طهران وتل أبيب... رسائل «استعراض القوة» على هامش غزة

خامنئي يقف أمام جثث 7 من ضباط «الحرس الثوري» قضوا في ضربة القنصلية الإيرانية (إ.ب.أ)
خامنئي يقف أمام جثث 7 من ضباط «الحرس الثوري» قضوا في ضربة القنصلية الإيرانية (إ.ب.أ)
TT

طهران وتل أبيب... رسائل «استعراض القوة» على هامش غزة

خامنئي يقف أمام جثث 7 من ضباط «الحرس الثوري» قضوا في ضربة القنصلية الإيرانية (إ.ب.أ)
خامنئي يقف أمام جثث 7 من ضباط «الحرس الثوري» قضوا في ضربة القنصلية الإيرانية (إ.ب.أ)

منذ اللحظات الأولى لانطلاق الحرب في قطاع غزة في أعقاب هجوم حركة «حماس» في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) ضد إسرائيل، بدت إيران منخرطةً في الأزمة الإقليمية، سواء على صعيد علاقتها بأنشطة الجماعات المسلحة الموالية لها في المنطقة (العراق، وسوريا، ولبنان، واليمن)، أو على مستوى التحرك سواء السياسي أو الدبلوماسي أو العسكري أخيراً لحكومة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي.

وبالوسائل كافة، تنامت إجراءات الاستعراض بين تل أبيب وطهران على مدار 200 يوم من الحرب ضد غزة، حتى الوصول إلى لحظة الذروة - حتى الآن - بانتقال «حرب الظل» الإيرانية - الإسرائيلية المستمرة منذ سنوات إلى مستويات جديدة تصل إلى الحرب المباشرة، خصوصاً من الجانب الإيراني.

اعتماداً على المستوى السياسي، سعى المسؤولون الإيرانيون في الأيام الأولى من اندلاع الحرب في قطاع غزة، إلى إظهار ما أرادوا أن تكون «لحظة تفوق»، فلوّحوا بقدرتهم على توسيع نطاق الحرب ومواجهة إسرائيل عبر «توحيد الجبهات»، إذا ما واصلت قصف قطاع غزة. كانت تلك إذن محاولة استعراض سياسي.

الإيحاءات الإيرانية بضلوع ما في المواجهة دون إقرار رسمي، تباينت معها التقارير والتقديرات الغربية، خصوصاً الأميركية بشأن دور إيران في «طوفان الأقصى» (التسمية التي اعتمدتها «حماس» لعمليتها في 7 أكتوبر).

وفي لعبة تبادل الاتهامات ومحاولة جلب أطراف دولية إلى المواجهة، اتهمت بعض الصحف الغربية إيران بتدبير الهجوم استناداً إلى مصادر إسرائيلية، وفي المقابل، استندت وسائل إعلام ووكالات إلى مصادر إيرانية لدحض الرواية الإسرائيلية.

وفي مسار محاولة الاستثمار الإيراني في لحظة الصدمة الإسرائيلية من «طوفان الأقصى»، جاءت رسالة استعراضية جديدة على لسان قادة في «الحرس الثوري» الإيراني تتحدث عن دوافع إيرانية وراء الهجوم، من بينها الثأر لمسؤول العمليات السابق، قاسم سليماني الذي قضى بضربة جوية أميركية في بغداد مطلع 2020، لكن سرعان ما سعت طهران لتدارك ذلك، عبر إعلان نفي تلك العلاقة التي كانت ستجلب عليها حينها ما يعكر صفو توازناتها.

استعراض دبلوماسي

بشكل عام، سارعت طهران على الصعيد الدبلوماسي، إلى تنشيط اتصالاتها الإقليمية مع مختلف الأطراف، وإعطاء دفعة للسياسة المعلنة للسلطات بعد تولي إبراهيم رئيسي الرئاسة الإيرانية، بهدف تحسين علاقاتها مع دول المنطقة، في محاولة لكسر العزلة الدولية، خصوصاً بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا، التي أضعفت فرص التوصل إلى صفقة لإحياء «الاتفاق النووي».

ويصعب تصور تفسير آخر بخلاف «الاستعراض الدبلوماسي»، لفهم ما قاله وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبداللهيان في خطاب بجامعة طهران، ديسمبر (كانون الأول) الماضي من أنه «لا يمكن التوصل لأي اتفاق حول فلسطين دون استشارة إيران» وفق زعمه.

على أي حال، فقد زار عبداللهيان جدة وجنيف ونيويورك؛ لحضور مؤتمرات واجتماعات دولية حول فلسطين. وتساءلت مجموعة من الصحف الإيرانية حول تعطل القضايا الأساسية والملحة في البلاد، بما في ذلك المفاوضات النووية الهادفة لرفع العقوبات الأميركية. لكن تبعات الحرب أسهمت أيضاً في تخفيف بعض من الضغط الغربي على طهران بشأن برنامجها النووي المتسارع، إذ قررت القوى الغربية، لمرتين، خلال الأشهر الماضية، إحالة ملف إيران إلى مجلس الأمن أو إدانتها، نظراً للتطورات الإقليمية. وتقول القوى الغربية إنها لا تريد تفاقم الأزمة مع إيران في ظل الحرب في قطاع غزة.

استعراض العلاقات

بموازاة تحركها الدبلوماسي، تمسّكت طهران باستعراض مدى تشعب علاقاتها من حول إسرائيل، وواصلت دعم حركتَي «حماس» و«الجهاد الإسلامي»، كما زار المسؤولون الإيرانيون، وعلى رأسهم عبداللهيان الدوحة، وبيروت، ودمشق؛ بهدف التواصل والتنسيق مع الحركتين، بالإضافة إلى تنشيط الجماعات المسلحة والفصائل التي تربطها صلات آيديولوجية مع طهران، وعلى وجه الخصوص «حزب الله» اللبناني، وجماعة الحوثي في اليمن، وفصائل عراقية مسلحة.

يعتقد الإيرانيون بأن حرب غزة تمثل أكبر دليل على التنسيق بين الدبلوماسية و«الميدان» أي التسمية الرمزية لأنشطة «الحرس الثوري» والجماعات التي تتلقى الأوامر منه في المنطقة. ومع ذلك، نأت طهران «على المستوى الرسمي» بنفسها عن إعلان التدخل في قرارات تلك الجماعات، أو توجيه عملياتها، رغم أنها واصلت سياسة تأييد تصرفات تلك الجماعات.

 

استعراض بحري

 

وفي مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، دعا المرشد الإيراني علي خامنئي إلى «قطع الشرايين الحيوية لإسرائيل»، مطالباً بقطع الطريق البحرية لإمدادات الطاقة والغذاء والتجارة. وبعد أسبوعين من خطاب خامنئي، بدأت جماعة الحوثي عمليات عسكرية ضد سفن تجارية في البحر الأحمر، بدعوى ارتباط تلك السفن بإسرائيل.

وأعادت هجمات الحوثيين، جولة جديدة من التوترات البحرية إلى المياه الإقليمية. وشنّت القوات الأميركية والبريطانية هجمات على مواقع الحوثيين؛ لردع تلك الهجمات، كما أعلنت دول غربية وإقليمية تحالفات بحرية لضمان أمن الملاحة.

ودخل «الحرس الثوري» على خط التوترات، بإعلان مرافقة سفن إيرانية للبحر الأحمر، والتهديد بإغلاق مضيقَي باب المندب وجبل طارق، وعرقلة الملاحة في البحر الأبيض المتوسط. وكذلك إعلان تشكيل «باسيج بحري» يضم وحدة بحرية للجماعات الموالية لإيران.

إسرائيل ترد

مع توسع الهجمات في البحر الأحمر، وتصاعد هجمات الفصائل الموالية لإيران، على القوات الأميركية، شنّت إسرائيل غارتين جويتين بالغتَي الدقة في ديسمبر الماضي، كانت أولاهما في الثاني من ديسمبر بدمشق، وأسفرت عن مقتل ضابطين من «الحرس الثوري»، وهما: العميد بناه تقي زاده، والعميد محمد علي عطايي شورجه. وقال «الحرس الثوري» في بيان حينها إنهما «قُتلا في عمليات استشارية». وذكر موقع مقرب من «الحرس الثوري» أنهما قُتلا في قاعدة عسكرية بمنطقة السيدة زينب، بـ3 صواريخ أُطلقت من أجواء الجولان، ولم تحدد مهام الضابطين.

وفي 25 ديسمبر، قُتل رضي موسوي، مسؤول إمدادات قوات «الحرس الثوري» في سوريا ولبنان بضربة جوية إسرائيلية استهدفت منزله في منطقة السيدة زينب، بعد ساعة من مغادرة مكتبه في مجمع السفارة الإيرانية، حسب تصريح تلفزيوني للسفير الإيراني في دمشق، حسين أكبري.

وأتت ثالث الضربات الإسرائيلية، في 20 يناير (كانون الأول) الماضي على منزل في منطقة المزة، وقضى في القصف العميد حجت الله أميدوار، مسؤول استخبارات قوات «الحرس الثوري» في سوريا، وقُتل معه أربعة من الضباط الإيرانيين.

وأعلن «الحرس الثوري» لاحقاً مقتل 3 ضباط آخرين في عمليات منفصلة شهدتها دمشق وحمص ودير الزور، ما بين فبراير (شباط) ومارس (آذار) الماضيين.

خسارة وتصعيد

ومع توالي التصعيد، كانت دمشق مسرحاً لتسجيل أكبر خسائر «الحرس الثوري» في مضمار استعراض القوة بين طهران وتل أبيب، عندما قُصفت القنصلية الإيرانية بمنطقة المزة في العاصمة السورية، حيث قُتل العميد محمد رضا زاهدي قائد قوات «الحرس الثوري» في سوريا ولبنان، وعضو المجلس الاستشاري لـ«حزب الله»، كما قُتل في الهجوم نفسه، نائبه محمد هادي حاج رحيمي، وخمسة من كبار ضباط «الحرس».

بدورها توعّدت إيران بالرد على هجوم قنصليتها، وتباينت التكهنات والتوقعات بشأن شكل الرد، إذ قال المرشد علي خامنئي إن القنصلية أرض إيرانية وإن بلاده سترد.

وفي كل الهجمات التزمت إسرائيل الصمت، لكن إيران أطلقت بعد أسبوعين من مقتل زاهدي، أكثر من 300 صاروخ «باليستي» و«كروز» وطائرة مسيّرة انتحارية. وقالت إسرائيل إنها نجحت في اعتراض 99 في المائة، بمساعدة الحلفاء.

وقال المرشد علي خامنئي، عن الهجوم الإيراني، إن الهدف ليس عدد الصواريخ وإصابتها للأهداف، إنما «إظهار قوة إيران».

ورداً على إيران، هددت إسرائيل بشنّ هجوم انتقامي في عمق الأراضي الإيرانية. وحاولت القوى الغربية إثناء إسرائيل عن الهجوم. لكن إسرائيل شنّت هجوماً محدوداً، فجر الجمعة الماضي، على مطار عسكري في شمال مدينة أصفهان. وأظهرت صور الأقمار الاصطناعية تضرر منظومة رادار «إس 300» المكلف حماية منشأتي نطنز وأصفهان للأبحاث النووية.

رد أمام آخر إذن - حتى الآن - لكن يبدو أن دروسه ودلالاته ستجعل مسار استعراض القوة بين إسرائيل وطهران مفتوحاً، حتى بعد أن تضع «حرب غزة» أوزارها.


مقالات ذات صلة

أميركا تقترب من أهدافها في إيران… وإسرائيل توسع الهجمات

شؤون إقليمية دخان يتصاعد بعد قصف مقرات عسكرية في منطقة بيروزي شرق طهران السبت (شبكات التواصل) p-circle

أميركا تقترب من أهدافها في إيران… وإسرائيل توسع الهجمات

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن بلاده تقترب من تحقيق أهدافها في الحرب مع إيران، بينما أكد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن وتيرة الضربات «ستزداد».

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن - تل أبيب - طهران)
شؤون إقليمية رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يتحدث مع وزير الدفاع يسرائيل كاتس ورئيس الأركان إيال زامير في 3 مارس 2026 (د.ب.أ)

إسرائيل تحذر من «انتصار إيراني» إذا أوقف ترمب الحرب

تدفع إسرائيل نحو مواصلة حربها مع إيران رغم تصاعد الضغوط الدولية لوقفها، في وقت تحذر فيه من أن أي إنهاء مبكر للعمليات قد يمنح طهران «انتصاراً فعلياً».

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي صورة تجمع مؤسس الجمهورية الإسلامية آية الله الخميني والزعيم السابق لـ«حزب الله» حسن نصر الله أمام مبنى مدمر في ضاحية بيروت الجنوبية (أ.ب)

«الحرس الثوري» يُعيد بناء القيادة العسكرية لـ«حزب الله»

قال مصدران مطلعان على أنشطة «الحرس الثوري الإيراني» إنه أعاد بناء القيادة العسكرية لـ«حزب ​الله»، بعد أن تعرض لضربة قاسية على يد إسرائيل في عام 2024.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شؤون إقليمية سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (رويترز)

5 مفاتيح لحسم معركة «هرمز»... أحدها في جزيرة خرج

يبرز مضيق هرمز بصفته ساحة المعركة «الأكبر أهمية» مع استمرار الولايات المتحدة في حملتها العسكرية ضد إيران.

لوك برودواتر (واشنطن) هيلين كوبر (واشنطن) إريك شميت (واشنطن)
المشرق العربي مدرعة عراقية قرب السفارة الأميركية في بغداد (أ.ف.ب)

هجمات في بغداد تخرق هدنة هشة للفصائل

في تطور أمني لافت في العراق، شهدت العاصمة بغداد سلسلة هجمات متداخلة تزامنت مع تصاعد التوتر السياسي والعسكري، واحتمال انتهاء هدنة غير معلنة.

حمزة مصطفى (بغداد)

إيران ترد على قصف منشأة نطنز بضرب محيط ديمونة

إيران ترد على قصف منشأة نطنز بضرب محيط ديمونة
TT

إيران ترد على قصف منشأة نطنز بضرب محيط ديمونة

إيران ترد على قصف منشأة نطنز بضرب محيط ديمونة

عادت الحرب بين إيران وإسرائيل، السبت، إلى أخطر تقاطعاتها النووية، مع سقوط صاروخ إيراني بشكل مباشر في مدينة ديمونة، المدينة التي تضم المنشأة النووية الرئيسية في جنوب إسرائيل، بعد ساعات من إعلان طهران تعرض منشأة نطنز للتخصيب لهجوم جديد.

وبينما قالت تل أبيب إن محاولة اعتراض الصاروخ أخفقت، أكدت طهران عدم تسجيل أي تسرب إشعاعي في نطنز، في وقت جددت فيه الوكالة الدولية للطاقة الذرية دعوتها إلى ضبط النفس لتجنب أي حادث نووي.

وارتفع عدد المصابين في ديمونة إلى 54 شخصاً بعد نحو ساعة من الهجوم، بينهم طفل في الثانية عشرة في حالة خطيرة، بعد سقوط صاروخ إيراني أو شظاياه على المدينة. وقال الجيش الإسرائيلي إن عمليات اعتراض نُفذت لكنها فشلت، مؤكداً فتح تحقيق في الحادث، فيما قالت طهران إن الضربة جاءت «رداً» على استهداف منشأة نطنز.

صورة نشرتها وسائل إعلام إسرائيلية من موقع إصابة الصاروخ في ديمونة

محاولات الاعتراض أخفقت

قالت خدمات الإسعاف الإسرائيلية إن 54 شخصاً نقلوا إلى المستشفى بعد سقوط صاروخ باليستي إيراني في ديمونة، بينهم طفل في حالة خطيرة وامرأة أصيبت بجروح متوسطة، فيما أصيب آخرون بشظايا أو أثناء اندفاعهم إلى الملاجئ، إضافة إلى حالات هلع. وكانت حصيلة سابقة تحدثت عن نحو 20 جريحاً، قبل أن ترتفع لاحقاً مع اتضاح حجم الأضرار.

وأفاد الجيش الإسرائيلي بأنه رصد إطلاق صواريخ من إيران باتجاه الجنوب، وأن الدفاعات الجوية حاولت اعتراض الصاروخ الذي أصاب ديمونة، لكن «محاولات الاعتراض أخفقت». وأضاف أن الحادث سيخضع للتحقيق. ونقلت الشرطة الإسرائيلية صوراً من موقع الإصابة أظهرت أضراراً كبيرة في مبانٍ سكنية، فيما تحدث مسعفون عن «دمار واسع» ووجود محاصرين في بعض الأبنية.

وقال مسعفان من «نجمة داود الحمراء» إنهما وصلا إلى «ساحة صعبة» شهدت دماراً كبيراً، وإن فرق الإنقاذ سمعت نداءات استغاثة من داخل المنازل المتضررة، بينما تحدث سكان عن وجود مسنين في الأبنية المصابة. وأضافا أن المصابين شوهدوا قرب ملجأ عام في الشارع، بينهم رجل في الثلاثين أصيب في رأسه وآخر أصيب بشظايا وهو في طريقه إلى مكان محمي؛ وفقاً للقناة الـ13 الإسرائيلية.

وفي وقت لاحق، أفاد الإسعاف الإسرائيلي عن إصابة نحو 30 شخصاً في بلدة عراد الواقعة على مسافة نحو 25 كيلومتراً الى الشمال الشرقي من ديمونة، بعد إنذار بإطلاق إيران صواريخ إضافية.في إيران، قال التلفزيون الرسمي إن الهجوم الصاروخي على مدينة ديمونة، جاء «رداً» على قصف «العدو» منشأة نطنز النووية في وقت سابق السبت.

وفي أول تعليق رسمي إيراني، قال رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف إن وصول الصواريخ الإيرانية إلى ديمونة، «أكثر المناطق الإسرائيلية تحصيناً»، يعد مؤشراً عملياً على دخول الحرب مرحلة جديدة، معتبراً أن «السماء الإسرائيلية باتت بلا دفاع».

وأضاف، في منشور على منصة «إكس»، أن هذا التطور يعني، أن وقت تنفيذ «الخطط اللاحقة» قد حان، واصفاً ذلك بأنه بداية مرحلة جديدة في مسار المواجهة.

وتكتسب ديمونة حساسية خاصة بسبب قربها من المنشأة النووية الإسرائيلية الرئيسية في صحراء النقب. ولم ترد تقارير فورية تؤكد إصابة المنشأة نفسها، لكن سقوط الصاروخ في المدينة دفع الملف النووي الإسرائيلي مجدداً إلى واجهة الحرب.

وتواصل إسرائيل سياسة الغموض حول برنامجها النووي، وتقول رسمياً إن مفاعل ديمونة مخصص للأبحاث، لكنها لا تؤكد ولا تنفي امتلاك أسلحة نووية، فيما يقدّر معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام أن لديها 90 رأساً نووياً.

قوات قيادة الجبهة الداخلية بموقع الحادث في ديمونة (الجيش الإسرائيلي)

ضربة على منشأة نطنز

جاءت ضربة ديمونة، بعد ساعات من إعلان المنظمة الإيرانية للطاقة الذرية أن الولايات المتحدة وإسرائيل شنتا صباح السبت هجوماً على مجمع نطنز لتخصيب اليورانيوم في وسط إيران. وقالت، في بيان، إن الموقع استُهدف «إثر الهجمات الإجرامية» الأميركية والإسرائيلية، لكنها شددت على أنه «لم يتم الإبلاغ عن أي تسرب لمواد مشعة».

وقالت وسائل إعلام إيرانية إن الضربة لم تؤد إلى أي تسرب إشعاعي، وإن السكان القريبين من المنشأة ليسوا في خطر. وأضافت وسائل إعلام رسمية أن هذه هي المرة الثانية التي يستهدف فيها الموقع منذ بدء الحرب الحالية، بعد أن كان قد تعرض أيضاً للقصف في الأسبوع الأول من العمليات.

وتقع نطنز، وهي الموقع الرئيسي لتخصيب اليورانيوم في إيران، على بُعد نحو 220 كيلومتراً جنوب شرقي طهران. وكانت قد تعرضت كذلك لضربات في حرب يونيو (حزيران) 2025 التي استمرت 12 يوماً. وحسب المواد المتاحة، فإن الضربات الأولى في هذه الحرب أصابت مباني مدخل المنطقة الواقعة تحت الأرض، حيث كانت تجري غالبية أنشطة التخصيب في الموقع.

وفي المقابل، نفى الجيش الإسرائيلي علمه بوقوع ضربة على نطنز، فيما لم يصدر تعليق فوري من الجيش الأميركي. لكن سواء أقرت إسرائيل أو لم تقر، فإن تكرار ورود اسم نطنز في قلب المواجهة يثبت أن موقع التخصيب الأكثر حساسية في إيران لا يزال هدفاً مباشراً أو محتملاً في الحرب الجارية.

دعوة لـ«ضبط النفس»

كرر المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي، السبت، دعوته إلى «ضبط النفس» بعد إعلان إيران تعرض نطنز للقصف.

وقالت الوكالة التابعة للأمم المتحدة في منشور على منصة «إكس» إن إيران أبلغتها بالهجوم على الموقع، وإنه «لم يُرصد أي ارتفاع في مستويات الإشعاع خارج الموقع»، مضيفة أنها تتحقق من الحادث.

وشدّد غروسي على ضرورة تجنب «أي خطر لوقوع حادث نووي»، في ظل استهداف مواقع شديدة الحساسية خلال حرب مفتوحة ومتعددة الجبهات. وتكتسب هذه الدعوة وزناً إضافياً لأن الوكالة كانت قد ذكرت سابقاً أن الضربات الأولى على نطنز في هذه الحرب لا يُتوقع أن تؤدي إلى «أي عواقب إشعاعية»، لكنها حذرت في الوقت نفسه من أن استمرار استهداف المواقع النووية يرفع المخاطر.

وكان غروسي قد أعلن، الأربعاء الماضي في واشنطن، أن الوكالة لا تملك أي معلومات عن حالة منشأة التخصيب الإيرانية الجديدة في أصفهان، الواقعة داخل مجمع نووي تحت الأرض.

وقال إن منشأة أصفهان «موجودة تحت الأرض، لكننا لم نتمكن من زيارتها بعد»، بعدما ألغى المفتشون زيارة سابقة إثر القصف الذي تعرض له المجمع في بداية حرب يونيو 2025.

وأضاف أن الوكالة لا تعرف ما إذا كانت المنشأة الجديدة «مجرد قاعة فارغة»، أم أنها تضم قواعد خرسانية بانتظار تركيب أجهزة الطرد المركزي، أو ما إذا كان قد تم تركيب بعض هذه الأجهزة بالفعل. وقال: «هناك كثير من الأسئلة التي لن نتمكن من توضيحها إلا عندما نستطيع العودة».

إدانة روسية

نددت وزارة الخارجية الروسية، السبت، بما قالت طهران إنه ضربات أميركية - إسرائيلية على منشأة نطنز، ووصفتها بأنها «غير مسؤولة». وقالت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا إن من واجب المجتمع الدولي، بما في ذلك الأمم المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية، تقديم «تقييم حازم وموضوعي» لهذا السلوك.

وأضافت أن هذه الضربات تهدف بوضوح إلى تقويض السلام والاستقرار والأمن في المنطقة. وتعكس المواقف الروسية، وإن جاءت ضمن حدود الإدانة السياسية، تنامي القلق الدولي من انتقال الحرب إلى مستوى أكثر خطورة مع إدخال المواقع النووية في دائرة النار المباشرة.

أضرار في موقع قرب مجمع أصفهان

في موازاة ذلك، نشر معهد العلوم والأمن الدولي، ومقره واشنطن، تحليلاً لصور أقمار اصطناعية أظهر أضراراً في موقع قرب مجمع أصفهان النووي يرجح أنها وقعت بين 28 فبراير (شباط) و6 مارس(آذار)، في موقع يحتمل أن يكون مرتبطاً بالدفاع عن المجمع.

وقال التحليل إن المبنى الرئيسي الذي تعرض للهجوم ربما كان مركز القيادة والسيطرة المسؤول عن الحماية المادية للمنشأة النووية فوق الأرض، الواقعة على بُعد نحو 1.2 كيلومتر من الموقع، ونحو 2.1 كيلومتر من المجمع الواقع تحت الأرض.

وأضاف أن الموقع يضم مجمع أنفاق صغيراً شُيد نحو عام 2007، وأن الضربات الأخيرة أصابت مدخلي النفقين، أحدهما ربما كان يستخدم في السنوات الأخيرة أساساً لدعم الخدمات، ويضم ما يبدو أنها وحدة تبريد محمية بحاجز دفاعي خرساني. وحسب التحليل، فإن هذين العنصرين يبدوان وقد دمرا في الضربة.

وأشار المعهد أيضاً إلى أن منشأة محصنة يرجح أنها كانت مركزاً للقيادة والسيطرة تعرضت لضربة ثانية بين 6 و18 مارس 2026، وأن جزءاً تحت الأرض متصلاً بها يبدو أنه انهار. ووفقاً للتحليل، عرّف موقع «ويكيمابيا» هذا المكان على أنه «وحدة الدفاع التابعة للجيش في أصفهان»، فيما تظهر المنطقة السكنية المجاورة، الموسومة باسم «بلدة ثمري - إسكان منظمة الطاقة الذرية الإيرانية»، من دون مؤشرات على تعرضها للقصف.

وتُظهر الصور، حسب المعهد، الموقع قبل الهجوم وبعده، إلى جانب صور للنفق والملجأ خلال مرحلة إنشائهما عام 2007، وموقع المنشأة نسبة إلى مجمع أصفهان النووي الرئيسي. ويعني ذلك أن الحرب لا تشمل فقط مواقع التخصيب المباشرة مثل نطنز، بل تمتد أيضاً إلى البنية الدفاعية والقيادية المحيطة بالمجمعات النووية.


مجموعة السبع تدعو إيران إلى وقف فوري لهجماتها «غير المبرّرة»

لقطة من فيديو نشره «الحرس الثوري» لعملية إطلاق الموجة رقم «41» من الصواريخ الإيرانية في 12 مارس 2026 (أ.ف.ب)
لقطة من فيديو نشره «الحرس الثوري» لعملية إطلاق الموجة رقم «41» من الصواريخ الإيرانية في 12 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مجموعة السبع تدعو إيران إلى وقف فوري لهجماتها «غير المبرّرة»

لقطة من فيديو نشره «الحرس الثوري» لعملية إطلاق الموجة رقم «41» من الصواريخ الإيرانية في 12 مارس 2026 (أ.ف.ب)
لقطة من فيديو نشره «الحرس الثوري» لعملية إطلاق الموجة رقم «41» من الصواريخ الإيرانية في 12 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا وزراء خارجية دول مجموعة السبع، السبت، إيران، إلى «الوقف الفوري وغير المشروط» لهجماتها «غير المبرّرة» على دول الشرق الأوسط في إطار الرد على الهجوم الأميركي الإسرائيلي عليها.

وجاء في بيان لوزراء خارجية دولها «ندعو إلى الوقف الفوري وغير المشروط لكل الهجمات التي يشنها النظام الإيراني». وتضم المجموعة ألمانيا وكندا والولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا واليابان والمملكة المتحدة، إضافة إلى الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي.

وأعربت المجموعة عن «دعمها لشركائنا في الشرق الأوسط في مواجهة الهجمات غير المبرّرة التي تشنّها الجمهورية الإسلامية الإيرانية ووكلاؤها».

لوحة دعائية ضخمة عليها صور لصواريخ إيرانية في طهران (رويترز)

وتابع وزراء الخارجية: «ندعم حق الدول التي تعرضت لهجمات غير مبرّرة تشنّها إيران أو وكلاؤها، في الدفاع عن أراضيها وحماية مواطنيها. ونؤكد مجدداً دعمنا الراسخ لأمنها وسيادتها وسلامة أراضيها».

وفي ما يتّصل بحركة الملاحة في مضيق هرمز، شدّدت مجموعة السبع على «أهمية صون مسارات النقل البحري وضمان سلامة الملاحة، خصوصاً في مضيق هرمز وسائر الممرات البحرية الرئيسية المتصلة به، وكذلك حماية سلاسل الإمداد واستقرار أسواق الطاقة».


إسرائيل تعلن قصف منشأة جامعية في طهران تُستخدم لبحوث نووية

غارة على منطقة زعفرانية شمال طهران فجر الأربعاء (شبكات التواصل)
غارة على منطقة زعفرانية شمال طهران فجر الأربعاء (شبكات التواصل)
TT

إسرائيل تعلن قصف منشأة جامعية في طهران تُستخدم لبحوث نووية

غارة على منطقة زعفرانية شمال طهران فجر الأربعاء (شبكات التواصل)
غارة على منطقة زعفرانية شمال طهران فجر الأربعاء (شبكات التواصل)

أعلن الجيش الإسرائيلي، السبت، أنه قصف منشأة جامعية في طهران قال إنها تستخدم كموقع «بحث وتطوير استراتيجي» مرتبط بمكونات للأسلحة النووية.

وقال الجيش في بيان: «في إطار الطلعات الجوية الهجومية التي تم إنجازها مؤخراً في طهران، قام سلاح الجو بمهاجمة موقع بحث وتطوير استراتيجي آخر تابع للصناعات العسكرية ومنظومة الصواريخ الباليستية الإيرانية».

وأوضح أن الموقع في جامعة مالك الأشتر للتكنولوجيا في العاصمة الإيرانية كان «يستخدم من قبل الصناعات العسكرية ومنظومة الصواريخ الباليستية للنظام الإرهابي الإيراني لغرض تطوير مكونات لازمة لإنتاج السلاح النووي وغيره من الوسائل القتالية».

دخان يتصاعد بعد غارة جوية على منطقة زعفرانية شمال طهران فجر الأربعاء (شبكات التواصل)

وأشار إلى أن الجامعة «تتبع لوزارة الدفاع الإيرانية، وهي مدرجة في قوائم العقوبات الدولية بسبب مساهمتها خلال عقود في تطوير البرنامج النووي وتطوير الصواريخ الباليستية».

وتتهم الولايات المتحدة وإسرائيل ودول غربية إيران منذ أعوام بالسعي لتطوير سلاح ذري، وهو ما تنفيه طهران.