الإسرائيليون يستقبلون خطاب بايدن بالدموع وشكوك بـ«تصريحاته الودية»

دبلوماسي سابق: لا ينبغي الخطأ فلا يوجد لنا شيك مفتوح لنفعل ما نريد

صورة الرئيس بايدن في المرآة وهو يدلي بتصريحات حول الوضع في إسرائيل مساء الثلاثاء (رويترز)
صورة الرئيس بايدن في المرآة وهو يدلي بتصريحات حول الوضع في إسرائيل مساء الثلاثاء (رويترز)
TT

الإسرائيليون يستقبلون خطاب بايدن بالدموع وشكوك بـ«تصريحاته الودية»

صورة الرئيس بايدن في المرآة وهو يدلي بتصريحات حول الوضع في إسرائيل مساء الثلاثاء (رويترز)
صورة الرئيس بايدن في المرآة وهو يدلي بتصريحات حول الوضع في إسرائيل مساء الثلاثاء (رويترز)

استقبل الإسرائيليون خطاب الرئيس بايدن الليلة (الثلاثاء - الأربعاء)، بالصدمة الإيجابية، معبرين عن شدة الاحتضان والتعاطف، لدرجة أن بعضهم راح يشكك في أهدافه الحقيقية، ويعتقدون أنه يخبئ صدمة أخرى معاكسة لاحقاً، بعد الحرب.

فالتأييد المطلق الذي أبداه لحكومة نتنياهو في الحرب على غزة، وصف على أنه «غير مسبوق في تاريخ السياسة الأميركية». والنقاشات التي جرت في استوديوهات القنوات التلفزيونية، شهدت تأثراً شديداً لدرجة بكاء بعض الصحافيين والخبراء وممثلي أحزاب الائتلاف الحاكم والمعارضة، على السواء.

وركز هؤلاء، بشكل خاص على تبني بايدن لجملة كان قد استخدمها رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو نفسه، عندما شبه «حماس» بـ«داعش»، وتعابير قال فيها بايدن: «هناك الكثير من العائلات في إسرائيل تنتظر بيأس أنباء عن ذويها»، «(حماس) متعطشة للدم، وأفعالها تشبه ما فعله تنظيم (داعش)»، «نقف إلى جانب إسرائيل وندعمها، وسنلبي لها كل الاحتياجات اللازمة للدفاع عن مواطنيها»، «(حماس) تستخدم المواطنين دروعاً بشرية»، «لإسرائيل كامل الحق في الرد على هجمات (حماس)، وبكل ما تملك من قوة حتى تحقق النصر». «قلت لنتنياهو إن رد إسرائيل يجب أن يكون حاسماً. سنوفر الذخائر والصواريخ للقبة الحديدية؛ للتأكد من بقاء إسرائيل قادرة على الدفاع عن مواطنيها»، و«وجهت بتحرك حاملة الطائرات جيرالد فورد لتدعم وجودنا البحري في المنطقة»، و«قلوبنا مفطورة بحفرة سوداء ولكن عزيمتنا قوية».

جنود الجيش الإسرائيلي قرب ناقلة جند مدرعة في موقع بالقرب من الحدود مع غزة الأربعاء (أ.ف.ب)

بعد دقائق من الخطاب، نشر الجيش الإسرائيلي بياناً، كشف فيه عن وصول أول دفعة من المساعدات الأميركية الحربية، وقال إنها عبارة عن ذخيرة وأسلحة حديثة مفيدة جداً للمعركة الإسرائيلية ضد «حماس». ويبدو أنها قنابل ذكية تستخدم في اختراق الأنفاق القائمة عميقاً تحت الأرض، والتي يعتقد بأن قادة «حماس» يحتمون فيها.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أرشيفية - د.ب.أ)

ثم نشر نتنياهو نفسه بياناً غير مألوف، قال فيه إنه تحدث مع الرئيس بايدن ونائبة الرئيس لمدة 40 دقيقة، قبيل إلقائه الخطاب، وإنه قال له «رجال (حماس) تصرفوا كوحوش وليس كبشر. البربرية التي أبدوها لم تُشهد في التاريخ الحديث منذ المحرقة ضد اليهود في ألمانيا. كانوا أسوأ حتى من (داعش)، وعلينا أن نتعامل معهم على هذا الأساس. لقد ذبحوا مئات الإسرائيليين. عائلات كاملة قتلت في الفراش. اغتصبوا النساء ثم قتلوهن. قيدوا بالأغلال الأطفال ثم أعدموهم. وقطعوا رؤوس الجنود. وقتلوا الشبان والصبايا في حفل راقص». وأضاف نتنياهو: «قلت له، سيدي الرئيس، جو. أريد أن أتقدم لك بالشكر على دعمك المتواصل الذي لا يتزعزع، وعلى كل الدعم الذي تقدمه الإدارة الأميركية».

حصد رصيد سياسي

أراد نتنياهو أن يحصد رصيداً لنفسه، ويظهر أن بايدن تكلم بهذه الطريقة بتأثير من حديثه في المكالمات الثلاث التي أجراها معه منذ يوم السبت.

لكن خصوم نتنياهو السياسيين سارعوا إلى القول إن بايدن تكلم بهذه الطريقة على الرغم من أنه يمقت نتنياهو ورفض لقاءه في الولايات المتحدة طيلة تسعة شهور، ويرفض لقاءه في البيت الأبيض حتى اليوم؛ «لأنه يعتبر نفسه صهيونياً وملتزماً بأمن إسرائيل تاريخياً واستراتيجياً، ويرى في نتنياهو تهديداً للقيم الديمقراطية». وذكروا بأن وزراء ونواباً في حكومة نتنياهو هاجموا بايدن خلال الشهور الأخيرة، واتهموه بتدبير انقلاب عسكري ضد حكومة اليمين.

وحدة مدفعية إسرائيلية تطلق النار باتجاه غزة على طول الحدود الأربعاء (إ.ب.أ)

وفي اليمين المتطرف، شككوا في نوايا بايدن، وقالوا إن «تصريحاته الودية» هذه تخبئ في طياتها نوايا سيئة للمستقبل. فهو سيمارس ضغوطاً بعد الحرب على نتنياهو، لكي يقدم للفلسطينيين تنازلات كبيرة يمكنها أن تقسم المجتمع الإسرائيلي من جديد، وربما تفكك الائتلاف الحكومي.

وفي اليسار الراديكالي رأوا أن بايدن يدفع إسرائيل إلى مغامرات حربية جنونية، ويظهر تأييداً لها في ارتكاب جرائم حرب ضد الإنسانية لخدمة مصالح أميركية بعيدة المدى. فهو يجعلها الشرطي الأميركي في المنطقة، ويحافظ عليها كجسم مكروه مربوط من الرقبة بالإرادة الأميركية والدعم الأميركي. يساندها في تدمير قطاع غزة، حتى تكون نموذجاً وعبرة لمن يقف ضد الولايات المتحدة في المنطقة وفي العالم أجمع. وقد شبّه هؤلاء دعم أميركا لإسرائيل، بالدعم الذي تقدمه إلى أوكرانيا كي تحارب روسيا حتى آخر نقطة دم للأوكرانيين.

تعدد الرسائل

وأما الخبراء المهنيون فاعتبروا هذا الخطاب ذا طابع سياسي استراتيجي، إقليمياً ودولياً، وحتى أميركياً محلياً، وأن بايدن قصد بهذا الخطاب «توجيه عدة رسائل لعدة عناوين»، أولها لجمهور الناخبين الأميركيين، وبالذات لأولئك الذين ما زالوا محتارين بينه وبين دونالد ترمب، وثانيها لكل من إيران وأتباعها مثل «حزب الله»، حتى لا يجرؤوا على الانضمام إلى الحرب ضد إسرائيل.

وقالوا إن الرئيس الأميركي يرى أن هجوم «حماس»، تم بتخطيط إيراني مباشر وبتمويل وتدريب «الحرس الثوري» الإيراني. وتوقيته جاء للتخريب على توسيع «اتفاقيات إبراهيم». والولايات المتحدة تهدد بالتدخل الحربي المباشر، إلى جانب إسرائيل ضد إيران وميليشياتها في المنطقة وحتى ضد سوريا. وهنا برزت الجملة التي أنهى بها بايدن خطابه، عندما قال إن الحرب التي تخوضها إسرائيل ضد «حماس»، هي حرب لمصلحة الأمن الإقليمي والدولي. ولذلك أرسل البارجة الحربية جيرالد فورد وتوابعها وسيرسل سفناً حربية أخرى.

إجلاء جرحى القصف الجوي الإسرائيلي على جباليا قرب مدينة غزة (أ.ب)

أما العنوان الثالث لخطاب بايدن، فهو الجمهور الإسرائيلي، ومفاده أن إدارته تقف لمصلحة إسرائيل، وهي تحارب وتقف لمصلحة إسرائيل أيضاً عندما تنتقد خطة الحكومة الإسرائيلية لإصلاح القضاء، أو عندما تطالبها بإعادة الحياة إلى عملية السلام.

على سبيل المثال، كتب ناحوم برنياع، في مقال افتتاحي لصحيفة «يديعوت أحرونوت»، أن الرئيس الأميركي ذكرنا، أمس (الثلاثاء)، بما كاد ينسينا إياه الرعب والقنوط العاجز منذ صباح السبت: من هاجم إسرائيل هو الشر المطلق. ليسوا مقاتلين أرادوا احتلال هدف ما، وليسوا ثواراً ضد الاحتلال، بل قتلة ربّوهم على السير في أعقاب شهوة الدم للإرهابيين من بيت (داعش)».

وكتب إلون بنكاس، القنصل العام الأسبق في الولايات المتحدة، أن بايدن يقف بشكل حقيقي ومطلق إلى جانب إسرائيل. لكن هذا لا يجب أن يفاجئ أحداً باستثناء رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، والببغاوات التي تقف على كتفه وتحدثت ضده على مدى أشهر. وتابع أنه في الوقت الذي حرك فيه بايدن المشاعر والقيم، فإن الأشخاص المحيطين به يفحصون المصالح الأميركية والسيناريوهات التي يمكن أن تتطور في الشرق الأوسط.

لكن بنكاس حذر من الوقوع بخطأ التقدير؛ لأنه «لا يوجد لإسرائيل شيك مفتوح للقيام بما تريد»، ففي نهاية الأمر بايدن رئيس الولايات المتحدة الأميركية، عنده حسابات ومصالح واعتبارات سياسية ومعلومات استخبارية. والأمر الأخير الذي تريده الولايات المتحدة هو الانجرار إلى مواجهة في المنطقة.

وقال إن حتى تدخل بايدن في انقلاب نتنياهو النظامي وفي السياسة في المناطق، فرض على الولايات المتحدة. بين روسيا وأوكرانيا، والتحدي الاستراتيجي الذي تضعه الصين، مشدداً على أن الأمر الأخير الذي تريده واشنطن هو الشرق الأوسط. وأن الدعم الجارف لإسرائيل يمكن أن يتغير في الأسابيع القريبة المقبلة، وهذا خاضع للتطورات في غزة وللعلاقة المباشرة بالتصعيد، سواء بسبب درجة القتل في الهجمات أو بسبب اتساع المواجهات.


مقالات ذات صلة

«فتح» تهيمن على نتائج المحليات وتراها «استفتاءً» على نهجها

المشرق العربي فلسطينيون بغزة يبكون على جثامين مدنيين سقطوا في غارة إسرائيلية شمال القطاع يوم الأحد (د.ب.أ)

«فتح» تهيمن على نتائج المحليات وتراها «استفتاءً» على نهجها

أظهرت نتائج الانتخابات المحلية الفلسطينية التي أجريت في الضفة، هيمنة لمرشحي حركة «فتح» على معظم المجالس البلدية، بينما غاب الحسم للمنافسة في دير البلح وسط غزة.

كفاح زبون (رام الله) «الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينية تدلي بصوتها داخل مركز اقتراع في دير البلح وسط قطاع غزة السبت (إ.ب.أ)

دير البلح حاضرة في أول انتخابات محلية في قطاع غزة منذ 22 عاماً

شهدت مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، أول انتخابات محلية تجري في القطاع منذ 22 عاماً، على خلفية الانقسام الفلسطيني الداخلي والعدوان الإسرائيلي المتواصل.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أحد عناصر هندسة المتفجرات التابعة لشرطة غزة يتعامل مع قذيفة غير منفجرة (الشرطة الفلسطينية)

الأمم المتحدة تحذّر من تهديد الذخائر غير المنفجرة في غزة لجهود إعادة الإعمار

حذّرت الأمم المتحدة، من أنّ قطاع غزة الذي دمّرته الحرب، ملوّث بشدّة بذخائر غير منفجرة تقتل المدنيين وتشوههم بانتظام، وتهدّد جهود إعادة الإعمار على المدى الطويل.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
خاص صبي فلسطيني يمر قرب لافتات لمرشحي الانتخابات المحلية في دير البلح بوسط غزة الثلاثاء (أ.ف.ب) p-circle 02:00

خاص غزة تستعد لأول انتخابات محلية منذ عقدين

تشهد مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، أول انتخابات محلية على مستوى القطاع منذ عقدين تقريباً؛ في مشهد انتخابي ينطلق السبت، بالتزامن مع الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
يوميات الشرق بائع فلسطيني يبيع سجائر مصنوعة من أوراق الملوخية المجففة كبديل للتبغ (رويترز)

في مواجهة شحّ التبغ في القطاع... الغزيون يدخنون الملوخية

لم تعد الملوخية مجرد طبق تقليدي على موائد السكان في قطاع غزة، بل تحوّلت، تحت وطأة الحرب وشحّ التبغ، إلى بديل غير مألوف للسجائر.

«الشرق الأوسط» (غزة)

«أكسيوس»: إيران قدمت مقترحاً جديداً لأميركا لإعادة فتح هرمز وإنهاء الحرب

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
TT

«أكسيوس»: إيران قدمت مقترحاً جديداً لأميركا لإعادة فتح هرمز وإنهاء الحرب

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)

ذكر موقع «أكسيوس» الإخباري ‌نقلا عن ‌مسؤول ​أميركي ‌ومصدران ⁠مطلعان ​أن إيران ⁠قدمت عبر وسطاء باكستانيين ⁠مقترحا ‌جديدا ‌إلى ​الولايات ‌المتحدة ‌لإعادة فتح ‌مضيق هرمز وإنهاء الحرب.

ويشمل المقترح بحسب «أكسيوس»، ⁠إرجاء ⁠المفاوضات النووية إلى مرحلة لاحقة.


الهدنة على المحك عقب تعثر مسار باكستان

السلطان هيثم بن طارق لدى استقباله عباس عراقجي وزير الخارجية الإيراني. (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق لدى استقباله عباس عراقجي وزير الخارجية الإيراني. (العمانية)
TT

الهدنة على المحك عقب تعثر مسار باكستان

السلطان هيثم بن طارق لدى استقباله عباس عراقجي وزير الخارجية الإيراني. (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق لدى استقباله عباس عراقجي وزير الخارجية الإيراني. (العمانية)

وُضعت هدنة الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران أمام اختبار جديد، أمس (الأحد)، مع تعثر مسار باكستان، في وقت شدد فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الضغط على طهران، ملوحاً بخطر «القنبلة الموقوتة» لتخزين النفط وتمسكه بـ«الانتصار».

وقال ترمب إن أمام إيران نحو 3 أيام قبل أن تصبح خطوط أنابيب النفط لديها معرضة لخطر الانفجار بسبب تراكم النفط ومحدودية التخزين، بعد توقف الشحنات من الموانئ الإيرانية تحت الحصار الأميركي. وأضاف أن طهران «تحت ضغط»، وأنها إذا أرادت التفاوض فعليها الاتصال بواشنطن عبر «خطوط آمنة».

وعاد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، إلى إسلام آباد بعد محادثات مع السلطان هيثم بن طارق، في مسقط، ركزت على مضيق هرمز. وقالت وسائل إعلام إيرانية إن عراقجي نقل عبر باكستان رسائل إلى واشنطن، بشأن «الخطوط الحمراء» في الملف النووي والمضيق.

وأبلغ الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، خلال اتصال، بأن طهران لن تدخل في «مفاوضات مفروضة عليها» تحت التهديد أو الحصار. وطالب بإزالة العقبات أولاً، بما في ذلك الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية، قبل وضع أسس التسوية.

وتصاعد التباين في طهران؛ إذ هاجم المتحدث باسم لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني إبراهيم رضائي، دور باكستان، قائلاً إنها «صديقة وجارة جيدة»، لكنها «ليست وسيطاً مناسباً، ولا تقول ما يخالف رغبة الأميركيين»، معتبراً أن الوسيط يجب أن يكون محايداً. بدوره، قال نائب رئيس البرلمان علي نيكزاد، إن مضيق هرمز لن يعود إلى وضعه السابق استناداً إلى أوامر المرشد مجتبى خامنئي.


واشنطن تبدأ معركة الألغام في مضيق هرمز

تظهر سفينة «إيبامينونداس» خلال احتجازها من قبل «الحرس الثوري» الإيراني في مضيق هرمز بإيران (رويترز)
تظهر سفينة «إيبامينونداس» خلال احتجازها من قبل «الحرس الثوري» الإيراني في مضيق هرمز بإيران (رويترز)
TT

واشنطن تبدأ معركة الألغام في مضيق هرمز

تظهر سفينة «إيبامينونداس» خلال احتجازها من قبل «الحرس الثوري» الإيراني في مضيق هرمز بإيران (رويترز)
تظهر سفينة «إيبامينونداس» خلال احتجازها من قبل «الحرس الثوري» الإيراني في مضيق هرمز بإيران (رويترز)

قال الرئيس دونالد ترمب إن البحرية الأميركية تعمل على إزالة ألغام إيرانية في مضيق هرمز، الممر الحيوي لشحنات النفط، الذي بات تعطّله يُهدد الاقتصاد العالمي بصورة متزايدة.

ويقول خبراء إن تمشيط المنطقة بحثاً عن متفجرات تحت الماء قد يستغرق أشهراً، رغم سريان وقف إطلاق نار هش بين الولايات المتحدة وإيران في الحرب التي تتواصل منذ أسابيع.

ووفقاً لوكالة «أسوشييتد برس»، فإن أي إعلانات مستقبلية عن قيام الولايات المتحدة بتطهير الممر المائي، الذي يمر عبره عادة نحو 20 في المائة من نفط العالم، قد تفشل في إقناع سفن الشحن التجارية وشركات التأمين بأن المضيق أصبح آمناً.

وقالت إيما سالزبري، الباحثة في برنامج الأمن القومي التابع لمعهد أبحاث السياسة الخارجية: «ليس عليك حتى أن تكون قد زرعت ألغاماً؛ يكفي أن تجعل الناس يعتقدون أنك زرعتها».

وأضافت إيما سالزبري، وهي أيضاً زميلة في مركز الدراسات الاستراتيجية التابع للبحرية الملكية: «وحتى إذا قامت الولايات المتحدة بتمشيط المضيق، وقالت إن كل شيء أصبح آمناً، فكل ما على الإيرانيين فعله أن يقولوا: حسناً، في الواقع، لم تعثروا عليها كلها بعد». وتابعت: «هناك حدٌّ لما يمكن أن تفعله الولايات المتحدة لإعادة تلك الثقة إلى الشحن التجاري».

ويُعد البحث عن الألغام من أحدث التكتيكات التي أعلنتها إدارة ترمب لإعادة حركة المرور عبر المضيق، في ظل ارتفاع أسعار الطاقة وتداعيات اقتصادية أوسع تُشكل خطراً سياسياً. كما فرضت الولايات المتحدة حصاراً على موانئ إيران، واحتجزت سفناً مرتبطة بطهران.

إزالة الألغام قد تستغرق 6 أشهر

وأبلغ مسؤولون في البنتاغون مشرّعين أن إزالة الألغام التي زرعتها إيران في المضيق ستستغرق على الأرجح 6 أشهر، وفق شخص مطلع على الوضع تحدّث شرط عدم الكشف عن هويته لمناقشة معلومات حساسة.

وقُدمت هذه المعلومات خلال إحاطة سرية للجنة القوات المسلحة في مجلس النواب، الثلاثاء. وعندما سُئل عن هذا التقدير، قال وزير الدفاع بيت هيغسيث للصحافيين، الجمعة، إن الجيش لن يتكهن بجدول زمني، لكنه لم ينفِ الأمر.

وقال هيغسيث في مؤتمر صحافي بالبنتاغون: «يُزعم أن هذا كان شيئاً قيل». وأضاف: «لكننا واثقون بقدرتنا، خلال الفترة المناسبة، على إزالة أي ألغام نحددها».

وفي وقت لاحق، قال ترمب إنه أمر البحرية بمهاجمة أي قارب يزرع ألغاماً في المضيق. وكتب الرئيس على وسائل التواصل الاجتماعي، الخميس: «إضافة إلى ذلك، فإن كاسحات الألغام لدينا تُنظف المضيق الآن». وأضاف: «آمر بموجب هذا بمواصلة النشاط، لكن بمستوى مضاعف 3 مرات».

وقال قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، الأدميرال براد كوبر، للصحافيين مؤخراً إن الجيش سيعمل على إزالة الألغام من المضيق من دون أن يُقدم تفاصيل.

ولا توجد مؤشرات إلى أن الجيش الأميركي يستخدم حالياً سفناً حربية داخل المضيق، وهي من أبرز أصوله الظاهرة في عمليات إزالة الألغام، لكنّ لدى البحرية أيضاً غواصين وفرقاً صغيرة من فنيي التخلص من الذخائر المتفجرة في المنطقة، قادرين على إزالة الألغام، وهي هدف أقل وضوحاً من سفينة حربية كبيرة. ويقول خبراء إن بعض معدات إزالة الألغام يمكن نقلها من السفن ونشرها من البر.

زرع الألغام أسهل من العثور عليها

وليس واضحاً ما إذا كان قد جرى زرع أي لغم حتى الآن. ولم تذكر إيران سوى «احتمال» وجود ألغام في المسارات التي كانت تُستخدم في المضيق قبل الحرب. وقالت إيما سالزبري من معهد أبحاث السياسة الخارجية إن تقديرات مخزونات إيران من الألغام تُشير إلى بضعة آلاف. ويُعتقد أن معظم تلك المتفجرات البحرية تعود إلى نماذج سوفياتية قديمة، فيما قد تكون بعض الأنواع الأحدث صينية الصنع أو مُنتجة محلياً.

وأضافت إيما سالزبري: «زرع الألغام أسهل بكثير من إزالتها، لذلك يمكنك حرفياً دفع هذه الأشياء من مؤخرة زورق سريع»، لكنها أشارت إلى أن الولايات المتحدة يمكنها على الأرجح رؤية ذلك. وأوضحت أن لدى إيران أيضاً غواصات صغيرة يمكنها زرع الألغام، ويصعب اكتشافها بدرجة أكبر بكثير، لافتة إلى أنها لم ترَ مؤشرات إلى تدميرها في الحرب.

وقالت إيما سالزبري إنه إذا كانت إيران قد زرعت ألغاماً في المضيق، فهي ليست الكرات الشائكة العائمة على السطح كما تُرى في الأفلام. ومن المرجح أن تكون المتفجرات مستقرة في قاع البحر أو مثبتة إليه بواسطة كابل وتطفو تحت السطح. ويمكن أن تنفجر بتغير ضغط الماء عند مرور سفينة أو بصوت محركها.

كيف تبحث واشنطن عن الألغام؟

وقال مسؤول دفاعي، رفض الكشف عن هويته، إن البحرية الأميركية لديها الآن سفينتان قتاليتان ساحليتان في الشرق الأوسط قادرتان على تمشيط الألغام.

وأضاف المسؤول أن كاسحتي ألغام أميركيتين من فئة «أفنجر»، تتمركزان في اليابان، غادرتا أيضاً إلى الشرق الأوسط، لكنهما كانتا في المحيط الهادئ حتى الجمعة.

وقال ستيفن ويلز، وهو ضابط متقاعد برتبة لفتنانت كوماندر، خدم على سفينة من فئة «أفنجر»، إن البحرية تبحث على الأرجح عن متفجرات بحرية من أجل إنشاء ممر آمن عبر المضيق. أما إزالة الألغام فهي عملية أبطأ تحدث عادة بعد النزاع.

وقال ويلز، وهو خبير في مركز الاستراتيجية البحرية التابع لرابطة البحرية الأميركية: «إن صيد الألغام يُشبه السير في حديقتك واقتلاع الأعشاب والنباتات البرية واحدة تلو الأخرى، كي تتمكن من عبور المكان بأمان من جانب إلى آخر. أما تمشيط الألغام، فيشبه جزّ العشب».

من جانبه، قال سكوت سافيتز، الباحث في مؤسسة «راند»، والمتخصص في العمليات البحرية وإزالة الألغام، إن البحرية لا تحتاج بالضرورة إلى إزالة كل لغم حتى آخر واحد. وأضاف: «لا تزال هناك مناطق لم تُطهَّر منذ الحرب العالمية الثانية، وفي بعض الحالات منذ الحرب العالمية الأولى، وذلك لأن العملية كثيفة الموارد وتستغرق وقتاً طويلاً».

وقال ويلز إن الفرق الموجودة على السفن القتالية الساحلية التابعة للبحرية يمكنها نشر مركبات غير مأهولة تعمل عن بُعد، وتستخدم السونار وتقنيات أخرى للعثور على الألغام. كما تحمل هذه المركبات شحنات لتدمير المتفجرات.

وأضاف أن سفن البحرية الأميركية قد تحمل أيضاً فرقاً للتخلص من الذخائر المتفجرة، بينها غواصون، يمكنهم البحث عن الألغام وتدميرها. ويمكن للمروحيات البحث عن الألغام باستخدام الليزر.

شركات الشحن تُقيّم المخاطر

قال سافيتز إن شركات الشحن ستكون في نهاية المطاف مستعدة لتحمل بعض المخاطر للمرور عبر المضيق، «خصوصاً بالنظر إلى مدى ربحية ذلك».

وبموجب إجراء الموافقة الإيراني الخاص بالسفن الراغبة في عبور المضيق، يجب أن تسلك السفن مساراً مختلفاً عما كان عليه قبل الحرب، إلى الشمال قرب الساحل الإيراني.

وقال ديلان مورتيمر، مسؤول مخاطر الحرب البحرية في المملكة المتحدة لدى وسيط التأمين «مارش»، إن شركات التأمين تضيف بنداً يلزم مالكي السفن بالاتصال بالسلطات الإيرانية لضمان المرور الآمن.

وأوضح مورتيمر أن هذه الشهادة لا تذكر الألغام تحديداً، وتهدف إلى الحماية من كامل طيف التهديدات، بما في ذلك هجمات الصواريخ والطائرات المسيّرة أو عمليات الاحتجاز. لكن الألغام تؤدي، في الحد الأدنى، دوراً نفسياً، وهي ظاهرة وصفها مورتيمر بأنها «شبح التهديد».

وقال مورتيمر: «هذا يصب في مصلحة الإيرانيين، لأنه سواء أكانت هناك ألغام أم لا، فإن الناس يعتقدون أن هناك ألغاماً، وسيتصرفون وفقاً لذلك».

وقد تعني هذه المخاوف أن استعادة الثقة بأن المضيق آمن قد تستغرق وقتاً أطول حتى بعد الحرب.