إيران تختم تسجيل مرشحي الرئاسة... وخامنئي يحذرهم من تبادل الاتهامات

قاليباف تعهد بمواصلة مسار رئيسي... وجهانغيري أكد أن البلاد ليست على ما يرام

خامنئي وحسن خميني خلال مراسم ذكرى المرشد الإيراني الأول في طهران (موقع المرشد الإيراني)
خامنئي وحسن خميني خلال مراسم ذكرى المرشد الإيراني الأول في طهران (موقع المرشد الإيراني)
TT

إيران تختم تسجيل مرشحي الرئاسة... وخامنئي يحذرهم من تبادل الاتهامات

خامنئي وحسن خميني خلال مراسم ذكرى المرشد الإيراني الأول في طهران (موقع المرشد الإيراني)
خامنئي وحسن خميني خلال مراسم ذكرى المرشد الإيراني الأول في طهران (موقع المرشد الإيراني)

أغلقت إيران، الاثنين، نافذة تسجيل المرشحين للانتخابات الرئاسية المبكرة، نهاية الشهر الحالي، إثر مقتل الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي، في حادث تحطم طائرة مروحية. وحذر المرشد علي خامنئي الأطراف السياسية من «التراشق بالاتهامات والتشهير» في الحملة التي تبدأ، الأسبوع المقبل.

وشهدت قاعة لجنة الانتخابات الإيرانية، في مقر وزارة الداخلية، تدفقاً كبيراً من المسؤولين والنواب الحاليين والسابقين، لتقديم أوراقهم، في الساعات الأخيرة، على نهاية التسجيل.

وبداية من الثلاثاء، يباشر مجلس صيانة الدستور فحص طلبات المرشحين، قبل أن يعلن النتائج النهائية في 11 يونيو (حزيران)، عشية انطلاق الحملة الانتخابية لمدة أسبوعين، على أن تجري الانتخابات في 28 يونيو.

وقال المرشد الإيراني علي خامنئي في خطاب الذكرى السنوية للمرشد الأول الخميني إن الانتخابات الرئاسية «يجب أن يسود فيها الأخلاق»، محذراً المرشحين من «التراشق بالاتهامات والتشهير، والإضرار بالحيثية الوطنية».

ونقل الموقع الرسمي قوله إن «الحركة العظيمة التي نحن بصددها يجب فيها تحكيم الأخلاق... على الإخوة الذين يدخلون ساحة التنافس الانتخابي أن ينظروا إليها بوصفها وظيفة». وأضاف «البلاد بحاجة إلى رئيس نشط وفعال ومطلع ومؤمن بمبادئ الثورة».

80 طلباً

وقال وزير الداخلية أحمد وحيدي إن الوزارة سجلت 80 طلباً في نهاية عملية تسجيل المرشحين. ووافقت الوزارة على 37 طلباً حتى نهاية اليوم الرابع، الأحد. وفي اليوم الأخير تقدم 43 مرشحاً للانتخابات. وقالت وسائل إعلام إيرانية إن 75 في المائة من الطلبات تقدم بها نواب حاليون وسابقون.

وكان أبرزهم رئيس البرلمان خلال السنوات الأربع الماضية، محمد باقر قاليباف، الذي انسحب من الانتخابات الرئاسية في 2017 بعد ترشح الرئيس الراحل إبراهيم رئيسي.

وخاض قاليباف الانتخابات الرئاسية لعام 2005، وأحرز الرتبة الرابعة بحصوله على نحو 4.1 مليون صوت، وفي عام 2013 انهزم أمام الرئيس الأسبق حسن روحاني، وأحرز المرتبة الثانية بحصوله على نحو 6.1 مليون صوت.

وقال قاليباف بعد ترشحه للانتخابات الرئاسية، إنه يستند إلى «خبرة سياسية وتنفيذية» لدخول السباق من أجل «حل المسائل والمشكلات التي تواجه الناس»، منتقداً سوء الإدارة في السنوات العشر التي سبقت رئاسة إبراهيم رئيسي، في إشارة صريحة إلى عهد الرئيس المعتدل نسبياً حسن روحاني، ونهاية الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد.

وصرح قاليباف: «أتحدث في البداية مع الناس عن قلقين، القلق الأول يتعلق ببلدنا إيران، والقلق الثاني يتعلق بالمشهد الانتخابي». وأضاف: «نحن اليوم قلقون على مستقبل بلادنا وعيش أولادنا... ننظر بدقة إلى كل الأوضاع المعقدة في البلاد، وأسأل نفسي: أي توجه يجب أن يستمر؟ أي توجه يجب أن يكتمل؟ وأي توجه يجب أن يتغير؟ والأهم من ذلك، من يجب أن يحمل على عاتقه المسؤولية في ظل هذه الأوضاع الحساسة؟».

وبشأن الانتخابات، قال قاليباف إنه «قلق من أن تتسبب المجادلات السياسية في تهميش الهواجس الأساسية للناس، وقضية الاقتصاد والمعيشة». وأضاف: «في هذا الصدد، لم تجرِ محاسبة صعوبة الأعمال غير المكتملة بشكل صحيح»، مشيراً إلى «آراء غير واقعية بشأن الحلول العلمية لحل المشكلات». وأضاف: «هذه المخاوف دفعت بعض النخب والطلاب الثوريين الحريصين على البلاد إلى دعوتي لدخول الانتخابات».

وأشار قاليباف إلى إعادة انتخابه رئيساً للبرلمان، في بداية دورته الجديدة، وقال: «في البداية، عندما كُلِّفتُ بمقعد رئاسة البرلمان، رأيت واجبي هناك، وطرحت الأمر على من يهمهم أمر البلاد، لكن بعد رؤية المشهد الانتخابي، وتراجع الفاعلية، وظهور الحلول لحل المشكلات، وكذلك دعوة غالبية النواب، و... دعوة الوجوه السياسية البارزة لثورة، توصلت إلى استنتاج جديد بأنني إذا لم أترشح للرئاسة فإن العمل الذي بدأناه منذ سنوات لحل القضايا الاقتصادية للناس في الحكومة والبرلمان الثورييْن، سيبقى غير مكتمل».

وأعرب الجنرال السابق في «الحرس الثوري» عن اعتقاده أن «التفكير الثوري للجنرال قاسم سليماني والرئيس إبراهيم رئيسي لا يزال فعالاً لتوفير أمن وهدوء الناس». وقال إن بلاده بحاجة إلى تفكير «لا يرى الأشياء أسود وأبيض، وأن يستخدم كل طاقة لتقدم البلاد».

بموازاة ترشح قاليباف، قدم وزير الطرق والتنمية الحضرية، المتشدد مهرداد بذرباش، أوراقه لدخول الانتخابات. وقال الوزير المحسوب على «الحرس الثوري»، إن «إمكانات البلاد يجب ألا تكون ضحية التنافس السياسي».

ونزل بذرباش في اللحظات الأخيرة من مروحية الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي، وتوجه إلى مروحية ثانية، وكان حاضراً في مراسم افتتاح سد حدودي مع آذربيجان، قبل مقتل رئيسي ووزير الخارجية حسين أمير عبداللهيان. وهو رئيس مجلس إدارة صحيفة «وطن أمروز» المتشددة.

وزير الطرق والتنمية مهرداد بذرباش المرشح الثاني من حكومة رئيسي لخلافته بعد وزير الثقافة محمد مهدي إسماعيلي (إ.ب.أ)

ويعد بذرباش ثاني وزير حالي يترشح بعد وزير الثقافة محمد مهدي إسماعيلي. ويأتي ترشحهما على الرغم من تأكيد المتحدث باسم الحكومة علي بهادري جهرمي، الأسبوع الماضي، عدم تقديم الحكومة مرشحاً لخوض الانتخابات.

كما ترشح وزير العدل السابق، مصطفى بورمحمدي، وأحد المسؤولين الأربعة في «لجنة الموت»، المسؤولة عن تنفيذ إعدامات 1988، وهو الملف نفسه الذي لاحق الرئيس الإيراني الراحل إبراهيم رئيسي طيلة فترة رئاسة للحكومة، وقبل ذلك في القضاء.

وقال بورمحمدي إنه سيطلق على الحكومة اسم «حكومة القرار». وأضاف: «كنا مفعمين بالأحلام الكبيرة، لكننا اليوم لم نصل إلى ما أردناه». وأضاف: «أعرف تقلبات سياسة البلاد، وأستطيع أن أقول إنني خلال الـ45 سنة الماضية على دراية بالقضايا والأسرار الخفية صغيرها وكبيرها، والمشكلات الداخلية والخارجية».

وترشح رئيس مؤسسة «الشهيد» الحكومية، أمير حسين قاضي زاده هاشمي، وتعهد النائب السابق بأن يعمل على كبح جماح التضخم والبطالة، وإزالة الفقر المطلق، وتحقيق نمو اقتصادي يتراوح بين 6 إلى 8 في المائة، وتقليل التهديدات الاجتماعية.

وهذه المرة الثانية التي يخوض فيها قاضي زاده هاشمي الانتخابات الرئاسية، بعد 3 سنوات من هزيمته أمام إبراهيم رئيسي حيث أحرز الرتبة الأخيرة بين 4 مرشحين خاضوا الانتخابات.

أمير حسين قاضي زاده هاشمي يترشح للمرة الثانية بعد هزيمة 2021 (أ.ف.ب)

«أوضاع صعبة»

ودخل إسحاق جهانغيري، نائب الرئيس الإيراني الأسبق، وأحد المرشحين للتيار الإصلاحي، إلى السباق. وقال جهانغيري الذي شغل مناصب وزارية منذ عهد الرئيس الأسبق، علي أكبر هاشمي رفسنجاني، ورفض طلب جهانغيري في الانتخابات الأخيرة.

وقال جهانغيري للصحافيين إن «أحوال إيران ليست على ما يرام اليوم»، وأضاف: «الناس سعوا وراء الحرية والاستقلال والتقدم، وبُذلت جهود لتحقيق هذا الأمر، لكن لا يزال الناس يواجهون أوضاعاً صعبة». وتابع: «كل الإنجازات المتنوعة التي أحرزناها لم تتمكن من بث الحيوية في النمو والتنمية، ما لم نُزح الستار عن الحقائق، لمعرفة الأسباب ستدور الحجر على نفس الرحى».

نائب الرئيس الأسبق إسحاق جهانغيري قد يكون مرشح التيار الإصلاحي إذا حصل على موافقة «صيانة الدستور» (أ.ب)

ولفت جهانغيري إلى أن بلاده يمكنها أن تتخطى «التحديات والمصاعب وحتى الأزمات، (...) شرط أن يكون نموذج حل القضايا الجذرية والتحديات الفائقة، قائماً على إجماع جميع القوى في نظام الحكم». وأضاف: «وعلى الرغم من تنوع وتعدد قضايا ومشكلات البلاد، فإنني أرى أنه من الممكن الحد منها وحلها بمشاركة وثقة الشعب».

بدوره، قال عباس آخوندي، وزير السكن والتنمية الحضرية في حكومة حسن روحاني، إنه سبب ترشحه «القلق على إيران، القلق من الفقر، والمنازعات الدولية والانهيار الاجتماعي والثقافي لشعب في مركز حضارة عمرها آلاف السنوات». وقال آخوندي: «إنني أدرك أنكم تشعرون شعوراً عميقاً بوجود عدة حكومات أو عدم وجود حكومة». وأضاف: «أنتم الذين تجربون تضخماً يتجاوز 40 في المائة لمدة تتجاوز عن 5 سنوات، تدركون أن حكومة وطنية، هاجسها الرفاهية والتنمية، لا تتولى الأمور».

واستقال آخوندي في 2018 من منصبه بعد 5 سنوات من توليه المنصب، إثر ضغوط برلمانية، رغم فشل النواب 3 مرات بحجب الثقة منه.

ومن غير المرجح أن يحصل آخوندي على موافقة مجلس صيانة الدستور. واتهم سياسيون معتدلون المجلس المؤلف من 12 عضواً بإعلان عدم أهلية من يترشحون أمام غلاة المحافظين الذين من المتوقع أن يهيمنوا على السباق الرئاسي.

ومن المتوقع أن تؤدي الاختيارات المحدودة مع ازدياد الاستياء بسبب عدد من الأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية إلى انخفاض نسبة الإقبال على التصويت، ومن ثم افتقار النظام الإيراني الحاكم للشرعية.


مقالات ذات صلة

بابا الفاتيكان يندد بقتل المحتجين في إيران ويؤكد رفضه للحرب

شؤون إقليمية البابا ليو الرابع بابا الفاتيكان داخل طائرة خلال عودته إلى روما (أ.ب)

بابا الفاتيكان يندد بقتل المحتجين في إيران ويؤكد رفضه للحرب

ندد البابا ليو بابا الفاتيكان بشدة بقتل المحتجين في إيران، وذلك بعدما انتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب البابا الأسبوع الماضي لعدم قيامه بذلك.

«الشرق الأوسط» (الفاتيكان)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

ترمب يسعى لصفقة مع إيران و«رواية انتصار» تصاحب إنهاء الحرب

في لحظةٍ تتقاطع فيها حسابات الحرب مع رهانات السياسة، رفع الرئيس الأميركي دونالد ترمب سقف تهديداته مرةً أخرى ضد إيران.

هبة القدسي (واشنطن)
شؤون إقليمية جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ) p-circle

تقرير: إصابة مجتبى خامنئي «بالغة»... لكنه بكامل وعيه

أفادت صحيفة «نيويورك تايمز» بأن المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي أُصيب بجروح بالغة جراء الضربة الجوية الأميركية - الإسرائيلية التي اغتيل فيها والده.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس (أ.ب)

كاتس: ننتظر الضوء الأخضر الأميركي لاستكمال القضاء على «سلالة خامنئي»

أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن الدولة العبرية «مستعدة لاستئناف الحرب ضد إيران»، مشيراً إلى أنها تنتظر موافقة الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
الولايات المتحدة​ صورة نشرها «الحرس الثوري» لزورق حربي يبحر في مضيق هرمز (أ.ف.ب)

حرب إيران... هدنة معلّقة ومضيق مخنوق

في لحظة بين اللاحرب واللاسلم تبدو المنطقة أمام معادلة مزدوجة: مسار تفاوضي لم يمت لكنه لم يُولد مجدداً، ووقف إطلاق نار لم ينهِ القتال بل نقله من الجو إلى البحر.

إيلي يوسف (واشنطن)

بابا الفاتيكان يندد بقتل المحتجين في إيران ويؤكد رفضه للحرب

البابا ليو الرابع بابا الفاتيكان داخل طائرة خلال عودته إلى روما (أ.ب)
البابا ليو الرابع بابا الفاتيكان داخل طائرة خلال عودته إلى روما (أ.ب)
TT

بابا الفاتيكان يندد بقتل المحتجين في إيران ويؤكد رفضه للحرب

البابا ليو الرابع بابا الفاتيكان داخل طائرة خلال عودته إلى روما (أ.ب)
البابا ليو الرابع بابا الفاتيكان داخل طائرة خلال عودته إلى روما (أ.ب)

ندد البابا ليو بابا الفاتيكان، اليوم الخميس، بشدة بقتل المحتجين في إيران، وذلك بعدما انتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب البابا الأسبوع الماضي لعدم قيامه بذلك، في ‌حين انتقد ‌الحرب الأميركية ‌الإسرائيلية على إيران.

كما استنكر ليو، وهو أول بابا من الولايات المتحدة، مقتل «عدد كبير جداً» من المدنيين في الحرب، وعبّر عن أسفه لانهيار محادثات السلام ‌الأميركية ‌الإيرانية، وذلك في تصريحات ‌أدلى بها على ‌متن الطائرة لدى عودته إلى روما بعد جولة شملت أربع دول أفريقية.

وقال البابا، ‌رداً على سؤال في مؤتمر صحافي حول تقارير تفيد بأن إيران قتلت آلاف المحتجين: «أندد بجميع الأعمال الظالمة، وأندد بإزهاق الأرواح».

وأضاف، وفقاً لوكالة «رويترز»: «عندما يتخذ نظام، أو دولة، قرارات تزهق أرواح الآخرين ظلماً، فمن البديهي أن هذا أمر يستحق التنديد».

وحث البابا ليو الرابع عشر الولايات المتحدة وإيران على العودة إلى مفاوضات السلام.


ترمب يسعى لصفقة مع إيران و«رواية انتصار» تصاحب إنهاء الحرب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
TT

ترمب يسعى لصفقة مع إيران و«رواية انتصار» تصاحب إنهاء الحرب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

في لحظةٍ تتقاطع فيها حسابات الحرب مع رهانات السياسة، رفع الرئيس الأميركي دونالد ترمب سقف تهديداته مرةً أخرى ضد إيران، ملوّحاً بإصدار أوامر للجيش الأميركي بإطلاق النار وتدمير القوارب الإيرانية التي تعيق حركة الملاحة في مضيق هرمز، وإزالة الألغام من الممر المائي.

ويزيد البعد الزمني من تعقيد المشهد؛ فترمب الذي تعهد بتجنب «الحروب الطويلة»، يواجه ضغوطاً داخلية متزايدة لإنهاء الأزمة بسرعة، خاصة مع اقتراب الانتخابات الفصلية للكونغرس في نوفمبر (تشرين الثاني) وارتفاع أسعار الطاقة نتيجة التوتر في مضيق هرمز.

وفي المقابل، تبدو إيران أكثر استعداداً لتحمل تكلفة الوقت؛ ما يمنحها أفضلية نسبية في معركة الإرادات.

ورغم هذه التحديات، لا تزال واشنطن تراهن على أن مزيج الضغط والمرونة قد يفضي إلى اتفاق. ووفقاً للخبراء، فإن ترمب لا يسعى فقط إلى صفقة مع إيران، بل إلى «رواية انتصار» تصاحب الاتفاق؛ إذ لن يُقاس نجاحه بمضمون الاتفاق فحسب، بل بقدرته على تقديمه بوصفه إنجازاً وانتصاراً يتفوق على إرث أوباما واتفاقية عام 2015 النووية مع إيران.

ومع ذلك، يظل الطريق إلى هذا الهدف مليئاً بالتحديات، من تعقيدات الملف النووي إلى توازنات الداخل الإيراني، مروراً بحسابات السياسة الأميركية.

غضب ترمب ونفاد صبره

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية 18 أبريل (أ.ب)

ويأتي تهديد ترمب بإطلاق النار على القوارب الإيرانية، في ظل غياب مؤشرات واضحة بشأن استئناف محادثات السلام التي استضافتها باكستان سابقاً خلال الأيام المقبلة، مع عدم صدور أي تصريحات حول ترتيبات محتملة لزيارة نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إلى باكستان.

وبدا غضب ترمب ونفاد صبره واضحين في تغريدة أخرى، سخر فيها من الصعوبات التي تواجهها إيران في تحديد قيادتها، مشيراً إلى اقتتال داخلي بين متشددين يتكبدون خسائر فادحة في ساحة المعركة، ومعتدلين وصفهم بأنهم «ليسوا معتدلين على الإطلاق».

ولوّح بأن الولايات المتحدة تسيطر سيطرةً تامة على مضيق هرمز، وأنه لا يمكن لأي سفينة الدخول أو المغادرة دون موافقة البحرية الأميركية، مؤكداً أن الحصار على المضيق «محكم تماماً» إلى أن تتمكن إيران من «إبرام صفقة».

وفسّر محللون هذا التحول في الخطاب الرئاسي الأميركي بوصفه انتقالاً من خطاب الردع إلى خطاب يضع قواعد اشتباك ميدانية دقيقة، تستهدف ضبط السلوك الإيراني في الممرات البحرية دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة.

كما رأوا أن ربط ترمب، في تغريداته على «تروث سوشيال»، بين السيطرة الكاملة على مضيق هرمز وإبقائه مغلقاً حتى توافق إيران على صفقة، يمثل رسالة تجمع بين الضغط العسكري والابتزاز التفاوضي.

وأثار ترمب جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية الأميركية بإعلانه عدم وجود جدول زمني لإنهاء وقف إطلاق النار مع إيران؛ إذ عدَّه البعض تراجعاً عن نهج التصعيد، في حين رآه آخرون مرونة تكتيكية ضمن استراتيجية تفاوضية أوسع.

صيغة توازن دقيقة

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس (أ.ب)

ويبدو أن ترمب يسعى إلى المناورة بين ضغوط الداخل وحسابات الخارج؛ بحثاً عن صيغة توازن دقيقة تمكّنه من الخروج من المواجهة مع إيران دون أن يظهر بمظهر المتراجع، خصوصاً بعد تمديد هدنة وقف إطلاق النار، والتراجع عن بعض تهديداته السابقة، والجدل المستمر حول جدوى الحصار الأميركي في مضيق هرمز لإجبار إيران على تقديم تنازلات.

وتقول أليس إيفرز، الباحثة في مجلس العلاقات الخارجية، إن «جميع خيارات ترمب تنطوي على مخاطر عالية في بيئة تصعيدية صفرية، حيث يسعى كل طرف إلى إجبار الآخر على التراجع». وتضيف أن هذا النمط من التصعيد المتبادل يجعل أي تهدئة مؤقتة مجرد استراحة تكتيكية لا تحولاً استراتيجياً.

ويشير تقرير لصحيفة «واشنطن بوست» الأميركية إلى أن إدارة ترمب انتقلت من خطاب التهديد بالحسم العسكري إلى ما يشبه «نمط الانتظار»، حيث جرى تمديد الهدنة دون سقف زمني واضح، مع الإبقاء على أدوات الضغط الأساسية، وعلى رأسها الحصار البحري والعقوبات الاقتصادية.

ولا يعكس هذا التحول رغبة في تجنب التصعيد فحسب، بل محاولة لصياغة مسار تفاوضي يمنح ترمب فرصة إعلان «انتصار سياسي» في حال التوصل إلى اتفاق.

ووفق هذه القراءة، لا ترى واشنطن في التصعيد الإيراني، بما في ذلك هجمات «الحرس الثوري» على الملاحة في مضيق هرمز، خروجاً عن السيطرة بقدر ما تعدّه جزءاً من «لعبة التفاوض بالقوة». فإيران، التي تواجه ضغوطاً اقتصادية متزايدة، تسعى إلى تحسين شروطها عبر استعراض قدرتها على تهديد أحد أهم شرايين الطاقة العالمية، في حين تراهن الولايات المتحدة على أن استمرار الضغط سيدفع طهران إلى تقديم تنازلات أوسع.

إيران مختلفة

جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)

غير أن هذا الرهان يصطدم بواقع أكثر تعقيداً. فإيران اليوم ليست كما كانت خلال مفاوضات عام 2015، حين وقّعت الاتفاق النووي مع إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما؛ إذ راكمت مخزوناً كبيراً من اليورانيوم عالي التخصيب، ورفعت مستوى خبرتها التقنية في المجال النووي وتخصيب اليورانيوم محلياً؛ ما يجعل العودة إلى القيود السابقة أكثر صعوبة.

وتشير تقارير إلى أن طهران قد تكون مستعدة لتقديم «ضمانات إضافية»، لكنها ترفض بشكل قاطع التخلي الكامل عن حقها في التخصيب.

ويبرز هنا التحدي الأكبر أمام ترمب: كيف يمكنه تحقيق اتفاق «أفضل» من اتفاق 2015 الذي انتقده لسنوات قبل أن ينسحب منه في 2018؟ وتكمن الإجابة، وفق مقربين من الإدارة، في إعادة تعريف «الأفضل»، عبر التركيز على فرض قيود أطول زمناً، وتشديد آليات التفتيش، وربما انتزاع تنازلات تتعلق بمستوى التخصيب ومصير المخزون الحالي.

غير أن هذه المقاربة تنطوي على مفارقة؛ إذ إن بعض الخيارات المطروحة اليوم، مثل الإفراج عن أموال إيرانية مجمدة أو تقديم تخفيف مرحلي للعقوبات، تشبه إلى حد بعيد التنازلات التي انتقدها ترمب سابقاً في اتفاق 2015. وأشارت صحيفة «واشنطن بوست» إلى أن الإدارة الأميركية تواجه «المعضلات ذاتها» التي واجهتها إدارة أوباما، مثل رفع العقوبات وحدود التخصيب.

الانقسامات الداخلية الإيرانية

في السياق ذاته، تلعب الانقسامات داخل إيران دوراً محورياً في الحسابات الأميركية؛ إذ ترى واشنطن أن طهران تشهد صراعاً بين تيار براغماتي يسعى لتخفيف الضغوط والانخراط في تسوية، وتيار آخر متشدد يدفع نحو التصعيد العسكري والمواجهة.

وانعكس ذلك، حسب صحيفة «ذا هيل»، في عدم قدرة الوفد الإيراني على تقديم موقف موحد؛ ما أسهم في تعثر المحادثات في باكستان.

غير أن هذا التفسير لا يخلو من حسابات سياسية؛ فتصوير إيران كطرف «منقسم» يمنح الإدارة الأميركية هامشاً للمناورة؛ إذ يبرر استمرار الضغط من جهة، ويفتح الباب أمام التفاوض مع التيار البراغماتي من جهة أخرى، كما يسمح بطرح أي تقدم، حتى إن كان محدوداً، بوصفه نتيجة مباشرة لهذه الاستراتيجية.

في المقابل، يرى خبراء أن هذا الرهان قد يكون مبالغاً فيه؛ إذ يظهر التاريخ أن النظام الإيراني، رغم خلافاته الداخلية، قادر على التماسك في القضايا الاستراتيجية الكبرى. كما أن استمرار الضغوط قد يعزز نفوذ التيار المتشدد بدلاً من إضعافه؛ ما قد يعقّد فرص التوصل إلى اتفاق.

وتقول سوزان مالوني، نائبة رئيس معهد «بروكينغز»، إن الإيرانيين قد يقبلون بتنازلات في مستويات التخصيب أو الجداول الزمنية، لكنهم لن يتخلوا عن حقهم في التخصيب، وهي العقدة الأساسية التي بقيت قائمة منذ عام 2015.


انخفاض عدد عمليات عبور هرمز وازدياد الحوادث الأمنية

صورة لسفينة شحن تحمل حاويات قالت السلطات الإيرانية إنها كانت تحاول عبور مضيق هرمز (أ.ف.ب)
صورة لسفينة شحن تحمل حاويات قالت السلطات الإيرانية إنها كانت تحاول عبور مضيق هرمز (أ.ف.ب)
TT

انخفاض عدد عمليات عبور هرمز وازدياد الحوادث الأمنية

صورة لسفينة شحن تحمل حاويات قالت السلطات الإيرانية إنها كانت تحاول عبور مضيق هرمز (أ.ف.ب)
صورة لسفينة شحن تحمل حاويات قالت السلطات الإيرانية إنها كانت تحاول عبور مضيق هرمز (أ.ف.ب)

انخفضت عمليات عبور السفن عبر مضيق هرمز، بشكل حاد منذ الأحد الماضي، بسبب الحصار الإيراني والأميركي، في حين تضاعفت الحوادث الأمنية التي تشمل السفن، وفق بيانات جمعتها «وكالة الصحافة الفرنسية».

كانت إيران قد أعلنت، الجمعة الماضي، إعادة فتح المضيق، قبل أن تغلقه مجدداً بعد بضع ساعات، السبت، مشيرة إلى استمرار الحصار الأميركي على موانئها.

وبعد بلوغ ذروة في عمليات العبور شملت 26 ناقلة، في 18 أبريل (نيسان) الحالي، انخفض العدد إلى أدنى مستوى منذ بدء الحرب، وفق بيانات من شركة «كبلر».

وفي الفترة من 19 أبريل إلى 22 منه، لم يَعبر المضيق سوى 18 سفينة، بمعدل 4.5 سفينة يومياً. وبالمقارنة، عبَرَ، بين الأول من مارس (آذار) و17 أبريل، نحو تسع سفن يومياً.

صورة من الأقمار الاصطناعية لمجموعة من الزوارق الصغيرة شمال مضيق هرمز (رويترز)

وكان يجري تسجيل نحو 120 عملية عبور يومية، خلال وقت السلم، وفق موقع المعلومات البحرية «لويدز ليست». وبالتالي، انخفضت حركة العبور حالياً بأكثر من 96 في المائة عن المستويات الطبيعية.

في الوقت نفسه، ازداد عدد الحوادث التي أبلغت عنها السفن في المنطقة. وسجلت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية «يو كاي إم تي أو» و/أو شركة الأمن «فانغارد تك» سبع حوادث أو هجمات منذ السبت. وأكدت المنظمة البحرية الدولية خمساً من تلك الحوادث.

ومنذ بداية الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، جرى تسجيل 38 حادثة من قِبل «يو كاي إم تي أو» و«فانغارد» و/أو المنظمة البحرية الدولية.