روسيا تعرض الوساطة بين واشنطن وطهران لحل الخلافات

الكرملين: بوتين وافق على مساعدة الولايات المتحدة وإيران على التفاوض

بزشكيان لدى استقباله لافروف الأسبوع الماضي (الرئاسة الإيرانية)
بزشكيان لدى استقباله لافروف الأسبوع الماضي (الرئاسة الإيرانية)
TT

روسيا تعرض الوساطة بين واشنطن وطهران لحل الخلافات

بزشكيان لدى استقباله لافروف الأسبوع الماضي (الرئاسة الإيرانية)
بزشكيان لدى استقباله لافروف الأسبوع الماضي (الرئاسة الإيرانية)

أعلنت روسيا استعدادها لبذل كل ما بوسعها لمساعدة الولايات المتحدة وإيران على حل خلافاتهما عبر المفاوضات.

وأفادت قناة «زفيزدا» الروسية التي تديرها الدولة عن المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف قوله إن الرئيس فلاديمير بوتين وافق على التوسط بين إيران والولايات المتحدة في محادثات تتعلق بالأسلحة النووية.

أتى ذلك بعدما ذكرت وكالة «بلومبرغ»، الثلاثاء، أن روسيا وافقت على مساعدة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، على التواصل مع إيران بشأن قضايا مختلفة، منها برنامج طهران النووي، ودعمها وكلاء في الشرق الأوسط.

ونقل التقرير الذي تناقلته وسائل إعلام رسمية روسية عن بيسكوف قوله: «روسيا تعتقد أن على الولايات المتحدة وإيران حل جميع مشكلاتهما من خلال المفاوضات... (موسكو) مستعدة لبذل كل ما بوسعها للمساعدة في تحقيق ذلك».

وقالت المصادر إن ترمب طرح هذا الطلب خلال مكالمة هاتفية مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين في 12 فبراير (شباط)، وإن هذه القضية نوقشت من قِبل الوفدين الروسي والأميركي في الرياض في 18 فبراير.

من جانبه، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، عند سؤاله عمّا إذا كانت روسيا عرضت الوساطة بين طهران وواشنطن: «من الطبيعي أن تعرض الدول تقديم مساعدتها».

وقال بقائي، خلال مؤتمر صحافي، الاثنين، في طهران: «نظراً لأهمية هذه القضايا، من المحتمل أن تُظهر أطراف كثيرة حُسن النية والاستعداد للمساعدة على حل المشكلات المختلفة. ومن هذا المنظور، من الطبيعي أن تعرض الدول تقديم المساعدة إذا لزم الأمر».

ولم يرد مسؤولو البيت الأبيض على طلبات بالتعقيب، كما لم تؤكد روسيا ولا إيران أو تنفيان علناً الطلب الأميركي.

واستأنف ترمب، الشهر الماضي، ممارسة سياسة «الضغوط القصوى» على إيران، التي تتضمن جهوداً لخفض صادراتها النفطية إلى الصفر من أجل منع طهران من الحصول على سلاح نووي، رغم أن إيران تنفي أي نية لديها من هذا القبيل.

وتجد طهران نفسها أمام خيار التفاوض مع ترمب، وسط انتكاسات لنفوذها الإقليمي، وسخط داخلي متزايد؛ بسبب الاقتصاد. ويؤكد المحللون أن طهران مضطرة للتفاوض مع ترمب، خصوصاً بعد تراجع «محور المقاومة»؛ نتيجة تفكك حلفائها، وسقوط الأسد، وضربات استهدفت «حزب الله» اللبناني.

واحتلَّ الملف النووي ومآلاته بعد عودة ترمب إلى السلطة، جدول أعمال زيارة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، إلى طهران بعد نحو عامين، إذ ناقش مع نظيره الإيراني عباس عراقجي، مستقبل الاتفاق النووي الذي تعدّ روسيا أحد أطرافه الخمسة.

وقال عراقجي، في مؤتمر صحافي مشترك مع لافروف بعد مشاوراتهما، إن بلاده لن تجري مفاوضات مع الولايات المتحدة، بينما تواصل إدارة ترمب استراتيجية «الضغوط القصوى». وقال لافروف إن «موسكو على يقين بأن التدابير الدبلوماسية لا تزال مطروحة على الطاولة فيما يتعلق بحل المشكلات المحيطة بالبرنامج النووي الإيراني».

كما أكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، لدى استقباله لافروف حرص طهران على تحسين العلاقات، ومواجهة العقوبات الأميركية التي تستهدف البلدين.

ونفى عراقجي لاحقاً أن تكون طهران تلقت أي رسالة أميركية عبر روسيا أو قطر. وصرَّح بأن نظيره الروسي قدَّم تقريراً مفصلاً حول مفاوضاته مع واشنطن والدول الأخرى في المنطقة، مؤكداً أنه لم يكن هناك أي رسائل منقولة، ولم يكن من المفترض أن يحضر أي رسالة.

وقد تعهَّدت كل من إسرائيل والولايات المتحدة بعدم السماح لإيران بصنع سلاح نووي؛ ما يرفع احتمالات التصعيد، خصوصاً بعدما شنَّت طهران هجمات ضد إسرائيل مرتين خلال العام الماضي.

وتغيَّرت مواقف إيران جذرياً بعد عودة ترمب إلى فرض استراتيجية «الضغوط القصوى» على طهران. ورغم أن المرشد الإيراني علي خامنئي أبدى استعداداً للتفاوض مع الغرب في أغسطس (آب)، فإنه أغلق الباب تماماً في فبراير.

وأثار ترمب احتمال قيام إسرائيل بقصف إيران، لكنه قال إنه يُفضِّل إبرام صفقة مع إيران تمنعها من تطوير سلاح نووي. وأعاد فرض سياسة «الضغوط القصوى» عبر العقوبات وتضييق الخناق على مبيعات طهران النفطية.

وقال خامنئي، في 7 فبراير الماضي، إن المحادثات مع الولايات المتحدة «ليست من الفطنة أو الحكمة أو الشرف»، في تصريحات تفسَّر في الفضاء السياسي الإيراني بأنها أوامر لحظر أي محادثات مباشرة مع ترمب.

ومن غير الواضح معرفة كيف ستستقبل طهران أي مبادرة أميركية تصلها عبر موسكو؛ فالتيار المحافظ المتشدد في إيران، الذي يهيمن على مؤسسات قوية مثل «الحرس الثوري» والقضاء، أعلن علناً تأييده رفض خامنئي أي تعامل مع واشنطن.

ويبدو أن بزشكيان قد امتثل لتوجيهات خامنئي الجديدة، حيث قال، الأحد: «كنت أعتقد أن المفاوضات هي الخيار الأفضل، لكن المرشد (خامنئي) أوضح أننا لن نتفاوض مع الولايات المتحدة، وسنمضي قدماً وفقاً لتوجيهاته».

وعزَّزت موسكو علاقاتها مع طهران منذ بداية الحرب على أوكرانيا، حيث استخدمت طائرات مسيّرة إيرانية في المعارك. ووقَّعت معها اتفاقاً للتعاون الاستراتيجي لمدة 20 عاماً في يناير (كانون الثاني). وجاء هذه التطور وسط توترات إقليمية ودولية متصاعدة.

تعاون صاروخي

كشفت مراجعة أجرتها وكالة «رويترز» لسجلات السفر وبيانات التوظيف عن زيارة عدد من كبار خبراء الصواريخ الروس إلى إيران خلال العام الماضي.

وسافر 7 خبراء أسلحة روس من موسكو إلى طهران عبر رحلتين جواً في 24 أبريل (نيسان) و17 سبتمبر (أيلول) العام الماضي، وفقاً لوثائق تحتوي على تفاصيل الحجز.

أظهرت السجلات الحكومية أن جميع الخبراء كانوا يحملون جوازات سفر تُستخدَم للأغراض الرسمية، مما يشير إلى أنهم مسؤولون حكوميون أو عسكريون.

وأفاد مسؤول رفيع في وزارة الدفاع الإيرانية، طلب عدم الكشف عن هويته، بأن الخبراء الروس زاروا مواقع إنتاج صواريخ إيرانية، بما في ذلك ​منشأتان تحت الأرض في سبتمبر. كما أكد مسؤول دفاعي غربي أن عدداً من الخبراء زاروا قاعدة صواريخ إيرانية قرب ميناء أمير آباد على ساحل بحر قزوين.

وكشفت قواعد البيانات الروسية أن الخبراء السبعة يتمتعون بخلفيات عسكرية رفيعة المستوى، بينهم متخصصون في صواريخ الدفاع الجوي والمدفعية وتطوير الأسلحة المتقدمة. ونفى 5 السفر إلى إيران، ورفض آخر التعليق. ولم تتمكَّن «رويترز» من تأكيد ما إذا كانوا لا يزالون يعملون في هذه الأدوار.

قائد الوحدة الصاروخية في «الحرس الثوري» أمير علي حاجي زاده يقدم شرحاً إلى شويغو حول صاروخ «كروز» إيراني في سبتمبر 2023 (أرشيفية - إ.ب.أ)

وتزامنت هذه الزيارات مع تصاعد التوترات بين إيران وإسرائيل، حيث تبادل الجانبان ضربات عسكرية في أبريل وأكتوبر (تشرين الأول) الماضيين. ورفضت وزارتا الدفاع والخارجية الإيرانيتين، وكذلك «الحرس الثوري» ووزارة الدفاع الروسية، التعليق على الأمر.

وقدمت مجموعة «هوشياران وطن»، المعارضة للحكومة الإيرانية، معلومات عن حجز الرحلات، مؤكدة أن الخبراء سافروا بصفهم «كبار شخصيات». وأظهرت سجلات عبور الحدود أن أحد الخبراء، أوليغ فيدوسوف، غادر طهران إلى موسكو في أكتوبر العام الماضي، باستخدام جواز سفر حكومي.

وأكدت «رويترز» هذه المعلومات من خلال بيان الركاب لرحلة سبتمبر، بينما لم تتمكَّن من التحقق من تفاصيل رحلة أبريل.

تعقيد سياسة واشنطن

وظهرت مقاتلة «سوخوي سو-57» الروسية المتطورة في إيران مؤخراً، في زيارة أثارت تساؤلات حول دوافعها الحقيقية.

وكانت المقاتلة في طريق عودتها من الهند بعد مشاركتها معرض «إيرو إنديا» الجوي، وتوقفت في إيران للتزود بالوقود. إلا أن تقارير تشير إلى أن هذه الزيارة قد تحمل أبعاداً سياسية وعسكرية أعمق، خصوصاً في ظل التوترات الإقليمية والدولية المتصاعدة، وفقاً لتحليل نشرته مجلة «ناشيونال إنترست» الأميركية.

تشير تحليلات إلى أن زيارة الطائرة الروسية المتقدمة قد تكون جزءاً من استراتيجية موسكو لتعزيز علاقاتها مع طهران، وإظهار دعمها لإيران في مواجهة التهديدات الإسرائيلية، لا سيما مع استعداد إسرائيل لضرب المنشآت النووية الإيرانية.

مقاتلة «سوخوي سو-57» خلال معرض «إيرو إنديا» الجوي... منتصف الشهر الماضي (إ.ب.أ)

كما يُعتقد أن روسيا قد تستخدم هذه الخطوة وسيلةً للضغط على الولايات المتحدة في مفاوضات السلام المتعلقة بأوكرانيا، حيث يمكن لبيع طائرات متطورة مثل «سوخوي سو-57» لإيران أن يعقِّد السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط.

ووقَّعت إيران بالفعل عقداً مع روسيا لشراء مقاتلات «سوخوي سو-35» الروسية، التي عزَّزت قدراتها الدفاعية. إلا أن «سوخوي سو-57»، بوصفها طائرة من الجيل الخامس، تشكِّل تهديداً أكبر لإسرائيل والولايات المتحدة، نظراً لصعوبة مواجهتها بالأنظمة الدفاعية الحالية. وتعدّ مقاتلة «لوكهيد مارتن إف-35 لايتنينغ الثانية» من المقاتلات النادرة القادرة على التصدي لـ«سوخوي سو-57».

وبالتالي، فإن أي صفقة محتملة لبيع هذه الطائرات لإيران قد تغير موازين القوى في المنطقة، وتضع تحديات جديدة أمام إسرائيل في أي عمليات عسكرية محتملة ضد المنشآت النووية الإيرانية، بحسب التحليل.

وفي الوقت الذي يسعى فيه الجانب الروسي لتحقيق توازن قوى في المنطقة، فإن هذه الزيارة قد تحمل رسائل ضمنية مفادها أن موسكو قادرة على دعم إيران بشكل أكبر في حال استمرار التصعيد ضدها. ومع ذلك، من غير المرجح أن تثني هذه الخطوات إسرائيل أو الولايات المتحدة عن اتخاذ إجراءاتهما ضد إيران.


مقالات ذات صلة

أميركا تستعد لحرب طويلة... وإيران تعيد تسليح نفسها

شؤون إقليمية سفن في مضيق هرمز كما تبدو من مسندم بسلطنة عُمان 23 أكتوبر الحالي (رويترز)

أميركا تستعد لحرب طويلة... وإيران تعيد تسليح نفسها

بينما يرى الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن الحرب يمكن أن تنتهي سريعاً، تحذر مؤشرات صادرة عن مسؤولين أميركيين من احتمال الانزلاق إلى صراع طويل.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - طهران - لندن)
شؤون إقليمية ناقلة نفطية تمر بمضيق هرمز في وقت سابق من شهر مايو 2026 (رويترز)

تحقيق أميركي في تداولات نفط مشبوهة مرتبطة بحرب إيران

قال مدير قسم إنفاذ اللوائح في لجنة تداول السلع الآجلة الأميركية ديفيد ميلر، الخميس، إن اللجنة تحقق في أنشطة تداول نفط مشبوهة مرتبطة بالحرب الأميركية على إيران.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية طلاب باكستانيون يعبرون الحدود الباكستانية الإيرانية سيراً على الأقدام بعد عودتهم من إيران في تفتان بإقليم بلوشستان الباكستاني 19 يونيو 2025 (أ.ف.ب)

نائب إيراني يلوّح بإغلاق الحدود مع باكستان

لوّح نائب إيراني بإغلاق الحدود البرية مع باكستان إذا واصلت إسلام آباد منع عبور الشاحنات الآتية من إيران في وقت تكدست مئات الشاحنات بالمعابر الحدودية

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية سفينة شحن تُبحر باتجاه مضيق هرمز (أ.ب)

«الحرس الثوري» يعلن إصابة 7 ناقلات… ويهدد القوات الأميركية

أعلن «الحرس الثوري»، الخميس، إصابة 7 ناقلات نفط بضربات وألغام بحرية في مضيق هرمز، وهدد باستهداف القوات الأميركية إذا واصلت واشنطن مرافقة السفن عبر المضيق.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية مارة يلتقطون صوراً لممثل إيراني يرتدي قناعاً يجسد وجه الرئيس الأميركي دونالد ترمب داخل زنزانة رمزية مثبتة على لوحة دعائية في ساحة تجريش بطهران - الأربعاء (أ.ف.ب)

طهران ترفع السقف قبل القرار الأميركي

رفعت إيران سقف مواقفها السياسية والعسكرية، في انتظار قرار نهائي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن الحرب، وسط مؤشرات على احتمال جولة ثالثة من المواجهة.

«الشرق الأوسط» (طهران - لندن)

واشنطن تستعد لحرب طويلة الأمد مع إيران

سفن في مضيق هرمز كما تبدو من مسندم بسلطنة عُمان 23 أكتوبر الحالي (رويترز)
سفن في مضيق هرمز كما تبدو من مسندم بسلطنة عُمان 23 أكتوبر الحالي (رويترز)
TT

واشنطن تستعد لحرب طويلة الأمد مع إيران

سفن في مضيق هرمز كما تبدو من مسندم بسلطنة عُمان 23 أكتوبر الحالي (رويترز)
سفن في مضيق هرمز كما تبدو من مسندم بسلطنة عُمان 23 أكتوبر الحالي (رويترز)

تستعدّ واشنطن لسيناريو صراع طويل الأمد مع طهران، في وقت تتزايد فيه التقارير عن احتمال شنّ ضربات جديدة ضد إيران، قبل الانتخابات النصفية للكونغرس الأميركي أو بعدها، رغم تأكيد الرئيس دونالد ترمب إمكان انتهاء الحرب قريباً.

وأكد السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، أن بلاده تستعد لاحتمال استمرار الصراع مع إيران فترة طويلة، رغم آمال واشنطن في أن تؤدي الضربات والعقوبات الاقتصادية إلى انتزاع تنازلات من طهران بشأن البرنامج النووي وإعادة حرية الملاحة في مضيق هرمز.

من جانبه، قال ترمب إن واشنطن قادرة على السيطرة على إيران والاستيلاء على نفطها.ولم يستبعد السفير الأميركي لدى تركيا توم براك احتمال شنّ ضربة أميركية ضد إيران خلال عطلة نهاية الأسبوع، مشيراً إلى أن ترمب أتاح لطهران فرصاً متكررة للتوصل إلى اتفاق.


تحرك إقليمي ودولي لاحتواء أزمات المنطقة

جانب من الاجتماع الثماني لمجموعتي «آر 4» و«إي 3» في إسطنبول (الخارجية التركية)
جانب من الاجتماع الثماني لمجموعتي «آر 4» و«إي 3» في إسطنبول (الخارجية التركية)
TT

تحرك إقليمي ودولي لاحتواء أزمات المنطقة

جانب من الاجتماع الثماني لمجموعتي «آر 4» و«إي 3» في إسطنبول (الخارجية التركية)
جانب من الاجتماع الثماني لمجموعتي «آر 4» و«إي 3» في إسطنبول (الخارجية التركية)

بحث 8 وزراء خارجية من الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا، خلال اجتماع في إسطنبول، الجمعة، محادثات غير مسبوقة حول حرية الملاحة في مضيق هرمز وملفات إقليمية ودولية.

ضم الاجتماع الذي نسقته تركيا -والذي عقد للمرة الأولى، بوصفه لقاءً تنسيقياً لبحث التعاون في حل الأزمات- وزراء خارجية مجموعة «آر 4» التي تشكّلت في مارس (آذار) الماضي، وهم وزير خارجية السعودية، الأمير فيصل بن فرحان، ونظراؤه المصري بدر عبد العاطي، والباكستاني محمد إسحاق دار، والتركي هاكان فيدان، الذي استضاف الاجتماع الذي عُقد في قصر تشيران سراي، المطل على البسفور في إسطنبول، ومجوعة «إي 3» التي مثلها وزراء الخارجية الألماني، يوهان فاديفول، والبريطاني إد ميليباند، والفرنسي جان نويل بارو، وانضم إلى الاجتماع وزير الخارجية الإيطالي أنتونيو تاياني.

قضايا متعددة وحلول إقليمية

وناقش الوزراء القضية الفلسطينية، والتطورات في اليمن، وهجمات الحوثيين على السعودية، وأزمة مضيق هرمز، وسبل إنهاء حرب روسيا وأوكرانيا.

وأكد فيدان، في بداية الاجتماع، أهمية الحلول القائمة على مبدأ «الملكية الإقليمية»، مشدداً على أنه لا يمكن فرض الحلول القادمة من الخارج، لافتاً إلى أن «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» الموقعة بين السعودية وتركيا وباكستان في 7 أغسطس (آب) الماضي، تعطي مثالاً على تطبيق هذا المبدأ عملياً.

اجتماع لوزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان قبل انطلاق الاجتماع (الخارجية التركية)

وأوضح أن الاتفاقية تهدف إلى حماية الأمن والسلام والازدهار الإقليمي، مستندة إلى الشعور بالملكية الإقليمية، مؤكداً دعم تركيا لأمن السعودية في مواجهة هجمات الحوثيين، وضرورة حماية حرية الملاحة عبر مضيقي هرمز وباب المندب.

ولفت إلى أن إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة واستمرار الحوار حول القضايا والأزمات أمر ضروري، حتى إذا كان التقدم بطيئاً وهشاً، موضحاً أن هذا النهج تجسّد في عدد من التحركات التركية، بينها المحادثات بين روسيا وأوكرانيا لإنهاء الحرب.

كان فيدان قد أكد، خلال كلمته في افتتاح «مؤتمر إسطنبول التاسع للوساطة»، الذي عُقد في إسطنبول الجمعة، تزايد حالة انعدام الثقة على المستوى العالمي، مشيراً إلى أن شعوب عدد من المناطق باتت تواجه صراعات مسلحة، رغم أن السلام ظل مقبولاً لسنوات طويلة.

فيدان متحدثاً في افتتاح مؤتمر «إسطنبول التاسع للوساطة» (الخارجية التركية)

وأضاف فيدان أن السنوات القليلة الماضية شهدت استمرار صراعات متعددة في مناطق مختلفة من العالم، ما أثّر في طرق تجارية برية وبحرية بالغة الأهمية، فيما أصبحت خروقات وقف إطلاق النار أمراً روتينياً.

ولفت إلى أن خروقات إسرائيل اليومية لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة تقوض الثقة بالنظام الدولي، مؤكداً أن إيصال المساعدات الإنسانية وحماية الأطفال يجب أن يكونا أولوية.

هجمات الحوثيين ومضيق هرمز

وقبل قليل من انطلاق «الاجتماع الثُّماني» في إسطنبول، قال مكتب وزير الخارجية البريطاني، إد ميليباند، إن المحادثات، خلال الاجتماع، ستتمحور، بشكل أساسي، حول «مضيق هرمز والوضع في السعودية، وأنه سيدعو إلى حل دبلوماسي لأزمة مضيق هرمز، يُعيد الحقوق والحريات الملاحية الكاملة، وسيوضح كيف يجري تكرار التكتيكات الإيرانية في أنحاء المنطقة؛ حيث تؤدي الهجمات على السعودية إلى زيادة زعزعة استقرار المنطقة، وتصعيد الضغوط على الممرات المائية الحيوية والمضايق الاستراتيجية العالمية، مثل باب المندب وقناة السويس.

لقاء بين فيدان وميليباند قبل انطلاق الاجتماع الثُماني في إسطنبول (الخارجية التركية)

وأشارت «الخارجية الفرنسية» إلى أن المحادثات، التي تُعقد بهذه الصيغة، للمرة الأولى على خلفية حالة من عدم الاستقرار الشديد وعدم اليقين في المنطقة، ستغطي «الأزمة الإيرانية بمختلف تداعياتها».

وأضافت أن «الاجتماع يهدف إلى تعزيز التنسيق بين الأوروبيين ودول الشرق الأوسط في مواجهة أزمات لم نخترها، لكنها تؤثّر علينا جميعاً».

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ونظيره المصري بدر عبد العاطي في إسطنبول (رويترز)

وقبل الاجتماع، قال وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، إنه من المهم أن يتم استجلاء جميع الفرص للتوصل إلى حل دبلوماسي لإنهاء الصراع اليمني، قبيل تصويت البرلمان المصري الأسبوع المقبل على تفويض ​القوات المسلحة المصرية لدعم السعودية في مواجهة هجمات الحوثيين المتحالفين مع إيران.

حرية الملاحة البحرية

وحذّر وزير الخارجية الألماني، يوهان فاديفول، من تداعيات الهجمات على الممرات البحرية، سواء في مضيق هرمز أو هجمات الحوثيين أو الهجمات الروسية على شحنات الحبوب.

وقال إنه «لا يمكننا مواجهة هذه التحديات الجسيمة إلا إذا عملنا معاً، متجاوزين الأطر القائمة، سواء تعلّق الأمر بالنزاع حول مضيق هرمز، أو هجمات الحوثيين على السعودية وحرية الملاحة البحرية، أو تداعيات الهجمات الروسية المتصاعدة باستمرار على شحنات الحبوب في البحر الأسود».

ولفت إلى أن الدول المشاركة في الاجتماع يجمعها إدراك أن هذه النزاعات المستعصية لها تداعيات كبيرة على الأوضاع الاقتصادية والأمنية، فضلاً عن رغبتها في البحث عن حلول.

فاديفول ووزيرا الخارجية الفرنسي والبريطاني على هامش اجتماع إسطنبول (رويترز)

وأضاف فاديفول: «لن نقبل أن تبتز إيران وميليشيات الحوثيين التجارة العالمية، وأن تواصل إبقاء إمدادات العالم من الطاقة والأسمدة تحت قبضتها الخانقة. يجب أن تتوقف الهجمات العشوائية على حرية الملاحة البحرية والدول المجاورة»، لافتاً إلى أن النزاع يؤدي، من بين أمور أخرى، إلى الجوع.

وذكر أن الوضع في البحر الأسود يُسهم أيضاً في تفاقم الأزمة، متهماً روسيا بأنها تُحاول من خلال مهاجمة شحنات الحبوب المجازفة بحدوث نقص في الغذاء في دول الجنوب العالمي، وهذا يُلحق الضرر بأشد فئات العالم فقراً، التي يعتمد توفير احتياجاتها بدرجة كبيرة على القمح، وكذلك بشركائنا، مثل تركيا التي تُعدّ أكبر دولة في العالم من حيث معالجة القمح المخصص للتجارة العالمية. وقال إن اجتماع إسطنبول، الأول من نوعه بهذا التنسيق، يهدف إلى محاولة تحريك مسار هذين النزاعين.


تركيا تقول إن إعادة توحيد شرق ليبيا وغربها «باتت وشيكة»

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان (أ.ف.ب)
وزير الخارجية التركي هاكان فيدان (أ.ف.ب)
TT

تركيا تقول إن إعادة توحيد شرق ليبيا وغربها «باتت وشيكة»

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان (أ.ف.ب)
وزير الخارجية التركي هاكان فيدان (أ.ف.ب)

رأى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الجمعة، أن الوقت حان لإعادة توحيد الإدارتَين المتنافستَين في شرق ليبيا وغربها، ملمّحاً إلى إمكان صدور إعلان في هذا الشأن في وقت قريب.

ودعمت تركيا على امتداد سنوات النزاع الحكومة المعترف بها دولياً في طرابلس، إلا أن علاقاتها شهدت في السنوات الأخيرة تحسّناً ملحوظاً مع سلطات الشرق الليبي، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال فيدان للصحافيين: «لقد بلغنا مرحلة أصبحت فيها الظروف مهيأة لترسيخ إعادة توحيد الشرق والغرب بشكل دائم». وأضاف: «لكل طرف هياكل عسكرية، وهذه الهياكل ينبغي أن تُدمج في إطار جيش وطني».

ترسيم الحدود البحرية

وجاءت تصريحات فيدان إثر استضافته اجتماعاً في إسطنبول ضمّ نظراءه من دول أوروبية وإقليمية، بينها مصر.

وتابع: «لعل إحدى أهم ركائز الوحدة الوطنية تتمثّل في كيفية جمع الوحدات العسكرية الخاضعة حالياً لسيطرة الجانبين تحت مظلّة واحدة».

وأضاف الوزير التركي: «بإذن الله، ستسمعون قريباً أخباراً جيدة جداً من تركيا تخصّ هذا الملف».

كان مجلس النواب في شرق ليبيا قد صادق، الثلاثاء، على مذكرة تفاهم لترسيم الحدود البحرية مع تركيا، بعدما رفضها لدى توقيعها للمرة الأولى في عام 2019.

لكن الاتفاق أثار حفيظة الاتحاد الأوروبي، لا سيما إيطاليا واليونان، بينما اعترضت عليه مصر بوصفه يمس حقوقها في البحر المتوسط.

ولفت فيدان إلى أن «تركيا تتّخذ موقفاً بنّاءً للغاية في هذا الملف»، مضيفاً: «يمكن لتركيا وإيطاليا ومصر أن تجتمع لبحث هواجس» جميع الأطراف.

حرب إيران

وأشار فيدان إلى أن شن هجوم جديد على إيران من شأنه أن يؤدي إلى تفاقم التوتر وتوسيع نطاق الصراع، مضيفاً أن الدبلوماسية والحوار هما السبيل الوحيد لإنهاء الحرب.

وقال: «نتفق جميعاً على أن أي هجوم جديد على إيران سيؤدي إلى توسيع نطاق الحرب في المنطقة... التدخل العسكري في إيران ليس حلاً على الإطلاق. ولا أحد يوافق على ذلك في الوقت الحالي».

وقال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو بعد اجتماعات اليوم إن أي تصعيد جديد بين إيران والولايات المتحدة لن يسفر إلا عن خاسرين، وسيؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط.

وتأتي هذه التصريحات عقب تقرير نشرته صحيفة «نيويورك تايمز»، يوم الأربعاء، يفيد بأن الجيشين الأميركي والإسرائيلي وضعا خططاً محددة لشن هجمات جديدة على إيران بعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي، الشهر المقبل.