خامنئي طلب من هنية إسكات المطالبين بتدخل إيران و«حزب الله» في الحرب

عبداللهيان في جنيف لطلب مساعدات أممية لغزة

إيرانية تلتف بالعلم الفلسطيني وتجلس أمام رسم معادٍ لأميركا على حائط سفارتها السابقة في طهران 4 نوفمبر الجاري (رويترز)
إيرانية تلتف بالعلم الفلسطيني وتجلس أمام رسم معادٍ لأميركا على حائط سفارتها السابقة في طهران 4 نوفمبر الجاري (رويترز)
TT

خامنئي طلب من هنية إسكات المطالبين بتدخل إيران و«حزب الله» في الحرب

إيرانية تلتف بالعلم الفلسطيني وتجلس أمام رسم معادٍ لأميركا على حائط سفارتها السابقة في طهران 4 نوفمبر الجاري (رويترز)
إيرانية تلتف بالعلم الفلسطيني وتجلس أمام رسم معادٍ لأميركا على حائط سفارتها السابقة في طهران 4 نوفمبر الجاري (رويترز)

كشف ثلاثة مسؤولين كبار أن المرشد الإيراني علي خامنئي طالب رئيس المكتب السياسي لحركة (حماس) خلال لقائهما في أوائل نوفمبر (تشرين الثاني)، بإسكات الأصوات التي تطالب إيران و«حزب الله» بالتدخل في الحرب ضد إسرائيل، قائلا إن طهران لم تدخل الحرب نيابة عن حماس لأنها لم تبلغ بهجوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) على إسرائيل حسبما أوردت وكالة «رويترز». ونقلت المصادر عن خامنئي قوله لإسماعيل هنية إن إيران - التي تدعم حماس منذ فترة طويلة - ستواصل تقديم دعمها السياسي والمعنوي للحركة لكن دون التدخل بشكل مباشر، حسبما أفاد المسؤولون، وهم من إيران وحماس ومطلعون على المناقشات وطلبوا عدم الكشف عن هوياتهم حتى يتسنى لهم التحدث بحرية. وذكر مسؤول من حماس لـ«رويترز» أن خامنئي حث على إسكات تلك الأصوات في الحركة الفلسطينية التي تدعو علنا إيران وحليفتها اللبنانية القوية جماعة «حزب الله» إلى الانضمام إلى المعركة ضد إسرائيل بكامل قوتهما. وأفادت «رويترز» عن ثلاثة مصادر قريبة من «حزب الله» أن الجماعة فوجئت أيضا بالهجوم الذي شنته حماس الشهر الماضي وأن مقاتلي الجماعة لم يكونوا في حالة تأهب حتى في القرى القريبة من الحدود والتي شكلت الخطوط الأمامية في حربها مع إسرائيل عام 2006 وكان لا بد من استدعائهم بسرعة. وقال قيادي في «حزب الله»: «لقد استيقظنا على الحرب». وتمثل الأزمة المتفاقمة المرة الأولى التي تحشد فيها جماعات توصف بـ«وكلاء إيران» وتسميها طهران «محور المقاومة» على جبهات متعددة في نفس الوقت. وتخوض جماعة «حزب الله» أعنف اشتباكات مع إسرائيل منذ ما يقرب من 20 عاما. واستهدفت فصائل مسلحة مدعومة من إيران القوات الأميركية في العراق وسوريا. كما أطلقت جماعة الحوثي الموالية لإيران صواريخ وطائرات مسيرة على إسرائيل.

حماس محبطة

تقاتل حماس التي تسيطر على السلطة في قطاع غزة من أجل البقاء في مواجهة انتقام إسرائيل، التي تعهدت بالقضاء على الحركة وشنت هجوما على القطاع الصغير أدى إلى مقتل أكثر من 11 ألف فلسطيني. وفي السابع من أكتوبر دعا قائد الجناح العسكري لحركة حماس محمد الضيف حلفاء محور المقاومة إلى الانضمام إلى النضال. وقال في رسالة صوتية «يا إخواننا (...) في لبنان وإيران واليمن والعراق وسوريا هذا هو اليوم الذي تلتحم فيه مقاومتكم مع أهلكم في فلسطين». وبدا الإحباط في تصريحات علنية بعد ذلك لقادة حماس، ومن بينهم خالد مشعل الذي شكر «حزب الله» في مقابلة تلفزيونية يوم 16 أكتوبر وقال «(حزب الله) قام مشكورا بخطوات لكن تقديري أن المعركة تتطلب أكثر، وما يجري لا بأس به لكنه غير كاف».

المرشد الإيراني يستقبل هنية في يونيو الماضي (رويترز)

وقال مسؤولون إيرانيون مرارا إن الجماعات المسلحة تتخذ قراراتها بشكل مستقل. لكن في الوقت نفسه حذرت من توسع الحرب. وقال المنسق العام لـ«الحرس الثوري» إن قواته «تتوق لأوامر المرشد الإيراني للذهاب إلى غزة». ولوح المسؤولون الإيرانيون بالرد إذا ما تعرضت طهران لهجمات إسرائيلية أو أميركية، مع تصاعد الهجمات على القوات الأميركية في سوريا والعراق. ويرى ستة مسؤولين على دراية مباشرة بتفكير طهران ورفضوا الكشف عن أسمائهم بسبب حساسية الأمر أن إيران زعيمة التحالف لن تتدخل بشكل مباشر في الصراع ما لم تتعرض هي نفسها لهجوم من إسرائيل أو الولايات المتحدة. وقال المسؤولون إنه بدلا من ذلك يخطط حكام إيران لمواصلة استخدام الجماعات المسلحة، بما في ذلك «حزب الله»، لشن هجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة على أهداف إسرائيلية وأميركية في أنحاء الشرق الأوسط. وأضافوا أن هذه الاستراتيجية تهدف لإظهار التضامن مع حماس في غزة وإرهاق القوات الإسرائيلية دون الدخول في مواجهة مباشرة مع إسرائيل يمكن أن تستقطب الولايات المتحدة. وقال دنيس روس، الدبلوماسي الأميركي الكبير السابق المتخصص في شؤون الشرق الأوسط والذي يعمل الآن في معهد أبحاث واشنطن لسياسات الشرق الأدنى «هذه هي طريقتهم في الردع... طريقة تقول انظروا، طالما لم تهاجمونا فستبقى الأمور على هذا الوضع. ولكن إذا هاجمتمونا فسيتغير كل شيء».

مشكلات «حزب الله» الداخلية

تبادل «حزب الله»، أقوى شريك في محور المقاومة، والذي يضم 100 ألف مقاتل إطلاق النار مع القوات الإسرائيلية عبر الحدود بشكل يومي تقريبا منذ أن دخلت حماس في حرب مع إسرائيل وأسفر ذلك عن مقتل أكثر من 70 من عناصر «حزب الله». ومع ذلك تجنب «حزب الله» مثل إيران الداعمة له المواجهة الكاملة. وقالت مصادر مطلعة على تفكير «حزب الله» إن الجماعة جعلت هجماتها محسوبة بطريقة أبقت العنف محدودا إلى حد كبير في شريط ضيق من الأراضي على الحدود، حتى مع تصعيد تلك الضربات في الأيام القليلة الماضية. وقال أحد المصادر إن «حماس» تريد من «حزب الله» أن يشن ضربات أعمق داخل إسرائيل بترسانته الهائلة من الصواريخ، لكن «حزب الله» يعتقد أن هذا سيدفع إسرائيل إلى تدمير لبنان دون وقف هجومها على غزة.

مهاجمة أميركا

والولايات المتحدة أيضا حريصة على تجنب أن تمتد رقعة الحرب إلى ما هو أبعد من غزة. ويسعى الرئيس جو بايدن حتى الآن إلى حصر الدور الأميركي في أزمة غزة بالأساس في ضمان المساعدات العسكرية لإسرائيل. كما حرك حاملتي طائرات ومقاتلات إلى شرق البحر المتوسط في خطوة تهدف في جانب منها إلى تحذير طهران. وتصاعد التوتر مع شن ما لا يقل عن 50 هجوما بطائرات مسيرة وصواريخ على القوات الأميركية من جانب فصائل المحور في العراق وسوريا منذ بدء حرب غزة ردا على الدعم الأميركي لإسرائيل، وفقا لوزارة الدفاع الأميركية. ويقول المسؤولون الأميركيون إن الولايات المتحدة نفذت ثلاث مجموعات من الضربات الانتقامية ضد منشآت في سوريا تستخدمها فصائل مسلحة مرتبطة بإيران. وحذر وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن الاثنين من خطر فتح جبهة رئيسية أخرى في الصراع. وقال في مؤتمر صحافي في سيول «ما رأيناه طوال هذا الصراع وطوال هذه الأزمة هو تراشق متبادل بين (حزب الله) اللبناني والقوات الإسرائيلية». وأضاف «لا أحد يريد أن يرى صراعا آخر يندلع في الشمال».

إسرائيل تنظر إلى الشمال

شدد أوستن على ضرورة تجنب أي تصعيد إقليمي عندما تحدث مع نظيره الإسرائيلي يوآف غالانت مطلع الأسبوع، بحسب نص المكالمة. وقال مصدران أمنيان إسرائيليان، طلبا عدم الكشف عن هويتهما، إن إسرائيل لا تسعى إلى اتساع رقعة الأعمال القتالية، لكنهما أضافا أنها مستعدة للقتال على جبهات جديدة إذا لزم الأمر لحماية نفسها. وقالا إن مسؤولي الأمن يعتبرون أن التهديد المباشر الأقوى لإسرائيل يأتي من «حزب الله». في الأثناء، صرح وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، اليوم الأربعاء، بأن طهران وبيروت لا تريدان التورط في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ولن تشاركا فيه إذا لم تكن هناك استفزازات. وقال لافروف خلال مقابلة تلفزيونية «لا أعتقد أن إيران أو لبنان يرغبان في التورط في هذه الأزمة، ولا أرى أي رغبة من جانب أي من الدولتين لشن حرب واسعة النطاق في المنطقة» وأفاد بأن الولايات المتحدة ربما تريد أن «تخرج أزمة غزة خارج نطاق منطقة الشرق الأوسط» حسبما أوردت «روسيا اليوم» ولا تعترف إيران بوجود إسرائيل، في حين تهدد إسرائيل منذ فترة طويلة بالقيام بعمل عسكري ضد إيران إذا فشلت الدبلوماسية في الحد من نشاطها النووي المثير للجدل. يقول كريم سجادبور المتخصص في الشؤون الإيرانية في مؤسسة «كارنيغي» للسلام الدولي إنه في الأزمة الحالية قد يتغلب صوت الواقعية السياسية بالنسبة لطهران. ويضيف «لقد أظهرت إيران التزاما على مدى أربعة عقود بمحاربة أميركا وإسرائيل دون الدخول في صراع مباشر. وترتكز الآيديولوجية الثورية للنظام (الإيراني) على معارضة أميركا وإسرائيل، لكن قادتها ليسوا انتحاريين، بل يريدون البقاء في السلطة».

عبداللهيان وكوهين في جنيف

وبالتزامن مع زيارة نظيره الإسرائيلي، إيلي كوهين، وصل وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبداللهيان، في وقت متأخر الثلاثاء إلى جنيف وأجرى مباحثات مع ممثلين من الأمم المتحدة والصليب الأحمر الدولي، بما في ذلك رئيس العمليات الإنسانية الطارئة في الأمم المتحدة مارتن غريفيث، ومفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك.

عبداللهیان یلتقي مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك في جنيف اليوم (الخارجية الإيرانية)

ودعا عبداللهيان اليوم الأربعاء إلى اتخاذ «إجراءات فورية» للسماح بدخول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة. وطالب بتشكيل لجنة تحقيق من الخبراء لتوثيق أفعال إسرائيل في قطاع غزة، حسبما نقلت وكالة «مهر» الحكومية. وقال عبداللهيان خلال اجتماعه مع غريفيث إن «كمية المساعدات الإنسانية المرسلة إلى غزة منخفضة للغاية، تقترب من الصفر، ومن الضروري أن تتخذ الأمم المتحدة إجراءات فورية وجادة في هذا الصدد» حسبما أوردت وكالة «الصحافة الفرنسية». وحذر عبداللهيان من أن «الأرضية مهيأة أكثر من السابق لانتشار الحرب وخروج الأوضاع في المنطقة عن السيطرة». وقال «الشيء الوحيد الذي يمكن أن يضبط الأوضاع الحالية وقف الاعتداءات على غزة وإرسال المساعدات الإنسانية ووقف تهجير أهل غزة». وقال عبداللهيان إن إسماعيل هنية أبلغه خلال لقائهما في الدوحة قبل ثلاثة أسابيع موافقة «حماس» على إطلاق سراح الأسرى غير العسكريين، لكن الطرف الإسرائيلي «لم يوفر الأوضاع التي تسرع من إطلاق سراح الأسرى غير العسكريين».


مقالات ذات صلة

بابا الفاتيكان يندد بقتل المحتجين في إيران ويؤكد رفضه للحرب

شؤون إقليمية البابا ليو الرابع بابا الفاتيكان داخل طائرة خلال عودته إلى روما (أ.ب)

بابا الفاتيكان يندد بقتل المحتجين في إيران ويؤكد رفضه للحرب

ندد البابا ليو بابا الفاتيكان بشدة بقتل المحتجين في إيران، وذلك بعدما انتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب البابا الأسبوع الماضي لعدم قيامه بذلك.

«الشرق الأوسط» (الفاتيكان)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

ترمب يسعى لصفقة مع إيران و«رواية انتصار» تصاحب إنهاء الحرب

في لحظةٍ تتقاطع فيها حسابات الحرب مع رهانات السياسة، رفع الرئيس الأميركي دونالد ترمب سقف تهديداته مرةً أخرى ضد إيران.

هبة القدسي (واشنطن)
شؤون إقليمية جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ) p-circle

تقرير: إصابة مجتبى خامنئي «بالغة»... لكنه بكامل وعيه

أفادت صحيفة «نيويورك تايمز» بأن المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي أُصيب بجروح بالغة جراء الضربة الجوية الأميركية - الإسرائيلية التي اغتيل فيها والده.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس (أ.ب)

كاتس: ننتظر الضوء الأخضر الأميركي لاستكمال القضاء على «سلالة خامنئي»

أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن الدولة العبرية «مستعدة لاستئناف الحرب ضد إيران»، مشيراً إلى أنها تنتظر موافقة الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
الولايات المتحدة​ صورة نشرها «الحرس الثوري» لزورق حربي يبحر في مضيق هرمز (أ.ف.ب)

حرب إيران... هدنة معلّقة ومضيق مخنوق

في لحظة بين اللاحرب واللاسلم تبدو المنطقة أمام معادلة مزدوجة: مسار تفاوضي لم يمت لكنه لم يُولد مجدداً، ووقف إطلاق نار لم ينهِ القتال بل نقله من الجو إلى البحر.

إيلي يوسف (واشنطن)

بابا الفاتيكان يندد بقتل المحتجين في إيران ويؤكد رفضه للحرب

البابا ليو الرابع بابا الفاتيكان داخل طائرة خلال عودته إلى روما (أ.ب)
البابا ليو الرابع بابا الفاتيكان داخل طائرة خلال عودته إلى روما (أ.ب)
TT

بابا الفاتيكان يندد بقتل المحتجين في إيران ويؤكد رفضه للحرب

البابا ليو الرابع بابا الفاتيكان داخل طائرة خلال عودته إلى روما (أ.ب)
البابا ليو الرابع بابا الفاتيكان داخل طائرة خلال عودته إلى روما (أ.ب)

ندد البابا ليو بابا الفاتيكان، اليوم الخميس، بشدة بقتل المحتجين في إيران، وذلك بعدما انتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب البابا الأسبوع الماضي لعدم قيامه بذلك، في ‌حين انتقد ‌الحرب الأميركية ‌الإسرائيلية على إيران.

كما استنكر ليو، وهو أول بابا من الولايات المتحدة، مقتل «عدد كبير جداً» من المدنيين في الحرب، وعبّر عن أسفه لانهيار محادثات السلام ‌الأميركية ‌الإيرانية، وذلك في تصريحات ‌أدلى بها على ‌متن الطائرة لدى عودته إلى روما بعد جولة شملت أربع دول أفريقية.

وقال البابا، ‌رداً على سؤال في مؤتمر صحافي حول تقارير تفيد بأن إيران قتلت آلاف المحتجين: «أندد بجميع الأعمال الظالمة، وأندد بإزهاق الأرواح».

وأضاف، وفقاً لوكالة «رويترز»: «عندما يتخذ نظام، أو دولة، قرارات تزهق أرواح الآخرين ظلماً، فمن البديهي أن هذا أمر يستحق التنديد».

وحث البابا ليو الرابع عشر الولايات المتحدة وإيران على العودة إلى مفاوضات السلام.


ترمب يسعى لصفقة مع إيران و«رواية انتصار» تصاحب إنهاء الحرب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
TT

ترمب يسعى لصفقة مع إيران و«رواية انتصار» تصاحب إنهاء الحرب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

في لحظةٍ تتقاطع فيها حسابات الحرب مع رهانات السياسة، رفع الرئيس الأميركي دونالد ترمب سقف تهديداته مرةً أخرى ضد إيران، ملوّحاً بإصدار أوامر للجيش الأميركي بإطلاق النار وتدمير القوارب الإيرانية التي تعيق حركة الملاحة في مضيق هرمز، وإزالة الألغام من الممر المائي.

ويزيد البعد الزمني من تعقيد المشهد؛ فترمب الذي تعهد بتجنب «الحروب الطويلة»، يواجه ضغوطاً داخلية متزايدة لإنهاء الأزمة بسرعة، خاصة مع اقتراب الانتخابات الفصلية للكونغرس في نوفمبر (تشرين الثاني) وارتفاع أسعار الطاقة نتيجة التوتر في مضيق هرمز.

وفي المقابل، تبدو إيران أكثر استعداداً لتحمل تكلفة الوقت؛ ما يمنحها أفضلية نسبية في معركة الإرادات.

ورغم هذه التحديات، لا تزال واشنطن تراهن على أن مزيج الضغط والمرونة قد يفضي إلى اتفاق. ووفقاً للخبراء، فإن ترمب لا يسعى فقط إلى صفقة مع إيران، بل إلى «رواية انتصار» تصاحب الاتفاق؛ إذ لن يُقاس نجاحه بمضمون الاتفاق فحسب، بل بقدرته على تقديمه بوصفه إنجازاً وانتصاراً يتفوق على إرث أوباما واتفاقية عام 2015 النووية مع إيران.

ومع ذلك، يظل الطريق إلى هذا الهدف مليئاً بالتحديات، من تعقيدات الملف النووي إلى توازنات الداخل الإيراني، مروراً بحسابات السياسة الأميركية.

غضب ترمب ونفاد صبره

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية 18 أبريل (أ.ب)

ويأتي تهديد ترمب بإطلاق النار على القوارب الإيرانية، في ظل غياب مؤشرات واضحة بشأن استئناف محادثات السلام التي استضافتها باكستان سابقاً خلال الأيام المقبلة، مع عدم صدور أي تصريحات حول ترتيبات محتملة لزيارة نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إلى باكستان.

وبدا غضب ترمب ونفاد صبره واضحين في تغريدة أخرى، سخر فيها من الصعوبات التي تواجهها إيران في تحديد قيادتها، مشيراً إلى اقتتال داخلي بين متشددين يتكبدون خسائر فادحة في ساحة المعركة، ومعتدلين وصفهم بأنهم «ليسوا معتدلين على الإطلاق».

ولوّح بأن الولايات المتحدة تسيطر سيطرةً تامة على مضيق هرمز، وأنه لا يمكن لأي سفينة الدخول أو المغادرة دون موافقة البحرية الأميركية، مؤكداً أن الحصار على المضيق «محكم تماماً» إلى أن تتمكن إيران من «إبرام صفقة».

وفسّر محللون هذا التحول في الخطاب الرئاسي الأميركي بوصفه انتقالاً من خطاب الردع إلى خطاب يضع قواعد اشتباك ميدانية دقيقة، تستهدف ضبط السلوك الإيراني في الممرات البحرية دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة.

كما رأوا أن ربط ترمب، في تغريداته على «تروث سوشيال»، بين السيطرة الكاملة على مضيق هرمز وإبقائه مغلقاً حتى توافق إيران على صفقة، يمثل رسالة تجمع بين الضغط العسكري والابتزاز التفاوضي.

وأثار ترمب جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية الأميركية بإعلانه عدم وجود جدول زمني لإنهاء وقف إطلاق النار مع إيران؛ إذ عدَّه البعض تراجعاً عن نهج التصعيد، في حين رآه آخرون مرونة تكتيكية ضمن استراتيجية تفاوضية أوسع.

صيغة توازن دقيقة

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس (أ.ب)

ويبدو أن ترمب يسعى إلى المناورة بين ضغوط الداخل وحسابات الخارج؛ بحثاً عن صيغة توازن دقيقة تمكّنه من الخروج من المواجهة مع إيران دون أن يظهر بمظهر المتراجع، خصوصاً بعد تمديد هدنة وقف إطلاق النار، والتراجع عن بعض تهديداته السابقة، والجدل المستمر حول جدوى الحصار الأميركي في مضيق هرمز لإجبار إيران على تقديم تنازلات.

وتقول أليس إيفرز، الباحثة في مجلس العلاقات الخارجية، إن «جميع خيارات ترمب تنطوي على مخاطر عالية في بيئة تصعيدية صفرية، حيث يسعى كل طرف إلى إجبار الآخر على التراجع». وتضيف أن هذا النمط من التصعيد المتبادل يجعل أي تهدئة مؤقتة مجرد استراحة تكتيكية لا تحولاً استراتيجياً.

ويشير تقرير لصحيفة «واشنطن بوست» الأميركية إلى أن إدارة ترمب انتقلت من خطاب التهديد بالحسم العسكري إلى ما يشبه «نمط الانتظار»، حيث جرى تمديد الهدنة دون سقف زمني واضح، مع الإبقاء على أدوات الضغط الأساسية، وعلى رأسها الحصار البحري والعقوبات الاقتصادية.

ولا يعكس هذا التحول رغبة في تجنب التصعيد فحسب، بل محاولة لصياغة مسار تفاوضي يمنح ترمب فرصة إعلان «انتصار سياسي» في حال التوصل إلى اتفاق.

ووفق هذه القراءة، لا ترى واشنطن في التصعيد الإيراني، بما في ذلك هجمات «الحرس الثوري» على الملاحة في مضيق هرمز، خروجاً عن السيطرة بقدر ما تعدّه جزءاً من «لعبة التفاوض بالقوة». فإيران، التي تواجه ضغوطاً اقتصادية متزايدة، تسعى إلى تحسين شروطها عبر استعراض قدرتها على تهديد أحد أهم شرايين الطاقة العالمية، في حين تراهن الولايات المتحدة على أن استمرار الضغط سيدفع طهران إلى تقديم تنازلات أوسع.

إيران مختلفة

جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)

غير أن هذا الرهان يصطدم بواقع أكثر تعقيداً. فإيران اليوم ليست كما كانت خلال مفاوضات عام 2015، حين وقّعت الاتفاق النووي مع إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما؛ إذ راكمت مخزوناً كبيراً من اليورانيوم عالي التخصيب، ورفعت مستوى خبرتها التقنية في المجال النووي وتخصيب اليورانيوم محلياً؛ ما يجعل العودة إلى القيود السابقة أكثر صعوبة.

وتشير تقارير إلى أن طهران قد تكون مستعدة لتقديم «ضمانات إضافية»، لكنها ترفض بشكل قاطع التخلي الكامل عن حقها في التخصيب.

ويبرز هنا التحدي الأكبر أمام ترمب: كيف يمكنه تحقيق اتفاق «أفضل» من اتفاق 2015 الذي انتقده لسنوات قبل أن ينسحب منه في 2018؟ وتكمن الإجابة، وفق مقربين من الإدارة، في إعادة تعريف «الأفضل»، عبر التركيز على فرض قيود أطول زمناً، وتشديد آليات التفتيش، وربما انتزاع تنازلات تتعلق بمستوى التخصيب ومصير المخزون الحالي.

غير أن هذه المقاربة تنطوي على مفارقة؛ إذ إن بعض الخيارات المطروحة اليوم، مثل الإفراج عن أموال إيرانية مجمدة أو تقديم تخفيف مرحلي للعقوبات، تشبه إلى حد بعيد التنازلات التي انتقدها ترمب سابقاً في اتفاق 2015. وأشارت صحيفة «واشنطن بوست» إلى أن الإدارة الأميركية تواجه «المعضلات ذاتها» التي واجهتها إدارة أوباما، مثل رفع العقوبات وحدود التخصيب.

الانقسامات الداخلية الإيرانية

في السياق ذاته، تلعب الانقسامات داخل إيران دوراً محورياً في الحسابات الأميركية؛ إذ ترى واشنطن أن طهران تشهد صراعاً بين تيار براغماتي يسعى لتخفيف الضغوط والانخراط في تسوية، وتيار آخر متشدد يدفع نحو التصعيد العسكري والمواجهة.

وانعكس ذلك، حسب صحيفة «ذا هيل»، في عدم قدرة الوفد الإيراني على تقديم موقف موحد؛ ما أسهم في تعثر المحادثات في باكستان.

غير أن هذا التفسير لا يخلو من حسابات سياسية؛ فتصوير إيران كطرف «منقسم» يمنح الإدارة الأميركية هامشاً للمناورة؛ إذ يبرر استمرار الضغط من جهة، ويفتح الباب أمام التفاوض مع التيار البراغماتي من جهة أخرى، كما يسمح بطرح أي تقدم، حتى إن كان محدوداً، بوصفه نتيجة مباشرة لهذه الاستراتيجية.

في المقابل، يرى خبراء أن هذا الرهان قد يكون مبالغاً فيه؛ إذ يظهر التاريخ أن النظام الإيراني، رغم خلافاته الداخلية، قادر على التماسك في القضايا الاستراتيجية الكبرى. كما أن استمرار الضغوط قد يعزز نفوذ التيار المتشدد بدلاً من إضعافه؛ ما قد يعقّد فرص التوصل إلى اتفاق.

وتقول سوزان مالوني، نائبة رئيس معهد «بروكينغز»، إن الإيرانيين قد يقبلون بتنازلات في مستويات التخصيب أو الجداول الزمنية، لكنهم لن يتخلوا عن حقهم في التخصيب، وهي العقدة الأساسية التي بقيت قائمة منذ عام 2015.


انخفاض عدد عمليات عبور هرمز وازدياد الحوادث الأمنية

صورة لسفينة شحن تحمل حاويات قالت السلطات الإيرانية إنها كانت تحاول عبور مضيق هرمز (أ.ف.ب)
صورة لسفينة شحن تحمل حاويات قالت السلطات الإيرانية إنها كانت تحاول عبور مضيق هرمز (أ.ف.ب)
TT

انخفاض عدد عمليات عبور هرمز وازدياد الحوادث الأمنية

صورة لسفينة شحن تحمل حاويات قالت السلطات الإيرانية إنها كانت تحاول عبور مضيق هرمز (أ.ف.ب)
صورة لسفينة شحن تحمل حاويات قالت السلطات الإيرانية إنها كانت تحاول عبور مضيق هرمز (أ.ف.ب)

انخفضت عمليات عبور السفن عبر مضيق هرمز، بشكل حاد منذ الأحد الماضي، بسبب الحصار الإيراني والأميركي، في حين تضاعفت الحوادث الأمنية التي تشمل السفن، وفق بيانات جمعتها «وكالة الصحافة الفرنسية».

كانت إيران قد أعلنت، الجمعة الماضي، إعادة فتح المضيق، قبل أن تغلقه مجدداً بعد بضع ساعات، السبت، مشيرة إلى استمرار الحصار الأميركي على موانئها.

وبعد بلوغ ذروة في عمليات العبور شملت 26 ناقلة، في 18 أبريل (نيسان) الحالي، انخفض العدد إلى أدنى مستوى منذ بدء الحرب، وفق بيانات من شركة «كبلر».

وفي الفترة من 19 أبريل إلى 22 منه، لم يَعبر المضيق سوى 18 سفينة، بمعدل 4.5 سفينة يومياً. وبالمقارنة، عبَرَ، بين الأول من مارس (آذار) و17 أبريل، نحو تسع سفن يومياً.

صورة من الأقمار الاصطناعية لمجموعة من الزوارق الصغيرة شمال مضيق هرمز (رويترز)

وكان يجري تسجيل نحو 120 عملية عبور يومية، خلال وقت السلم، وفق موقع المعلومات البحرية «لويدز ليست». وبالتالي، انخفضت حركة العبور حالياً بأكثر من 96 في المائة عن المستويات الطبيعية.

في الوقت نفسه، ازداد عدد الحوادث التي أبلغت عنها السفن في المنطقة. وسجلت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية «يو كاي إم تي أو» و/أو شركة الأمن «فانغارد تك» سبع حوادث أو هجمات منذ السبت. وأكدت المنظمة البحرية الدولية خمساً من تلك الحوادث.

ومنذ بداية الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، جرى تسجيل 38 حادثة من قِبل «يو كاي إم تي أو» و«فانغارد» و/أو المنظمة البحرية الدولية.