في المؤسسة، التي تعد جزءاً مهماً من شبكة المؤسسات المرتبطة مباشرة بمكتب المرشد. وبقي في هذا الموقع حتى عام 2021، عندما عاد إلى المؤسسة التي أمضى فيها معظم حياته المهنية، لكن هذه المرة على رأسها.

وزير الاستخبارات

في أغسطس (آب) 2021، وبعد انتخاب إبراهيم رئيسي رئيساً لإيران، رشحه لمنصب وزير الاستخبارات في حكومته. وكما هو معتاد في هذا المنصب، جاء التعيين بعد موافقة المرشد علي خامنئي، الذي يمتلك الكلمة الحاسمة في اختيار الشخصيات التي تتولى المواقع الأمنية الحساسة.

كان خطيب بذلك الوزير الثامن للاستخبارات منذ تأسيس الوزارة. وتولى منصبه في وقت كانت فيه إيران تواجه سلسلة من التحديات الأمنية، بينها عمليات تخريب في منشآت نووية واغتيالات استهدفت علماء ومسؤولين، فضلاً عن الصراع الاستخباراتي المتصاعد مع إسرائيل.

لكن المشهد السياسي في إيران تغير بعد وفاة الرئيس إبراهيم رئيسي في مايو (أيار) 2024 إثر تحطم المروحية التي كانت تقله في شمال غربي البلاد. وبعد الانتخابات التي أعقبت الحادث، شكل الرئيس مسعود بزشكيان حكومته الجديدة.

وكان خطيب من الوزراء القلائل في حكومة رئيسي الذين حافظوا على مناصبهم في الحكومة الجديدة. فقد أعاد بزشكيان ترشيحه لوزارة الاستخبارات عند تشكيل حكومته، في خطوة فسرها مراقبون بأنها تعكس حساسية هذا المنصب داخل بنية النظام، حيث يتم اختيار وزير الاستخبارات تقليدياً بالتشاور مع المرشد علي خامنئي.

غير أن الإبقاء عليه في منصبه أثار انتقادات من بعض الأوساط السياسية والإصلاحية التي كانت تأمل في تغيير وجوه الأجهزة الأمنية مع وصول بزشكيان إلى الرئاسة.

صراع الأجهزة الأمنية

تولى خطيب في بداية مهامه الوزارية العمل على ترتيب العلاقة في إحدى القضايا الأساسية داخل المؤسسة الأمنية، وهي العلاقة المعقدة بين وزارة الاستخبارات والجهاز الموازي لها، منظمة استخبارات «الحرس الثوري». وهو من بين الأسباب لبقاء خطيب في الوزارة في حكومة بزشكيان.

خطيب يغادر مقر الحكومة الإيرانية (أرشيفية_إيسنا)

ويمتلك الجهازان صلاحيات متداخلة وغالباً ما يتنافسان على الملفات الأمنية الكبرى. وحاول خطيب خلال سنواته في الوزارة الدفع نحو تنسيق أكبر بين المؤسستين، خصوصاً في مواجهة ما وصفه النظام بـ«الاختراقات الأجنبية». لكن التوازن بين الجهازين ظل معقداً، نظراً لارتباط كل منهما بشبكة مختلفة من مراكز القوة داخل النظام.

الاحتجاجات والعقوبات

شهدت فترة تولي خطيب الوزارة واحدة من أكبر موجات الاحتجاج في إيران خلال العقد الأخير. ففي عام 2022 اندلعت احتجاجات واسعة بعد وفاة مهسا أميني في أثناء احتجازها لدى شرطة الأخلاق.

ولعبت الأجهزة الأمنية، بما فيها وزارة الاستخبارات، دوراً رئيسياً في مواجهة الاحتجاجات من خلال الاعتقالات والتحقيقات وملاحقة الناشطين.

وفي تلك الفترة تبنى خطيب الخطاب الرسمي للنظام الذي عدّ الاحتجاجات نتيجة تدخلات خارجية، متهماً الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل بالوقوف وراءها.

وأدرجت الولايات المتحدة في سبتمبر (أيلول) 2022 خطيب ووزارة الاستخبارات على قائمة العقوبات، متهمة الجهاز بإدارة شبكات هجمات سيبرانية استهدفت حكومات وشركات في دول مختلفة، بينها ألبانيا.

إخفاقات أمنية

رغم إعلان الوزارة مراراً عن تفكيك شبكات تجسس، واجهت الأجهزة الأمنية الإيرانية خلال تلك السنوات انتقادات بسبب عدة إخفاقات.

من أبرزها الهجوم الدموي في كرمان عام 2024 خلال مراسم إحياء ذكرى مقتل قاسم سليماني، الذي أدى إلى عشرات القتلى. كما شكلت عمليات اغتيال داخل إيران، بينها اغتيال شخصيات مرتبطة بمحور «المقاومة»، إحراجاً للأجهزة الأمنية.

وزير الخارجية عباس عراقجي يهمس في أذن وزير الاستخبارات إسماعيل خطيب على هامش اجتماع الحكومة يوم 9 يوليو الماضي (الرئاسة الإيرانية)

وأثارت هذه الأحداث نقاشاً داخل النخبة الإيرانية حول قدرة المنظومة الأمنية على مواجهة الاختراقات الخارجية.

وتصاعدت الانتقادات بعد مقتل عدد كبير من المسؤولين الإيرانيين، من قيادات عسكرية وعلماء نوويين، خلال الحرب التي استمرت 12 يوماً في يونيو (حزيران)، خصوصاً في ظل ما شاع عن اختراقات استخباراتية واسعة.

نهاية مسيرة أمنية

ظل إسماعيل خطيب طوال مسيرته الشخصية بعيداً عن الأضواء مقارنة بكثير من المسؤولين الإيرانيين. لم يكن سياسياً جماهيرياً، بل رجل جهاز أمني صعد تدريجياً داخل مؤسسات الدولة.

لكن الحرب بين إيران وإسرائيل عام 2026 وضعت اسمه في قلب المواجهة. فقد أنهى الإعلان الإسرائيلي عن مقتله في اليوم التاسع عشر من الحرب مسيرة امتدت لأكثر من أربعين عاماً داخل أجهزة الأمن.

وسواء عدّ اغتياله ضربة استخباراتية كبيرة أو مجرد فصل جديد في الصراع الإقليمي، فإن سيرة خطيب تعكس مساراً شائعاً داخل المؤسسة الأمنية ذات التركيب المعقد: رجل دين بدأ في الحوزة، التحق بـ«الحرس الثوري» في سنوات الثورة الأولى، ثم صعد عبر أجهزة الأمن ليصل إلى قمة أحد أكثر المناصب حساسية في الدولة الإيرانية.


روسيا تندد بضربة أميركية إسرائيلية قرب محطة بوشهر النووية الإيرانية

المفاعل النووي الإيراني في بوشهر جنوب العاصمة طهران (أرشيفية-أ.ب)
المفاعل النووي الإيراني في بوشهر جنوب العاصمة طهران (أرشيفية-أ.ب)
TT

روسيا تندد بضربة أميركية إسرائيلية قرب محطة بوشهر النووية الإيرانية

المفاعل النووي الإيراني في بوشهر جنوب العاصمة طهران (أرشيفية-أ.ب)
المفاعل النووي الإيراني في بوشهر جنوب العاصمة طهران (أرشيفية-أ.ب)

ندَّدت وزارة الخارجية الروسية، اليوم الأربعاء، بالضربة التي استهدفت محطة بوشهر النووية الإيرانية أمس، والتي قالت إنها وقعت على بُعد أمتار قليلة من وحدة لتوليد الطاقة، ودعت الولايات المتحدة وإسرائيل إلى وقف مهاجمة المنشآت النووية لطهران.

مفاعل «بوشهر» النووي الإيراني (رويترز)

وأدلت ماريا زاخاروفا، المتحدثة باسم الوزارة، بهذه التصريحات، في مؤتمر صحافي.

وقامت روسيا ببناء محطة بوشهر، وتساعد إيران في تشغيلها.

وأبلغت إيران، أمس الثلاثاء، الوكالة الدولية للطاقة الذرية بأن الهجوم لم يتسبب في أضرار مادية أو بشرية.


استهداف منشآت نفط في جنوب إيران

صورة عامة من حقل بارس الجنوبي بإيران 19 نوفمبر 2015 (رويترز)
صورة عامة من حقل بارس الجنوبي بإيران 19 نوفمبر 2015 (رويترز)
TT

استهداف منشآت نفط في جنوب إيران

صورة عامة من حقل بارس الجنوبي بإيران 19 نوفمبر 2015 (رويترز)
صورة عامة من حقل بارس الجنوبي بإيران 19 نوفمبر 2015 (رويترز)

ذكرت وكالة «تسنيم» للأنباء شبه الرسمية أن بعض المنشآت التابعة لقطاع النفط في حقل بارس الجنوبي ومنطقة عسلوية في إيران تعرضت لهجوم، الأربعاء، مضيفة أن حجم الأضرار لم يتضح بعد.

وأضافت «الوكالة» أن منشآت بتروكيماوية في حقل بارس الجنوبي كانت من بين الأهداف.

وقال التلفزيون الرسمي في إيران، الأربعاء، إن طهران استهدفت تل أبيب بصواريخ ​تحمل رؤوساً حربية عنقودية، فيما وصفته بأنه رد على قتل إسرائيل أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني.

بدوره، قال وزير الخارجية ​الإيراني عباس عراقجي إن موقف طهران ‌الرافض لصنع ‌أسلحة ​نووية ‌لن ⁠يتغير ​بشكل كبير، مشيراً إلى أن المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي لم يعبّر بعدُ عن رأيه ‌علناً ‌في هذا الشأن.

إلى ذلك، قال المتحدث باسم مقر خاتم الأنبياء، وهو غرفة العمليات المركزية للقوات المسلحة الإيرانية: «سنقصف بشدةٍ مصدر العدوان، ونعدّ أن استهداف البنية التحتية للوقود والطاقة والغاز هو أمر مشروع».