إيران: لا نسعى إلى التصعيد في المنطقة

طهران تراجعت عن رواية عبداللهيان بشأن ترتيب مسبق لهجوم على إسرائيل

لوحة إعلانية تصور صواريخ باليستية إيرانية كُتب عليها «الوعد الصادق» و«إسرائيل أضعف من شبكة العنكبوت»، في ميدان ولي عصر وسط طهران (أ.ف.ب)
لوحة إعلانية تصور صواريخ باليستية إيرانية كُتب عليها «الوعد الصادق» و«إسرائيل أضعف من شبكة العنكبوت»، في ميدان ولي عصر وسط طهران (أ.ف.ب)
TT

إيران: لا نسعى إلى التصعيد في المنطقة

لوحة إعلانية تصور صواريخ باليستية إيرانية كُتب عليها «الوعد الصادق» و«إسرائيل أضعف من شبكة العنكبوت»، في ميدان ولي عصر وسط طهران (أ.ف.ب)
لوحة إعلانية تصور صواريخ باليستية إيرانية كُتب عليها «الوعد الصادق» و«إسرائيل أضعف من شبكة العنكبوت»، في ميدان ولي عصر وسط طهران (أ.ف.ب)

قالت طهران إنها «لا تسعى إلى التصعيد في المنطقة»، منتقدة مواقف القوى الغربية، خصوصاً الولايات المتحدة بعد شنها هجوماً على إسرائيل، وطالبت تلك الدول بـ«تثمين» الرد على قصف قنصليتها في دمشق، وسط استمرار التكتم الإيراني على تفاصيل العملية والأسلحة المستخدمة.

وقال المتحدث باسم الخارجية ناصر كنعاني خلال مؤتمر صحافي إن الهجوم الإيراني «كان ضرورياً ومتناسباً»، مضيفاً أنه «استهدف مواقع عسكرية». وأضاف أن بلاده «لا تسعى إلى التصعيد في المنطق، وهي ملتزمة بالقوانين والقواعد الدولية».

أتى ذلك بعد يومين من شن «الحرس الثوري» الإيراني لأول مرة في تاريخه، هجوماً بالصواريخ الباليستية والمسيَّرات على إسرائيل رداً على قصف القنصلية الإيرانية، ومقتل جنرال كبير من قواته. ولم يعلن «الحرس» عن الأسلحة المستخدمة، وعدد الصواريخ والطائرات المسيَّرة، ومواقع إطلاقها.

وبحلول صباح الأحد، قالت إيران إن الهجوم انتهى، وأعادت، صباح الاثنين، العمل بمطار مهرآباد وسط طهران. ولا يزال يسود الحذر في طهران من رد إسرائيلي على الهجوم، وقالت طهران إنها سترد بهجوم أكبر كثيراً إذا تعرضت لهجوم إسرائيلي، كما حذرت واشنطن من أن أي دعم للرد الإسرائيلي سيؤدي إلى استهداف قواعد أميركية.

وأبدى كنعاني تحفظه على الانتقادات الدولية، وأعاد التذكير بالموقف الرسمي المعلن من طهران بقوله إن «الهجوم الإيراني في استهداف بعض المواقع العسكرية الإسرائيلية في سياق حقنا المشروع المنصوص عليه في المادة 51 في ميثاق الأمم المتحدة، رداً على الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، خصوصاً الاعتداء الأخيرة على مقرنا الدبلوماسي».

وقال كنعاني إن القوات المسلحة ووزارة الخارجية الإيرانية «تصرفتا بطريقة احترافية، نظراً إلى عدم تحرك مجلس الأمن وتقاعسه والسلوك غير المسؤول للولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية في خلق الردع ضد الكيان الصهيوني».

رجل يسير أمام لافتة تصور إطلاق صواريخ من رسم لخريطة إيران ملونة بالعلم الإيراني في وسط طهران (أ.ف.ب)

ونقلت وكالة «إرنا» الرسمية قوله: «على الدول الغربية بما في ذلك الولايات المتحدة، أن تكون ردودها منطقية، ومسؤولة، وعليها أن تثمن تصرفات إيران من أجل الحفاظ على الاستقرار والأمن الإقليميين بدلاً من الإدلاء بتصريحات ومواقف غير منطقية».

وعاد مرة أخرى للقول، إن «إجراء إيران مشروع تماماً، فقد مارست ضبط النفس بعد فترة طويلة من هجمات الكيان الصهيوني، وهذا يظهر سلوكنا المسؤول والاحترافي إزاء السلام والأمن الإقليمي». وقال «يجب أن تثمنوا الرد المسؤول والمتناسب».

وكرر كنعاني اتهامات سابقة للولايات المتحدة، قائلاً: «نحن مقتنعون بأنه لولا الضوء الأخضر من واشنطن، لم تكن إسرائيل لتتجرأ على مهاجمة التمثيل الدبلوماسي الإيراني» في دمشق، وأكّدت واشنطن مراراً أنه لم يكن لها دور في ذلك الهجوم.

وأدانت الولايات المتحدة والدول الأوروبية الهجوم الإيراني غير المسبوق الذي استهدف إسرائيل، ليل السبت - الأحد. وأدان زعماء مجموعة السبع «بالإجماع»، الأحد، العملية العسكرية لإيران التي «تهدد، بأفعالها (...) بتصعيد إقليمي، وهذا الأمر ينبغي تجنبه».

وحذر القوى الغربية من فرض عقوبات على إيران، وتأثيرها على علاقات الجانبين. وعن تبعات الهجوم الإيراني على إسرائيل، قال كنعاني: «من يزعمون القلق على قضية السلام والاستقرار والأمن في المنطقة، يجب ألا يكونوا غير مبالين بـ7 أشهر من اعتداءات إسرائيل في الأراضي الفلسطينية».

تهدئة مع الأردن

وعلق كنعاني على استدعاء القائم بالأعمال الإيراني في الأردن، وأقر ضمناً بهجوم قاده إعلام «الحرس الثوري» وقال إنه «جاء رداً على الأخبار التي تناقلتها وسائل الإعلام الإيرانية بشأن الأردن، حول اعتراضها الصواريخ والمسيَّرات الإيرانية التي أُطلقت باتجاه الأراضي الإسرائيلية».

وكان وزير الخارجية أيمن الصفدي قد أعلن استدعاء القائم بأعمال السفارة الإيرانية في عمّان لإبلاغه بضرورة وقف «الإساءات والتشكيك» في مواقف المملكة، مؤكداً أن بلاده ستتصدى «لكل ما يشكل تهديداً للأردن ولأمن الأردنيين بكل إمكاناتنا وقدراتنا».

وتحاشى كنعاني الخوض في التفاصيل. وقال إن «هذا الموضوع عسكري، والجهات العسكرية ستدلي برأيها في هذا الصدد. لم أتلق رداً بعد. لقد تصرفت إيران باحترافية حيال الاستقرار الإقليمي». وتابع: «لدينا علاقات صديقة مع الأردن واتصالات استمرت في الأشهر الماضية فيما يخص التصدي لإسرائيل، وما زالت مستمرة، ونأمل أن تستمر الاتصالات والتعاون بين البلدين». ولفت إلى أن الأردن «تضرر سنوات طويلة من سلوك إسرائيل، وأعتقد أنه من الأفضل أن يرى خطوتنا شرعية ويدعمها».

لوحة إعلانية مناهضة لإسرائيل تحمل صوراً لصواريخ إيرانية في طهران (إ.ب.أ)

تراجع عن «ترتيب مسبق»

وتراجع كنعاني عن رواية وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبداللهيان بشأن إبلاغ الولايات المتحدة ودول إقليمية قبل الهجوم على إسرائيل.

وقال عبداللهيان إن طهران أبلغت الولايات المتحدة أن الهجوم على إسرائيل سيكون محدوداً، وفي إطار الدفاع عن النفس، كما أخطرت دولاً مجاورة بالهجوم قبل 72 ساعة.

ومع ذلك، قال كنعاني إنه لم يجر الاتفاق مسبقاً مع أي دولة بشأن كيفية رد طهران العسكري على إسرائيل.

وقال متحدث باسم ريشي سوناك رئيس الوزراء البريطاني، الاثنين، إن بلاده ترفض تأكيداً صدر من إيران بأنها قدمت مسبقاً إخطاراً قبل تنفيذ الهجوم على إسرائيل. وأضاف المتحدث للصحافيين: «أرفض هذا الوصف... وبشكل عام نندد بأشد العبارات الممكنة هجومهم المباشر على إسرائيل»، وفق «رويترز». وقال مسؤولون أميركيون إن طهران لم تخطر واشنطن.

واتهم كنعاني الحكومة البريطانية بالتهرب من سلوك إسرائيل وتصرفاتها التي قال إنها تزرع التوتر في المنطقة، بينما تنتقد خطوات إيران «الشرعية».

وتبادلت بريطانيا وإيران استدعاء السفراء بعد الهجوم الإيراني. وأعلن وزير الدفاع البريطاني غرانت شابس، السبت، نشر مقاتلات حربية وطائرات تزود بالوقود بالمنطقة رداً على ما وصفه بالتصعيد بالشرق الأوسط. وقال وزير الخارجية البريطاني ديفيد كاميرون، الأحد، إنه أبلغ عبداللهيان في اتصال هاتفي بأن على إيران وقف هجماتها «الطائشة»، والكف عن التصعيد.

السفينة المحتجزة

ومن ناحية أخرى، قال كنعاني إن احتجاز السفينة «إم إس سي أريس» التي ترفع علم البرتغال في 13 أبريل (نيسان) جاء بسبب «انتهاكها قوانين ملاحة بحرية»، مضيفاً أنه ليس هناك شك في ارتباط السفينة بإسرائيل. واحتجز «الحرس الثوري» الإيراني سفينة الشحن في مضيق هرمز، السبت الماضي، قبل ساعات من هجوم على إسرائيل.

وقال كنعاني: «إيران تسعى جاهدة لتهيئة بيئة ملاحية آمنة في مضيق هرمز والخليج. جرى اقتياد السفينة إلى المياه الإقليمية الإيرانية نتيجة انتهاكها قوانين الملاحة البحرية، وعدم الاستجابة لنداءات السلطات الإيرانية».

وأكدت شركة «إم إس سي» المشغلة للسفينة «أريس» احتجاز إيران لها قائلة إنها تعمل مع «السلطات المعنية» على عودة السفينة، وضمان سلامة طاقمها المكون من 25 فرداً.

وقالت شركة «زودياك ماريتايم» في بيان إن شركة خطوط الشحن الدولية «إم إس سي» استأجرت السفينة «أريس» من شركة «جورتال شيبنج» التابعة لـ«زودياك» مضيفة أن شركة «إم إس سي» مسؤولة عن جميع أنشطة السفينة. ويمتلك رجل الأعمال الإسرائيلي إيال عوفر حصة في زودياك. وتعليقاً على تقارير احتجاز السفينة «إم إس سي أريس»، اتهم وزير الخارجية الإسرائيلي يسرائيل كاتس طهران بالقرصنة. وقال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي الأميرال دانيال هاغاري إن إيران «ستتحمل عواقب اختيار أي تصعيد إضافي لهذا الموقف».


مقالات ذات صلة

نتنياهو: إسرائيل لديها الكثير من «المفاجآت» في المرحلة التالية لعملية إيران

شؤون إقليمية بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي يتوسط وزير الدفاع يسرائيل كاتس ورئيس الأركان إيال زامير (د.ب.أ)

نتنياهو: إسرائيل لديها الكثير من «المفاجآت» في المرحلة التالية لعملية إيران

قال بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي، اليوم (السبت)، إن إسرائيل لديها «الكثير من المفاجآت» خلال المرحلة التالية من عمليتها في إيران.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
الخليج جانب من مدينة دبي الإماراتية (رويترز)

وفاة مقيم آسيوي إثر سقوط شظية على مركبة في دبي

أعلنت الجهات المختصة في دبي وفاة مقيم من جنسية آسيوية إثر حادث نجم عن سقوط شظية على مركبة.

«الشرق الأوسط» (دبي)
الخليج الشيخ محمد بن زايد خلال زيارته أحد المصابين من الهجمات الإيرانية على الإمارات (وام)

محمد بن زايد يؤكد قدرة الإمارات على حماية أمنها وسيادتها

أكد الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات، أن بلاده بخير وقادرة على حماية أمنها وسيادتها.

«الشرق الأوسط» (أبوظبي)
شؤون إقليمية وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (رويترز)

عراقجي: اتصالاتنا مع السعودية مستمرة... والحرب فُرضت على المنطقة

قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، السبت، إنه ونظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله «على اتصال دائم».

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية جانب من مباحثات الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في أنقرة 27 أكتوبر 2026 (الرئاسة التركية)

تركيا: إردوغان بحث مع ستارمر إمكانية الحوار لإنهاء حرب إيران

بحث الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر تطورات الحرب في إيران والتطورات الإقليمية والدولية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

نتنياهو: إسرائيل لديها الكثير من «المفاجآت» في المرحلة التالية لعملية إيران

بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي يتوسط وزير الدفاع يسرائيل كاتس ورئيس الأركان إيال زامير (د.ب.أ)
بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي يتوسط وزير الدفاع يسرائيل كاتس ورئيس الأركان إيال زامير (د.ب.أ)
TT

نتنياهو: إسرائيل لديها الكثير من «المفاجآت» في المرحلة التالية لعملية إيران

بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي يتوسط وزير الدفاع يسرائيل كاتس ورئيس الأركان إيال زامير (د.ب.أ)
بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي يتوسط وزير الدفاع يسرائيل كاتس ورئيس الأركان إيال زامير (د.ب.أ)

قال بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي، اليوم (السبت)، إن إسرائيل لديها «الكثير من المفاجآت» خلال المرحلة التالية من عمليتها في إيران.

وأضاف نتنياهو، خلال كلمة عبر الفيديو، أن لدى إسرائيل «خطة منهجية للقضاء على النظام الإيراني»، مشيراً إلى أن جيشه سيواصل الحرب على إيران «بكل قوته».

وأكد رئيس الوزراء الإسرائيلي أن سلاح الجو سيطر بشكل شبه كامل على المجال الجوي الإيراني، وقال إن عناصر «الحرس الثوري» الإيراني الذين سيلقون أسلحتهم لن يتعرضوا للأذى.

وتابع نتنياهو: «نقف إلى جانب جميع الدول التي تعرضت لهجوم من إيران، وكثيرون يتواصلون معنا».

ودخلت الحرب المتصاعدة في إيران أسبوعها الثاني، مع تجدد الضبابية التي تكتنف كيفية أو موعد انتهاء الصراع؛ إذ قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن إيران تتلقى «هزيمة ساحقة» و«ستتعرض اليوم لضربات قاسية للغاية».

وبينما أعلن الجيش الأميركي أنه قصف أكثر من 3000 هدف في إيران منذ بداية الحرب، قالت إسرائيل إنها شنت موجة ضربات بواسطة «أكثر من 80 طائرة مقاتلة» على طهران ووسط إيران.


ترمب يتوعد بضربات أشد... وإيران تحذر من توسع الأهداف

غارات جوية على وسط طهران صباح السبت (صحيفة اعتماد)
غارات جوية على وسط طهران صباح السبت (صحيفة اعتماد)
TT

ترمب يتوعد بضربات أشد... وإيران تحذر من توسع الأهداف

غارات جوية على وسط طهران صباح السبت (صحيفة اعتماد)
غارات جوية على وسط طهران صباح السبت (صحيفة اعتماد)

دخلت الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران أسبوعها الثاني، السبت، على وقع تصعيد عسكري وسياسي واسع؛ إذ توعّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب طهران بضربات «قوية جداً» وأوسع نطاقاً، بينما وجّه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان اعتذاراً إلى الدول المجاورة التي تعرضت لهجمات من جانب إيران، معلناً تعليق استهدافها، ما لم تنطلق منها هجمات على بلاده.

وترافَقَ اعتذار بزشكيان مع استمرار الضربات المتبادلة، ومع رسائل عسكرية إيرانية شددت على أن القواعد والمصالح الأميركية والإسرائيلية في المنطقة ستظل أهدافاً مشروعة، ما عكس تبايناً واضحاً بين خطاب التهدئة السياسية وإيقاع العمليات الميدانية.

وقال ترمب إن إيران ستتعرض السبت لـ«ضربة قوية جداً»، مضيفاً أن واشنطن تدرس، «بسبب سلوك إيران السيئ»، استهداف «مناطق ومجموعات من الأشخاص لم يكن يجري النظر في استهدافها حتى هذه اللحظة»، محذراً من «الدمار التام والموت المحتم». كما نسب الفضل لنفسه في اعتذار بزشكيان إلى الدول المجاورة، قائلاً إن هذا التنازل «لم يتم إلا بسبب الهجوم الأميركي والإسرائيلي المستمر».

وكتب ترمب على منصة «تروث سوشيال» أن إيران «كانت تتطلع إلى الاستيلاء على الشرق الأوسط وحكمه»، معتبراً أن ما يجري يمثل «المرة الأولى التي تخسر فيها إيران، منذ آلاف السنين، أمام دول الشرق الأوسط المجاورة». وأضاف: «لم تعد إيران متنمِّرَ الشرق الأوسط، بل أصبحت الخاسر في الشرق الأوسط، وستظل كذلك لعقود عديدة حتى تستسلم أو، على الأرجح، تنهار تماماً».

وفي تصريحات منفصلة، قال ترمب إن الولايات المتحدة «تبلي بلاءً حسناً» في الحرب، مضيفاً، رداً على سؤال بشأن تقييم الأداء من صفر إلى عشرة: «سأعطيها من 12 إلى 15». وزعم أن الجيش الإيراني والبحرية الإيرانية ووسائل الاتصالات «اختفت»، وأن سلاح الجو الإيراني «تم القضاء عليه»، مشدداً على أن «رديفين» من القادة الإيرانيين قُتِلا، مدعياً أن إيران «وصلت إلى الرديف الثالث».

وكان المرشد الإيراني خامنئي قد قُتِل في اليوم الأول من الضربات الأميركية - الإسرائيلية في 28 فبراير (شباط)، وقالت مصادر أميركية إن الضربات الأولية قتلت نحو 40 مسؤولاً إيرانياً.

طهران ترفض الاستسلام

في المقابل، قال بزشكيان في خطاب متلفز إن «الأعداء سيأخذون حلمهم باستسلام الشعب الإيراني معهم إلى القبر»، رداً على مطالبة ترمب طهران بـ«الاستسلام غير المشروط». وأضاف أن مجلس القيادة المؤقت قرر عدم استهداف دول الجوار وعدم إطلاق صواريخ عليها، إلا إذا تعرضت إيران لهجوم من أراضي تلك الدول.

وقال بزشكيان: «أعتذر باسمي وباسم إيران للدول المجاورة التي هاجمتها إيران»، مؤكداً أن طهران لا تنوي الاعتداء على أي دولة. ودعا إلى تجاوز الخلافات والمخاوف الداخلية، كما حذر جماعات في دول الجوار من استغلال الظروف لمهاجمة إيران. وفي رسائل أخرى عبر منصة «إكس»، قال إن العلاقات الودية مع حكومات المنطقة لا تتعارض مع حق إيران «الأصيل» في الدفاع عن نفسها ضد العدوان العسكري الأميركي والإسرائيلي، مؤكداً أن العمليات الدفاعية الإيرانية تستهدف حصراً الأهداف والمنشآت التي تُعد مصدر ومنطلق الأعمال العدوانية ضد الشعب الإيراني.

صورة انتشرت على شبكات التواصل من قصف مطار مهر آباد غرب طهران فجر السبت

وأضاف أن إيران لم تهاجم الدول الصديقة والمجاورة، بل استهدفت القواعد والمنشآت والمرافق العسكرية الأميركية في المنطقة. وفي تبريره للهجمات التي استهدفت دولاً مجاورة خلال الأيام الماضية، قال بزشكيان إن القوات المسلحة نفذت الإجراءات اللازمة «بقرار ميداني» عندما غاب القادة، بعد مقتل قادة كبار والمرشد في الساعات الأولى من الحرب.

لكن هذا الموقف لم ينهِ الغموض؛ إذ أعلن «الحرس الثوري» بعد ساعات من خطابه أن طائراته المسيرة استهدفت قاعدة الظفرة الجوية قرب أبوظبي، فيما أعلنت وسائل إعلام إيرانية رسمية سماع دوي انفجارات هائلة في عدة مناطق من طهران.

قصف يطال موقع بمدينة بوشهر جنوب إيران (تلغرام)

وتجاوز نطاق الحرب حدود الجمهورية الإسلامية مع استمرار إيران في الرد بهجمات على إسرائيل ودول الجوار. ولم يتضح إلى أي مدى يعكس موقف بزشكيان قراراً إيرانياً بالتراجع، أم أنه ينبغي تفسيره على أنه تحذير مشروط، مع إبقاء خيار الضربات الإقليمية قائماً.

وكانت إيران قد أصلحت، في السنوات الماضية، علاقاتها مع دول الجوار، قبل أن تتعرض تلك المساعي لانتكاسة مع هجمات المسيّرات والصواريخ التي أطلقها «الحرس الثوري»، خلال الأسبوع الماضي.

ومع استمرار غياب أي أفق سياسي واضح لوقف الحرب، واصل ترمب المطالبة بـ«الاستسلام غير المشروط». وكتب: «لن يكون هناك اتفاق مع إيران سوى عبر الاستسلام غير المشروط!». وأضاف: «بعد ذلك، وبعد اختيار قائد (أو قادة) عظماء ومقبولين، سنبذل نحن والعديد من حلفائنا وشركائنا الرائعين والشجعان جهوداً حثيثة لإنقاذ إيران من حافة الهاوية، وجعلها أقوى وأفضل اقتصادياً من أي وقت مضى».

وقال سفير إيران لدى الأمم المتحدة، أمير سعيد إيرواني، إن الهجمات الأميركية والإسرائيلية قتلت ما لا يقل عن 1332 مدنياً إيرانياً، وأصابت الآلاف. وقالت إسرائيل إن هجمات إيران أودت بحياة 11 شخصاً، فيما أعلنت الولايات المتحدة مقتل ستة على الأقل من جنودها.

80 طائرة مقاتلة

ميدانياً، شهدت طهران، مع حلول السبت، غارات هي من الأعنف منذ بدء الحرب. وأفادت وسائل إعلام إيرانية بسماع دوي انفجارات قوية في مناطق عدة من العاصمة. وذكرت وكالة «تسنيم»، التابعة لـ«الحرس الثوري»، أن الانفجارات سُمعت في شمال وجنوب وشرق وغرب ووسط طهران.

وأفادت وكالة «إيسنا» بسماع دوي انفجارات في بعض مناطق العاصمة عند الساعة 1:55 فجراً بالتوقيت المحلي. وتحدثت تقارير عن استهداف بلدة استقلال الصناعية غرب طهران، فيما قال رئيس بلدية العاصمة علي رضا زاكاني إن «أي ضربة لن تشل العاصمة».

وأظهرت مقاطع فيديو اندلاع حريق وتصاعد ألسنة اللهب داخل مطار مهر آباد في غرب طهران، عقب غارات إسرائيلية استهدفت المنطقة في وقت مبكر السبت. وانتشر مقطع فيديو لاحقاً يظهر طائرة محترقة على مدرج المطار. كما تجددت الضربات على مقر «مقداد» التابع لـ«الحرس الثوري» في غرب طهران.

ولم تقتصر الضربات على طهران؛ فقد تحدثت وسائل إعلام إيرانية عن دوي انفجارات في مدينة قزوين غرب العاصمة، فيما أفادت السلطات الإيرانية بمقتل 63 شخصاً في غارات أميركية - إسرائيلية على أصفهان وسط البلاد. كما سُمع دوي انفجار في جزيرة كيش جنوب إيران، وقالت وكالة «تسنيم» إن طائرة مسيّرة من طراز «هيرميس» أُسقطت قبالة سواحل بندر عباس جنوب البلاد.

كما هزت انفجارات مطار عسكري في أصفهان، ومطار مدينة شيراز وقاعدة نوجه القتالية لسلاح الجو الإيراني، في همدان غرب البلاد.

ووجَّه وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، تهماً للجيش الأميركي بضرب محطة لتحلية المياه في جزيرة قشم الواقعة في الخليج العربي.

وقال عراقجي إن الولايات المتحدة ارتكبت «جريمة صارخة»، مضيفاً أن الهجوم أثر على إمدادات المياه في 30 قرية. وتابع أن استهداف البنية التحتية في إيران «خطوة خطيرة ستكون لها عواقب جسيمة»، وأن «الولايات المتحدة هي التي أرست هذا النهج، وليس إيران».

وقال رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، إن الهجوم على محطة تحلية المياه في جزيرة قشم نُفّذ بدعم من إحدى القواعد الجوية في دول الجوار.وأضاف قاليباف، في منشور على منصة «إكس»، أن «هذا العمل الإجرامي سيحصل على رد مناسب»، مؤكداً أن القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة تحولت إلى «منصات لشن عمليات ضد إيران». وشدد على أن «أي نقطة تُستخدم منطلقاً لأي هجوم على إيران ستُعد هدفاً مشروعاً للرد».

في الجانب الآخر، أعلن الجيش الإسرائيلي أن أكثر من 80 طائرة مقاتلة شاركت في موجة جديدة من الضربات على طهران وأجزاء أخرى من غرب ووسط إيران. وقال إن الغارات استهدفت عدة مواقع عسكرية، بينها جامعة «الإمام حسين» العسكرية التابعة لـ«الحرس الثوري». وأضاف أن الضربات شملت منشآت لتخزين الصواريخ الباليستية، ومركز قيادة تحت الأرض، وعدة مواقع لإطلاق الصواريخ.

كما قال الجيش الإسرائيلي إن إيران أطلقت ست دفعات صاروخية منفصلة باتجاه إسرائيل؛ ما أدى إلى انطلاق صفارات الإنذار في بعض المناطق وتفعيل الدفاعات الجوية. وأفاد لاحقاً بأن إيران أطلقت دفعة أخرى، قبل الفجر بقليل، بينما سُمع دوي ثلاثة انفجارات على الأقل في سماء القدس.

صواريخ متقدمة على خط النار

أعلن «الحرس الثوري» إطلاق صواريخ استراتيجية ودقيقة تعمل بالوقود الصلب والسائل، من طراز «فتاح» و«عماد»، ضمن موجة جديدة من العمليات الجارية. كما قال إن ثلاثة صواريخ أُطلقت باتجاه إسرائيل وأصابت أهدافها المحددة.

وقال «الحرس الثوري» أيضاً إن تدمير أنظمة الرادار التابعة للعدو خلال الموجات السابقة جعل إصابة الأهداف «أسهل بكثير»، مؤكداً أن جميع الصواريخ التي يتم إطلاقها تصيب أهدافها المحددة في قاعدة بالبحرين.

وفي تطور آخر، أعلن «الحرس» أن طائراته المسيّرة استهدفت قاعدة الظفرة الجوية قرب أبوظبي، كما تحدثت بيانات إيرانية عن استهداف ناقلة نفط في الخليج، وعن إصابة ناقلة ترفع علم جزر مارشال.

وأعلن الجيش الإيراني أن القوات البحرية شنَّت هجمات بمسيّرات على أهداف في إسرائيل، بينها منشأة استراتيجية. كما قال الجيش الإيراني إن القوات البحرية استهدفت حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» بصاروخ ساحل - بحر.

في الحدود مع إقليم كردستان العراق، أعلن «الحرس الثوري» أنه استهدف ثلاثة مواقع لجماعات معارضة كردية في منطقة كردستان العراق عند الساعة 4:30 صباحاً بالتوقيت المحلي.

وحذّر متحدث باسم القوات المسلحة تلك الجماعات من أي إجراء يهدد سلامة أراضي إيران، قائلاً: «سوف نسحقهم». وفي المقابل، أعلنت قيادة «الحرس الثوري» في محافظة كردستان أن الأمن على الحدود الغربية والشمالية الغربية لإيران «مستتب بالكامل».

وفي ملف الخليج، قال المتحدث باسم القوات المسلحة الإيرانية، أبو الفضل شكارجي، إن طهران «حريصة على أمن مضيق هرمز، وتؤكد أنها تسيطر عليه، لكنها لا تعتزم إغلاقه». وأضاف أن «الضربات التي تعرضت لها الولايات المتحدة خلال الأيام القليلة الماضية غير مسبوقة في تاريخها»، معتبراً أن الجيش الأميركي «يعاني من تراجع في المعنويات وحالة إنهاك».

وقال شكارجي إن الدول التي لا تضع أراضيها أو أجواءها في تصرف «العدو» ستحظى باحترام إيران، مضيفاً أن الضربات ضد الولايات المتحدة وإسرائيل ستتواصل. كما حذر إقليم كردستان العراق من أي تعاون مع واشنطن، قائلاً إن أي مرافقة أو تعاون مع الولايات المتحدة ستواجَه برد قاسٍ، مهدداً بأن القوات الإيرانية «ستسحق» الإقليم، إذا حدث ذلك.

وفي السياق نفسه، قال المتحدث باسم «الحرس الثوري»، علي محمد نائيني، إن طهران «ترحب» و«تنتظر» أي وجود أميركي في مضيق هرمز. وأضاف أن إيران «ترحب بالتصريحات الأميركية المتعلقة بمرافقة ناقلات النفط ووجود قوات أميركية لعبورها المضيق». ودعا الولايات المتحدة إلى تذكر «حادثة احتراق ناقلة النفط الأميركية (بريجتون) عام 1987، والناقلات التي استُهدفت أخيراً»، في تحذير من تداعيات أي تحركات في المضيق. وكان البيت الأبيض قد قال إن الولايات المتحدة ستعمل على مرافقة ناقلات النفط، لضمان حرية الملاحة في هرمز.

كما قال المتحدث باسم مقر «خاتم الأنبياء»، غرفة العمليات المشتركة في هيئة الأركان الإيرانية، إن أي نقطة تكون منطلقاً للاعتداء على إيران تُعَد هدفاً مشروعاً، وقال إن أي محاولة للدخول «قد تنتهي بالوصول إلى قاع الخليج».

وأضاف أن إيران «ضربت الولايات المتحدة وإسرائيل ودمرتهما»، مؤكداً أن الجمهورية الإسلامية «لم تعتدِ حتى الآن على المصالح الوطنية وسيادة الدول المجاورة»، وأنها تحترم ذلك، لكنه شدد على أن أي نقطة تنطلق منها الهجمات ضد إيران ستُعَد هدفاً مشروعاً، وأن الدول التي لم تضع أجواءها وإمكاناتها في خدمة العدو لم تكن هدفاً حتى الآن، ولن تكون هدفاً في المستقبل.

وفي السياق نفسه، قال غلام حسين محسني إجئي، رئيس السلطة القضائية عضو المجلس المؤقت، وفق المادة 111 من الدستور، إن الأدلة لدى القوات المسلحة الإيرانية تشير إلى أن جغرافيا بعض دول المنطقة وُضعت علناً أو سراً في خدمة العدو، ويجري استخدامها من تلك النقاط للاعتداء على إيران.

وأضاف أن «الهجمات الشديدة على هذه الأهداف ستستمر»، وأن هذه الاستراتيجية قيد التنفيذ حالياً، وأن الحكومة وسائر أركان النظام متفقة عليها.

كما أكد أن إيران لن تضرب من لم يعتدِ عليها، لكن حق الدفاع المشروع للدولة المعتدى عليها معترَف به في الوثائق والقانون الدولي.

أكثر من 3000 هدف

وعلى المستوى العسكري الأميركي، قالت القيادة المركزية إن الولايات المتحدة ضربت أكثر من 3000 هدف خلال الأيام السبعة الأولى من عملية «ملحمة الغضب»، كما تضررت أو دمرت 43 سفينة إيرانية. وأفادت تقارير أميركية بأن حاملة طائرات ثالثة قد تُنشر في الشرق الأوسط. وأعلنت البحرية الأميركية أن حاملة الطائرات «يو إس إس جورج إتش دبليو بوش» أنهت تدريباتها قبل الانتشار، فيما دخلت «يو إس إس جيرالد آر فورد» إلى المنطقة، ونشر «البنتاغون» صوراً تظهر عبورها «قناة السويس» إلى جانب المدمرة «يو إس إس باينبريدغ».

وفي واشنطن، قال البيت الأبيض إن ترمب سيحضر، السبت، مراسم نقل جثامين الجنود الأميركيين الستة الذين قُتلوا في الخارج.

وقال الكرملين إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عبّر عن تعازيه لبزشكيان بعد الخسائر المدنية العديدة الناجمة عن «العدوان المسلح الإسرائيلي الأميركي على إيران»، ودعا إلى وقف فوري للأعمال القتالية.

دولياً، أعلن الكرملين أن بوتين أجرى اتصالاً هاتفياً مع بزشكيان، مؤكداً موقف روسيا الداعي إلى وقف فوري للأعمال العدائية، ورفض استخدام القوة والعودة إلى المسار الدبلوماسي.

وفي السياق نفسه، حذر الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، من أن العنف في الشرق الأوسط «قد يتصاعد إلى درجة تتجاوز سيطرة أي شخص»، داعياً إلى وقف القتال والبدء في مفاوضات دبلوماسية جادة.


جدل داخلي في إيران بعد اعتذار بزشكيان لدول الجوار

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يحضر مجلس القيادة مع رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجئي وعلي رضا أعرافي عضو مجلس صيانة الدستور الأسبوع الماضي (الرئاسة الإيرانية)
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يحضر مجلس القيادة مع رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجئي وعلي رضا أعرافي عضو مجلس صيانة الدستور الأسبوع الماضي (الرئاسة الإيرانية)
TT

جدل داخلي في إيران بعد اعتذار بزشكيان لدول الجوار

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يحضر مجلس القيادة مع رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجئي وعلي رضا أعرافي عضو مجلس صيانة الدستور الأسبوع الماضي (الرئاسة الإيرانية)
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يحضر مجلس القيادة مع رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجئي وعلي رضا أعرافي عضو مجلس صيانة الدستور الأسبوع الماضي (الرئاسة الإيرانية)

أثار اعتذار الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان للدول المجاورة عن الهجمات التي طالت بعض أراضيها، وتعهدّه بوقف استهدافها ما لم تُستخدم أراضي تلك الدول لشن هجمات على إيران، جدلاً سياسياً واسعاً داخل مؤسسات الحكم في طهران.

وتباينت ردود الفعل بين انتقادات حادة من نواب وبرلمانيين، ومواقف عسكرية وقضائية شددت على استمرار استهداف المصالح الأميركية والإسرائيلية في المنطقة، في وقت تمر فيه إيران بمرحلة سياسية حساسة بعد مقتل المرشد علي خامنئي.

وفي حين حاول بزشكيان تقديم اعتذاره بوصفه رسالة سياسية تهدف إلى طمأنة دول الجوار وتجنب توسيع رقعة المواجهة، اعتبر منتقدوه أن الخطاب ينطوي على «تنازل غير مبرر في خضم حرب مفتوحة».

وأعادت تصريحات صادرة عن قيادات عسكرية وقضائية التأكيد على أن أي قاعدة أو مصلحة أميركية أو إسرائيلية تُستخدم ضد إيران ستظل هدفاً مشروعاً، حتى لو كانت على أراضي دول أخرى في المنطقة.

وبذلك تحول اعتذار الرئيس الإيراني من خطوة دبلوماسية لاحتواء التوتر الإقليمي إلى محور سجال داخلي يعكس تبايناً في تفسير حدود الحرب وآليات إدارتها، في أوضح مؤشر على تباين داخل مؤسسات الحكم بشأن حدود الهجمات الإقليمية وتوصيفها.

وبعد مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، تولى مجلس قيادة مؤقتاً مهامه. ويتألف المجلس من بزشكيان ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجئي وعضو من مجلس صيانة الدستور علي رضا أعرافي.

وكان بزشكيان قد قال في رسالة متلفزة إن مجلس القيادة المؤقت قرر عدم استهداف دول الجوار وعدم إطلاق صواريخ عليها، إلا إذا تعرضت إيران لهجوم من أراضي تلك الدول. وأضاف: «أعتذر باسمي وباسم إيران للدول المجاورة التي هاجمتها إيران»، مؤكداً أن طهران لا تنوي الاعتداء على أي دولة.

وقال بزشكيان في رسالته إن «الحرس الثوري» تصرف خلال الأيام الماضية «بقرار ميداني» بعد مقتل قادة كبار والمرشد في بداية الحرب.

لكن هذا الموقف قوبل سريعاً باعتراضات داخلية. وزاد رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجئي حدة هذا الاتجاه، حين قال إن الأدلة لدى القوات المسلحة الإيرانية تشير إلى أن «جغرافيا بعض دول المنطقة وُضعت علناً أو سراً في خدمة العدو، وأن هذه المناطق تُستخدم للعدوان على إيران». وأضاف أن «الهجمات الشديدة على هذه الأهداف ستستمر»، مضيفاً أن هذه الاستراتيجية قيد التنفيذ حالياً وأن الحكومة وسائر أركان النظام متفقة عليها.

وفي موازاة هذا السجال السياسي، جاء خطاب المؤسسة العسكرية أقل ميلاً إلى التهدئة. فقد أعلنت قيادة مقر «خاتم الأنبياء»، غرفة العمليات المشتركة باسم هيئة الأركان، رغم تأكيدها أنها «لم تقم بأي اعتداء» على الدول المجاورة حتى الآن، أن جميع القواعد والمصالح التابعة للولايات المتحدة وإسرائيل في البر والبحر والجو في المنطقة ستظل أهدافاً رئيسية للقوات المسلحة الإيرانية.

وجاء في بيان القيادة أن القوات المسلحة «تحترم مصالح وسيادة الدول المجاورة ولم تقم بأي اعتداء عليها حتى الآن»، لكنها أكدت أنه في حال استمرار الإجراءات الهجومية، فإن جميع القواعد العسكرية والمصالح التابعة للولايات المتحدة و«الكيان الصهيوني» في المنطقة ستتعرض لضربات قوية من القوات المسلحة للجمهورية الإسلامية.

كما قال المتحدث باسم مقر «خاتم الأنبياء» إن أي نقطة تنطلق منها الهجمات ضد إيران ستُعد هدفاً مشروعاً، مضيفاً أن أي محاولة للدخول إلى المنطقة «ستنتهي بالوصول إلى قاع الخليج»، وأن طهران «لن تتراجع» في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل.

برلمانياً، كتب محمد منان رئيسي، نائب مدينة قم في البرلمان، أن «الاعتذار الغريب لرئيس الجمهورية إلى الدول المجاورة يبعث على الأسف»، مخاطباً بزشكيان: «متى سيحين وقت اعتذارك للشعب الإيراني بسبب هذه المواقف المذلّة؟». وتابع أن «الحجة قامت على مجلس خبراء القيادة، وإن الإعلان عن قائد جديد أمر عاجل»، معتبراً أن «تصريحات بزشكيان المذلّة تظهر أن على مجلس الخبراء اختيار قائد جديد في أقرب وقت ممكن».

ومضى رئيسي أبعد من ذلك قائلاً: «أليس صحيحاً أن الدول المجاورة وضعت أراضيها وممتلكاتها وفنادقها في خدمة أعدائنا؟ وهل لم يكن ينبغي لقواتنا العسكرية أن تهاجم هذه القواعد وممتلكات العدو حتى تعتذر الآن بهذا الشكل المذل؟».

وكتب النائب المحافظ جلال رشيدي كوشي على منصة «إكس»: «مع كامل الاحترام، سيادة الرئيس، يقدم الاعتذار عندما يرتكب خطأ... لكننا لم نرتكب أي خطأ». واتهم النائب الرئيس الإيراني بالافتقار إلى الحزم في رسالته، معتبراً أنها بدت ضعيفة من حيث النص وطريقة التعبير وحتى لغة الجسد.

وفي الاتجاه نفسه، قالت وزارة الخارجية الإيرانية، في بيان، إن دول المنطقة مطالبة بالامتناع عن وضع أراضيها وإمكاناتها في خدمة أي عدوان عسكري ضد إيران. وأوضحت أن القانون الدولي يمنع استخدام أراضي الدول بصورة مباشرة أو غير مباشرة للإضرار بدول أخرى، مشيرة إلى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3314 بشأن تعريف العدوان العسكري.

وأضاف البيان أن الدول التي يُستخدم إقليمها لشن عدوان عسكري ضد دولة ثالثة تتحمل مسؤوليات قانونية دولية، بما في ذلك التعويض عن الأضرار المباشرة وغير المباشرة. كما أكدت الوزارة أن الجمهورية الإسلامية اضطرت، في إطار «حقها الأصيل والطبيعي» في الدفاع عن نفسها، إلى تنفيذ عمليات دفاعية ضرورية ومتناسبة ضد قواعد ومنشآت المعتدين في المنطقة.

وشدد البيان على أن العمليات الدفاعية الإيرانية تستهدف الأهداف والمنشآت والإمكانات التي تشكل مصدر ومنطلق الأعمال العدوانية ضد الشعب الإيراني، أو التي توضع في خدمة مثل هذه الأهداف. وأشار إلى أن دول المنطقة أدركت أن القواعد الأميركية الموجودة على أراضيها لم تسهم في تعزيز أمن المنطقة، بل استُخدمت لدعم «المعتدين الأميركيين والكيان الصهيوني».

واختتمت وزارة الخارجية بيانها بالتأكيد على أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية حريصة على الحفاظ على العلاقات الودية مع دول المنطقة وتطويرها على أساس الاحترام المتبادل ومبدأ حسن الجوار واحترام سيادة الدول وسلامة أراضيها، مؤكدة أن العمليات الدفاعية الإيرانية ضد القواعد والمنشآت العسكرية الأميركية في المنطقة لا ينبغي تفسيرها على أنها عداء أو خصومة مع دول الجوار.

وفي خضم هذا الجدل، دخل رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف على الخط، فكتب على منصة «إكس» أن السياسات الدفاعية للجمهورية الإسلامية «ثابتة» وتستند إلى «مبادئ»، مضيفاً: «ما دامت توجد قواعد أميركية في المنطقة فإن دولها لن ترى الاستقرار». كما أشار إلى أن «جميع المسؤولين والشعب متحدون حول هذا المبدأ».

في المقابل، سعت الرئاسة الإيرانية إلى احتواء الانتقادات وتوضيح موقف الرئيس. فقد قال مهدي طباطبائي، مسؤول دائرة العلاقات العامة في الرئاسة الإيرانية، رداً على الانتقادات الداخلية لاعتذار بزشكيان، إن «رسالة الرئيس واضحة: إذا لم تتعاون دول المنطقة مع الهجوم الأميركي على إيران فلن نهاجمها». وأضاف في منشور على منصة «إكس» أن «الجمهورية الإسلامية لن ترضخ للضغوط، وقواتنا المسلحة سترد بحزم، وفق قواعد الاشتباك، على أي اعتداء ينطلق من قواعد أميركية».