إيران تعدم «جاسوساً للموساد» على خلفية اغتيال قيادي بـ«الحرس الثوري»

مشيعون يحملون جثة القيادي في «فيلق القدس» صياد خدائي بمراسم جنازة رسمية في طهران مايو 2022 (أ.ف.ب)
مشيعون يحملون جثة القيادي في «فيلق القدس» صياد خدائي بمراسم جنازة رسمية في طهران مايو 2022 (أ.ف.ب)
TT

إيران تعدم «جاسوساً للموساد» على خلفية اغتيال قيادي بـ«الحرس الثوري»

مشيعون يحملون جثة القيادي في «فيلق القدس» صياد خدائي بمراسم جنازة رسمية في طهران مايو 2022 (أ.ف.ب)
مشيعون يحملون جثة القيادي في «فيلق القدس» صياد خدائي بمراسم جنازة رسمية في طهران مايو 2022 (أ.ف.ب)

أعلنت إيران، اليوم (الأربعاء)، أنها أعدمت رجلاً تتهمه بـ«التجسس» لحساب جهاز الاستخبارات الإسرائيلية (الموساد)، والضلوع في اغتيال صياد خدائي، القيادي في «فيلق القدس» الذراع الخارجية لـ«الحرس الثوري»، في مايو (أيار) 2022.

وذكرت وكالة «ميزان»، المنصة الإعلامية للجهاز القضائي الإيراني، أن محسن لنكرنشين الذي وصفته بأنه «جاسوس رفيع المستوى» قدّم «دعماً عملياتياً ولوجستياً لمهمات عدة نفّذها الموساد في إيران»، و«أُعدم صباح اليوم (الأربعاء) بعد استكمال الإجراءات القانونية»، قائلة إن الرجل متورِّط في «اغتيال» العقيد صياد خدائي، والذي وصفته وسائل إعلام إسرائيلية بقائد الوحدة 840 في «فيلق القدس». وحمّلت إيران إسرائيل مسؤولية مقتله.

وقالت وكالة «ميزان»: «نال هذا العميل جزاءه العادل وفقاً لما تنص عليه القوانين الإيرانية في قضايا الخيانة والتجسس لصالح الكيان الصهيوني». وأضافت «بفضل تدريبه الاستخباراتي، نفذ لنكرنشين مهامه باحتراف، لكن وزارة الاستخبارات كشفت نشاطه، واعتقلته مع شركائه. وأقرّ بجرائمه خلال التحقيق». وأشارت الوكالة إلى توجيه تهمة «المحاربة والإفساد في الأرض» إلى المتهم.

وقالت إن «جاسوس الموساد» يدعى محسن لنكرنشين، مشيرة إلى أنه «التحق بجهاز الموساد في أكتوبر (تشرين الأول) 2020، حيث تلقى تدريبات متخصصة، ليباشر أولى مهامه التجسسية لحساب (الموساد) في ديسمبر (كانون الأول) 2020».

ووصف بيان القضاء الإيراني لنكرنشين بـ«أبرز جواسيس الكيان الصهيوني»، مشيرة إلى أنه قام «بتصوير مواقع حساسة بتوجيه من ضباط الموساد، وتحديد أهداف محتملة لعمليات مستقبلية».

في حين لم توضح ما إذا كانت تربط المشتبه به صلات بالقيادي في «الحرس الثوري» سمحت له برصد تحركاته من كثب، أشار البيان إلى أن «التحقيقات أظهرت وجود أدلة فنية واستخبارية موثوقة تؤكد تورط الجاسوس في العمل لصالح جهاز الموساد، وتقديمه دعماً شاملاً للفرق الإرهابية المرتبطة به». وتابعت: «قد ثبت استخدامه لنظام اتصالات مؤمن يعرف بـ(ويندوز أحمر) للتواصل مع الضباط المشرفين على نشاطاته داخل الكيان الصهيوني». وتابعت: «اعترف المتهم صراحةً بتفاصيل جرائمه خلال جلسات التحقيق لدى النيابة العامة، والمحكمة بعد مواجهته بأدلة دامغة لا تقبل الشك».

وبشأن اغتيال خدائي، قالت إنه «قام بشراء دراجة نارية بتكليف مباشر من ضابط في الموساد، لاستخدامها في مراقبة تحركات صياد خدائي».

وأشارت إلى «وجوده في موقع تنفيذ عملية الاغتيال، وإبلاغ القاتل بوصول خدائي، ثم الهروب فور تنفيذ العملية».

واتهمته بالوقوف وراء هجوم استهدف مصنعاً للطائرات المسيرة في مدينة أصفهان. وقال بيان الوكالة إنه «قدم دعماً لوجستياً، وفنياً، وعملياتياً لهجوم استهدف منشأة صناعية تابعة لوزارة الدفاع في محافظة أصفهان».

وفي يونيو (حزيران) 2021، تعرضت ورشة «تيسا» لتجميع أجهزة الطرد المركزي في كرج إلى هجوم بطائرة مسيرة، وانفجرت مسيرة «كوادكوبتر» فوق ورشة لصناعة المسيرات في منشأة بارشين الحساسة، في مايو من العام ذاته. وسقط أحد خبراء وزارة الدفاع الإيراني قتيلاً.

وأشار البيان إلى دوره في «شراء أجهزة اتصالات ومعدات تقنية متطورة لإنشاء بنية تحتية آمنة لصالح عناصر جهاز الموساد داخل إيران»، فضلاً عن «تأمين سيارات، وتجهيزها بمعدات عملياتية، وتسليمها للعناصر التنفيذية وفق تعليمات دقيقة».

وشملت قائمة الاتهامات أيضاً «تحويل مبالغ مالية من ضباط الموساد إلى منفذي العمليات داخل البلاد». وكذلك: «استئجار منازل آمنة في عدد من المحافظات لتوفير تغطية لوجستية للعناصر التخريبية».

وأفاد بيان القضاء الإيراني بأن «التحقيقات الأمنية أثبتت أن المدان التقى بضباط رفيعي المستوى من جهاز الموساد في مناسبتين، الأولى في جورجيا، والثانية في نيبال، حيث تم تسليمه التعليمات الخاصة بمهامه التخريبية داخل البلاد».

وقالت: «خلال فترة نشاطه الاستخباراتي، تولّى المتهم شراء وتعديل عدد من المركبات لتناسب الأغراض العملياتية، ثم نقلها وتسليمها مباشرة إلى عناصر الموساد داخل إيران، بما يساهم في تنفيذ مخططاتهم الإرهابية بأقصى درجات التمويه، والسرية».

وقالت في نفس السياق إنه «نفذ عدة عمليات في تسهيل الاتصال بين العناصر الجاسوسية داخل إيران وضباط الموساد»، مشيراً إلى أنه «وفر لهم بطاقات اتصال مجهولة الهوية، وهواتف جوالة آمنة، وأجهزة مودم إنترنت متنقلة».

وقالت وسائل إعلام إسرائيلية في حينها إن اغتيال خدائي رسالة إلى إيران، مشيرة إلى أنه كان يقود الوحدة 840 التابعة لـ«فيلق القدس»، والتي مهمتها التخطيط لهجمات على الإسرائيليين واليهود في أنحاء العالم.

وفي 22 مايو 2022، أعلن «الحرس الثوري»، في بيان رسمي أنه أوقف أعضاء «شبكة تعمل تحت إدارة الاستخبارات الإسرائيلية» من دون تحديد مكان عملهم، أو المكان الذي أوقفوا فيه. وجاء البيان بعد ساعات من مقتل العقيد صياد خدائي بنيران مسلحين في قلب طهران.

«لا تعدموا ولدي»

ونشر ناشطون فيديو سجلته والدة لنكرنشين الثلاثاء توجه فيه نداء من أجل إنقاذ حياة ابنها، بعد لقاء أخير معه في السجن.

وقالت في التسجيل: «عُدتُ للتوّ من الزيارة الأخيرة لابني. أحتاج إلى مساعدتكم. أرجوكم ادعوا من أجل ابني. عسى أن يُنقذ ولدي. لا أعلم إن كان سيرى شروق الشمس غداً». وإذ شددت على براءته، أضافت: «لن يقبلوا أدلَّتنا. لدينا الكثير من الوثائق. لدينا أدلة على براءته لكنهم (السلطات القضائية) يرفضون كل شيء».

وأضافت في الفيديو المُصوَّر من داخل سيارة متوقفة: «كانت محاكمة غير عادلة! لماذا تريدون إعدام ولدي؟ لماذا؟ لا تعدموا ولدي!».

ويعتقد محللون غربيون أن جواسيس من الموساد يعملون بالفعل داخل إيران، كما يظهر من عمليات تخريب وقتل، مثل اغتيال كبير العلماء النوويين الإيرانيين محسن فخري زاده في 2020، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

ومع ذلك يخشى نشطاء أن إيران تستخدم «أبرياء كبش فداء» بعد فشلها في القبض على الجواسيس الفعليين الذين غالباً ما يكونون خارج البلاد بحلول الوقت الذي يتم فيه الكشف عن عملهم.

وبحسب صحيفة «نيويورك تايمز» فإن فخري زاد اغتيل على أيدي الموساد باستخدام رشاش قام جواسيس بجمعه قرب منزله، وإطلاق نيرانه من بُعد، بعدما غادروا المكان.

ولطالما اتهمت إيران عدوها اللدود إسرائيل بتنفيذ عمليات سرية على أراضيها. واتهمت طهران، مؤخراً، المخابرات الإسرائيلية والغربية بالتخطيط لحرب أهلية في البلاد.

وتحتدم الخلافات داخل إسرائيل حول توجيه ضربة عسكرية إلى إيران، وسط تقديرات بقرب فشل المفاوضات الإيرانية-الأميركية. وفي حين تدعو أطراف إسرائيلية إلى التحرك الفوري، تُحذّر مؤسسات أمنية من تنفيذ عملية دون تنسيق مع الولايات المتحدة.

وفي مايو (أيار) 2022، قالت وسائل إعلام إيرانية إن مهندساً لقي حتفه وأصيب موظف آخر في حادث بمركز أبحاث قاعدة بارشين العسكرية على بُعد 60 كيلومتراً جنوب شرقي طهران. وذكرت تقارير لاحقاً أن طائرة «كوادكوبتر» خفيفة الوزن أطلقت من مسافة قريبة كانت سبب الانفجار.

في 12 فبراير (شباط) 2022، هاجمت 6 مسيرات مجهولة قاعدة لـ«الحرس الثوري» في منطقة ماهيدشت بمحافظة كرمانشاه غرب إيران، ودمرت آلاف المسيرات هناك. ونقلت «نيويورك تايمز» عن مصادر دبلوماسية، أن المنشأة كانت عبارة عن مصنع لتجميع وتخزين الطائرات المسيرة.وفي يناير (كانون الثاني) 2023، استهدف هجوم بـ3 طائرات مسيّرة مركزاً صناعياً تابعاً لوزارة الدفاع في أصفهان، وقالت إيران إن «مرتزقة النظام الصهيوني» نفذوا الهجوم.في ديسمبر (كانون الأول) 2023، أعدم القضاء الإيراني رجلاً في جنوب شرق البلاد بعد إدانته بتهمة التعاون مع الموساد. كذلك، أُعدم 4 رجال في ديسمبر (كانون الأول) 2022 بعد إدانتهم بتهمة «التعاون» مع إسرائيل. وحكم على الأكاديمي الإيراني السويدي أحمد رضا جلالي بالإعدام في إيران عام 2017 بتهمة «التجسس» لصالح إسرائيل، بعد توقيفه في عام 2016 أثناء سفره إلى إيران لحضور مؤتمر. وتقول عائلته إن الاتهامات ملفقة.


مقالات ذات صلة

إيران تلتف على الحصار الأميركي بصادرات وقود محدودة

شؤون إقليمية تحاول الشركات الآسيوية تنويع مصادر نفطها جراء حرب إيران (رويترز)

إيران تلتف على الحصار الأميركي بصادرات وقود محدودة

تمكنت إيران من تصدير شحنات محدودة من غاز البترول المسال ووقود الطائرات منذ يوليو، رغم الحصار البحري الأميركي المفروض على صادراتها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على هامش قمة الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي في العاصمة الأرمينية يريفان (أ.ف.ب)

إيران تنفي مجدداً السعي لامتلاك سلاح نووي وتبدي استعدادها للحوار

نفى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال محادثات مع رئيس وزراء جورجيا، سعي طهران لامتلاك أسلحة نووية، وأعرب عن استعداده للحوار، مديناً العقوبات الأميركية.

«الشرق الأوسط» (تبليسي)
شؤون إقليمية صورة وُزعت دون تحديد تاريخها لـ«أم القنابل» في قاعدة «إيغلين» الجوية بولاية فلوريدا الأميركية (رويترز)

واشنطن تصعّد تهديداتها ضد المنشآت النووية الإيرانية

تتواصل الأزمة بين واشنطن وطهران، في ظل غياب مؤشرات واضحة على قرب التوصل إلى تسوية، مع تصاعد التهديدات العسكرية وتبادل الاتهامات بشأن أمن الملاحة في هرمز.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - طهران - لندن)
أوروبا النرويجي يوهانس كونغسنيس ناتلاند المحكوم بالسجن 20 عاماً لتوجّهه إلى إنجلترا لتنفيذ عملية قتل لحساب عصابة دولية مدعومة من إيران في صورة غير مؤرخة وزّعتها شرطة لندن (د.ب.أ)

السجن 20 عاماً لنرويجي خطّط لجريمة قتل مرتبطة بإيران في بريطانيا

قضت محكمة بريطانية بالسجن لمدة 20 عاماً على شاب نرويجي كان يخطط لارتكاب جريمة قتل في بريطانيا بعد تجنيده من قبل جماعة جريمة سويدية مرتبطة بإيران.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية مبنى وزارة الخزانة الأميركية في العاصمة واشنطن يوم 11 يوليو 2026 (رويترز)

وزارة الخزانة الأميركية تصدر عقوبات جديدة مرتبطة بإيران

أفاد إشعار ‌نشر على ‌الموقع ​الإلكتروني ‌لوزارة الخزانة ​الأميركية بأن إدارة ‌الرئيس ‌دونالد ​ترمب ‌أصدرت عقوبات ‌جديدة تتعلق ‌بإيران تستهدف 16 فردا و10 كيانات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«الحرس الثوري» يعلن انفجار ناقلة بعد اصطدامها بلغم في مضيق هرمز

أرشيفية لاندلاع حريق بناقلة نفط شرق مضيق هرمز (فارس)
أرشيفية لاندلاع حريق بناقلة نفط شرق مضيق هرمز (فارس)
TT

«الحرس الثوري» يعلن انفجار ناقلة بعد اصطدامها بلغم في مضيق هرمز

أرشيفية لاندلاع حريق بناقلة نفط شرق مضيق هرمز (فارس)
أرشيفية لاندلاع حريق بناقلة نفط شرق مضيق هرمز (فارس)

​نقلت وسائل إعلام إيرانية عن «الحرس الثوري»، اليوم (السبت)، أن ‌ناقلة ‌نفط ​تعرضت لانفجار ‌واندلعت ⁠فيها ​النيران بعد ⁠اصطدامها بلغم بحري في أثناء عبورها مضيق ⁠هرمز.

وأفاد التقرير ‌بأن الناقلة ‌كانت ​تحمل ‌أكثر ‌من مليوني برميل من النفط الخام، وكانت ‌تحاول عبور الممر المائي ⁠الاستراتيجي بشكل ⁠غير قانوني عبر مسار غير مرخص به من إيران.


ترمب يلوّح بضرب «جبل الفأس»

بزشكيان في زيارة لمنشأة أجهزة الطرد المركزي ضمن البرنامج النووي الإيراني (أرشيفية - الرئاسة الإيرانية)
بزشكيان في زيارة لمنشأة أجهزة الطرد المركزي ضمن البرنامج النووي الإيراني (أرشيفية - الرئاسة الإيرانية)
TT

ترمب يلوّح بضرب «جبل الفأس»

بزشكيان في زيارة لمنشأة أجهزة الطرد المركزي ضمن البرنامج النووي الإيراني (أرشيفية - الرئاسة الإيرانية)
بزشكيان في زيارة لمنشأة أجهزة الطرد المركزي ضمن البرنامج النووي الإيراني (أرشيفية - الرئاسة الإيرانية)

تتواصل الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران في ظلّ غياب مؤشرات واضحة على قرب التوصل إلى تسوية، وسط تصاعد التهديدات العسكرية وتبادل الاتهامات بشأن أمن الملاحة في مضيق هرمز.

وفي ظلّ هذه الأجواء، لوّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب بإمكانية استهداف موقع «جبل الفأس»، في إطار مساعي واشنطن لمنع طهران من امتلاك سلاح نووي. وبرّر ترمب تصعيده قائلاً إن إيران قد تستخدم السلاح النووي «إذا تمكنت من الحصول عليه».

في المقابل، استبعد الرئيس الأميركي استخدام السلاح النووي ضد إيران، مؤكداً أن واشنطن لا تحتاج إلى مثل هذه الأسلحة لتحقيق أهدافها العسكرية. لكنه أشار إلى إمكانية اللجوء إلى أسلحة تقليدية شديدة التدمير، في إشارة إلى قنبلة «جي بي يو 43/ بي» المعروفة أيضاً باسم «أم القنابل»، والتي تُعدّ أقوى سلاح أميركي غير نووي.

من جانبه، أكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، أمس، أن بلاده لا تسعى إلى امتلاك سلاح نووي، وأنها مستعدة للحوار، مشدداً على أن طهران لن تخضع للعقوبات.


إيران تلتف على الحصار الأميركي بصادرات وقود محدودة

تحاول الشركات الآسيوية تنويع مصادر نفطها جراء حرب إيران (رويترز)
تحاول الشركات الآسيوية تنويع مصادر نفطها جراء حرب إيران (رويترز)
TT

إيران تلتف على الحصار الأميركي بصادرات وقود محدودة

تحاول الشركات الآسيوية تنويع مصادر نفطها جراء حرب إيران (رويترز)
تحاول الشركات الآسيوية تنويع مصادر نفطها جراء حرب إيران (رويترز)

تمكنت إيران من تصدير شحنات محدودة من غاز البترول المسال ووقود الطائرات منذ يوليو (تموز)، رغم الحصار البحري الأميركي المفروض على صادراتها، مستفيدة من عمليات نقل الشحنات بين السفن في مياه الخليج، وفق معلومات استخباراتية بحرية ومصادر في قطاع الشحن.

وفي حين تؤكد واشنطن أن الحصار يحدّ بصورة كبيرة من صادرات الطاقة الإيرانية، تكشف هذه الشحنات عن محاولات طهران الالتفاف على القيود والحفاظ على منافذ محدودة لتصريف منتجاتها النفطية.

وقالت أربعة مصادر عاملة في مجال الأمن البحري ومتابعة تحركات النفط في الخليج لوكالة «رويترز» إن إيران تمكنت خلال الأسابيع الأخيرة من تمرير شحنات من غاز البترول المسال، عبر إخفائها ضمن عمليات متزايدة لنقل المنتجات النفطية من سفينة إلى أخرى.

ولم تكن هذه الصادرات قد ظهرت في تقارير سابقة بهذه الصورة، وهي، رغم محدودية حجمها مقارنة بصادرات إيران من الطاقة قبل فرض الحصار، تقدم مؤشرات على استمرار تدفق بعض المنتجات النفطية الإيرانية إلى الأسواق الخارجية.

وأظهر تحليل أجرته منظمة «متحدون ضد إيران النووية»، التي تراقب حركة ناقلات النفط المرتبطة بإيران باستخدام بيانات تتبع السفن وصور الأقمار الصناعية، أن ما لا يقل عن 8 ناقلات غاز محملة بغاز البترول المسال الإيراني غادرت خليج عُمان منذ منتصف يوليو.

صور الأقمار الصناعية

بزشكيان يترأس اجتماعاً حكومياً لمناقشة إدارة استهلاك الوقود بحضور وزيرَي الداخلية والنفط وقادة الشرطة الإيرانية الأحد (الرئاسة الإيرانية)

كما أظهرت صور الأقمار الصناعية وتحليلات مجموعة الاستخبارات البحرية «سينماكس» وصول ناقلة أخرى تحمل وقود طائرات إيرانياً إلى ميانمار في سبتمبر (أيلول).

ووفقاً لتحليل «رويترز» لبيانات السفن والعقوبات الأميركية، فإن 6 من ناقلات الغاز الـ8، إلى جانب ناقلة وقود الطائرات، تخضع لعقوبات أميركية بسبب نقل منتجات نفطية وبتروكيماوية إيرانية.

وقالت جميما شيلي، الباحثة في منظمة «متحدون ضد إيران النووية»، إن المنظمة رصدت عدداً محدوداً من الناقلات التي تحمل غاز البترول المسال الإيراني، في حين أعادت القوات الأميركية توجيه الغالبية العظمى من الناقلات المحملة بمنتجات إيرانية.

وأضافت أن بعض ناقلات الغاز نقلت شحناتها بالقرب من مدينتي شناص وصحار الساحليتين في عُمان، بينما انتظرت ناقلات أخرى في خليج عُمان قبل محاولة تجاوز الحصار الأميركي، الذي قالت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) إنه يمتد عبر الخليج بالقرب من الحدود الإيرانية الباكستانية.

وقدّرت شيلي إجمالي شحنات غاز البترول المسال التي رصدتها المنظمة بنحو 4.1 مليون برميل، مشيرة إلى أن هذه التحركات تبدو مدفوعة بانتهاز فرص محدودة لتصدير المنتجات، أكثر من كونها دليلاً على تحول استراتيجي واسع نحو استخدام سفن أصغر للالتفاف على القيود.

ووفقاً لتحليل المنظمة، اتجهت معظم الشحنات إلى ميناء في ماليزيا، حيث يُرجح إجراء عمليات إضافية لنقلها بين السفن، قبل وصولها إلى وجهات محتملة في الصين.

الجيش الأميركي: الحصار محكم

في المقابل، تؤكد القيادة المركزية الأميركية أن الحصار البحري لا يزال محكماً، وأن مرور بعض السفن لا يعني بالضرورة نجاحها في الإفلات من القيود.

وقال مسؤول عسكري أميركي لـ«رويترز» إن القوات الأميركية تقيّم حركة كل سفينة على حدة، من خلال إجراءات تشمل مراجعة الوثائق، مشيراً إلى أن بعض السفن قد يُسمح لها بالمرور لأسباب إنسانية.

وأوضح المسؤول أن إدراج سفينة على قوائم العقوبات الأميركية ليس العامل الوحيد الذي يحدد خضوعها للحصار، لافتاً إلى أن القوات تراقب بعض السفن عن كثب من دون اتخاذ إجراءات مباشرة ضدها لأسباب عملياتية.

وفي تحديث صدر في 13 أكتوبر (تشرين الأول)، قالت القيادة المركزية الأميركية إن قواتها عطّلت 4 سفن تجارية وأعادت 135 سفينة أخرى خلال الحصار الأخير، الذي استمر ثلاثة أشهر وفق البيان. وكانت القيادة قد ذكرت في تصريحات سابقة أنها أعادت سفناً قادمة من آسيا وصادرت بعض الناقلات.

تشكيك أميركي في البيانات

وزير النفط الإيراني محسن باك نجاد (الرئاسة الإيرانية)

وشكك متحدث باسم وزارة الخزانة الأميركية في دقة بيانات الشحن التي تشير إلى نجاح سفن في تجاوز الحصار، قائلاً إن بعض السفن قد تتلاعب بمواقعها أو تستخدم هويات مزيفة أثناء عمليات التحميل، داعياً إلى التعامل مع هذه البيانات بحذر.

وأضاف أن ما وصفه بـ«الإقصاء الاقتصادي»، إلى جانب الحصار البحري، يفاقم الضغوط على إيران ويحدّ من قدرتها على تحقيق الإيرادات.

وفرضت الولايات المتحدة الحصار للمرة الأولى في 13 أبريل (نيسان)، قبل أن ترفعه في يونيو (حزيران) عقب التوصل إلى مسودة تفاهم مع إيران، ثم تعيد فرضه في 14 يوليو بعد انهيار الاتفاق، وفق المعلومات الواردة في التقرير.

وترافق الحصار مع حملة عقوبات مالية وتجارية تستهدف تقليص الإيرادات الإيرانية وقطع ما تبقى لطهران من روابط مالية خارجية. وفي هذا السياق، فرضت واشنطن الأسبوع الماضي عقوبات جديدة على 17 سفينة قالت إنها شاركت في نقل النفط الخام والبتروكيماويات والمنتجات البترولية الإيرانية.

ضغوط تدفع طهران للمجازفة

وتأتي محاولات تصدير المنتجات النفطية في وقت تواجه فيه إيران ضغوطاً اقتصادية متزايدة، وسط تراجع قدرتها على بيع النفط الخام وتزايد القيود المفروضة على تعاملاتها التجارية والمالية.

وقال توربيورن سولتفيدت، المحلل الكبير لشؤون الشرق الأوسط لدى شركة «فيريسك مابلكروفت» المتخصصة في معلومات المخاطر، إن تدهور الأوضاع الاقتصادية قد يدفع إيران إلى تحمل مخاطر أكبر في محاولة تمرير شحنات محدودة، رغم عدم وجود مؤشرات على احتمال تخفيف الحصار.

وأشار إلى أن وقود الطائرات قد يمثل خياراً مناسباً لإيران في هذه الظروف، نظراً إلى الضغوط المتزايدة التي يتعرض لها قطاع الطيران الإيراني بسبب العقوبات الأميركية، وما قد ينجم عنها من توقف عدد متزايد من الطائرات، الأمر الذي قد يترك فائضاً من وقود الطائرات في المصافي المحلية.

وفي مؤشر على حجم الضغوط التي تواجهها صادرات الطاقة الإيرانية، قالت شركة «كبلر» المتخصصة في تحليل بيانات الشحن والطاقة إن صادرات النفط الخام الإيراني انخفضت إلى الصفر في سبتمبر، في أول شهر لا تُسجل فيه أي شحنة منذ أن بدأت الشركة تتبع أنشطة إيران عام 2013.

من جانبه، قال وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، إن الحصار منع معظم مشتريات الصين من النفط الإيراني، وجعل إيران غير قادرة على توريد النفط الخام إلى عملائها.

وتشير هذه المعطيات إلى أن الحصار الأميركي يفرض قيوداً واسعة على صادرات الطاقة الإيرانية، وإن كانت الشحنات المحدودة من غاز البترول المسال ووقود الطائرات توضح أن طهران لا تزال تحاول استغلال الثغرات المتاحة في حركة الشحن البحري. لكن استمرار هذه العمليات لا يعني بالضرورة نشوء مسار بديل قادر على تعويض خسائر صادرات النفط الخام، خصوصاً في ظل تشديد العقوبات ومراقبة الناقلات وعمليات النقل بين السفن.