إلى أين يصل تصعيد إسرائيل في لبنان؟

واشنطن تحاول لجم الهجوم مثلما حاولت بشأن رفح

جنود إسرائيليون في مستشفى للطوارئ قرب حيفا أمس (أ.ف.ب)
جنود إسرائيليون في مستشفى للطوارئ قرب حيفا أمس (أ.ف.ب)
TT

إلى أين يصل تصعيد إسرائيل في لبنان؟

جنود إسرائيليون في مستشفى للطوارئ قرب حيفا أمس (أ.ف.ب)
جنود إسرائيليون في مستشفى للطوارئ قرب حيفا أمس (أ.ف.ب)

التصعيد الإسرائيلي ضد «حزب الله» في لبنان جاء بالتأكيد لأهداف عسكرية تكتيكية واستراتيجية، لكنه جاء لكثير من الأسباب الداخلية الإسرائيلية أيضاً، السياسية والحزبية. وهذه وصفة لحرب طويلة تسعى الإدارة الأميركية لتقصيرها وتضييق نطاقها، ولكنَّ السياسيين في إسرائيل يتندّرون بالقول: يحاولون لجمنا كما فعلوا في رفح!

أما الأهداف العسكرية، فتتعلق بتغيير التوجه الاستراتيجي الذي كان سائداً حتى الآن. وهو: اليوم نجحت إيران في فتح سبع جبهات ضدنا وأدخلتنا في حرب استنزاف مريرة ونحن نلعب في ملعبها. يجب أن نتوقف هنا ونعيد الحسابات ونتفرغ لمحاربة إيران نفسها، فهي رأس الحية. ولذلك، طالب الجيش بوقف الحرب مع غزة وبالتالي مع لبنان، حتى يتفرغ للحرب الكبرى.

لكنَّ نتنياهو رفض الصفقة. وراح يحرض على الجيش، بأنه لا يريد الحسم، ولا يريد تحقيق أهداف الحرب.

قلب المعادلة

وفي الوقت ذاته، خرج قسم العمليات في رئاسة الأركان بنظرية جديدة تقول إن إيران تبني معركتها بالاستناد الكبير إلى «حزب الله». فإذا هاجمتها إسرائيل فسيكون لـ«حزب الله» دور ضخم. لذلك، لا يقوم «حزب الله» اليوم بتفعيل الصواريخ الدقيقة والباليستية التي يمتلكها. فهذه ليست لمعركة الإسناد بل للحرب الكبرى مع الأخ الأكبر في طهران. لذلك، تقرر قلب المعادلة: أولاً «حزب الله» ومن بعد ذلك إيران.

على الصعيد السياسي الداخلي، يسود غليان في الشارع الإسرائيلي. فقيام «حزب الله» بقذف الصواريخ، يومياً، تحت لافتة «الإسناد للفلسطينيين وحماس والمقاومة في قطاع غزة»، يثير موجة غضب بين الإسرائيليين عموماً وسكان الشمال النازحين عن بيوتهم منذ 11 شهراُ، ومستوطنات الجولان بشكل خاص.

فهؤلاء لا يهتمون للغارات الإسرائيلية على لبنان، ولا يكتفون بالأنباء عن تدمير بطاريات صواريخ «حزب الله» ولا تدمير القرى اللبنانية ولا حتى الاغتيالات النوعية العديدة. ويرون أن إسرائيل فقدت تماماً قوة ردعها على هذه الجبهة. ويطالبون بعملية حربية واسعة تقوّض قوة «حماس» وتُنهي الحرب بضربات شديدة التأثير تعيد السكان بأمان إلى بيوتهم، وإلى مصانعهم ومزارعهم ومتاجرهم ومرافقهم السياحية.

ولمَّا كان رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، ووزراؤه من جهة، وقادة الجيش من جهة ثانية، يهددون «حزب الله»، والقادة العسكريون ينشرون الخطط لاجتياح لبنان ويبلغون عن التدريبات الجارية مرة أو مرتين في الشهر على احتلال بلدات وأنفاق لبنانية، فقد زاد الحماس الجماهيري لهذه الحرب. وعلى مدار ثمانية أشهر، أشارت استطلاعات الرأي إلى أن غالبية المواطنين، من 51 في المائة إلى 63 في المائة، يؤيدون خوض حرب مع حزب الله، حتى لو اتسعت لحرب شاملة.

حتى قادة المعارضة «الليبرالية» اليمينية والوسطى، بيني غانتس ويائير لبيد وأفيغدور ليبرمان وجدعون ساعر، ينضمون إلى الدعوة لاستعادة الردع مع «حزب الله». وراح اليمين يتهم الجيش بالعجز والخوف من الحرب، والمعارضة تتهم نتنياهو بأنه يلجم الجيش ويمنعه من إشعال الحرب. وراح أبعد من ذلك فاتَّهم وزير دفاعه يوآف غالانت، بمعارضة الهجوم على «حزب الله» وراح يُعدّ خطة لإقالته واستبداله جدعون ساعر به.

الجيش بين مصيبتين

الجيش خشي من هذه الأجواء وأدرك أنه عالق بين مصيبتين؛ فإذا شن الحرب سيخدم أهداف اليمين، ويعرقل صفقة مع «حماس» حول غزة. وإذا لم يفعل فإن هيبته تهتز مرة أخرى وشعبيته تُضرب وتنخفض. فراح يدير حملة يقول فيها إنه قادر على تحويل بيروت إلى غزة ثانية، لكنَّ «لذلك ثمناً باهظاً علينا تحمله؛ تدمير أحياء في تل أبيب وحيفا ومقتل آلاف الإسرائيليين». ولما رأى أن الجمهور لا يتأثر ويواصل المطالبة بحرب، بدأ يتحرك.

تنسيق مع البنتاغون

قبل أن ينطلق جرى تنسيق بين الجيش والبنتاغون، بموجبه تقتصر العمليات الحربية على محاربة «حزب الله» وليس دولة لبنان، ويلتزم العمل على منع تمددها إلى حرب إقليمية. واتفق على أن تكون العمليات الإسرائيلية تدريجية، ولا تُرفَق باجتياح بري ما وراء الليطاني، وأن تتوقف هذه الحرب إذا قَبِلَ «حزب الله» الخطة الأميركية التي أعدها آموس هوكستاين. ولكن، إذا رفض «حزب الله» التوجه إلى تسوية، فإن هذا الرفض يبرر هجوماً برياً محدوداً.

التقاء المصالح

وقد التقت هنا مصالح نتنياهو، الذي يريد الظهور كمن يقود الدولة بعمليات حربية جريئة. فوافق على العمليات، بطريقة «القطعة». يعطي المصادقة على كل خطوة على حدة. وكان بذلك يضمر انتظار إنجازات عملية؛ فإذا كانت ناجحة ينتقل إلى الثانية. وانطلق الجيش. فكانت نجاحاته هائلة: يومي الثلاثاء والأربعاء، هجوم اللاسلكي و«البيجر». يوم الجمعة، تصفية قائد «الرضوان» ومعه 15 قائداً آخر. ويوم السبت بالهجوم الواسع على نحو 150 هدفاً.

ولأنه يتوقع رداً من «حزب الله»، فقد أعلن حالة طوارئ حربية من الدرجة الثانية، أي ليس تفرغاً كاملاً للحرب بل إغلاق المدارس وإلغاء الاحتفالات الكبرى والأعراس والمصانع في المنطقة الممتدة من خط حيفا - بيسان جنوباً حتى الجليل الأعلى. وأعلن أنه سيستمر في الاغتيالات. بل نشر قائمة بأسماء ثلاثة عسكريين بارزين من «حزب الله» على أنهم مرشحون للاغتيال، هم: علي كركي، قائد جبهة الجنوب، وأبو جعفر طلال حمية، قائد المخابرات الخارجية وما تُعرف باسم «الفرقة 910»، ومحمد حيدر، مسؤول التهريب.

فإذا رد «حزب الله» بشكل فعلي وضرب مدنيين أو مدناً وأوقع مصابين كثيرين تردّ إسرائيل بضربات ماحقة تدمِّر فيها الضاحية الجنوبية ومدناً في البقاع وتدفع مَن تبقى من أهالي الجنوب (التقدير أن هناك 300 ألف من مجموع 400 ألف في الجنوب ما زالوا في بلداتهم)، يريدون ترحيلهم إلى شمالي نهر الليطاني.

فرصة للتغيير

وحسب العقيد (احتياط) البروفسور غابي سيبوني، وهو باحث كبير في معهد الاستراتيجية والأمن، الذي يضم أكاديميي اليمين، فإن هذه فرصة لتصفية قدرات «حزب الله» وإحداث تغيير جوهري في الواقع السياسي اللبناني. ويضيف، في بحث نشره معهده، أن الحرب في غزة فشلت، بسبب تردد الحكومة والجيش والضغوط الأميركية. والمخطط الإيراني لاستنزاف إسرائيل يعمل حتى الآن بنجاح. وينبغي العمل الآن على عدة مستويات، أولاً، بإصدار أمر بإجلاء جميع سكان جنوب لبنان إلى شمال نهر الليطاني، «وسيتم هذا الإخلاء لحماية السكان، لأن جنوب لبنان بأكمله هو منطقة قتال».

خطة «الشمالية»

ويقتبس هنا خطة القيادة الشمالية للجيش، التي تشمل إجلاء السكان وتدمير جميع الجسور والمعابر على نهر الليطاني، بهدف تسريع عملية الإخلاء، بالإضافة إلى عزل منطقة القتال في الجنوب عن شمال لبنان، ثم السيطرة على منطقة أمنية عبر الحدود. وفي المرحلة الثانية، العمل على إخراج قوات «حزب الله» من جنوب لبنان وتنفيذ الخطط القديمة لتقويض قدراته العسكرية ومهاجمة أهداف تابعة لدولة لبنان في الجنوب التي يستخدمها «حزب الله» في القتال، مثل البنية التحتية للكهرباء والاتصالات والنقل والمياه. وفي المرحلة الثالثة، تغيير الوضع في لبنان بشكل جذري.

وينتقد سيبوني محاولة تنسيق الجيش مع الولايات المتحدة ويقول: «واشنطن ستضغط على إسرائيل بكل الوسائل المتاحة لها لتجنب مثل هذا العمل. ولذلك، يجب على إسرائيل أن تبادر بهذا العمل بشكل مفاجئ ومن دون أي تنسيق. من شأن مهاجمة أهداف البنية التحتية في لبنان أن يثير دول العالم ضد إسرائيل. ستعرف دولة إسرائيل كيفية التعامل مع عواقب مثل هذا الهجوم، الذي سيكون بمثابة رافعة قوية لعمل تقوم به دول العالم لتغيير الوضع في لبنان، كما هو موضح أعلاه، وهو تغيير هدفه الرئيسي تفكيك (حزب الله) عن سلاحه الهجومي الرئيسي».


مقالات ذات صلة

وزيرا الخارجية والجيوش الفرنسيان في لبنان السبت

المشرق العربي وزيرة الجيوش أليس روفو (إ.ب.أ)

وزيرا الخارجية والجيوش الفرنسيان في لبنان السبت

يزور وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو ووزيرة الجيوش أليس روفو لبنان، السبت والأحد، لبحث «آليات الوجود الدولي» هناك بعد انتهاء ولاية قوة «اليونيفيل».

«الشرق الأوسط» (باريس)
المشرق العربي دراجات نارية أمام مبنى شركة الأدوية خلال مداهمة القوى الأمنية في الضاحية الجنوبية لبيروت (المركزية)

مسلحون من «حزب الله» يحاولون منع الأمن اللبناني من مداهمة مستودع أدوية

أعلنت قوى الأمن الداخلي في لبنان أنها داهمت مستودعاً للأدوية في ضاحية بيروت الجنوبية وختمته بالشمع الأحمر.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون مرحّباً برئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني في بيروت (أ.ف.ب - الرئاسة اللبنانية)

قطر تطرح مشروعاً متكاملاً لحل أزمة الكهرباء في لبنان

أعلن رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام اقتراب التوصل إلى اتفاق مع قطر لإعادة تأهيل وتطوير البنية التحتية لإنتاج الكهرباء في لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي علي كيالي (معراج أورال) في صورة أرشيفية متداولة له على مواقع التواصل السورية

4 سوريين ولبناني شاركوا بالقبض على «جزّار بانياس» في لبنان

انشغلت الأجهزة القضائية والأمنية في لبنان بحادثة اعتقال الضابط في النظام السوري السابق علي كيالي، المعروف بـ«معراج أورال»، من منطقة المنصورية في جبل لبنان.

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي آليات عسكرية لقوات «اليونيفيل» خلال دورية في بلدة إبل السقي في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

اتصالات دولية مكثفة لتحييد لبنان عن أي تصعيد إقليمي

تكثّفت الاتصالات الدبلوماسية خلال الأيام الماضية بين لبنان والدول الصديقة، لضمان تحييد البلاد عن تداعيات أي تصعيد عسكري يمكن أن تشهده المنطقة.

نذير رضا (بيروت)

«الحرس الثوري» يعلن انفجار ناقلة بعد اصطدامها بلغم في مضيق هرمز

أرشيفية لاندلاع حريق بناقلة نفط شرق مضيق هرمز (فارس)
أرشيفية لاندلاع حريق بناقلة نفط شرق مضيق هرمز (فارس)
TT

«الحرس الثوري» يعلن انفجار ناقلة بعد اصطدامها بلغم في مضيق هرمز

أرشيفية لاندلاع حريق بناقلة نفط شرق مضيق هرمز (فارس)
أرشيفية لاندلاع حريق بناقلة نفط شرق مضيق هرمز (فارس)

​نقلت وسائل إعلام إيرانية عن «الحرس الثوري»، اليوم (السبت)، أن ‌ناقلة ‌نفط ​تعرضت لانفجار ‌واندلعت ⁠فيها ​النيران بعد ⁠اصطدامها بلغم بحري في أثناء عبورها مضيق ⁠هرمز.

وأفاد التقرير ‌بأن الناقلة ‌كانت ​تحمل ‌أكثر ‌من مليوني برميل من النفط الخام، وكانت ‌تحاول عبور الممر المائي ⁠الاستراتيجي بشكل ⁠غير قانوني عبر مسار غير مرخص به من إيران.


ترمب يلوّح بضرب «جبل الفأس»

بزشكيان في زيارة لمنشأة أجهزة الطرد المركزي ضمن البرنامج النووي الإيراني (أرشيفية - الرئاسة الإيرانية)
بزشكيان في زيارة لمنشأة أجهزة الطرد المركزي ضمن البرنامج النووي الإيراني (أرشيفية - الرئاسة الإيرانية)
TT

ترمب يلوّح بضرب «جبل الفأس»

بزشكيان في زيارة لمنشأة أجهزة الطرد المركزي ضمن البرنامج النووي الإيراني (أرشيفية - الرئاسة الإيرانية)
بزشكيان في زيارة لمنشأة أجهزة الطرد المركزي ضمن البرنامج النووي الإيراني (أرشيفية - الرئاسة الإيرانية)

تتواصل الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران في ظلّ غياب مؤشرات واضحة على قرب التوصل إلى تسوية، وسط تصاعد التهديدات العسكرية وتبادل الاتهامات بشأن أمن الملاحة في مضيق هرمز.

وفي ظلّ هذه الأجواء، لوّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب بإمكانية استهداف موقع «جبل الفأس»، في إطار مساعي واشنطن لمنع طهران من امتلاك سلاح نووي. وبرّر ترمب تصعيده قائلاً إن إيران قد تستخدم السلاح النووي «إذا تمكنت من الحصول عليه».

في المقابل، استبعد الرئيس الأميركي استخدام السلاح النووي ضد إيران، مؤكداً أن واشنطن لا تحتاج إلى مثل هذه الأسلحة لتحقيق أهدافها العسكرية. لكنه أشار إلى إمكانية اللجوء إلى أسلحة تقليدية شديدة التدمير، في إشارة إلى قنبلة «جي بي يو 43/ بي» المعروفة أيضاً باسم «أم القنابل»، والتي تُعدّ أقوى سلاح أميركي غير نووي.

من جانبه، أكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، أمس، أن بلاده لا تسعى إلى امتلاك سلاح نووي، وأنها مستعدة للحوار، مشدداً على أن طهران لن تخضع للعقوبات.


إيران تلتف على الحصار الأميركي بصادرات وقود محدودة

تحاول الشركات الآسيوية تنويع مصادر نفطها جراء حرب إيران (رويترز)
تحاول الشركات الآسيوية تنويع مصادر نفطها جراء حرب إيران (رويترز)
TT

إيران تلتف على الحصار الأميركي بصادرات وقود محدودة

تحاول الشركات الآسيوية تنويع مصادر نفطها جراء حرب إيران (رويترز)
تحاول الشركات الآسيوية تنويع مصادر نفطها جراء حرب إيران (رويترز)

تمكنت إيران من تصدير شحنات محدودة من غاز البترول المسال ووقود الطائرات منذ يوليو (تموز)، رغم الحصار البحري الأميركي المفروض على صادراتها، مستفيدة من عمليات نقل الشحنات بين السفن في مياه الخليج، وفق معلومات استخباراتية بحرية ومصادر في قطاع الشحن.

وفي حين تؤكد واشنطن أن الحصار يحدّ بصورة كبيرة من صادرات الطاقة الإيرانية، تكشف هذه الشحنات عن محاولات طهران الالتفاف على القيود والحفاظ على منافذ محدودة لتصريف منتجاتها النفطية.

وقالت أربعة مصادر عاملة في مجال الأمن البحري ومتابعة تحركات النفط في الخليج لوكالة «رويترز» إن إيران تمكنت خلال الأسابيع الأخيرة من تمرير شحنات من غاز البترول المسال، عبر إخفائها ضمن عمليات متزايدة لنقل المنتجات النفطية من سفينة إلى أخرى.

ولم تكن هذه الصادرات قد ظهرت في تقارير سابقة بهذه الصورة، وهي، رغم محدودية حجمها مقارنة بصادرات إيران من الطاقة قبل فرض الحصار، تقدم مؤشرات على استمرار تدفق بعض المنتجات النفطية الإيرانية إلى الأسواق الخارجية.

وأظهر تحليل أجرته منظمة «متحدون ضد إيران النووية»، التي تراقب حركة ناقلات النفط المرتبطة بإيران باستخدام بيانات تتبع السفن وصور الأقمار الصناعية، أن ما لا يقل عن 8 ناقلات غاز محملة بغاز البترول المسال الإيراني غادرت خليج عُمان منذ منتصف يوليو.

صور الأقمار الصناعية

بزشكيان يترأس اجتماعاً حكومياً لمناقشة إدارة استهلاك الوقود بحضور وزيرَي الداخلية والنفط وقادة الشرطة الإيرانية الأحد (الرئاسة الإيرانية)

كما أظهرت صور الأقمار الصناعية وتحليلات مجموعة الاستخبارات البحرية «سينماكس» وصول ناقلة أخرى تحمل وقود طائرات إيرانياً إلى ميانمار في سبتمبر (أيلول).

ووفقاً لتحليل «رويترز» لبيانات السفن والعقوبات الأميركية، فإن 6 من ناقلات الغاز الـ8، إلى جانب ناقلة وقود الطائرات، تخضع لعقوبات أميركية بسبب نقل منتجات نفطية وبتروكيماوية إيرانية.

وقالت جميما شيلي، الباحثة في منظمة «متحدون ضد إيران النووية»، إن المنظمة رصدت عدداً محدوداً من الناقلات التي تحمل غاز البترول المسال الإيراني، في حين أعادت القوات الأميركية توجيه الغالبية العظمى من الناقلات المحملة بمنتجات إيرانية.

وأضافت أن بعض ناقلات الغاز نقلت شحناتها بالقرب من مدينتي شناص وصحار الساحليتين في عُمان، بينما انتظرت ناقلات أخرى في خليج عُمان قبل محاولة تجاوز الحصار الأميركي، الذي قالت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) إنه يمتد عبر الخليج بالقرب من الحدود الإيرانية الباكستانية.

وقدّرت شيلي إجمالي شحنات غاز البترول المسال التي رصدتها المنظمة بنحو 4.1 مليون برميل، مشيرة إلى أن هذه التحركات تبدو مدفوعة بانتهاز فرص محدودة لتصدير المنتجات، أكثر من كونها دليلاً على تحول استراتيجي واسع نحو استخدام سفن أصغر للالتفاف على القيود.

ووفقاً لتحليل المنظمة، اتجهت معظم الشحنات إلى ميناء في ماليزيا، حيث يُرجح إجراء عمليات إضافية لنقلها بين السفن، قبل وصولها إلى وجهات محتملة في الصين.

الجيش الأميركي: الحصار محكم

في المقابل، تؤكد القيادة المركزية الأميركية أن الحصار البحري لا يزال محكماً، وأن مرور بعض السفن لا يعني بالضرورة نجاحها في الإفلات من القيود.

وقال مسؤول عسكري أميركي لـ«رويترز» إن القوات الأميركية تقيّم حركة كل سفينة على حدة، من خلال إجراءات تشمل مراجعة الوثائق، مشيراً إلى أن بعض السفن قد يُسمح لها بالمرور لأسباب إنسانية.

وأوضح المسؤول أن إدراج سفينة على قوائم العقوبات الأميركية ليس العامل الوحيد الذي يحدد خضوعها للحصار، لافتاً إلى أن القوات تراقب بعض السفن عن كثب من دون اتخاذ إجراءات مباشرة ضدها لأسباب عملياتية.

وفي تحديث صدر في 13 أكتوبر (تشرين الأول)، قالت القيادة المركزية الأميركية إن قواتها عطّلت 4 سفن تجارية وأعادت 135 سفينة أخرى خلال الحصار الأخير، الذي استمر ثلاثة أشهر وفق البيان. وكانت القيادة قد ذكرت في تصريحات سابقة أنها أعادت سفناً قادمة من آسيا وصادرت بعض الناقلات.

تشكيك أميركي في البيانات

وزير النفط الإيراني محسن باك نجاد (الرئاسة الإيرانية)

وشكك متحدث باسم وزارة الخزانة الأميركية في دقة بيانات الشحن التي تشير إلى نجاح سفن في تجاوز الحصار، قائلاً إن بعض السفن قد تتلاعب بمواقعها أو تستخدم هويات مزيفة أثناء عمليات التحميل، داعياً إلى التعامل مع هذه البيانات بحذر.

وأضاف أن ما وصفه بـ«الإقصاء الاقتصادي»، إلى جانب الحصار البحري، يفاقم الضغوط على إيران ويحدّ من قدرتها على تحقيق الإيرادات.

وفرضت الولايات المتحدة الحصار للمرة الأولى في 13 أبريل (نيسان)، قبل أن ترفعه في يونيو (حزيران) عقب التوصل إلى مسودة تفاهم مع إيران، ثم تعيد فرضه في 14 يوليو بعد انهيار الاتفاق، وفق المعلومات الواردة في التقرير.

وترافق الحصار مع حملة عقوبات مالية وتجارية تستهدف تقليص الإيرادات الإيرانية وقطع ما تبقى لطهران من روابط مالية خارجية. وفي هذا السياق، فرضت واشنطن الأسبوع الماضي عقوبات جديدة على 17 سفينة قالت إنها شاركت في نقل النفط الخام والبتروكيماويات والمنتجات البترولية الإيرانية.

ضغوط تدفع طهران للمجازفة

وتأتي محاولات تصدير المنتجات النفطية في وقت تواجه فيه إيران ضغوطاً اقتصادية متزايدة، وسط تراجع قدرتها على بيع النفط الخام وتزايد القيود المفروضة على تعاملاتها التجارية والمالية.

وقال توربيورن سولتفيدت، المحلل الكبير لشؤون الشرق الأوسط لدى شركة «فيريسك مابلكروفت» المتخصصة في معلومات المخاطر، إن تدهور الأوضاع الاقتصادية قد يدفع إيران إلى تحمل مخاطر أكبر في محاولة تمرير شحنات محدودة، رغم عدم وجود مؤشرات على احتمال تخفيف الحصار.

وأشار إلى أن وقود الطائرات قد يمثل خياراً مناسباً لإيران في هذه الظروف، نظراً إلى الضغوط المتزايدة التي يتعرض لها قطاع الطيران الإيراني بسبب العقوبات الأميركية، وما قد ينجم عنها من توقف عدد متزايد من الطائرات، الأمر الذي قد يترك فائضاً من وقود الطائرات في المصافي المحلية.

وفي مؤشر على حجم الضغوط التي تواجهها صادرات الطاقة الإيرانية، قالت شركة «كبلر» المتخصصة في تحليل بيانات الشحن والطاقة إن صادرات النفط الخام الإيراني انخفضت إلى الصفر في سبتمبر، في أول شهر لا تُسجل فيه أي شحنة منذ أن بدأت الشركة تتبع أنشطة إيران عام 2013.

من جانبه، قال وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، إن الحصار منع معظم مشتريات الصين من النفط الإيراني، وجعل إيران غير قادرة على توريد النفط الخام إلى عملائها.

وتشير هذه المعطيات إلى أن الحصار الأميركي يفرض قيوداً واسعة على صادرات الطاقة الإيرانية، وإن كانت الشحنات المحدودة من غاز البترول المسال ووقود الطائرات توضح أن طهران لا تزال تحاول استغلال الثغرات المتاحة في حركة الشحن البحري. لكن استمرار هذه العمليات لا يعني بالضرورة نشوء مسار بديل قادر على تعويض خسائر صادرات النفط الخام، خصوصاً في ظل تشديد العقوبات ومراقبة الناقلات وعمليات النقل بين السفن.