رئيس الأركان الإيراني: المقاتلون الفلسطينيون مستعدون للعمليات البرية في غزة

طهران طالبت أميركا بالتوقف عن تحميلها مسؤولية هجمات «حماس» على إسرائيل

رئيس الأركان الإيراني يلقي كلمة في مراسم يوم الدفاع المدني (تسنيم)
رئيس الأركان الإيراني يلقي كلمة في مراسم يوم الدفاع المدني (تسنيم)
TT

رئيس الأركان الإيراني: المقاتلون الفلسطينيون مستعدون للعمليات البرية في غزة

رئيس الأركان الإيراني يلقي كلمة في مراسم يوم الدفاع المدني (تسنيم)
رئيس الأركان الإيراني يلقي كلمة في مراسم يوم الدفاع المدني (تسنيم)

أعلن رئيس الأركان الإيراني محمد باقري استعداد «المقاتلين الفلسطينيين» للعملية البرية المحتملة للجيش الإسرائيلي في قطاع غزة، وذلك في وقت طالبت فيه إيران الولايات المتحدة بالتوقف عن تحميلها مسؤولية الهجوم الذي شنته حركة «حماس» في السابع من أكتوبر (تشرين الأول).

وقال اللواء باقري إن «المقاتلين الفلسطينيين» التابعين لحركة «حماس»: «على استعداد تام للرد ميدانياً على الهجوم العسكري البري للصهاينة» في قطاع غزة، وفقاً لما أوردته وكالة «الصحافة الفرنسية». وتابع: «تفيد الأنباء بأن المقاومة الفلسطينية قامت ببناء أكثر من 400 كيلومتر من الأنفاق في غزة، والتي تتنقل فيها الدراجات النارية والسيارات أحياناً».

كان باقري يتحدث خلال مؤتمر للدفاع المدني في إيران. وأعرب باقري عن اعتقاده بأن «أحد أسباب صمود المقاتلين الفلسطينيين ومقاومتهم وانتصارهم هو الاهتمام بالدفاع المدني». يأتي ذلك بعدما تحدى قائد «الحرس الثوري» حسين سلامي، إسرائيل، في أن تقدم على عمليات برية، قائلاً إن قطاع غزة «سيتحول إلى مقبرة للجيش الإسرائيلي».

وأعرب باقري عن اعتقاده بأن «مقترح الجمهورية الإسلامية هو المقترح الوحيد العادل المطروح في العالم، لإقامة استفتاء عام بين الفلسطينيين لتقرير مصيرهم، ولا يوجد حل سوى ذلك. ومن المؤكد أن النتيجة التي ستخرج من صناديق الاقتراع سيعترف بها الجميع».

أتى ذلك في وقت قال فيه المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، ناصر كنعاني، إن بلاده تلقت «وعوداً إيجابية» من حركة «حماس» لإطلاق سراح الأسرى «غير الصهاينة».

وأعاد كنعاني في مؤتمره الصحافي الأسبوعي التذكير بمواقف وردت على لسان مسؤولين إيرانيين، خلال الأيام الأخيرة، مع تصاعد الهجمات الإسرائيلية. وقال إن «إسرائيل تجاوزت كل الخطوط الحمر». وقال: «شددنا على ضرورة وقف هجمات الكيان الصهيوني كأولوية، كما ناقشنا رفع الحصار وفتح ممر لإرسال المساعدات الإنسانية». وأضاف: «إيران مستعدة لإرسال مساعداتها في أقرب وقت ممكن إلى مصر لكي تصل إلى يد أهالي غزة».

​وواجه كنعاني أسئلة حول التهديد الذي ورد على لسان وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبداللهيان، في خطاب ألقاه الخميس الماضي، من منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة؛ حيث قال بأن الولايات المتحدة «لن تسلم من هذه النار» إذا لم يتوقف الهجوم الإسرائيلي على «حماس».

ودافع كنعاني عن عبداللهيان قائلاً إن خطابه: «كان قانونياً ومعقولاً تماماً، ويستند إلى المبادئ». وقال: «شددنا على ضرورة التحقيق حول ما يحدث في غزة». وفي إشارة ضمنية إلى الانتقادات، صرح: «من الطبيعي أن الذين يقفون إلى جانب الكيان الصهيوني، ويدعمونه، لا يطيقون المواقف القائمة على الحق».

تحذيرات وتهديدات

وبعث بايدن برسالة نادرة إلى المرشد الإيراني علي خامنئي، حذر فيها طهران من استهداف الأميركيين في الشرق الأوسط. وذكر مسؤول دفاعي أميركي كبير: «ما نريده هو أن تتخذ إيران إجراءات محددة للغاية... لتوجيه الأوامر لميليشياتها ووكلائها بالتوقف» حسبما أوردت «رويترز».

وتعرضت القوات الأميركية وقوات التحالف للهجوم 20 مرة على الأقل، في العراق وسوريا، على يد قوات مدعومة من إيران، خلال الأسبوعين الماضيين. وأطلقت جماعة «الحوثي» اليمنية الموالية لإيران صواريخ ومُسيَّرات، سقطت في طابا المصرية على البحر الأحمر قرب الحدود الإسرائيلية.

وضربت الولايات المتحدة، الجمعة، منشأتين عسكريتين في شرق سوريا يستخدمهما «الحرس الثوري» الإيراني ومجموعات مرتبطة به. وقال مستشار الأمن القومي الأميركي، جيك سوليفان، الأحد، إن الولايات المتحدة ستستمر في الرد على أي هجمات على قواتها من جانب وكلاء إيران في المنطقة.

من جانبها، قالت كامالا هاريس، نائبة الرئيس الأميركي في مقابلة مع قناة «سي بي إس» الأميركية، إن إدارة جو بايدن تركز على منع تصاعد الصراع في المنطقة. ورداً على سؤال حول الرسالة التي توجهها لإيران، قالت: «لا تفعل». وسئل كنعاني عن رسالة هاريس وتحذيرات بايدن، وقال: «أجيب بكلمتين: أوقفوا ذلك». ودعا الولايات المتحدة إلى «وقف» دعمها لإسرائيل.

ونقلت وكالة «الصحافة الفرنسية»، عن كنعاني، قوله إن الهجمات التي نُفّذت على قواعد للقوات الأميركية في العراق وسوريا في الأيام الأخيرة هي «رد فعل» على مساعدة الولايات المتحدة لإسرائيل، في حربها ضد حركة «حماس» الفلسطينية.

وقال كنعاني: «إنما تحصدون ما تزرعون. دعم إثارة التوتر في المنطقة سيؤدي إلى ردود أفعال». وأضاف أنّ هذه الهجمات «جزء من ردود فعل (...) الشعوب والجماعات المناهضة للوجود الأميركي في المنطقة والتي تحتج بشدة على دعم أميركا الكامل وغير المشروط لجرائم الكيان الصهيوني» حسب تعبيره.

وانتقد كنعاني «النظرة الأحادية التي تندرج في سياق دعم الكيان الصهيوني، وإلصاق التهم غير المقبولة والمزاعم غير الصحيحة» بما سماها «مقاومة الشعب الفلسطيني».

ولفت كنعاني إلى أن الحل السياسي الذي تطرحه إيران لقضية فلسطين: «هو إجراء استفتاء بمشاركة جميع السكان الأصليين، بما في ذلك المسيحيون واليهود والمسلمون، لكي يقرروا مصيرهم بإشراف الأمم المتحدة»؛ مشيراً إلى أن إيران «طرحت هذه المبادرة السياسية في الأمم المتحدة، وقامت بتثبيتها». وقال: «هذا الحل السياسي عادل ومنصف، ويتماشى مع المبادئ الدولية، ويمكن أن ينهي احتلال فلسطين».

وبشأن الأوضاع في لبنان، قال كنعاني إن بلاده «مهتمة بثبات واستقرار لبنان». وقال: «لقد قلنا مراراً إن اللبنانيين هم الذين يتخذون قراراتهم، ويتصرفون على أساس ظروفهم الخاصة، ووفقاً لمصالحهم وأمنهم ومصالحهم الوطنية». وأضاف: «وبالنسبة لنا، فإن المبدأ في المنطقة هو وجود السلام والاستقرار».

وأضاف في السياق نفسه: «لقد بدأ الكيان الصهيوني أكثر من 20 حرباً في المنطقة، واعتدى عسكرياً على جميع الجيران، واحتل أراضيهم».

تقييم استخباراتي

في تقييم استخباراتي، قال وزير الأمن الإيراني، إسماعيل خطيب، إن «إسرائيل لن تعود إلى فترة ما قبل عملية (طوفان الأقصى)». وقال: «سبب الجرائم هي أميركا، وتجب مساءلتها».

وقال خطيب إن «الهجوم المباغت الذي لا يمكن تعويضه، دمر الكيان الصهيوني برمته». وقال: «كان هذا الكيان يتفاخر بقوته العسكرية والأمنية، وكان يؤكد مراراً أن لديه القدرة على عمليات في أي منطقة من العالم، وأطلق على نفسه رابع جيش في العالم».

وأضاف: «بعض دول المنطقة رأت في هذا الادعاء الوهمي سبباً في تطبيع علاقاتها، ورأت أمن المنطقة في خلق ظروف جديدة وتطبيع».

وقال إن «الداعمين لإسرائيل اتخذوا ثلاث خطوات كبيرة لتعزيز قوتها، وتغيير صورتها الأمنية إلى بلد متحضر ومتقدم». عن الخطوة الأولى، قال: «تحويل إسرائيل إلى بلد متطور ومتقدم» مضيفاً أن «اليوم، كثير من عمالقة التكنولوجيا الكبار في الهند والصين وروسيا وأميركا، لديهم تبعية إسرائيلية». وأضاف: «يحاولون جعلها مركزاً كبيراً للتكنولوجيا في العالم حتى عام 2025».

ورأى أن الخطوة الثانية كانت مسار التطبيع بين إسرائيل ودول المنطقة. وقال: «حاولوا تثبيت هذا النظام في العالم، وإصلاح علاقاته مع الجميع، وتحويله إلى دولة قوية من الجانب الدبلوماسي وفعالة في العالم».

وفي الخطوة الثالثة، تحدث عن محاولة «لخلق الردع». وأشار ضمناً إلى «حرب الظل» بين إسرائيل وإيران. وقال: «نموذج على ذلك، الحرب الهجينة التي شاهدناها بمحورية إسرائيل، في عمليات أظهرت قوته للردع، بما في ذلك في أميركا اللاتينية، والدول الأفريقية، وإيران، ودول المنطقة، وأذربيجان».

مجموعة من اليهود الإيرانيين يتضامنون مع أهالي غزة داخل المعبد الرئيسي في طهران اليوم (أ.ف.ب)

 

عودة مؤتمرات «الصحوة»

بدوره، قال علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الإيراني في الشؤون الدولية، إن إسرائيل تواجه «مأزقاً استراتيجياً» في مجال اتخاذ القرار لشن عمليات برية على قطاع غزة، معتبراً ذلك من أسباب استمرار القصف الإسرائيلي.

ونقلت وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري» عن ولايتي قوله أمام مؤتمر «المجمع العالمي للصحوة الإسلامية» إن «منطقة غرب آسيا تمر حالياً بوضع حرج»، متحدثاً عن «معركة استراتيجية غير مسبوقة» تخوضها «فصائل المقاومة الفلسطينية» ضد إسرائيل. وأضاف: «ما يحدث اليوم في الأراضي المحتلة سيؤدي بالتأكيد إلى تقصير عمر الكيان المحتل بشكل كبير وتقريب إزالته»، وقال أيضاً إن «ما يرتكبه الكيان الصهيوني في غزة يتخطى جرائم الحرب».

واتهم ولايتي الولايات المتحدة والدول الأوروبية بأنها «شريكة ومحرضة» على «الجرائم الصهيونية في غزة». وقال: «الدعم السياسي غير المشروط والدبلوماسي والإعلامي والمالي والمساعدات العسكرية والأمنية والدفاعية، السبب الأساسي لإطالة عمر الكيان الإسرائيلي».

وبعد سنوات من الغياب، أعادت إيران تنشيط «المجمع العالمي للصحوة الإسلامية» الذي أُنشئ في زمن الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، خلال ثورات الربيع العربي في 2011. ويترأسه ولايتي منذ بداية تأسيسه. واستهدف المجمع إطلاق برامج دعائية، ومؤتمرات للتأثير على الدول التي شهدت حراكاً في تلك السنوات.

وقال ولايتي إن «أحداث غزة أظهرت أن فلسطين هي القضية الأهم في العالم الإسلامي، ولا ينبغي أبداً إزالتها من الصدارة».

وفي طهران، تجمع نحو 200 شخص صباح الاثنين داخل المعبد اليهودي الرئيسي في المدينة وخارجه، بعد نداء وجهه مسؤولون يهود في البلاد لوقف إطلاق النار و«إدانة المجزرة التي يتعرض لها الأطفال والنساء والأشخاص العزل» وفقاً لوكالة «الصحافة الفرنسية».


مقالات ذات صلة

نافذة الوساطة تضيق بين الحصار الأميركي ورفض التنازل الإيراني

شؤون إقليمية وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)

نافذة الوساطة تضيق بين الحصار الأميركي ورفض التنازل الإيراني

لم تعد إسلام آباد تبدو، بعد مغادرة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي العاصمة الباكستانية، محطة مرشحة لاختراق وشيك في مسار وقف الحرب بين واشنطن وطهران.

إيلي يوسف (واشنطن)
شؤون إقليمية الرئيس الإيراني مسعود ‌بزشكيان (د.ب.أ)

بزشكيان يدعو الشعب الإيراني إلى ترشيد استهلاك الطاقة

دعا الرئيس مسعود بزشكيان الإيرانيين، السبت، إلى ترشيد استهلاك الكهرباء، محذّراً من سعي الولايات المتحدة وإسرائيل إلى إثارة «سخط شعبي».

«الشرق الأوسط» (طهران)
شؤون إقليمية صورة قدمها قمر «ماكسار تكنولوجيز» بتاريخ 1 يوليو 2025 تظهر نشاطاً بالقرب من المبنى المحيط بالمجمع بالإضافة إلى الحفر التي أحدثتها الغارة الجوية الأميركية التي شنت في 22 يونيو على مجمع مصنع فوردو لتخصيب الوقود (أ.ف.ب - أرشيفية)

11 طناً من اليورانيوم تعقّد اتفاق ترمب مع إيران

ترمب يواجه في مفاوضات باكستان إرث انسحابه من الاتفاق النووي، مع مخزون إيراني قد يكفي نظرياً لصنع 100 سلاح نووي.

ويليام جيه برود (واشنطن) ديفيد إي. سانغر (واشنطن)
شؤون إقليمية وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (د.ب.أ) p-circle

عراقجي سيزور باكستان مجدداً بعد عُمان

قال وزير الخارجية الإيراني، السبت، إن بلاده تنتظر لتبيان ما إذا كانت الولايات المتحدة جادة بشأن التوصل إلى تسوية دبلوماسية للحرب في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية لقطة جوية تُظهر حركة الملاحة في الخليج ومضيق هرمز وخليج عُمان (أ.ف.ب)

مضيق هرمز... وسط حصارين إيراني وأميركي

قال وزير الدفاع بيت هيغسيث، صباح الجمعة، إنَّ القوات الأميركية ستُبقي على حصار مضيق هرمز «ما دام الأمر اقتضى ذلك». وقبل ذلك بيوم، أعلن مسؤول إيراني كبير، على…

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

إسرائيل تعين أول سفير لها في أرض الصومال

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)
رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)
TT

إسرائيل تعين أول سفير لها في أرض الصومال

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)
رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)

عينت إسرائيل أول سفير لها في أرض الصومال، بعد أشهر من اعترافها رسمياً بالإقليم الانفصالي في الصومال، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية اليوم الأحد.

في أواخر ديسمبر (كانون الأول)، أصبحت إسرائيل أول دولة تعترف بأرض الصومال منذ أن أعلنت استقلالها من طرف واحد عن الصومال في عام 1991 في أعقاب الحرب الأهلية.

وقالت الوزارة إن مايكل لوتم الذي يشغل حالياً منصب سفير اقتصادي متجول في أفريقيا، سيكون مبعوث إسرائيل إلى أرض الصومال.

وسبق للوتم أن شغل منصب سفير إسرائيل لدى كينيا وأذربيجان وكازاخستان.

ويأتي تعيينه عقب إقامة علاقات دبلوماسية بين الجانبين في ديسمبر 2025، وزيارة وزير الخارجية جدعون ساعر إلى أرض الصومال في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وفي فبراير (شباط)، أعلنت أرض الصومال تعيين محمد حاجي سفيراً لها لدى إسرائيل.

تحظى أرض الصومال بموقع استراتيجي على خليج عدن، ولها عملة وجواز سفر وجيشها الخاص، لكنها تواجه صعوبة في الحصول على اعتراف دولي، وسط مخاوف من استفزاز الصومال وتشجيع الحركات الانفصالية الأخرى في أفريقيا.

وأثارت زيارة ساعر إلى أرض الصومال إدانة من الصومال الذي وصفها بأنها «توغل غير مصرح به».


نافذة الوساطة تضيق بين الحصار الأميركي ورفض التنازل الإيراني

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
TT

نافذة الوساطة تضيق بين الحصار الأميركي ورفض التنازل الإيراني

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)

لم تعد إسلام آباد تبدو، بعد مغادرة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي العاصمة الباكستانية، محطة مرشحة لاختراق وشيك في مسار وقف الحرب بين واشنطن وطهران.

فالمشهد الذي بدأ بإشارات أميركية إلى توجُّه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى باكستان، أملاً في استئناف مسار تفاوضي مباشر أو غير مباشر، انتهى عملياً إلى جولة إيرانية على المسؤولين الباكستانيين، وتسليم موقف طهران ومطالبها، ثم مغادرة من دون لقاء مع الموفدين الأميركيين اللذين ألغيا سفرهما إلى إسلام آباد.

وبذلك انتقلت الأزمة من مرحلة «اختبار إمكان الجولة الثانية» إلى مرحلة أكثر قتامة: الوسيط الباكستاني تلقى الرسائل، لكنه لم ينجح في جمع الطرفين، ولا حتى في تثبيت صيغة واضحة لمحادثات غير مباشرة فورية، حتى الآن.

هذا التطور لا يعني انهيار الدبلوماسية بالكامل، ولا يعني العودة الفورية إلى الحرب مثلما أكَّد الرئيس الأميركي نفسه دونالد ترمب، لكنه يكشف أن نافذة التفاوض تضيق بسرعة.

فقد أكَّدت إيران، وفق تقارير عدة، أنها لا تخطط لاجتماع مباشر مع الأميركيين في إسلام آباد، وأنها ستنقل مواقفها عبر باكستان. ونقلت وكالة «رويترز» أن عراقجي رفض «المطالب القصوى» الأميركية، وأن طهران ما زالت تفضِّل قناة باكستانية غير مباشرة، بينما أفادت وكالة «أسوشييتد برس» بأنه لا توقعات بلقاء مباشر بين المسؤولين الإيرانيين والأميركيين رغم الحراك الدبلوماسي في إسلام آباد.

لقاء مستبعد

عراقجي خلال اجتماعه مع قائد الجيش الباكستاني عاصم منير في إسلام آباد (أ.ب)

المعوق الأول أمام الانفراجة لم يعد في تفاصيل الطاولة فقط، بل في غياب الطاولة نفسها. فبعدما كان احتمال حضور ويتكوف وكوشنر إلى باكستان يفتح الباب أمام اجتماع مباشر أو رسائل متزامنة بين الوفدين، جاءت مغادرة عراقجي لتجعل هذا الاحتمال غير مطروح عملياً في هذه الجولة.

وغادر الوزير الإيراني إسلام آباد بعد لقائه رئيس الوزراء شهباز شريف وقائد الجيش عاصم منير ومسؤولين باكستانيين، بعدما شرح موقف بلاده من وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب.

هنا تكمن دلالة التحول. فإيران لم تكتفِ بنفي الاجتماع المباشر، بل تصرفت كما لو أن مهمتها في باكستان تقتصر على تسليم مطالبها للوسيط، لا التفاوض عليها مع واشنطن. أما الإدارة الأميركية، التي أرادت تقديم توجُّه مبعوثيها بوصفه دليلاً على أن الضغط العسكري والبحري فتح باب الدبلوماسية، فوجدت نفسها أمام طرف يرفض إضفاء شرعية على تفاوض يجري تحت الحصار.

لذلك لم تعد الجولة الثانية مسألة جدول أعمال مؤجَّل، بل مسألة ثقة مفقودة في الإطار نفسه: هل يجلس الطرفان للتفاوض، أم يكتفيان بإدارة حرب الرسائل عبر الوسطاء؟

حصار هرمز

مدمرة أميركية تقترب من سفينة إيرانية تم اعتراضها بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)

العقدة الثانية هي الحصار البحري الأميركي ومضيق هرمز. فقد جعلت طهران رفع الحصار عن موانئها ووقف التهديدات الأميركية شرطاً جوهرياً للعودة إلى أي تفاوض فعلي. وفي المقابل، تتمسك واشنطن بأن الحصار سيبقى حتى فتح هرمز والتوصل إلى اتفاق يلبي مطالبها.

هذه ليست مشكلة إجرائية، بل معادلة ردع متقابلة: إيران تقول إنها لن تفاوض وهي مخنوقة اقتصادياً وبحرياً، والولايات المتحدة تقول إنها لن ترفع الخنق قبل أن تلمس تنازلات.

ونقلت وسائل إعلام عن عراقجي أنه سلَّم باكستان مطالب طهران، وفي مقدمها رفع الحصار البحري الأميركي عن الموانئ الإيرانية، ووقف التهديدات واستمرار الحرب، والتراجع عن شروط تعدُّها إيران «مبالغاً فيها»، بينها التخلي الكامل عن تخصيب اليورانيوم.

كما نقلت أن القوات المسلحة الإيرانية، عبر مقر «خاتم الأنبياء»، هدَّدت بالرد إذا استمر الجيش الأميركي في «الحصار والقرصنة»، مؤكدة أنها تراقب تحركات الخصوم وتواصل السيطرة على مضيق هرمز الاستراتيجي.

هذا التصعيد يغيِّر طبيعة الوساطة، فبدلاً من أن تكون باكستان قناة لتقريب المواقف، باتت شاهدة على تصلب مزدوج: إيران تستخدم هرمز والحصار كورقة سيادية واقتصادية، وواشنطن تستخدم الحصار لإجبار طهران على تقديم تنازلات.

وواصلت كذلك سياسة الضغط بالعقوبات، بما في ذلك استهداف شبكات شحن وكيانات مرتبطة بتجارة النفط الإيراني، في رسالة مفادها أن الدبلوماسية لن تعني وقف أدوات الإكراه.

النووي أصل الأزمة

مفاعل «بوشهر» النووي الإيراني (رويترز)

رغم أن هرمز والحصار يحتلان واجهة الأزمة، يبقى الملف النووي مركز الثقل الحقيقي. فواشنطن لا تريد فقط وقفاً للنار أو فتحاً للمضيق، بل اتفاقاً يمنع إيران من إعادة بناء قدرتها النووية والصاروخية، ويعالج مخزون اليورانيوم وآليات التفتيش ومستقبل التخصيب.

أما طهران، فتتعامل مع طلب التخلي الكامل عن التخصيب بوصفه إعلان استسلام لا بنداً تفاوضياً. ورأت صحيفة «نيويورك تايمز» أنه لهذه الأسباب تبدو الفجوة واسعة. فالإدارة الأميركية ترفع سقف مطالبها إلى حد وقف طويل أو غير محدود للتخصيب، وإخراج أو تخفيف المخزون، وربط أي تخفيف للعقوبات بتعهدات قابلة للتحقق.

لكن إيران ترى أن قبول هذه الشروط تحت الحصار سيجردها من ورقة سيادية واستراتيجية، وسيظهرها داخلياً كمن خسر الحرب واستسلم. ومن هنا جاء تشديد المصادر الإيرانية، على أن طهران «مستعدة للتفاوض، ولكنها لن تستسلم»، وأنها لن تقبل الجلوس إلى طاولة تطرح فيها واشنطن خطوطها الحمراء كأوامر مسبقة.

وترى الصحيفة أن المشكلة أن أي اتفاق محدود لن يكفي واشنطن سياسياً، وأي اتفاق شامل لن يكون سهلاً على طهران داخلياً. فكلما وسَّعت الولايات المتحدة لائحة المطالب لتشمل التخصيب والصواريخ وهرمز وسلوك إيران الإقليمي، أصبح الاتفاق أثقل من أن يحمله وسيط واحد في جولة قصيرة.

وكلما ربطت طهران التفاوض برفع الحصار مسبقاً، منحت واشنطن ذريعة للقول إن الضغط لم يبلغ غايته بعد.

طهران انقسام أم تصلب موحد؟

بزشكيان يجتمع مع رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ورئيس القضاء غلام حسين محسني إجئي (الرئاسة الإيرانية)

العقدة الرابعة تتصل بقراءة القرار الإيراني. هل فشل إسلام آباد ناجم عن انقسامات داخل طهران، أم عن موقف موحد يرفض التنازل؟ وفي هذا الصدد قال صحيفة «وول ستريت جورنال» إن ثمة صراعاً بين تيارين، الأول أكثر براغماتية ويريد وقف النزف الاقتصادي، والثاني متشدد ويرفض تقديم تنازلات نووية أو بحرية.

ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أميركيين وإسرائيليين قولهم إن المشكلة ليست في وجود تصدع حاسم، بل في عدم استعداد النظام، بمختلف أجنحته، لتقديم التنازلات المطلوبة.

وهذا الفارق مهم. فإذا كانت إيران منقسمة فعلاً، يستطيع الوسطاء البحث عن صيغة تحفظ ماء الوجه للتيار الذي يريد صفقة. أما إذا كانت متماسكة في رفضها للشروط الأميركية، فإن مهمة باكستان تصبح شبه مستحيلة.

تصريحات عراقجي في إسلام آباد، ومغادرته من دون لقاء الأميركيين، توحيان بأن طهران تريد أن تثبت أمرين في وقت واحد: أنها لا تغلق باب الوساطة، لكنها لا تقبل تحويل الوساطة إلى قناة لإملاء الشروط.

واشنطن تريد طاولة تؤكد أن الحصار والحرب دفعا إيران إلى التراجع، بينما طهران تريد قناة تثبت أنها ما زالت قادرة على فرض شروط الدخول إلى أي مسار. وبين هذين المنطقين، تراجعت احتمالات الجولة الثانية من مفاوضات فعلية إلى مجرد تبادل مواقف عبر باكستان.


جواب عراقجي ينسف «مواعيد» إسلام آباد

رئيس الأركان الباكستاني عاصم منير يلتقي وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي ، والوفد المرافق له في إسلام آباد أمس (إ.ب.أ)
رئيس الأركان الباكستاني عاصم منير يلتقي وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي ، والوفد المرافق له في إسلام آباد أمس (إ.ب.أ)
TT

جواب عراقجي ينسف «مواعيد» إسلام آباد

رئيس الأركان الباكستاني عاصم منير يلتقي وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي ، والوفد المرافق له في إسلام آباد أمس (إ.ب.أ)
رئيس الأركان الباكستاني عاصم منير يلتقي وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي ، والوفد المرافق له في إسلام آباد أمس (إ.ب.أ)

أنهى وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، أمس، زيارته لإسلام آباد، فيما كان العالم يترقب وصول مبعوثي الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى العاصمة الباكستانية لإجراء مفاوضات غير مباشرة بين الطرفين، في إطار المساعي الدبلوماسية للتوصل إلى تسوية في حرب إيران.

ونسف جواب عراقجي ومغادرته إسلام آباد «المواعيد» التي كان يعد لها الوسيط الباكستاني لجلسة ثانية من المفاوضات، مساء أمس، رغم أن الوفد الإيراني كان قد أعلن أن زيارته ليست للتباحث مع أميركا بل تأتي في إطار جولة تشمل سلطنة عُمان وروسيا. وكان لافتاً أن وكالة «إيرنا» الرسمية ذكرت ليلاً أن عراقجي يعتزم زيارة باكستان مجدداً بعد انتهاء زيارته إلى مسقط، وقبل توجهه إلى موسكو.

والتقى عراقجي نظيره الباكستاني إسحق دار، ورئيس الوزراء شهباز شريف، وقائد الجيش عاصم منير الذي يؤدي دوراً محورياً في الوساطة. وقال إنه سلَّمهم رد إيران على المقترح الأميركي للتوصل إلى اتفاق، مضيفاً: «علينا أن نرى ما إذا كانت واشنطن جادة فعلاً بشأن الدبلوماسية».

من جانبه، أعلن ترمب أنه ألغى الزيارة المرتقبة لمبعوثيه، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، إلى إسلام آباد، مؤكداً أن ذلك لا يعني حكماً باستئناف الحرب مع إيران.

وقال ترمب إن أحداً لا يعرف من يتولى زمام القيادة حالياً في طهران، مضيفاً على منصته «تروث سوشيال» أن «هناك اقتتالاً داخلياً هائلاً وحالة من الإرباك داخل ما يُسمى بالقيادة لديهم».