موسكو تنتظر «خطوات إيرانية» لاستئناف الحوار حول الاتفاق الاستراتيجي

بوتين ومخبر يتفقان على تطوير التعاون ودفع مشروعات في مجال الطاقة

الروس يراقبون التغييرات في الأجندة الإيرانية بعد الوفاة المفاجئة للرئيس إبراهيم رئيسي (إ.ب.أ)
الروس يراقبون التغييرات في الأجندة الإيرانية بعد الوفاة المفاجئة للرئيس إبراهيم رئيسي (إ.ب.أ)
TT

موسكو تنتظر «خطوات إيرانية» لاستئناف الحوار حول الاتفاق الاستراتيجي

الروس يراقبون التغييرات في الأجندة الإيرانية بعد الوفاة المفاجئة للرئيس إبراهيم رئيسي (إ.ب.أ)
الروس يراقبون التغييرات في الأجندة الإيرانية بعد الوفاة المفاجئة للرئيس إبراهيم رئيسي (إ.ب.أ)

أجرى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، مساء الخميس، جولة محادثات هاتفية مع القائم بأعمال الرئاسة الإيرانية محمد مخبر، ركز خلالها الطرفان على الاهتمام المشترك بتطوير التعاون في مجالات عدة، ودفع العمل في تنفيذ مشروعات ضخمة في قطاع الطاقة، وزيادة مستوى التنسيق في الملفات الإقليمية والدولية.

وبدا أن المكالمة التي جرت بمبادرة من الجانب الإيراني، كما أفاد الكرملين، سعت إلى تخفيف تأثيرات الإعلان الروسي قبل يومين، حول تجميد العمل على صياغة اتفاق استراتيجي شامل لتطوير التعاون بين روسيا وإيران، كان الطرفان قد عملا على بلورته لعامين.

ورغم أن البيان الذي أصدره الكرملين حول مجريات المكالمة، لم يتطرق لهذا الملف بشكل مباشر، كما خلت البيانات الإيرانية بدورها من إشارة إلى موضوع الاتفاق المجمد، لكن توقيت إجراء المكالمة وتركيز الجانبين على إعطاء أولوية لزيادة التنسيق في كل الملفات وتعزيز آليات العمل المشترك، دلت على الأهمية التي توليها موسكو وطهران لتجاوز الملفات الخلافية التي أسفرت عن تعليق العمل على الاتفاق الاستراتيجي.

وأفاد بيان الكرملين بأن رئيس روسيا والقائم بأعمال رئيس إيران شددا على اهتمامهما بمواصلة تطوير التعاون بين البلدين، بما فيه تنفيذ المشاريع المشتركة الواعدة في مجالي الطاقة والنقل.

وزاد البيان الروسي أن المكالمة تناولت أيضاً بعض قضايا التعاون على الساحة الدولية، بما في ذلك ما يتعلق بالرئاسة الروسية لمجموعة «بريكس» التي أصبحت إيران عضواً كامل العضوية فيها بدءاً من مطلع العام الحالي.

وأشار البيان إلى أن مخبر هنأ رئيس روسيا وشعبها بمناسبة العيد الوطني الذي يحتفل به في 12 يونيو (حزيران)، وأعرب عن شكره على الدعم في هذه الفترة الصعبة التي تمر بها إيران «بعد الوفاة المأساوية للرئيس إبراهيم رئيسي».

بدوره، هنأ بوتين جميع المسلمين في إيران بمناسبة حلول عيد الأضحى، وتمنى لإيران النجاح في الحملة الانتخابية الجارية، و«طلب نقل تمنياته إلى المرشد الإيراني علي خامنئي»، حسب بيان الكرملين.

لافروف والقائم بأعمال الخارجية الإيرانية علي باقري كني بعد اجتماع «بريكس» في مدينة نيجني نوفغورود الروسية (الخارجية الروسية)

«علاقات استراتيجية»

بدورها، أشارت وكالة «إرنا» الرسمية إلى أن مخبر وصف العلاقات بين طهران وموسكو بـ«الاستراتيجية»، وقال إنها «تقوم على مبادئ غير قابلة للتغيير»، ورأى أن «التنفيذ الكامل لجميع الاتفاقيات المبرمة، بما في ذلك في قطاعات التجارة والترانزيت والطاقة، يشكل جدول الأعمال الرئيسي للعلاقات الثنائية»، مؤكداً عزم إيران على تنفيذها.

وأفادت «إرنا» بأن مخبر استعرض كذلك التعاون الثنائي ومتعدد الأطراف بين إيران وروسيا، وخاصة في ملف ممر الترانزيت بين الشمال والجنوب، وفي إطار مجموعة «بريكس» والاتحاد الاقتصادي الأوراسي، وشدد على أهمية ترسيخ الأسس القانونية للتعاون المتبادل.

وكانت موسكو أعلنت بشكل أحادي قبل يومين، تجميد العمل على إنجاز اتفاقية شاملة أطلق الجانبان مفاوضات تفصيلية بشأنها منذ بداية عام 2022. وكان من المفترض، وفقاً لتأكيدات موسكو وطهران، أن «تحدد أطر تعزيز التعاون وإرساء علاقات وثيقة بين روسيا وإيران لعقود مقبلة».

وعزت موسكو القرار المفاجئ إلى «مشاكل عند الجانب الإيراني»، وتحدثت أوساط دبلوماسية روسية عن أن طهران سعت إلى إدخال تعديلات عدة على بنود الاتفاقية، ما تطلب إجراء مراجعة شاملة على مستوى الهياكل والإدارات الروسية المختصة.

لكن وزير الخارجية سيرغي لافروف سعى إلى التخفيف من أهمية قرار التجميد، وقال إن الطرفين توصلا خلال الفترة الماضية إلى توافقات على نصف بنود الوثيقة، معرباً عن ثقة بقدرة الطرفين على «حل القضايا الإجرائية العالقة، بشكل أساسي من جانب زملائنا الإيرانيين».

ورأت تغطيات الصحافة الروسية أن عناصر التباين التي ما زالت تعرقل التوصل إلى صياغة نهائية للاتفاقية الكبرى، تنطلق من تطورات داخلية في إيران، من دون أن تشير مباشرة إلى تكهنات بأن النخب الإيرانية تخوض نقاشات حول شكل وآليات تطوير التعاون مع روسيا.

وكتب معلقون أن «الحديث لا يدور عن اتفاق دبلوماسي عادي، إنما عن اتفاقية ينبغي أن تحدد العلاقات بين البلدين لعقود مقبلة. والاتفاقيات الاستراتيجية من هذا النوع تتضمن أيضاً عنصراً آيديولوجياً».

ورأى خبراء أنه «في بعض الأحيان يستغرق إعداد هذا النوع من الاتفاقيات سنوات عديدة، وليس هناك شيء لافت في تأخير التوقيع عليها. إنما في حالة إيران، هناك العديد من المزالق».

عباللهيان وخلفه باقري كني على هامش اجتماع مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في طهران (إ.ب.أ)

تأثير وفاة رئيسي

وفقاً للتقييم الروسي، فقد أدت الوفاة المفاجئة للرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي وفريقه في حادث تحطم المروحية إلى «إدخال تعديلات على الأجندة الإيرانية»؛ كون إيران مشغولة حالياً باستحقاق انتخاب رئيس جديد للبلاد، ووضع الترتيبات الداخلية اللازمة للمرحلة المقبلة.

وأعرب خبراء روس عن ثقة بأنه «من شبه المؤكد أن فريق الرئيس الإيراني الجديد سيقوم بإجراء تعديلاته الخاصة على الاتفاقية الاستراتيجية مع روسيا. وربما لن تكون هذه التغييرات جوهرية، ولن تكون هناك حاجة لإطلاق عملية تفاوض جديدة كاملة، ولكن من المرجح أن تجري مناقشة المقترحات الجديدة من قبل الفريق الإيراني الجديد».

وكان لافتاً أن تعليقات الخبراء الروس، والتصريحات الصادرة عن المستوى الرسمي الروسي، ركزتا على الحاجة إلى مزيد من الوقت، وتحدثتا عن تباينات محدودة بسبب مشاكل لدى الإيرانيين، من دون أن توضحا تفاصيل محددة حول البنود الخلافية أو طبيعة التعديلات التي طلبت طهران إدخالها على بعض بنود الاتفاقية، ما أسفر عن وقف العمل عليها حالياً.

في الوقت ذاته، حرصت موسكو على إظهار تمسكها بمواصلة تعزيز التعاون مع الشريك الإيراني، وبالإضافة إلى التصريحات التي صدرت عن الكرملين ووزارة الخارجية حول أن خيار إبرام الاتفاق الشامل «لا تراجع عنه»، فقد سار بوتين خطوة عملية لإظهار تمسك موسكو بهذا المسار، من خلال توقيعه أول من أمس، قانون التصديق على اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الاقتصادي الأوراسي وإيران.

وتم توقيع الاتفاقية في سان بطرسبرغ، نهاية العام الماضي، بهدف تحرير وتبسيط التجارة بين دول الاتحاد الاقتصادي الأوراسي وإيران، من خلال تقليل أو إزالة الحواجز الجمركية وغير الجمركية، ودعم التفاعل الاقتصادي والتجاري.

وكما قال نائب رئيس وزارة التنمية الاقتصادية في الاتحاد الروسي، فلاديمير إيليتشيف، فإن الاتفاقية ستساهم في زيادة التجارة المتبادلة: وبالتالي، بحلول عام 2025، من المتوقع زيادة قدرها 1.1 مليار دولار. كما ترى الوزارة أن هذه الاتفاقيات ستساعد في تنفيذ مشاريع تطوير ممر النقل بين الشمال والجنوب.

وقال إن تنفيذ الاتفاق لن يترتب عليه نفقات إضافية من الميزانية الاتحادية. وفي الوقت نفسه، فإن حجم الأفضليات الجمركية المقدمة لإيران سيصل إلى نحو 50 مليون دولار، وسيتم تعويضها من خلال إيرادات إضافية من ضريبة القيمة المضافة، حسب تقديرات الوزارة.

واللافت أن اختيار بوتين المصادقة على الاتفاقية في هذا التوقيت حمل إشارة إلى حرص الكرملين على تقليل تأثيرات تجميد العمل على الاتفاقية الشاملة للتعاون بين موسكو وطهران، لحين انتهاء إيران من تنفيذ الخطوات اللازمة لاستئناف الحوار حول بنودها وبلورتها بصياغتها النهائية.


مقالات ذات صلة

الرئيس الإيراني: استهداف خامنئي إعلان «حرب شاملة ضد الشعب»

شؤون إقليمية جانب من الاحتجاجات في إيران (أ.ب) play-circle

الرئيس الإيراني: استهداف خامنئي إعلان «حرب شاملة ضد الشعب»

حذّر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الأحد، من أنّ أي هجوم على المرشد علي خامنئي سيكون بمثابة إعلان حرب.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية الشرطة تطلق الغاز المسيل للدموع خلال مظاهرة مناهضة للحكومة في طهران الخميس الماضي (أ.ب) play-circle

طهران تنفي رواية واشنطن بشأن «800 إعدام»

نفت إيران تنفيذ أو التحضير لنحو 800 حكم إعدام بحق محتجين، فيما قالت مصادر أميركية إن وزير الخارجية الإيراني نقل المعلومة لمبعوث ترمب.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية إيرانيون يسيرون بجوار لوحة إعلانية في متجر بطهران كُتب عليها باللغة الفارسية «إيران وطننا» (إ.ب.أ)

5 آلاف قتيل في احتجاجات إيران... والقضاء يتوعد بأقصى العقوبات

قال مسؤول إيراني إن السلطات تحققت من مقتل ما لا يقل عن خمسة آلاف شخص خلال أحدث موجة احتجاجات شعبية هزت البلاد منذ أواخر ديسمبر.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية إيرانيون يسيرون بجانب لافتة مكتوب عليها باللغة الفارسية «هذا ليس احتجاجاً» في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)

إيرانيون غادروا بلادهم يروون «كابوس» قمع الاحتجاجات الشعبية

في 10 يناير، شاهد «كيارش» في طهران مسلحاً يرتدي رداء فضفاضاً، ثم رأى متظاهرين يسقطون بين الحشود، ويؤكد أنه لو التفت في الاتجاه الخاطئ لكان قد مات هو أيضاً.

«الشرق الأوسط» (طهران - لندن)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب) play-circle

ترمب: خامنئي مسؤول عن تدمير إيران... وحان وقت البحث عن قيادة جديدة

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم (السبت)، إن الوقت قد حان للبحث عن قيادة جديدة في إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

الرئيس الإيراني يحذر من استهداف المرشد

متظاهرون يشاركون في مسيرة دعماً لاحتجاجات الإيرانيين، في برلين الأحد (أ.ب)
متظاهرون يشاركون في مسيرة دعماً لاحتجاجات الإيرانيين، في برلين الأحد (أ.ب)
TT

الرئيس الإيراني يحذر من استهداف المرشد

متظاهرون يشاركون في مسيرة دعماً لاحتجاجات الإيرانيين، في برلين الأحد (أ.ب)
متظاهرون يشاركون في مسيرة دعماً لاحتجاجات الإيرانيين، في برلين الأحد (أ.ب)

حذّر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، أمس، من استهداف المرشد علي خامنئي، قائلاً إنه سيكون بمثابة إعلان حرب، وذلك غداة قول الرئيس الأميركي دونالد ترمب «الوقت حان للبحث عن قيادة جديدة في إيران».

ونفت الخارجية الإيرانية رواية ترمب عن تراجع طهران عن إلغاء 800 حالة إعدام، في وقت ذكرت وسائل أميركية أن المعلومة تلقاها ستيف ويتكوف، مبعوث الرئيس الأميركي، من وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، قبل أن يوقف ترمب قرار الهجوم على إيران الأربعاء.

وقال مسؤول إيراني لوكالة «رويترز» إن السلطات تحققت من مقتل خمسة آلاف شخص على الأقل خلال الاحتجاجات، بينهم 500 من قوات الأمن، مضيفاً أن بعضاً من أعنف الاشتباكات وأكبر عدد من القتلى سجل في المناطق الكردية غرب البلاد.


الرئيس الإيراني: استهداف خامنئي إعلان «حرب شاملة ضد الشعب»

جانب من الاحتجاجات في إيران (أ.ب)
جانب من الاحتجاجات في إيران (أ.ب)
TT

الرئيس الإيراني: استهداف خامنئي إعلان «حرب شاملة ضد الشعب»

جانب من الاحتجاجات في إيران (أ.ب)
جانب من الاحتجاجات في إيران (أ.ب)

حذّر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الأحد، من أنّ أي هجوم على المرشد علي خامنئي سيكون بمثابة إعلان حرب. وكتب بزشكيان، في منشور على منصة «إكس»، إنّ «الهجوم على قائدنا يرقى إلى مستوى حرب شاملة مع الشعب الإيراني»، وذلك غداة قول الرئيس الأميركي دونالد ترمب لموقع «بوليتيكو» إن «الوقت حان للبحث عن قيادة جديدة في إيران».

وقال بزشكيان إن «العقوبات اللاإنسانية التي تفرضها الحكومة الأميركية وحلفاؤها هي سبب كل المعاناة والضيق في حياة الشعب الإيراني».

الرئيس مسعود بزشكيان يخاطب بحضور المرشد علي خامنئي دبلوماسيين أجانب في طهران (الرئاسة الإيرانية)

وكان ترمب قد اتهم خامنئي بالمسؤولية عما وصفه بالتدمير الكامل لبلاده «وقتل شعبه» في الاحتجاجات المستمرة بمناطق مختلفة من إيران منذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

وهدّد ترمب مراراً بالتدخل إذا نفذت إيران أحكام إعدام بحق محتجين، متوعداً بـ«إجراء قوي للغاية». لكنه قال لاحقاً إنه تلقى معلومات تفيد بأن طهران تراجعت عن تنفيذ إعدامات جماعية، شاكراً قادتها على ما وصفه بإلغاء خطط لإعدام نحو 800 شخص.

وفي كلمة ألقاها السبت، وصف خامنئي ترمب بأنه «مجرم» بسبب دعمه للمحتجين، وقال إن بلاده «لن تجر البلاد إلى الحرب، لكنها لن تسمح للمجرمين المحليين أو الدوليين بالإفلات من العقاب».

وأضاف أن «عدة آلاف» قُتلوا خلال الاحتجاجات، متهماً الولايات المتحدة وإسرائيل بالوقوف وراء أعمال العنف.

وقالت وزارة الخارجية الأميركية، الأحد، على صفحتها الفارسية في منصة «إكس»، إنها تلقت تقارير تفيد بأن «الجمهورية الإسلامية تستعد لإعداد خيارات لاستهداف قواعد أميركية في المنطقة».

وأضافت الوزارة الأميركية أن «جميع الخيارات لا تزال مطروحة»، محذرة من أن أي هجوم على أصول أميركية سيُقابل «بقوة شديدة جداً»، ومشددة على ما وصفته بتحذيرات متكررة من ترمب.

ولاحقاً، قال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، في مؤتمر صحافي، إن التقارير التي تحدثت عن استعداد بلاده لتنفيذ هجمات ضد أهداف أميركية «لا أساس لها من الصحة»، واصفاً إياها بأنها «جزء من سياسة أميركية تقوم على استمرار التهاب الأوضاع وإثارة التوتر في المنطقة».

وكادت الولايات المتحدة تشن ضربة عسكرية ضد إيران الأربعاء الماضي، قبل أن يتراجع ترمب في اللحظات الأخيرة، في تطور عكس حدود القوة العسكرية الأميركية وضغوطاً إقليمية ودولية واسعة، وفق ما نقلته صحيفة «واشنطن بوست» وموقع «أكيسوس»، الأحد.

وقال مسؤولون أميركيون إن قرار ترمب عدم توجيه ضربة عسكرية لإيران جاء نتيجة تداخل عوامل عدة، في مقدمها محدودية الجاهزية العسكرية الأميركية في المنطقة، وتحذيرات مباشرة من إسرائيل ودول إقليمية بشأن مخاطر ردّ إيراني محتمل، إضافة إلى مخاوف داخل فريقه من تداعيات ضربة قد لا تكون حاسمة.

سيارات تسير في طهران تحت لافتة كتب عليها «هذا ليس احتجاجاً» الخميس (أ.ف.ب)

وأضافت التقارير أن قناة تواصل سرية بين المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، لعبت دوراً مؤثراً في خفض التصعيد، وأسهمت في تعليق الإعدامات، ما عزّز توجه البيت الأبيض نحو التريث.

وبحسب «أكسيوس»، اقتربت الإدارة الأميركية من لحظة اتخاذ القرار، لكن «الأمر لم يصدر»، في وقت لا يزال فيه خيار العمل العسكري مطروحاً رهن تطورات ميدانية وسياسية لاحقة.


مسؤولون أميركيون لنتنياهو: لا مجال للاعتراض على هيئات ومجالس غزة

صورة جماعية للمشاركين في قمة شرم الشيخ للإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة في أكتوبر الماضي (الرئاسة المصرية)
صورة جماعية للمشاركين في قمة شرم الشيخ للإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة في أكتوبر الماضي (الرئاسة المصرية)
TT

مسؤولون أميركيون لنتنياهو: لا مجال للاعتراض على هيئات ومجالس غزة

صورة جماعية للمشاركين في قمة شرم الشيخ للإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة في أكتوبر الماضي (الرئاسة المصرية)
صورة جماعية للمشاركين في قمة شرم الشيخ للإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة في أكتوبر الماضي (الرئاسة المصرية)

أعربت مصادر سياسية أميركية لوسائل إعلام عبرية عن دهشتها واستغرابها من إعلان الحكومة الإسرائيلية أنها «فوجئت بضم مسؤول قطري ووزير تركي لعضوية «مجلس السلام» بقيادة الرئيس دونالد ترمب، وأن لم يُجْرَ تنسيق معها (أي تل أبيب) في الموضوع»، موضحة أن «واشنطن أبلغت نتنياهو بأنه لا مجال للاعتراض، وأن المسيرة انطلقت».

ونقلت «القناة 12» للتلفزيون الإسرائيلي، عن مسؤول أميركي قوله إن «لم ننسق فعلاً مع إسرائيل بشأن المجلس التنفيذي لغزة، ولم نبلغ نتنياهو مسبقاً بتشكيل المجلس التنفيذي، لكنه يعرف، وكان يجب أن يتوقع وجود ممثلين من تركيا وقطر؛ وغزة الآن شأننا وليست شأنه».

ترمب يعرض النسخة التي وقَّع عليها لاتفاق غزة في مدينة شرم الشيخ المصرية أكتوبر الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)

وشرح المسؤول الأميركي: «إذا كان (نتنياهو) يريد من إدارة ترمب التعامل مع غزة، فسنفعل ذلك بطريقتنا. من الأفضل له أن يركز على إيران، ويترك لنا التعامل مع غزة، عليه مواصلة سياسته، ونحن سنواصل المضي قدماً في تنفيذ خطتنا».

وتابع: «نحن لا ننوي الدخول في جدال مع نتنياهو، وليس من حقه أن يعارضنا. لم يكن أحد يتوقع أن نصل إلى ما وصلنا إليه في غزة، لكننا نجحنا في ذلك».

المعارضة والحكومة ترفضان

كانت الحكومة الإسرائيلية وائتلافها، وكذلك أحزاب المعارضة، قد اعترضت على تركيبة «مجلس السلام»، لضمها برئاسة ترمب ما وصفته بـ«عناصر غير مقبولة».

وعدت أحزاب المعارضة التركيبة «دليلاً على فشل نتنياهو في استثمار الإنجازات العسكرية، وتحويلها إلى مكاسب سياسية».

وكان نتنياهو قد استشعر الهجمة التي سيواجهها بسبب ضم وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، ومستشار رئيس الوزراء القطري للشؤون الاستراتيجية علي الذوادي.

كما سُمعت انتقادات في تل أبيب حتى بسبب ضم مدير المخابرات المصرية حسن رشاد، والوزيرة الإماراتية لشؤون التعاون الدولي ريم الهاشمي، والملياردير القبرصي الإسرائيلي ياكير غباي، والمبعوثة الأممية ومنسقة الشؤون الإنسانية وإعادة الإعمار في غزة الهولندية سيغريد كاغ، وعد الرافضون أنهم «من القوى التي تتخذ مواقف واضحة ضد سياسة إسرائيل تجاه الفلسطينيين».

وسارع نتنياهو لإصدار بيان رسمي، قال فيه إن الإعلان عن تركيبة المجلس التنفيذي لقطاع غزة من جانب الولايات المتحدة الأميركية، جرى من دون تنسيق مع الحكومة الإسرائيلية، وإن مضمونه يتعارض مع سياساتها.

وجاء في البيان أن رئيس الحكومة أوعز لوزير الخارجية، جدعون ساعر، التوجه والحديث مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بهذا الشأن.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونظيره الإسرائيلي جدعون ساعر في مقر «الخارجية الأميركية» في واشنطن ديسمبر الماضي (أ.ف.ب)

وقد فوجئت وسائل الإعلام والحلبة السياسية من هذا البيان الاستثنائي، الذي يعد أول تمرد من نتنياهو على ترمب.

«ضد ويتكوف وليس ترمب»

وقالت مصادر سياسية مقربة من نتنياهو إن «البيان ليس ضد ترمب، إنما ضد شخصية أخرى من محيطه تتخذ مواقف معادية لإسرائيل، ونتنياهو شخصياً»، على حد زعمها.

وبحسب «موقع i24NEWS» الإخباري الإسرائيلي فإن «هذا الشخص هو المستشار والمبعوث الخاص للرئيس، ستيف ويتكوف».

وجاء في تقرير الموضع أنه «منذ عدة أشهر، يسود شعور بأن المبعوث ستيف ويتكوف يتمتع بعلاقات قوية، لأسبابه الخاصة، في جميع أنحاء الشرق الأوسط،» وأن «المصالح الإسرائيلية لا تُؤخذ في الحسبان في قراراته في بعض الأحيان، بل إنه تحول إلى شخصية محورية وراء قرارات تُعد مناقضة للمصالح الإسرائيلية».

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستقبل المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف بالقدس يوليو الماضي (د.ب.أ)

ويبدو أن نتنياهو قرر ضرب عصفورين بحجر، فهو لا يستطيع الدخول في مواجهة مع ترمب، لذلك يضغط على ويتكوف، ويغطي بذلك على حقيقة أنه كان يعرف بهذه التركيبة من قبل.

ووفق ما نقل عنه موقع «هآرتس»، قال مصدر مطلع على التفاصيل، إن تركيبة المجلس التنفيذي لغزة تتماشى مع نتنياهو، وإن احتجاجه ليس إلا لأغراض شكلية تتعلق بتناقضات السياسة الإسرائيلية الداخلية.

وكما توقع نتنياهو، أثار هذا التطور ردود فعل ناقدة في الائتلاف الحكومي والمعارضة على حد سواء؛ كل واحد منهما لدوافعه السياسية والآيديولوجية.

فقال رئيس الحكومة السابق ورئيس المعارضة الحالي، يائير لبيد، إنه «منذ عام وأنا أقول للحكومة: إذا لم تحرزوا تقدماً في المبادرة المصرية مقابل الولايات المتحدة والعالم، وتقبلون بها مبدئياً، فستجدون تركيا وقطر في غزة»، مشيراً إلى أن «هذا فشل سياسي ذريع لحكومة نتنياهو بعد تضحيات جنود وقادة الجيش».

وقال رئيس الوزراء الأسبق، نفتالي بنيت: «بعد سنتين من ذبحنا، (حماس) ما زالت حية وتحكم، وقوتها تتعاظم».

هجوم معاكس

وأما في الائتلاف الحكومي فقد وجَّه سموتريتش انتقادات حادة لنتنياهو، ولكن في الاتجاه المعاكس، فقال إن «الخطيئة الأصلية هي عدم استعداد رئيس الحكومة لتحمّل المسؤولية عن غزة، وإقامة حكم عسكري فيها، وتشجيع الهجرة واستئناف الاستيطان، وضمان أمن إسرائيل سنوات طويلة.

أما وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير نتنياهو، فقد شجع نتنياهو على رده الجريء، وطالبه بالاستعداد فعلا لاستئناف الحرب، لكنه انتقد نتنياهو وقال: «قطاع غزة أصلاً لا يحتاج إلى لجنة إدارية لإعادة الإعمار، بل يجب تطهيره من (إرهابيي حماس)، وتشجيع الهجرة الطوعية، وفق الخطة الأصلية للرئيس ترمب، والتحضير للعودة إلى القتال لتحقيق الهدف المركزي للحرب: تدمير (حماس)».