الاعتداءات على العرب في تركيا... عنصرية متجذّرة أم حوادث فردية؟

«الشرق الأوسط» ترصد تصاعد حملات التحريض على الكراهية وجهود مكافحتها

مهاجرة تطلّ من سياج حدودي مع سوريا في شانلي أورفا، مايو 2023 (غيتي)
مهاجرة تطلّ من سياج حدودي مع سوريا في شانلي أورفا، مايو 2023 (غيتي)
TT

الاعتداءات على العرب في تركيا... عنصرية متجذّرة أم حوادث فردية؟

مهاجرة تطلّ من سياج حدودي مع سوريا في شانلي أورفا، مايو 2023 (غيتي)
مهاجرة تطلّ من سياج حدودي مع سوريا في شانلي أورفا، مايو 2023 (غيتي)

كشفت سلسلة من الاعتداءات وقعت في الفترة الأخيرة في تركيا عن تبلور نزعة عنصرية ضد العرب على وجه التحديد، وإن بدت في ظاهرها حوادث فردية وشجارات عادية، ربما يقع مثلها الآلاف في أنحاء العالم يومياً، إلا أن تواليها وحجم انتشارها على منصات التواصل الاجتماعي فجّرا تساؤلات عما إذا كان القوميون المتطرفون في تركيا نجحوا في تعبئة الشارع التركي ضد كل ما هو عربي، وعن المدى الذي يمكن أن تصل إليه هذه الاعتداءات، وما الذي ستفعله حكومة الرئيس رجب طيب إردوغان لمواجهة هذا التيار الذي يشكل تحدياً كبيراً لها.

بل إن السؤال الأكثر إلحاحاً في ظل هذه الموجة غير المسبوقة من التحريض على كراهية العرب، هو: هل اضطرت الحكومة لغض الطرف عن تلك الحوادث لترفع عن كاهلها ضغوط المعارضة وقطاع عريض من الشعب التركي؟ خاصة أن الحملات ضد الأجانب تفاقمت خلال موسم الانتخابات البرلمانية والرئاسية في مايو (أيار) الماضي، مع استغلال المعارضة ملف اللاجئين السوريين والعرب الحاصلين على الجنسية التركية ورقة ضغط ضد الحكومة.

فبعدما أصبح الخطاب المعادي لبقاء اللاجئين السوريين في تركيا معتاداً ويجري التعامل معه على صعيد تصريحات التهدئة والطمأنة إلى جهود إعادتهم بشكل آمن إلى بلادهم، اتسع الخطاب ليشمل المقيمين والسياح العرب، لدرجة الخوف من الحديث باللغة العربية في أي مكان، خاصة في المواصلات العامة، بعد تفشي تيار العنصرية وتأثر الشارع التركي، بمن في ذلك قسم لا بأس به من المحافظين، الذين يعانون أيضاً لوناً آخر من العنصرية داخل بلادهم.

في التحقيق التالي محاولة للإجابة عن التساؤلات حول صعود التيار العنصري الرافض لوجود الأجانب، ولا سيما العرب في تركيا، وكيف تتعامل حكومة إردوغان مع الضغوط التي تتعرض لها في هذا الملف.

نقطة فارقة

شكّلت جولة الإعادة في الانتخابات الرئاسية في مايو (أيار) النقطة الفارقة في ملف «العنصرية الجديدة» بتركيا، وانتشرت سريعاً عبر منصات التواصل الاجتماعي مشاهد الاعتداءات والإهانات للعرب وحوادث الاعتداء التي تبدو فردية، لكنّها ناتجة عن التعرض لسيل من التحريض على كراهية العرب، ووصل الأمر بعد الانتخابات إلى حد قتل السياح أحياناً.

مشاة في إحدى مناطق أضنة حيث يقيم عدد كبير من اللاجئين السوريين، مايو 2023 (غيتي)

ونجحت المعارضة العلمانية، ومعها القوميون المتشددون، في تطوير استخدام ورقة اللاجئين والأجانب، التي لم يفلحوا من خلالها في الفوز بالانتخابات، إلى أداة لشحن المجتمع التركي مستغلين الأزمة الاقتصادية الضاغطة على الأتراك.

وبعد أن كان الحزب الحاكم يكرس جهده لنزع هذه الورقة من يد المعارضة عبر سلسلة إجراءات اتخذتها حكومة إردوغان عقب الانتخابات، تمثّلت في حملات لترحيل المهاجرين غير الشرعيين ومخالفي شروط الإقامة، أصبحت تواجه أسئلة أخرى تتعلق بقدرتها على توفير الأمن للأجانب والسياح العرب، وعن سبب تقاعسها في إصدار قانون لمكافحة العنصرية.

فخلال السنوات الثلاث الماضية، وبالتزامن مع ازدياد الضغوط الاقتصادية، أطلقت أحزاب المعارضة التركية حملات إعلامية وعبر عشرات الحسابات على منصات التواصل الاجتماعي للتحريض ضد اللاجئين السوريين بشكل خاص، ثم العرب بوجه عام.

وتصاعدت هذه الحملات خلال جولة الإعادة من الانتخابات الرئاسية، عندما وعد مرشح المعارضة كمال كليتشدار أوغلو بترحيل السوريين فوراً، حال فوزه بالانتخابات لتخليص المجتمع التركي.

وسعت المعارضة بعد خسارتها الانتخابات إلى توظيف قضية اللاجئين السوريين والأجانب في تركيا ورقة للضغط على إردوغان وحزب العدالة والتنمية الحاكم الذي تسبب، من وجهة نظرهم، في فتح الأبواب أمام المهاجرين والعرب لـ«استعمار تركيا»، وإبقاء هذه الضغوط حتى إجراء الانتخابات المحلية المقررة في 31 مارس (آذار) 2024.

وفي الأيام الأخيرة، سيطرت حادثة الاعتداء على السائح الكويتي محمد راشد العجمي في مدينة طرابزون بمنطقة البحر الأسود في شمال تركيا على مواقع التواصل الاجتماعي في تركيا والعالم العربي، وأخذت حيزاً واضحاً من الاهتمام السياسي بين الكويت وتركيا، بعد أن جرى التعامل معها على أنها دليل جديد على العنصرية تجاه العرب في تركيا. وسبق هذه الحادثة مقتل مواطن مغربي في إسطنبول بسبب خلاف مع سائق سيارة أجرة، ما أدى إلى إطلاق حملات في المغرب ودول خليجية تدعو لمقاطعة السياحة إلى تركيا.

وقبلها أيضاً تعرض طفلان يمنيان للضرب المبرح على أيدي أتراك في أحد المجمعات السكنية بسبب شجار مع طفل تركي، كما وقعت مشادات بين سياح خليجيين وعمال أتراك، وصلت إلى حد الاعتداء بالضرب في أحد المراكز التجارية في إسطنبول.

وخلال الأسبوع الأخير وحده، تعرض مصريون للاعتداء في أحد المطاعم في منطقة تقسيم في إسطنبول بسبب اعتراضهم على أسعار الطعام، وقُتل 3 سوريين في كونيا (وسط) وإزمير (غرب) في مشاجرات، لأسباب ربما توصف بـ«التافهة» لكنها تنم عن تأثر بحملة الكراهية التي يقودها منذ أكثر من عامين رئيس حزب «النصر» القومي المتطرف أوميت أوزداغ، المعروف بعدائه للسوريين والعرب والأفغان، ومناهضته لوجود الأجانب بشكل عام.

حملات كراهية

ولعبت المعارضة خلال الانتخابات على ورقة اللاجئين والأجانب، ووضعها مرشح المعارضة للرئاسة رئيس حزب الشعب الجمهوري كمال كليتشدار أوغلو على رأس حملته الانتخابية، وكذلك حزب «الجيد» الذي تترأسه ميرال أكشنار، لا سيما في جولة الإعادة للانتخابات الرئاسية.

كمال كليتشدار أوغلو دعا إلى ترحيل ملايين اللاجئين خلال تجمّعات حملته الانتخابية، مايو 2023 (غيتي)

كما جاهر أوزداغ بالعداء الصريح وخطاب العنصرية، الذي بدأه قبل عامين، وشن حملات تدعو إلى طرد السوريين والأفغان وغيرهم من البلاد، زاعماً أنهم سبب المشاكل الاقتصادية التي تعانيها تركيا.

وبعد حادثة السائح الكويتي، تحوّل الأمر إلى سجال بين الحكومة والمعارضة التي تحملها المسؤولية عن الوضع الراهن. وأعلن المستشار السابق لرئيس الجمهورية العضو البارز في الحزب الحاكم، ياسين أقطاي، أن الحملات ضد العرب في تركيا كلفتها خسارة 5 مليارات دولار من عائدات السياحة، بسبب تصوير بعض الحوادث العادية على أنها عنصرية ضد العرب. كما أشارت وسائل إعلام قريبة من الحكومة إلى انسحاب مليار دولار من رؤوس الأموال الخليجية من تركيا بسبب هذه الحملات في تركيا وصداها في العالم العربي.

وقال الصحافي المخرج السينمائي التركي القريب من الحكومة، إرم شنتورك، إن هجمات «العصابات المعادية للأجانب» والعنصرية في تركيا، أضرّت بالسياحة وزادت العداء ضد العرب. ولفت إلى أن رئيس حزب «النصر»، وحزب الشعب الجمهوري، مع حزب العمال الكردستاني (مصنف تنظيماً إرهابياً)، حققوا أهدافهم، وبدأت التساؤلات الموجهة لتركيا: «هل أنتم أعداء للعرب؟ هل أنتم أعداء للمسلمين؟».

وكتب شنتورك في حسابه على «إكس» أن كراهية الأجانب هي في الواقع عداء تجاه الأتراك، قائلاً: «ستتم مناقشة قانون الأسرة مرة أخرى، ولن تبقى تركيا دون رد على العداء للإسلام».

استغلال الأزمة الاقتصادية

واستغلت الحملات المناهضة للسوريين والعرب والأجانب الوضع الاقتصادي في تركيا عبر تحميلهم المسؤولية عن البطالة في العديد من القطاعات لقبولهم العمل بأجور متدنية ومن دون تأمينات صحية أو اجتماعية، فضلاً عن استفادة اللاجئين السوريين من الدعم المالي وخدمات صحية «لا يحصل عليها الأتراك إلا بمقابل كبير»، وزيادة إيجارات المساكن وغلاء الأسعار والتضخم.

لاجئون سوريون مقيمون في كهرمان مرعش وهاتاي يعودون إلى سوريا في إطار مشروع «العودة الطوعية»، يونيو 2023 (غيتي)

وبدأت حملات الكراهية والتحريض باستهداف السوريين أولاً، وباتت واضحة بشكل كبير بعد إطلاق تركيا عملياتها العسكرية في شمال سوريا عام 2016، لينالوا النصيب الأكبر من الاعتداءات اللفظية والجسدية، قبل أن تتطور الحملة لتشمل مختلف الجنسيات العربية، حتى السائحين.

وجاء السوريون أولاً لأنهم يشكلون الكتلة الكبرى من اللاجئين العرب في تركيا، التي استقبلتهم قبل لاجئين فلسطينيين وعراقيين، ثم يمنيين وتونسيين وليبيين ومصريين بعد انتفاضات ما يسمى «الربيع العربي»، لكن الحملات الانتخابية للمعارضة أولتهم النصيب الأكبر من الخطابات العدائية، وحملتهم المسؤولية عن ارتفاع معدلات الجريمة والبطالة، بينما توضح إحصائيات وزارة الداخلية أن نسبة المتورطين في الجرائم من السوريين لم تتجاوز 1.3 في المائة.

ويوجد في تركيا، بحسب الإحصاءات الرسمية الأخيرة، نحو 3.4 مليون سوري حاصلين على بطاقات الحماية المؤقتة (كيمليك)، كما حصل نحو 230 ألفاً على جنسيات استثنائية، وإن كانت المعارضة تقول إن الرقم أعلى بكثير.

ودفعت تلك الحملات قطاعاً عريضاً من الشعب التركي إلى الاعتقاد بأن الأزمة الاقتصادية في بلادهم هي نتيجة مترتبة على الأعداد الكبيرة للاجئين السوريين والعرب والأفغان وغيرهم من الأجانب المقيمين في البلاد. واللافت أن الاعتداءات لم توجه إلى غير العرب، كما أنه يسود اعتقاد لدى كثيرين بأن كل من يتحدث العربية هو سوري، ولذلك فإن أي عربي في تركيا الآن بات هدفاً محتملاً إن لم يكن للاعتداء الجسدي، فللاعتداء اللفظي.

مهاجر سوري يطلّ من سياج حدودي مع سوريا في شانلي أورفا، مايو 2023 (غيتي)

وتقول نوران أوزدمير، مواطنة تركية في العقد الخامس من عمرها، لـ«الشرق الأوسط»، «إنهم (العرب) يأتون إلى هنا يأخذون الوظائف التي لا يحصل عليها شبابنا، ويحظون برعاية صحية ربما لا تتوفر لنا.؟. العرب لم يكونوا يوماً عوناً لنا... يجب أن يرحلوا... لا نريدهم في بلادنا... لدينا ما يكفينا... لقد كنا في وضع أفضل كثيراً قبل مجيئهم إلى هنا». وأضافت: «شبابنا يقتل في الحرب في سوريا، بينما السوريون هنا يتجولون في الشوارع وعلى الشواطئ ويعيشون أفضل منا ويحصلون على مختلف أنواع الدعم».

العربي بات هدفاً

لفت مضر أحمد، وهو لاجئ سوري يقيم في إسطنبول منذ اندلاع الحرب الداخلية في بلاده، إلى أن الوضع أصبح صعباً جداً، «أصبحنا نخشى الخروج من بيوتنا، فقد أصبح العرب عموماً، والسوريون خصوصاً، هدفاً للعنصرية إلى حد أنهم يعجزون الآن عن استئجار منزل ليسكنوا فيه لرفض الأتراك تأجير البيوت لهم». وأضاف أن «العنصرية ضدنا، نحن السوريين، ليست وليدة الانتخابات. فمنذ سنوات ونحن نتعرض للتهديدات وتشويه السمعة، فضلاً عن اتهامات السياسيين لنا بالمسؤولية عن ارتفاع معدلات الجريمة، وعن الأزمة الاقتصادية. والأسوأ أن غالبية الأتراك باتوا يصدقون ذلك، وبات جميع العرب الآن عرضة للاعتداءات الجسدية واللفظية، ما ينذر بالأسوأ».

جانب من إعلان وزير الداخلية التركي السابق سليمان صويلو إطلاق مشروع «العودة الطوعية» في جرابلس، مايو 2023 (غيتي)

لم يختلف الأمر بالنسبة للطالب الجامعي العراقي الذي يدرس بجامعة إسطنبول، علي هاشم، الذي قال إنه نصح زملاءه العرب بعدم التحدث بالعربية في الأماكن العامة، خصوصاً في وسائل النقل العام، مؤكداً أن الوضع بات صعباً وأنه أصبح يشعر بالعداء تجاهه إذا تحدث العربية فضلاً عن أنه لا يشبه الأتراك. وكشف عن أنه تعرض للاعتداء الجسدي داخل أحد محال البقالة، حيث رفض البائع أن يعطيه احتياجاته عندما اكتشف أنه عربي، قائلاً إنه لا يبيع للسوريين، ورفض الاستماع إليه عندما قال له إنه ليس سورياً وليس لاجئاً، وهدده بأن يطلب له الشرطة لترحيله إلى سوريا. وأضاف أن مجموعة من الشباب كانوا خارج المحل وعندما سمعوا نقاشه مع البائع دخلوا إلى المحل وبدأوا الاعتداء عليه بالضرب، ولم ينقذه سوى صراخ امرأة كانت تشتري بعض احتياجاتها وتعاطفت معه. وأكد أنه بات يخشى الخروج من المنزل، أو الذهاب إلى الجامعة أو دعوة أصدقائه لزيارته حتى لا يتعرضوا للاعتداء مثله.

«عمل ممنهج»

أكّد رئيس تجمع المحامين السوريين الأحرار في تركيا، غزوان قرنفل، لـ«الشرق الأوسط»، أنه لم يعد هناك أمان للاجئين السوريين في تركيا، الذين بدأ بهم التيار العنصري، ثمّ اتجه إلى العرب بعد ذلك، موضحاً أن الخطاب العنصري ضد اللاجئين الذي سبق العملية الانتخابية هو جزء من خطاب قطاع عريض من الشعب التركي، أدى بالنهاية إلى سقوط قتلى وجرحى. وأكد أن ما يحدث الآن لا يمكن أن يكون صدفة، كما لا يمكن وضعه في إطار الحوادث الفردية، «فهذا عمل منظم وممنهج يكشف عنه حجم العمل على منصات التواصل الاجتماعي، خاصة (إكس) ضد السوريين والعرب». وتابع أن «الاحتكاكات والجرائم التي وصلت إلى القتل لا يمكن أن نقول إنها عمل غير ممنهج، فلولا التعبئة والخطاب التحريضي عبر وسائل التواصل الاجتماعي ما شهدنا الجرائم التي بدأت تتزايد خلال الفترة الأخيرة، ويكفي القول إنه خلال الأسبوع الأخير فقط قُتل 3 سوريين في كونيا وإزمير من دون سبب».

استغلت الحملات المناهضة للسوريين والعرب والأجانب الوضع الاقتصادي في تركيا عبر تحميلهم المسؤولية عن البطالة (أ.ب)

ولفت قرنفل إلى غياب إحصاءات دقيقة عن عدد الحالات التي تتعرض للجرائم العنصرية، لكن على مدى ما يقرب من 10 سنوات، قُتل ما بين 20 و30 سورياً في جرائم عنصرية، وغالبية السوريين وغيرهم ممن يتعرضون لهذه الحوادث لا يبلغون الشرطة، إما بسبب أنهم يخشون أن يلقوا معاملة سيئة أو لأنه لن يعتد بشكاواهم، مضيفاً: «لذلك أنصح السوريين وكل من يتعرض لهذه الاعتداءات بالتوجه إلى النيابة العامة، وليس لمراكز الشرطة».

ونبّه إلى أن المسألة تجاوزت الحدود، ولا يمكن وضعها في إطار التصرفات الفردية، لافتاً إلى أن هذا نذير خطر ليس على السوريين ولا العرب والأجانب فقط ولكن على شريحة من الأتراك المحافظين. ورأى قرنفل أن «الدولة نفسها انتبهت إلى ذلك، وحذر الرئيس التركي مَن يروجون للخطابات العنصرية ضد اللاجئين والمهاجرين وضد المحافظين، خاصة النساء اللاتي يرتدين الحجاب، بأنه لن يتم السكوت عن أي تصرف وسيواجه بالقانون». وشدد قرنفل على أنه يجب على الدولة أن تقوم بدورها الآن على الفور، لأن وظيفتها توفير الأمن والأمان للناس سواء من المواطنين أو المقيمين أو اللاجئين ويتعين مساءلتها على التقصير في هذا الواجب.

ونبه المحامي إلى أن هناك تياراً عنصرياً «متأصلاً وله جذوره في المجتمع التركي». وقال إنه يختلف مع مَن يقولون إن السياسي القومي المتعصب، أوميت أوزداغ، هو من زرع شجرة العنصرية في تركيا، ورأى أن «جذور هذه الشجرة كانت موجودة وهو من قام بريها حتى تترعرع من جديد».

غياب الإحصاءات الدقيقة

بحسب مصدر أمني، تحدث لـ«الشرق الأوسط» شريطة عدم الإفصاح عن اسمه، تأخذ غالبية الحوادث طابع الشجار بين الجيران أو في المطاعم أو المراكز التجارية أو الاحتكاك اللفظي في وسائل النقل والمواصلات العامة، وتنتهي غالباً قبل الوصول إلى مراكز الشرطة، أو بتنازل أطرافها عن الشكاوى. وقال إن ما تم رصده من شجار أو اعتداءات كان اللاجئون السوريون أو العرب بشكل عام طرفاً فيها منذ عام 2020 لا تزيد على 100 حادثة، لافتاً إلى أن الأشهر الأخيرة شهدت تسليطاً للضوء على هذه الحوادث عبر وسائل التواصل الاجتماعي داخل تركيا وخارجها بشكل مثير للقلق، «ومبالغ فيه في كثير من الأحيان»، على حد قوله.

وشدد على أن أجهزة الأمن التركية تتدخل في أي حادثة، سواء ما يقع في الشوارع من مشاجرات أو التي يتم الإبلاغ عنها أو التي تتداول عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أو بأي طريقة للنشر، فضلاً عن تتبع الحسابات التي تحرض على الكراهية ضد الأجانب أو بعض فئات الشعب التركي وتوقيف المسؤولين عنها وحظر تلك الحسابات بالطرق القانونية.

إجراءات عاجلة

وعلى الرغم من أن الحوادث، التي توصف بالعنصرية، ترتبط بأسباب سياسية واجتماعية واقتصادية، تواجه الحكومة انتقادات حادة بسبب «عدم الحزم والصرامة» تجاه العنصرية، وأن الأمر لا يخرج عن إطار التصريحات.

وفي مواجهة تلك الانتقادات وبعد تعدد سلسلة الحوادث التي استهدفت السياح العرب، أصدر مكتب المدعي العام في العاصمة أنقرة أمراً بتوقيف 27 مشتبهاً بهم في 14 ولاية تركية، بتهم تحريض الجمهور علناً على الكراهية والعداء، ونشر معلومات مضللة من خلال «خطاب كراهية» يستخدم عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وأطلقت النيابة العامة تحقيقاً ضد المشتبه بهم في الجرائم المنصوص عليها بموجب المادة 5237 من قانون العقوبات التركي.

وفي إطار التحقيقات، صدرت أوامر بتوقيف 27 مشتبهاً في ولايات أنقرة، وهطاي، وأنطاليا، وسامسون، وكهرمان ماراش، وسكاريا، وإزمير، وشانلي أورفا، وتوكات، وسيرت، وأدرنه، وبورصة، وكونيا وإسطنبول. كما أوقفت السلطات التركية الصحافي باطوهان تشولاك رئيس تحرير موقع «آيكيري» المعروف بمناهضته لوجود اللاجئين السوريين والأجانب في تركيا.

وهاجم رئيس حزب «النصر» القومي المعارض، أوميت أوزداغ، المعروف بعدائه وعنصريته تجاه اللاجئين السوريين والأجانب في تركيا، قرار القبض على الصحافي.

وجاء القبض على تشولاك بعد يومين من توقيف رؤوف كوسا، مؤسس حساب «حركة الدفاع» القومية العنصرية، التي أعلنت أنها ستستهدف الأجانب في جميع أنحاء تركيا ابتداءً من أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، ما لم تتحرك الحكومة لإنهاء «احتلالهم للبلاد».

وقادت «حركة الدفاع»، مسيرة مضادة لتجمع مناهض للعنصرية نظمته جمعية «أوزغور دار» (الحرية) في إسطنبول السبت الماضي. ونظم كوسا حملة ضد اللاجئين السوريين والمهاجرين الذين يدخلون تركيا بطريقة غير شرعية. وحجبت السلطات التركية حسابات الحركة على منصات التواصل الاجتماعي.

تضخيم «متعمد»؟

يعتقد رئيس المنظمة الدولية للتعاون العربي - التركي، مستشار الرئيس التركي السابق لشؤون الشرق الأوسط أرشد هورموزلو، أن الحوادث الأخيرة، ولا سيما الاعتداء على السائح الكويتي، أخذت حيزاً أكبر بكثير في العالم العربي، وتم تصويرها على أنها جريمة عنصرية على الرغم من طبيعتها الفردية، حيث يقع آلاف الحوادث المماثلة في العالم يومياً. وتابع أن هذه الحوادث لا تشكل نسبة تذكر في بلد عدد سكانه 86 مليون نسمة، ويزوره أكثر من 50 مليون سائح سنوياً.

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان لدى إلقائه خطاباً في أنقرة (د.ب.أ)

وقال هورموزلو إن «نحو 200 ألف سائح كويتي يزورون تركيا سنوياً، وعلى مدى 10 سنوات لم نسمع إلا عن 3 حوادث فقط تعرض لها السياح الكويتيون، ما يعني أنها نسبة لا تذكر بالمقارنة بمليوني سائح حلّوا ضيوفاً على تركيا في تلك السنوات». وتابع هورموزلو، في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «أتصور أنه قد يكون هناك من يستغل هذا الوضع في الوقت الراهن بالذات، الذي يحدث فيه تقارب تركي-عربي، لأن مثل هذه المشاجرات تقع كل يوم تقريباً وتتم تسويتها بالاعتذار أو محاسبة المتورطين». وأضاف أنه لا ينفي أن هناك تياراً عنصرياً في تركيا، لكنه تساءل: «ماذا ربح هؤلاء في الانتخابات الأخيرة؟ لم تتجاوز نسبة الأصوات التي حصلوا عليها مجتمعين نسبة 1 في المائة».

ودعا هورموزلو وسائل الإعلام التركية والعربية إلى التحلي بالمنطق والحكمة والعقلانية في التعامل مع مثل هذه الحوادث، والابتعاد عن وصفها بالعنصرية وإثارة النعرات العرقية أو تحميل بعض الحوادث «أكثر مما لا تحتمل وإهدار الجهود التي تبذل لتعزيز العلاقات بين الجانبين العربي والتركي».

وعن اللوم الموجه للحكومة التركية بعدم الصرامة في مواجهة العنصرية، أوضح هورموزلو أن الحكومة التركية عليها مسؤوليات بالطبع تجاه توفير الأمن والأمان وحرية الحياة للسياح، معتبراً الحديث عن سنّ قانون لمكافحة العنصرية «أمراً غريباً»، لأن الدستور التركي يلزم السلطات بكفالة الأمن والأمان لكل شخص موجود على الأراضي التركية.

جذور العنصرية

ربما لا يعرف كثيرون خارج تركيا مصطلح «التركي الأبيض والتركي الأسود» الذي يعد أحد جذور العنصرية في البلاد، التي تفوق العنصرية التي ظهرت ضد العرب والأجانب.

وصدرت دراسات كثيرة داخل تركيا وخارجها حول الأتراك البيض والسود، منها دراسة للأكاديمية التركية سيدا دمير ألب أشارت فيها، عام 2012، إلى أن المجتمع التركي المعاصر منشطر منذ تأسيس الجمهورية عام 1923 إلى «أتراك بيض وأتراك سود». وذكرت أن بعضاً من النخب التي تميل للغرب في تركيا، والتي تعرف بـ«الأتراك البيض»، تتمسك بالاستئثار بالسلطة والثروة وتراه أمراً طبيعياً لا يجوز الاعتراض عليه، وتتعامل مع مجتمع الأناضول المحافظ باستعلاء.

مظاهرة في إسطنبول للتضامن مع حركة «حياة السود مهمة» والتنديد بالعنصرية وعنف الشرطة، يونيو 2020 (غيتي)

وبحسب الكاتب التركي، رئيس تحرير وكالة «الأناضول» السابق كمال أوزتورك، يجتهد «الأتراك البيض» في إظهار أنفسهم بمظهر متميز عن مجتمعهم سواء في نمط الحياة والمظهر أو حتى طريقة الحديث، و«كأنهم يعيشون في كانتون سويسري»، ويرتبطون وجدانياً بأوروبا ويعتقدون أنهم طبقة «متحضرة»، وأن أبناء المجتمع المحافظ العريض في الأناضول «همج أو بربر».

ويتركز «الأتراك البيض» في منطقة غرب تركيا وعلى سواحلها، ويدعمون قوة الجيش ويدافعون عن الارتباط بالغرب، بينما يشكّل مجتمع الأناضول في وسط البلاد غالبية الشعب التركي المحافظ.

وتطرق إردوغان لهذه القضية خلال حملة حزبه للانتخابات البرلمانية عام 2015، مخاطباً حشداً من أنصاره بالقول: «الأتراك البيض يصفونكم ويصفوننا بأننا زنوج تركيا. وأنا فخور بأنني زنجي تركي». وأضاف: «في هذا البلد يوجد تمييز بين الأتراك البيض والأتراك السود، أخوكم طيب (إردوغان) ينتمي إلى الأتراك السود... ولا يميز بين الأتراك والعرب أو الأكراد أو اللاز أو أي مواطن على أساس العرق».

أساليب المواجهة

عبّر خبراء وأكاديميون أتراك عن اعتقادهم بأن بعض سياسات الحكومة قد يكون لها دور في تشكيل سياق العنصرية والتمييز ضد اللاجئين والمهاجرين، كونها سياسات نابعة من قلة الخبرة العملية للدولة التركية في التعامل مع اللاجئين مقارنة مع دول أخرى، مثل ألمانيا التي يشكل الأتراك أكبر نسبة من المهاجرين إليها ويفوق عددهم 3 ملايين، أو بريطانيا، وهو ما أدى إلى الخلل في احتواء العدد الكبير من اللاجئين والأجانب الذي وصل إلى 5 ملايين شخص.

دمية «أمل الصغيرة» تتوقف في إزمير في طريقها إلى المملكة المتحدة للتوعية بمعاناة الأطفال اللاجئين، أغسطس 2021 (غيتي)

واستحدثت تركيا إدارة الهجرة التي حلّت محل شعبة الأجانب في مديريات الأمن منذ عام 2015، لكنها بحاجة إلى المزيد من الخبرة في التعامل مع أعباء اللاجئين والمهاجرين وإدماجهم في المجتمع التركي المنقسم إلى طبقة متعاطفة ترحب بالمهاجرين وتنفتح عليهم، وأخرى رافضة لوجودهم بتعصب.

ويبدو التعامل مع تحديات الاقتصاد من العوامل التي تؤثّر في النسق الاجتماعي والسياسي، ما يؤدي إلى تصاعد العنصرية والتمييز ضد اللاجئين والمهاجرين، خاصة العرب، الذين يرفضهم جزء كبير من العلمانيين في تركيا.

وبحسب دراسات أكاديمية حول اللجوء والهجرة في تركيا، تلعب وسائل الإعلام دوراً حاسماً في تشكيل الرأي العام وتوجيه انطباعات الجمهور حول مختلف القضايا، ومنها تعميق العنصرية ضد اللاجئين من خلال تضخيم الحوادث السلبية وبث الخوف والقلق في المجتمع، على الرغم من أن ما يقرب من 50 في المائة من الأتراك ليست لديهم ميول متحيزة.

البحث عن «الخط الأحمر»

ويسود اعتقاد بأن الحكومة التركية لا ترى في الحملات المناهضة للأجانب خطراً كبيراً على الأمن القومي، أو تتساهل معها لأن مَن يقومون بها مواطنون أتراك.

ورأى رئيس اتحاد المحامين السوريين الأحرار، غزوان قرنفل، أن اللاجئين هم من يدفعون ثمن أي تقصير في مكافحة العنصرية، ويتم ترحيلهم نتيجة خطأ بسيط يرتكبونه أو حتى من دون أي خطأ، كما أن تحول مشروع «العودة بشكل طوعي» إلى «عمليات ترحيل قسري»، مؤخراً، ما هو إلا إحدى نتائج حملات التحريض ضد اللاجئين والمهاجرين.

طفل سوري مهاجر يجمع قطعاً من البلاستيك بجوار مبانٍ متضررة من زلزال مدمر في كهرمان مرعش في مايو 2023 (إ.ب.أ)

وأكد مدير مركز دراسات الهجرة بجامعة «كوتش» الدكتور أحمد إيتشدويغو، أن «ردود الفعل والمخاوف في المجتمع كانت مفهومة جزئياً، أما الآن فنحن بحاجة إلى خط أحمر، فلا ينبغي أن يصل رد الفعل إلى مستوى كراهية الأجانب والعنصرية». ولفت إلى أن معظم الأتراك الذين ذهبوا إلى ألمانيا بوصفهم «عمالاً ضيوفاً» في الستينات لم يعودوا إلى تركيا، وعلى الرغم من أن شكل الهجرة كان مختلفاً، فإن الأتراك كانوا أيضاً ضيوفاً في ألمانيا، لكنهم بقوا في ألمانيا وأصبح منهم اليوم نواب بالبرلمان ووزراء في الحكومة، ولم يكن أحد يفكر في هذا قبل 50 عاماً. وأضاف: «بالمنطق ذاته، نحن نرى السوريين الآن ضيوفاً، والحكومة الآن لا تستطيع إدارة الهجرة بشكل جيد، كما أن أحزاب المعارضة، التي تستخدم هذه القضية مادة سياسية، لا يمكنها تقديم استراتيجيات ملموسة للجمهور حول كيفية إدارة المشكلة بشكل أفضل من الحكومة».

وتابع إيتشدويغو أن قضية الهجرة هي قضية مسيّسة في كل بلد يستقبل المهاجرين، وأن السياسيين الشعبويين يصنعون السياسة على أساس اهتمامات المجتمع.

وشدد على أن تعليم الأطفال السوريين المولودين في تركيا واندماجهم مع أسرهم ومجتمعهم، له أهمية كبيرة، وأن هناك 3 خيارات فيما يتعلق بالسوريين، ويجب على صناع السياسات شرحها بوضوح للمجتمع التركي، وكذلك المجتمع الدولي. وأوضح أن هذه الخيارات تتمثل في توضيح أن بعض السوريين الذين يعيشون في تركيا منذ 12 عاماً قد يرغبون في الاستمرار في الإقامة فيها، كما في حالة «العمال الضيوف» الذين توجهوا من تركيا إلى ألمانيا، ولهذا السبب ينبغي التركيز على مسألة الاندماج.

أما الخيار الثاني، بحسب الأكاديمي التركي، فيتمثل في أن ربع السوريين يريدون الذهاب إلى بلدان أخرى. وأضاف أن عودة السوريين إلى بلادهم تعد الخيار الثالث، لكنها تعتمد على شروط معينة. وخلص إلى أنه يجب العمل على تهيئة المجتمع التركي لتقبل فكرة التنوع وعدم الانسياق وراء الحملات التحريضية، وأن يتعود الناس على ألا يكرهوا رؤية العربي مثلما لا يكرهون رؤية الأوروبي أو الأميركي، وتذكيرهم بحالة «العمال الأتراك الضيوف» في ألمانيا.


مقالات ذات صلة

«الاستئناف» تؤيد عقوبة فيفا ضد المنتخب الإسباني بسبب «الهتافات العنصرية»

رياضة عالمية فيفا تمسك بعقوبته ضد المنتخب الإسباني (الشرق الأوسط)

«الاستئناف» تؤيد عقوبة فيفا ضد المنتخب الإسباني بسبب «الهتافات العنصرية»

رفضت لجنة الاستئناف التابعة للاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» الاستئناف المقدم من الاتحاد الإسباني ضد عقوبة صدرت بحق المنتخب على خلفية هتافات عنصرية.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
رياضة عالمية دونالد ترمب (أ.ب)

ترمب يشعل الجدل: ليبرون قد يكون عنصرياً… وأفضل لاعب هو جوردان

أثار الرئيس الأميركي دونالد ترمب جدلاً جديداً بعدما وصف نجم كرة السلة ليبرون جيمس بأنه «قد يكون عنصرياً»

The Athletic (واشنطن)
الولايات المتحدة​ خلال فعالية دينية لليهود بالقرب من البيت الأبيض بالعاصمة الأميركية واشنطن... 14 ديسمبر 2025 (أ.ب)

استطلاع: عدد كبير من يهود أميركا تعرّضوا لاعتداءات العام الماضي

أظهر استطلاع رأي جديد أن كثيراً من اليهود الأميركيين البالغين تعرّضوا لاعتداءات أو تحرّش خلال العام الماضي، وأن كثيرين منهم يشعرون بقدر أقل من الأمان.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
رياضة عالمية آي شو سبيد معروف يعشقه لكرة القدم (أ.ب)

«فيفا» يحقق في مزاعم إساءة عنصرية بحق «آي شو سبيد»

فتح الاتحاد الدولي لكرة القدم تحقيقاً بشأن مزاعم تعرض صانع المحتوى الأميركي، آي شو سبيد، لإساءة عنصرية من أحد المشجعين، خلال مباراة الأرجنتين والرأس الأخضر.

The Athletic (أتلانتا)
رياضة عالمية قائد المنتخب الفرنسي كيليان مبابي (أ.ف.ب)

الأمم المتحدة تساند مبابي بعد التصريحات «المشينة» بحقه

أعربت المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، الثلاثاء، عن دعمها لقائد المنتخب الفرنسي كيليان مبابي.

«الشرق الأوسط» (جنيف)

انتخابات إسرائيل... أحزاب صغيرة قد تملك مفاتيح الحكومة المقبلة

لوحة إعلانية لحملة حزب الليكود تظهر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى جانب قادة أحزاب المعارضة وتحمل شعاراً باللغة العبرية يقول «اليمين أم فلسطين» (أ.ب)
لوحة إعلانية لحملة حزب الليكود تظهر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى جانب قادة أحزاب المعارضة وتحمل شعاراً باللغة العبرية يقول «اليمين أم فلسطين» (أ.ب)
TT

انتخابات إسرائيل... أحزاب صغيرة قد تملك مفاتيح الحكومة المقبلة

لوحة إعلانية لحملة حزب الليكود تظهر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى جانب قادة أحزاب المعارضة وتحمل شعاراً باللغة العبرية يقول «اليمين أم فلسطين» (أ.ب)
لوحة إعلانية لحملة حزب الليكود تظهر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى جانب قادة أحزاب المعارضة وتحمل شعاراً باللغة العبرية يقول «اليمين أم فلسطين» (أ.ب)

لا يتوقف حسم الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر (تشرين الأول) على الحزب الذي سيحصل على أكبر عدد من الأصوات فحسب، بل على قدرة كل معسكر على جمع أغلبية برلمانية تتيح له تشكيل الحكومة.

وفي ظل المنافسة بين رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ومنافسه غادي آيزينكوت، تبرز الأحزاب الصغيرة بوصفها عاملاً مؤثراً في حسابات ما بعد الاقتراع، في حين قد تؤدي نتائج الأحزاب القريبة من العتبة الانتخابية دوراً حاسماً في تحديد توازن القوى داخل الكنيست.

وحسب وكالة «أسوشييتد برس»، تمثل الانتخابات اختباراً لقيادة نتنياهو وطريقة تعامله مع هجوم 7 أكتوبر 2023 والحروب التي تلته.

لكن التحدي لا يقتصر على الفوز الانتخابي؛ إذ يتعين على الأحزاب التفاوض لتشكيل ائتلاف قادر على تأمين أغلبية في البرلمان المؤلف من 120 مقعداً.

حملة تلفزيونية يظهر فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ومنافسه الرئيسي مرشح المعارضة غادي آيزنكوت (أ.ب)

61 مقعداً... مفتاح تشكيل الحكومة

تعمل إسرائيل وفق نظام التمثيل النسبي؛ إذ يصوّت الناخبون للقوائم الحزبية، ثم تتفاوض الأحزاب على تشكيل ائتلاف حكومي. ووفقاً لـ«أسوشييتد برس»، لم يتمكن أي حزب في تاريخ إسرائيل من الحصول منفرداً على أغلبية مقاعد الكنيست؛ ما يجعل التحالفات ضرورة لتشكيل الحكومات.

ويشترط القانون الإسرائيلي حصول كل حزب على 3.25 في المائة على الأقل من الأصوات كي يتمكن من دخول الكنيست والفوز بمقاعد فيه. وبعد إعلان النتائج، يحتاج أي معسكر إلى تأمين دعم 61 نائباً على الأقل لتشكيل حكومة تحظى بالأغلبية البرلمانية.

وفي تحليل نشره موقع «تايمز أوف إسرائيل»، نقل الموقع عن استطلاعات رأي أن كلاً من معسكر نتنياهو والمعسكر المعارض بقيادة آيزينكوت يواجه صعوبة في الوصول إلى عتبة الـ61 مقعداً.

ولفت إلى أن بعض الأحزاب اليمينية تخوض الانتخابات وهي قريبة من العتبة الانتخابية؛ ما يثير احتمال خسارة أصواتها التمثيل البرلماني إذا لم تتجاوزها.

ويعني ذلك أن حزباً صغيراً قد لا يحتاج إلى الفوز بعدد كبير من المقاعد كي يصبح مؤثراً؛ فقد يتوقف عليه استكمال الأغلبية، أو يؤدي إخفاقه في دخول البرلمان إلى إضعاف المعسكر الذي كان يُفترض أن يدعمه.

إيتمار بن غفير وزير الأمن القومي الإسرائيلي وزعيم حزب «عوتسما يهوديت» (إ.ب.أ)

حلفاء نتنياهو أمام اختبار العتبة الانتخابية

يواجه معسكر نتنياهو تحدياً يتمثل في تعدد الأحزاب اليمينية التي تخوض الانتخابات بصورة منفصلة. وذكر «تايمز أوف إسرائيل»، أن حزب «الصهيونية الدينية» بقيادة بتسلئيل سموتريتش وحزب «عوتسما يهوديت» بقيادة إيتمار بن غفير لم يخوضا الانتخابات على قائمة مشتركة، كما بقي حزب «أمخا يسرائيل» بقيادة الضابط السابق أوفير فينتر خارج هذا التحالف.

ملصقات لحملة انتخابية تظهِر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير (أ.ب)

وحسب التقرير، فإن اقتراب بعض هذه الأحزاب من العتبة الانتخابية يجعل نتائجها ذات أهمية تتجاوز حجمها المتوقع؛ إذ إن عدم دخول أحدها الكنيست قد يحرم معسكر نتنياهو من مقاعد كان يمكن أن تساعده في بناء ائتلاف حاكم.

وفي المقابل، لا يعني تجاوز هذه الأحزاب العتبة ضمان تشكيل حكومة؛ لأن الأمر يتوقف أيضاً على مجموع المقاعد التي يحصدها المعسكر بأكمله، وعلى قدرته على التوصل إلى اتفاقات مع شركائه المحتملين.

الأحزاب الحريدية... مطالب دينية

تُعدّ الأحزاب الحريدية (الأحزاب التي تمثل اليهود المتشددين)، وفي مقدمتها «شاس» و«يهدوت هتوراه»، من القوى التي يمكن أن تؤثر في مفاوضات تشكيل الحكومة. وتقول «أسوشييتد برس» إن الحزبين يعارضان إخفاق نتنياهو في إقرار قانون يضمن إعفاءات من الخدمة العسكرية لليهود المتشددين؛ وهو ملف أثار خلافات سياسية في إسرائيل.

وتشير الوكالة إلى أن هذه الأحزاب ركزت كذلك على الخدمات الاجتماعية والتعليمية المقدمة إلى مجتمعاتها. وقد تصبح هذه الملفات جزءاً من المساومات على تشكيل الحكومة، إذا احتاج أي من المعسكرين (المعسكر الذي يقوده نتنياهو والمعسكر المعارض له) إلى دعمها لضمان الأغلبية.

لكن الشراكة مع الأحزاب الحريدية قد تطرح تحديات أمام بعض القوى المعارضة، ولا سيما تلك التي تضع إنهاء الإعفاءات الواسعة من الخدمة العسكرية ضمن أولوياتها. لذلك؛ لا تقتصر المفاوضات على الاتفاق على هوية رئيس الوزراء، بل تشمل أيضاً التوصل إلى تفاهم بشأن القضايا التي قد تهدد تماسك الائتلاف.

رجل من التيار الأرثوذكسي المتشدد يمر بجانب لوحة إعلانية انتخابية لوزير الأمن القومي وزعيم حزب «عوتسما يهوديت» إيتمار بن غفير (إ.ب.أ)

وقد يشكّل ملف تجنيد الحريديم (اليهود المتشددين) عقبة أمام تشكيل الحكومة، في ظل الخلاف بشأن إعفاء طلاب المعاهد الدينية من الخدمة العسكرية.

وقد تعهّد عدد من قادة المعارضة بإنهاء الإعفاءات الواسعة إذا تولوا الحكم، في حين أفادت صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» بأن حزب «شاس» ربط مشاركته في الحكومة المقبلة بإقرار قانون يحافظ على هذه الإعفاءات.

الأحزاب العربية... مشاركة تتأثر بالتهميش

إلى ذلك، تحتل الأحزاب العربية موقعاً حساساً في حسابات تشكيل الحكومة، خصوصاً إذا جاءت النتائج متقاربة بين المعسكرين الرئيسيين. وذكرت «أسوشييتد برس» أن المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل يمثلون نحو 20 في المائة من السكان، لكنها أشارت إلى أن المشاركة الانتخابية بينهم تتأثر بالتهميش وخيبة الأمل من السياسات القائمة.

وأضافت الوكالة أن نتنياهو ومنافسيه الرئيسيين أعلنوا رفضهم المشاركة في ائتلاف حكومي مع أحزاب عربية؛ خشية خسارة دعم ناخبين من اليمين. ومع ذلك، لفتت إلى أن تقارب النتائج قد يدفع الأطراف إلى إعادة النظر في بعض مواقفها، بما يمنح الأحزاب العربية فرصة للتأثير في اختيار رئيس الوزراء المقبل.

المعارضة أمام تحدي توحيد صفوفها

ولا تواجه الأحزاب المعارضة مشكلة منافسة نتنياهو فحسب، بل تحتاج أيضاً إلى تجاوز اختلافاتها السياسية وتوحيد صفوفها وبرامجها لضمان تشكيل حكومة بديلة. وتشمل هذه القوى أحزاباً وسطية ويسارية وأخرى ذات توجهات أمنية متشددة؛ ما يجعل الاتفاق على برنامج مشترك وتوزيع الحقائب الوزارية اختباراً بحد ذاته.

رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق والمرشح للكنيست نفتالي بنيت خلال حملته الانتخابية في القدس (إ.ب.أ)

ووفقاً لـ«أسوشييتد برس»، يقود آيزينكوت حزب «ياشار»، في حين يضم حزب «معاً» تحالفاً بين نفتالي بنيت ويائير لابيد. وتتنافس هذه القوى مع أحزاب أخرى، بينها «إسرائيل بيتنا» بقيادة أفيغدور ليبرمان وحزب «الديمقراطيون» بقيادة يائير غولان.

وأشار تقرير لصحيفة «تايمز أوف إسرائيل» في هذا المجال، إلى أن استطلاعات الرأي لا تمنح أياً من المعسكرين مساراً واضحاً إلى الأغلبية. ويعني ذلك أن المعارضة قد تحتاج إلى تفاهمات تتجاوز التنسيق الانتخابي، لتشمل الاتفاق على القضايا الخلافية وتوزيع المسؤوليات داخل الحكومة.

لوحة دعائية انتخابية لحزب «الديمقراطيين» تظهر زعيم الحزب يائير غولان إلى جانب صورة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ب)

ماذا لو فشل المعسكران في جمع الأغلبية؟

إذا لم يتمكن أي من المعسكرين من تأمين 61 مقعداً، فقد تدخل إسرائيل مرحلة مفاوضات معقدة لتشكيل حكومة، أو تواجه احتمال استمرار المأزق السياسي. ووفقاً لوكالة «رويترز»، فإن النظام الحزبي المجزأ يمنح الأحزاب الصغيرة نفوذاً في تحديد هوية رئيس الوزراء، لكنه يجعل الحكومات عرضة للخلافات بين الشركاء.

وتوضح الوكالة أن الحكومات الإسرائيلية اعتمدت مراراً على ائتلافات متعددة الأحزاب، وأن الخلافات بشأن قضايا الدين والدولة والخدمة العسكرية يمكن أن تؤثر في استمراريتها. لذلك؛ لا يُقاس نجاح أي معسكر بعدد المقاعد وحده، بل بقدرته على الحفاظ على اتفاق سياسي قابل للاستمرار.

ماذا يحدث إذا فشلت الأحزاب في تشكيل الحكومة؟

ولا يعني تعثر المفاوضات بشأن تشكيل الحكومة الإسرائيلية حدوث فراغ حكومي؛ إذ تواصل الحكومة القائمة (أي حكومة نتنياهو) أداء مهامها إلى حين تشكيل حكومة جديدة. لكن فشل الأحزاب في التوصل إلى اتفاق ائتلافي قد يطيل المرحلة الانتقالية ويؤخر تنفيذ السياسات والوعود الانتخابية، في ظل استمرار الخلافات بشأن توزيع الحقائب الوزارية والأولويات السياسية.

وبموجب القانون الإسرائيلي، يُمنح الشخص المكلّف بتشكيل الحكومة مهلة أولية مدتها 28 يوماً، يمكن تمديدها بما يصل إلى 14 يوماً. وإذا أخفق في مهمته، يمكن تكليف مرشح آخر بالمحاولة. أما إذا فشلت محاولات تشكيل الحكومة، فقد ينتهي المسار إلى حل الكنيست والدعوة إلى انتخابات جديدة؛ ما يضع الأحزاب أمام جولة أخرى من التنافس السياسي بدلاً من حسم الصراع على تشكيل الائتلاف.


حرب إيران المؤجلة... من يملك قرار إشعالها؟

مقاتلة أميركية من طراز «إف - 15 إي سترايك إيغل» تتزود بالوقود من طائرة «كيه سي - 135» خلال دورية جوية في سماء الشرق الأوسط (سنتكوم)
مقاتلة أميركية من طراز «إف - 15 إي سترايك إيغل» تتزود بالوقود من طائرة «كيه سي - 135» خلال دورية جوية في سماء الشرق الأوسط (سنتكوم)
TT

حرب إيران المؤجلة... من يملك قرار إشعالها؟

مقاتلة أميركية من طراز «إف - 15 إي سترايك إيغل» تتزود بالوقود من طائرة «كيه سي - 135» خلال دورية جوية في سماء الشرق الأوسط (سنتكوم)
مقاتلة أميركية من طراز «إف - 15 إي سترايك إيغل» تتزود بالوقود من طائرة «كيه سي - 135» خلال دورية جوية في سماء الشرق الأوسط (سنتكوم)

بين استعدادات عسكرية إسرائيلية لضرب إيران، وتحفظ أميركي مرتبط بالانتخابات النصفية، تزداد التساؤلات عمّا إذا كانت المنطقة أمام هدنة تفرضها الحسابات الانتخابية، أم فرصة أخيرة لتسوية سياسية.

وفي حين يتوقع باحث في الشؤون الاستراتيجية مواجهةً واسعةً بحلول نهاية نوفمبر (تشرين الثاني)، يقلل باحثان من تأثير نتائج الانتخابات في قرارات ترمب ونتنياهو، عادين الحسابات الاستراتيجية العامل الحاسم. والسؤال المطروح في واشنطن وتل أبيب لم يعد مقتصراً على احتمال تجدُّد الحرب مع إيران، بل بات يتعلق بتوقيتها وحدودها وأهدافها. فالتقارير عن إعداد إسرائيل حملة قصف واسعة ضد أهداف إيرانية، ثم إرجائها بسبب اعتراض الرئيس دونالد ترمب، تعيد طرح معادلة حساسة: هل تنتظر الحرب انتهاء الانتخابات الأميركية والإسرائيلية، أم أن تأجيلها يعكس تبايناً أعمق حول جدوى التصعيد؟

وبالفعل، تكتسب هذه التساؤلات أهميةً مع اقتراب الانتخابات الأميركية والإسرائيلية، لكن آراء 3 خبراء أميركيين تكشف تبايناً بين التوقعات العسكرية والحسابات السياسية، لكنها تتقاطع عند نقطة أساسية: نتائج الانتخابات وحدها لن تحدد مصير المواجهة.

حرب تنتظر موعدها

كشفت صحيفة «فاينانشال تايمز»، الأربعاء، عن أنَّ نتنياهو أصدر تعليماته للجيش الإسرائيلي بإعداد حملة قصف واسعة ضد إيران، كان مقرراً تنفيذها في 10 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، قبل إلغائها بعد اعتراض ترمب على استئناف العمليات قبل الانتخابات الأميركية.

وبحسب الصحيفة، شملت الخطة استهداف منشآت نووية وبنى تحتية مدنية، إضافة إلى مواقع تابعة للنظام. كما عرض مسؤولون إسرائيليون على وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، خلال زيارته غير المعلنة لإسرائيل الاثنين، قائمةً بالأهداف بالاستناد إلى معلومات استخباراتية جديدة.

وكان موقع «أكسيوس» قد كشف عن أن البنتاغون طلب استكمال الاستعدادات لعمليات عسكرية واسعة، من دون تحديد موعد لتنفيذها. ونقل عن مسؤولين أن هيغسيث وقيادة القوات الأميركية في المنطقة يدفعان باتجاه استئناف الضربات، بينما يفضِّل معظم مستشاري ترمب مواصلة العقوبات والضغوط الاقتصادية.

وتوحي هذه المعطيات بأن الخلاف يتعلق بتوقيت استخدام القوة ومدى الحاجة إليها، أكثر مما يتعلق بالأهداف النهائية. فواشنطن تريد انتزاع تنازلات إيرانية بشأن البرنامج النووي ومضيق «هرمز»، بينما تخشى إسرائيل أن يسمح استمرار المفاوضات لطهران بإعادة بناء قدراتها العسكرية.

سيناريوهات التصعيد

في تقدير أكثر تشاؤماً، يقول فرزين نديمي، الباحث المتخصص في الشؤون العسكرية والأمنية الإيرانية في معهد واشنطن، في حديث مع «الشرق الأوسط»، إن جميع المؤشرات تتجه نحو مواجهة عسكرية كبيرة تشمل الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وربما دولاً إقليمية أخرى، بحلول نهاية نوفمبر.

ومع ذلك، لا يستبعد نديمي نجاح الجهود الدبلوماسية المكثفة لمنع التصعيد، لكنه يرى فرص نجاحها ضئيلة للغاية. ويطرح سيناريو يبدأ بموجة جديدة من عمليات استهداف القيادات ومراكز القيادة والسيطرة، تليها ضربات للمنشآت النووية والصاروخية والدفاعات الجوية، وصولاً إلى حملة قصف شاملة ضد المواقع العسكرية والأمنية الإيرانية.

ترمب يستقبل نتنياهو لدى وصوله إلى الجناح الغربي بالبيت الأبيض بواشنطن في سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

أما الانتقال إلى استهداف البنية التحتية ومنشآت النفط والغاز والبتروكيماويات، فيربطه بطبيعة الرد الإيراني. ويحذر نديمي من أن طهران قد تحاول هذه المرة بصورة أكثر جدية إغراق سفن حربية أميركية وإسقاط طائرات مأهولة، فضلاً عن استخدام صواريخ باليستية متوسطة المدى ذات مدى أبعد.

ويطرح احتمالاً أكثر خطورة يتمثَّل في توغل بري داخل الأراضي الكويتية أو السعودية انطلاقاً من العراق، باستخدام فصائل شيعية مرتبطة بالحشد الشعبي. ويبقى هذا الاحتمال سيناريو يطرحه الباحث، وليس مؤشراً مؤكداً إلى وجود خطة إيرانية لتنفيذه. وفي المقابل، يستبعد غزواً برياً أميركياً لإيران، مرجحاً أن تشبه المواجهة المقبلة حرب الأيام الـ39 السابقة.

حسابات واشنطن

لكن برايان كاتوليس، الباحث في شؤون السياسة الخارجية والمنطقة في معهد الشرق الأوسط، يقلل من أهمية نتائج الانتخابات في تحديد مسار الحرب. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن انتخابات التجديد النصفي لن تؤثر على الأرجح بصورة جوهرية في قرارات إدارة ترمب وإسرائيل بشأن إيران، لأن التهديدات التي تمثلها طهران ستبقى العامل الأساسي في تحديد الخطوات المقبلة. ويلفت إلى أن ترمب يمرُّ بأضعف مراحله السياسية خلال ولايتيه الرئاسيَّتين، مع تراجع شعبيته واحتمال خسارة الجمهوريين بعض مقاعدهم في الكونغرس.

صورة نشرها موقع «البرلمان الإيراني» من لقاء قاليباف وعاصم منير في طهران الثلاثاء

لكن ذلك لا يعني في رأيه، أن نتائج الانتخابات ستقيد قدرة الرئيس على التَّحرُّك عسكرياً، نظراً إلى الصلاحيات الواسعة للسلطة التنفيذية في قرارات الأمن القومي مقارنة بالكونغرس. ويحدد كاتوليس عاملين أكثر أهمية في حسابات الإدارة: النقص في بعض أنواع الذخائر والتجهيزات نتيجة المرحلة السابقة من الحرب، وما ترتب عليه من انكشاف أكبر للقوات الأميركية في المنطقة ومناطق أخرى، إضافة إلى التكلفة الاقتصادية لأي مواجهة جديدة.

وتكتسب هذه النقطة أهميةً مع استمرار التوتر حول مضيق «هرمز» وأسواق الطاقة، إذ قد يؤدي استئناف العمليات ضد المنشآت الإيرانية إلى اضطرابات إضافية في إمدادات النفط. أما إسرائيلياً، فيرى كاتوليس أن الخلافات بين القادة السياسيين تصبح أقل حدة عندما يتعلق الأمر بالتهديد الإيراني.

ما بعد صناديق الاقتراع

يذهب مايكل روبين، مدير تحليل السياسات في «منتدى الشرق الأوسط»، أبعد من ذلك، مستبعداً أن تحدث الانتخابات تغييراً في المعادلة السياسية الحاكمة لقرار الحرب. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن ترمب سيبقى صاحب القرار بغض النظر عمَّا يحدث في الكونغرس. بل إنه قد يشعر بحرية أكبر في اتخاذ قرارات عسكرية بعد الانتخابات، مع غياب استحقاق رئاسي جديد بالنسبة إليه.

أما في إسرائيل، فيرى روبين أن المعارضة الواسعة لنتنياهو لا تعني وجود انقسام مماثل بشأن إيران. فثمة، بحسب تقديره، توافق واسع بين المرشحين الإسرائيليين من اليمين واليسار على طبيعة التهديدات المرتبطة بإيران وحماس و«حزب الله».

ويطرح مفارقة لافتة: قد يتمكَّن رئيس وزراء إسرائيلي آخر من التحرك بفاعلية أكبر من نتنياهو، لأن اعتراض بعض أعضاء الكونغرس والدبلوماسيين ووزراء الخارجية الأجانب يتركز على شخصية نتنياهو أكثر مما يتركز على إسرائيل نفسها. وبذلك، فإن خسارة نتنياهو الانتخابات لا تعني بالضرورة تراجع احتمال المواجهة، تماماً كما أن تراجع الجمهوريين في الكونغرس لا يمنح السلطة التشريعية قدرة تلقائية على منع الرئيس من استئناف العمليات.

في المحصلة، تبدو الانتخابات عاملاً مؤثراً في توقيت المواجهة أكثر من كونها محدداً لأهدافها. فالتأجيل الذي فرضه ترمب لا يعني التخلي عن الخيار العسكري، كما أن استعدادات إسرائيل لا تعني أن قرار الحرب اتخذ نهائياً. وتبقى المفاوضات المسار البديل، رغم استمرار الخلاف حول التنازلات النووية وشروط إنهاء الحرب. وقد يزيل انتهاء الانتخابات أحد أسباب التأجيل، لكنها لن تزيل العوائق العسكرية والاقتصادية والسياسية.

ويبقى السؤال عمّا إذا كانت واشنطن ستستخدم استعداداتها العسكرية لفرض تسوية، أم ستعدّ فشل المفاوضات مبرراً لاستئناف الحرب. وفي الحالتين، سيكون قرار ترمب، لا نتائج صناديق الاقتراع وحدها، العامل الأكثر تأثيراً في تحديد اتجاه الأزمة.


نتنياهو أم آيزنكوت... إيران والاستيطان ثوابت تتجاوز الانتخابات الإسرائيلية

إعلان لقناة تلفزيونية إسرائيلية ستتولى تغطية الانتخابات في إسرائيل يظهر فيه نتنياهو وآيزنكوت (رويترز)
إعلان لقناة تلفزيونية إسرائيلية ستتولى تغطية الانتخابات في إسرائيل يظهر فيه نتنياهو وآيزنكوت (رويترز)
TT

نتنياهو أم آيزنكوت... إيران والاستيطان ثوابت تتجاوز الانتخابات الإسرائيلية

إعلان لقناة تلفزيونية إسرائيلية ستتولى تغطية الانتخابات في إسرائيل يظهر فيه نتنياهو وآيزنكوت (رويترز)
إعلان لقناة تلفزيونية إسرائيلية ستتولى تغطية الانتخابات في إسرائيل يظهر فيه نتنياهو وآيزنكوت (رويترز)

ربما تأتي الانتخابات الإسرائيلية المقررة الأسبوع المقبل بزعيم جديد للبلاد، لكنها لن تؤدي إلى زحزحة الثوابت الاستراتيجية؛ إذ يرى صُناع سياسات ومحللون إقليميون أن إيران ستظل الخصم ​الرئيسي، والقوة العسكرية ستبقى الأداة المفضلة والمقدمة على ما سواها، أما إقامة دولة فلسطينية فستبقى احتمالاً بعيد المنال، وفق تقرير لـ«رويترز».

ويعود ذلك إلى أن الفرضيات الاستراتيجية التي تستند إليها السياسة الإسرائيلية ترسخت بفعل الهجمات التي قادتها حركة «حماس» في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 على تجمعات سكنية في جنوب إسرائيل، وبفعل الحروب في غزة ولبنان وإيران.

وإذا استُبعد التغيير، يقول محللون إن السياسة الأمنية لإسرائيل ربما تصبح أكثر تشدداً، إذ إن فوز رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بدعم من حلفائه في الائتلاف اليميني المتطرف، قد يمنحه الجرأة لتصعيد الحرب مع إيران، وتشديد قبضة إسرائيل على الضفة الغربية المحتلة، وتهميش الدبلوماسية.

لوحات إعلانية تظهر نتنياهو وآيزنكوت (رويترز)

وترتكز العقيدة الأمنية الإسرائيلية حالياً على 3 دعائم أساسية، وهي كسر شوكة إيران، والسيطرة على مناطق عازلة وراء حدودها، واستخدام القوة لردع «الأعداء».

ويشير محللون إلى أن الخلاف الحقيقي يتعلق بالدرجة أو المستوى وليس الاتجاه، أي بمدى عدوانية إسرائيل في خوض حروبها، وإلى أي مدى ستوسع مستوطناتها في الضفة الغربية، وما إذا كان أي زعيم سيختار الدبلوماسية.

ولا يُنظر إلى الانتخابات المقررة الثلاثاء المقبل على أنها نقطة تحول محتملة، بل ‌اختبار لمعرفة ما إذا ‌كان الشرق الأوسط يتجه نحو مواجهة طويلة الأمد، تتأجج فيها نار الحرب وتخفت، بينما تظل النزاعات الكامنة ​دون ‌حل.

وقال أفيف ⁠بوشينسكي، المستشار ​السابق ⁠لنتنياهو: «إذا انتُخب نتنياهو، فسوف يفعل كل ما يعتقد أنه يريد فعله... سيواصل توسيع المستوطنات. وستستمر الحروب ضد إيران و(حماس) و(حزب الله)».

وأضاف: «ما ترونه الآن هو ما سترونه بعد الانتخابات، وربما بشكل أكثر عدوانية».

وأوضح أنه «ما دامت إيران في وضعها الراهن، فالحديث عن فلسطين مضيعة للوقت».

ويوم الأحد، قال نتنياهو إن على إسرائيل أن تعطي الأولوية «للمنع والهجوم وتقديمهما على الاحتواء والدفاع»، بما في ذلك شن ضربات استباقية لمنع التهديدات الناشئة، مع ترسيخ مكانة إسرائيل كقوة إقليمية وتعظيم استقلاليتها في مجال التسلح.

*لماذا يُستبعد تغيير المسار؟

تضع الانتخابات حزب «الليكود» اليميني بزعامة نتنياهو وحلفائه القوميين المتطرفين في مواجهة معارضة يقودها حزب «يشار» بزعامة القائد العسكري السابق غادي آيزنكوت.

ولا يرى المحلل الفلسطيني غسان الخطيب أي احتمال لحدوث تحول جذري في السياسة تجاه الفلسطينيين، إذ تتنافس الأحزاب السياسية الإسرائيلية على إظهار مواقف أكثر تشدداً في وقت يتجه فيه الرأي العام أكثر نحو اليمين.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (د.ب.أ)

وقال: «من المحتمل أن تكون هناك تغييرات بالأسلوب أو بالشكل أو بالمظهر، لكن دون أن يكون هناك تغيير ⁠برأيي في جوهر السياسة... جوهر السياسة أنه لا للدولة الفلسطينية، ونعم لمزيد من الاستيطان... هذا موضوع نتفق عليه جميعاً».

وقد تسعى حكومة ‌يقودها معارضو نتنياهو إلى إصلاح مكانة إسرائيل الدولية من خلال كبح بعض أعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون ‌أو المضي في توسيع الاستيطان ولكن بقدر أقل من الصخب. لكن الخطيب أوضح أن هذه التغييرات في ​رأيه ستكون تحولاً في الأسلوب وليس في الجوهر.

ورداً على أسئلة من «رويترز» ‌بشأن إيران والضفة الغربية، قال متحدث باسم «الخارجية» الأميركية إن واشنطن ستواصل الضغط على طهران.

وأكد أنه «ما دامت إيران تكرس إيراداتها من الطاقة لتمويل هجمات ضد حلفائنا، وتدعم ‌الإرهاب في جميع أنحاء العالم، وتمارس أنشطة أخرى تزعزع الاستقرار، فإننا سنستخدم كل الأدوات المتاحة لدينا لمحاسبة هذا النظام».

وذكر أن الولايات المتحدة لا تؤيد قيام إسرائيل بضم الضفة الغربية.

وأضاف: «استقرار الضفة الغربية يعزز أمن إسرائيل، ويتماشى مع هدف هذه الإدارة بشأن تحقيق السلام في المنطقة».

من جهته، قال مايكل يونغ، من مركز كارنيغي للشرق الأوسط، إن المؤسسة الأمنية في إسرائيل وجزءاً كبيراً من الطبقة السياسية الإسرائيلية يتشاركان في رؤية استراتيجية مشتركة، تتمحور حول مواجهة إيران، والحفاظ على استراتيجية «الدفاع المتقدم» والردع العسكري، مما يقلل احتمالات حدوث تحولات سياسية كبيرة.

«الأخطبوط السام»

يتساءل بعض صناع السياسات في المنطقة عما إذا ⁠كانت المواجهة بين إسرائيل وإيران قد أصبحت ⁠الأساس والركيزة التي تقوم عليها منظومة الأمن في الشرق الأوسط، بغض النظر عمن سيفوز في الانتخابات.

وعززت إشادة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بنتنياهو عندما وصفه بأنه «رئيس وزراء محارب عظيم» التوقعات بأن الزعيم الإسرائيلي سيسعى إلى حسم الحملة ضد طهران إذا احتفظ بالسلطة.

ويوضح نتنياهو أن طموحاته تتجاوز احتواء إيران بل تمتد إلى الإطاحة بحكامها من رجال الدين.

وذكر خلال حفل تخرج ضباط بالجيش، يوم الأربعاء، أنه «لا توجد سوى طريقة واحدة لإزالة هذا التهديد نهائياً، وهي الإطاحة بالنظام في إيران»، وأضاف أن هذه هي التوجيهات التي يصدرها للجيش وجهاز المخابرات (الموساد) والأجهزة الأمنية الأخرى.

وقال في خطاب آخر ألقاه هذا الأسبوع إن «إتمام المهمة يعني الإطاحة بالنظام الإرهابي في إيران، رأس الأخطبوط السام».

لكنّ محللين عسكريين وسياسيين يتساءلون عما إذا كان هناك أي شيء أقل من غزو بري أميركي إسرائيلي سيجبر طهران على التخلي عما تعتبره مصالحها الأمنية الجوهرية فيما تراه معركة وجودية.

فبعد صمودها على مدى أشهر من الحرب، ربما تراهن إيران على قدرتها على الصمود لفترة أطول من خصومها مع الاستمرار في ممارسة الضغط من خلال حلفائها الإقليميين.

وقال يونغ: «هذا مستنقع»، وأضاف: «يمكن للإيرانيين أن يصمدوا لفترة أطول من ترمب».

وقال محللون إن «حزب الله» في لبنان وحركة «حماس» في غزة أصابهما الضعف، لكن الشبكة الأوسع للجماعات المتحالفة مع إيران ما زالت صامدة، وقد يعزز الصراع عزم طهران على السعي وراء رادع نووي.