الاعتداءات على العرب في تركيا... عنصرية متجذّرة أم حوادث فردية؟

«الشرق الأوسط» ترصد تصاعد حملات التحريض على الكراهية وجهود مكافحتها

مهاجرة تطلّ من سياج حدودي مع سوريا في شانلي أورفا، مايو 2023 (غيتي)
مهاجرة تطلّ من سياج حدودي مع سوريا في شانلي أورفا، مايو 2023 (غيتي)
TT

الاعتداءات على العرب في تركيا... عنصرية متجذّرة أم حوادث فردية؟

مهاجرة تطلّ من سياج حدودي مع سوريا في شانلي أورفا، مايو 2023 (غيتي)
مهاجرة تطلّ من سياج حدودي مع سوريا في شانلي أورفا، مايو 2023 (غيتي)

كشفت سلسلة من الاعتداءات وقعت في الفترة الأخيرة في تركيا عن تبلور نزعة عنصرية ضد العرب على وجه التحديد، وإن بدت في ظاهرها حوادث فردية وشجارات عادية، ربما يقع مثلها الآلاف في أنحاء العالم يومياً، إلا أن تواليها وحجم انتشارها على منصات التواصل الاجتماعي فجّرا تساؤلات عما إذا كان القوميون المتطرفون في تركيا نجحوا في تعبئة الشارع التركي ضد كل ما هو عربي، وعن المدى الذي يمكن أن تصل إليه هذه الاعتداءات، وما الذي ستفعله حكومة الرئيس رجب طيب إردوغان لمواجهة هذا التيار الذي يشكل تحدياً كبيراً لها.

بل إن السؤال الأكثر إلحاحاً في ظل هذه الموجة غير المسبوقة من التحريض على كراهية العرب، هو: هل اضطرت الحكومة لغض الطرف عن تلك الحوادث لترفع عن كاهلها ضغوط المعارضة وقطاع عريض من الشعب التركي؟ خاصة أن الحملات ضد الأجانب تفاقمت خلال موسم الانتخابات البرلمانية والرئاسية في مايو (أيار) الماضي، مع استغلال المعارضة ملف اللاجئين السوريين والعرب الحاصلين على الجنسية التركية ورقة ضغط ضد الحكومة.

فبعدما أصبح الخطاب المعادي لبقاء اللاجئين السوريين في تركيا معتاداً ويجري التعامل معه على صعيد تصريحات التهدئة والطمأنة إلى جهود إعادتهم بشكل آمن إلى بلادهم، اتسع الخطاب ليشمل المقيمين والسياح العرب، لدرجة الخوف من الحديث باللغة العربية في أي مكان، خاصة في المواصلات العامة، بعد تفشي تيار العنصرية وتأثر الشارع التركي، بمن في ذلك قسم لا بأس به من المحافظين، الذين يعانون أيضاً لوناً آخر من العنصرية داخل بلادهم.

في التحقيق التالي محاولة للإجابة عن التساؤلات حول صعود التيار العنصري الرافض لوجود الأجانب، ولا سيما العرب في تركيا، وكيف تتعامل حكومة إردوغان مع الضغوط التي تتعرض لها في هذا الملف.

نقطة فارقة

شكّلت جولة الإعادة في الانتخابات الرئاسية في مايو (أيار) النقطة الفارقة في ملف «العنصرية الجديدة» بتركيا، وانتشرت سريعاً عبر منصات التواصل الاجتماعي مشاهد الاعتداءات والإهانات للعرب وحوادث الاعتداء التي تبدو فردية، لكنّها ناتجة عن التعرض لسيل من التحريض على كراهية العرب، ووصل الأمر بعد الانتخابات إلى حد قتل السياح أحياناً.

مشاة في إحدى مناطق أضنة حيث يقيم عدد كبير من اللاجئين السوريين، مايو 2023 (غيتي)

ونجحت المعارضة العلمانية، ومعها القوميون المتشددون، في تطوير استخدام ورقة اللاجئين والأجانب، التي لم يفلحوا من خلالها في الفوز بالانتخابات، إلى أداة لشحن المجتمع التركي مستغلين الأزمة الاقتصادية الضاغطة على الأتراك.

وبعد أن كان الحزب الحاكم يكرس جهده لنزع هذه الورقة من يد المعارضة عبر سلسلة إجراءات اتخذتها حكومة إردوغان عقب الانتخابات، تمثّلت في حملات لترحيل المهاجرين غير الشرعيين ومخالفي شروط الإقامة، أصبحت تواجه أسئلة أخرى تتعلق بقدرتها على توفير الأمن للأجانب والسياح العرب، وعن سبب تقاعسها في إصدار قانون لمكافحة العنصرية.

فخلال السنوات الثلاث الماضية، وبالتزامن مع ازدياد الضغوط الاقتصادية، أطلقت أحزاب المعارضة التركية حملات إعلامية وعبر عشرات الحسابات على منصات التواصل الاجتماعي للتحريض ضد اللاجئين السوريين بشكل خاص، ثم العرب بوجه عام.

وتصاعدت هذه الحملات خلال جولة الإعادة من الانتخابات الرئاسية، عندما وعد مرشح المعارضة كمال كليتشدار أوغلو بترحيل السوريين فوراً، حال فوزه بالانتخابات لتخليص المجتمع التركي.

وسعت المعارضة بعد خسارتها الانتخابات إلى توظيف قضية اللاجئين السوريين والأجانب في تركيا ورقة للضغط على إردوغان وحزب العدالة والتنمية الحاكم الذي تسبب، من وجهة نظرهم، في فتح الأبواب أمام المهاجرين والعرب لـ«استعمار تركيا»، وإبقاء هذه الضغوط حتى إجراء الانتخابات المحلية المقررة في 31 مارس (آذار) 2024.

وفي الأيام الأخيرة، سيطرت حادثة الاعتداء على السائح الكويتي محمد راشد العجمي في مدينة طرابزون بمنطقة البحر الأسود في شمال تركيا على مواقع التواصل الاجتماعي في تركيا والعالم العربي، وأخذت حيزاً واضحاً من الاهتمام السياسي بين الكويت وتركيا، بعد أن جرى التعامل معها على أنها دليل جديد على العنصرية تجاه العرب في تركيا. وسبق هذه الحادثة مقتل مواطن مغربي في إسطنبول بسبب خلاف مع سائق سيارة أجرة، ما أدى إلى إطلاق حملات في المغرب ودول خليجية تدعو لمقاطعة السياحة إلى تركيا.

وقبلها أيضاً تعرض طفلان يمنيان للضرب المبرح على أيدي أتراك في أحد المجمعات السكنية بسبب شجار مع طفل تركي، كما وقعت مشادات بين سياح خليجيين وعمال أتراك، وصلت إلى حد الاعتداء بالضرب في أحد المراكز التجارية في إسطنبول.

وخلال الأسبوع الأخير وحده، تعرض مصريون للاعتداء في أحد المطاعم في منطقة تقسيم في إسطنبول بسبب اعتراضهم على أسعار الطعام، وقُتل 3 سوريين في كونيا (وسط) وإزمير (غرب) في مشاجرات، لأسباب ربما توصف بـ«التافهة» لكنها تنم عن تأثر بحملة الكراهية التي يقودها منذ أكثر من عامين رئيس حزب «النصر» القومي المتطرف أوميت أوزداغ، المعروف بعدائه للسوريين والعرب والأفغان، ومناهضته لوجود الأجانب بشكل عام.

حملات كراهية

ولعبت المعارضة خلال الانتخابات على ورقة اللاجئين والأجانب، ووضعها مرشح المعارضة للرئاسة رئيس حزب الشعب الجمهوري كمال كليتشدار أوغلو على رأس حملته الانتخابية، وكذلك حزب «الجيد» الذي تترأسه ميرال أكشنار، لا سيما في جولة الإعادة للانتخابات الرئاسية.

كمال كليتشدار أوغلو دعا إلى ترحيل ملايين اللاجئين خلال تجمّعات حملته الانتخابية، مايو 2023 (غيتي)

كما جاهر أوزداغ بالعداء الصريح وخطاب العنصرية، الذي بدأه قبل عامين، وشن حملات تدعو إلى طرد السوريين والأفغان وغيرهم من البلاد، زاعماً أنهم سبب المشاكل الاقتصادية التي تعانيها تركيا.

وبعد حادثة السائح الكويتي، تحوّل الأمر إلى سجال بين الحكومة والمعارضة التي تحملها المسؤولية عن الوضع الراهن. وأعلن المستشار السابق لرئيس الجمهورية العضو البارز في الحزب الحاكم، ياسين أقطاي، أن الحملات ضد العرب في تركيا كلفتها خسارة 5 مليارات دولار من عائدات السياحة، بسبب تصوير بعض الحوادث العادية على أنها عنصرية ضد العرب. كما أشارت وسائل إعلام قريبة من الحكومة إلى انسحاب مليار دولار من رؤوس الأموال الخليجية من تركيا بسبب هذه الحملات في تركيا وصداها في العالم العربي.

وقال الصحافي المخرج السينمائي التركي القريب من الحكومة، إرم شنتورك، إن هجمات «العصابات المعادية للأجانب» والعنصرية في تركيا، أضرّت بالسياحة وزادت العداء ضد العرب. ولفت إلى أن رئيس حزب «النصر»، وحزب الشعب الجمهوري، مع حزب العمال الكردستاني (مصنف تنظيماً إرهابياً)، حققوا أهدافهم، وبدأت التساؤلات الموجهة لتركيا: «هل أنتم أعداء للعرب؟ هل أنتم أعداء للمسلمين؟».

وكتب شنتورك في حسابه على «إكس» أن كراهية الأجانب هي في الواقع عداء تجاه الأتراك، قائلاً: «ستتم مناقشة قانون الأسرة مرة أخرى، ولن تبقى تركيا دون رد على العداء للإسلام».

استغلال الأزمة الاقتصادية

واستغلت الحملات المناهضة للسوريين والعرب والأجانب الوضع الاقتصادي في تركيا عبر تحميلهم المسؤولية عن البطالة في العديد من القطاعات لقبولهم العمل بأجور متدنية ومن دون تأمينات صحية أو اجتماعية، فضلاً عن استفادة اللاجئين السوريين من الدعم المالي وخدمات صحية «لا يحصل عليها الأتراك إلا بمقابل كبير»، وزيادة إيجارات المساكن وغلاء الأسعار والتضخم.

لاجئون سوريون مقيمون في كهرمان مرعش وهاتاي يعودون إلى سوريا في إطار مشروع «العودة الطوعية»، يونيو 2023 (غيتي)

وبدأت حملات الكراهية والتحريض باستهداف السوريين أولاً، وباتت واضحة بشكل كبير بعد إطلاق تركيا عملياتها العسكرية في شمال سوريا عام 2016، لينالوا النصيب الأكبر من الاعتداءات اللفظية والجسدية، قبل أن تتطور الحملة لتشمل مختلف الجنسيات العربية، حتى السائحين.

وجاء السوريون أولاً لأنهم يشكلون الكتلة الكبرى من اللاجئين العرب في تركيا، التي استقبلتهم قبل لاجئين فلسطينيين وعراقيين، ثم يمنيين وتونسيين وليبيين ومصريين بعد انتفاضات ما يسمى «الربيع العربي»، لكن الحملات الانتخابية للمعارضة أولتهم النصيب الأكبر من الخطابات العدائية، وحملتهم المسؤولية عن ارتفاع معدلات الجريمة والبطالة، بينما توضح إحصائيات وزارة الداخلية أن نسبة المتورطين في الجرائم من السوريين لم تتجاوز 1.3 في المائة.

ويوجد في تركيا، بحسب الإحصاءات الرسمية الأخيرة، نحو 3.4 مليون سوري حاصلين على بطاقات الحماية المؤقتة (كيمليك)، كما حصل نحو 230 ألفاً على جنسيات استثنائية، وإن كانت المعارضة تقول إن الرقم أعلى بكثير.

ودفعت تلك الحملات قطاعاً عريضاً من الشعب التركي إلى الاعتقاد بأن الأزمة الاقتصادية في بلادهم هي نتيجة مترتبة على الأعداد الكبيرة للاجئين السوريين والعرب والأفغان وغيرهم من الأجانب المقيمين في البلاد. واللافت أن الاعتداءات لم توجه إلى غير العرب، كما أنه يسود اعتقاد لدى كثيرين بأن كل من يتحدث العربية هو سوري، ولذلك فإن أي عربي في تركيا الآن بات هدفاً محتملاً إن لم يكن للاعتداء الجسدي، فللاعتداء اللفظي.

مهاجر سوري يطلّ من سياج حدودي مع سوريا في شانلي أورفا، مايو 2023 (غيتي)

وتقول نوران أوزدمير، مواطنة تركية في العقد الخامس من عمرها، لـ«الشرق الأوسط»، «إنهم (العرب) يأتون إلى هنا يأخذون الوظائف التي لا يحصل عليها شبابنا، ويحظون برعاية صحية ربما لا تتوفر لنا.؟. العرب لم يكونوا يوماً عوناً لنا... يجب أن يرحلوا... لا نريدهم في بلادنا... لدينا ما يكفينا... لقد كنا في وضع أفضل كثيراً قبل مجيئهم إلى هنا». وأضافت: «شبابنا يقتل في الحرب في سوريا، بينما السوريون هنا يتجولون في الشوارع وعلى الشواطئ ويعيشون أفضل منا ويحصلون على مختلف أنواع الدعم».

العربي بات هدفاً

لفت مضر أحمد، وهو لاجئ سوري يقيم في إسطنبول منذ اندلاع الحرب الداخلية في بلاده، إلى أن الوضع أصبح صعباً جداً، «أصبحنا نخشى الخروج من بيوتنا، فقد أصبح العرب عموماً، والسوريون خصوصاً، هدفاً للعنصرية إلى حد أنهم يعجزون الآن عن استئجار منزل ليسكنوا فيه لرفض الأتراك تأجير البيوت لهم». وأضاف أن «العنصرية ضدنا، نحن السوريين، ليست وليدة الانتخابات. فمنذ سنوات ونحن نتعرض للتهديدات وتشويه السمعة، فضلاً عن اتهامات السياسيين لنا بالمسؤولية عن ارتفاع معدلات الجريمة، وعن الأزمة الاقتصادية. والأسوأ أن غالبية الأتراك باتوا يصدقون ذلك، وبات جميع العرب الآن عرضة للاعتداءات الجسدية واللفظية، ما ينذر بالأسوأ».

جانب من إعلان وزير الداخلية التركي السابق سليمان صويلو إطلاق مشروع «العودة الطوعية» في جرابلس، مايو 2023 (غيتي)

لم يختلف الأمر بالنسبة للطالب الجامعي العراقي الذي يدرس بجامعة إسطنبول، علي هاشم، الذي قال إنه نصح زملاءه العرب بعدم التحدث بالعربية في الأماكن العامة، خصوصاً في وسائل النقل العام، مؤكداً أن الوضع بات صعباً وأنه أصبح يشعر بالعداء تجاهه إذا تحدث العربية فضلاً عن أنه لا يشبه الأتراك. وكشف عن أنه تعرض للاعتداء الجسدي داخل أحد محال البقالة، حيث رفض البائع أن يعطيه احتياجاته عندما اكتشف أنه عربي، قائلاً إنه لا يبيع للسوريين، ورفض الاستماع إليه عندما قال له إنه ليس سورياً وليس لاجئاً، وهدده بأن يطلب له الشرطة لترحيله إلى سوريا. وأضاف أن مجموعة من الشباب كانوا خارج المحل وعندما سمعوا نقاشه مع البائع دخلوا إلى المحل وبدأوا الاعتداء عليه بالضرب، ولم ينقذه سوى صراخ امرأة كانت تشتري بعض احتياجاتها وتعاطفت معه. وأكد أنه بات يخشى الخروج من المنزل، أو الذهاب إلى الجامعة أو دعوة أصدقائه لزيارته حتى لا يتعرضوا للاعتداء مثله.

«عمل ممنهج»

أكّد رئيس تجمع المحامين السوريين الأحرار في تركيا، غزوان قرنفل، لـ«الشرق الأوسط»، أنه لم يعد هناك أمان للاجئين السوريين في تركيا، الذين بدأ بهم التيار العنصري، ثمّ اتجه إلى العرب بعد ذلك، موضحاً أن الخطاب العنصري ضد اللاجئين الذي سبق العملية الانتخابية هو جزء من خطاب قطاع عريض من الشعب التركي، أدى بالنهاية إلى سقوط قتلى وجرحى. وأكد أن ما يحدث الآن لا يمكن أن يكون صدفة، كما لا يمكن وضعه في إطار الحوادث الفردية، «فهذا عمل منظم وممنهج يكشف عنه حجم العمل على منصات التواصل الاجتماعي، خاصة (إكس) ضد السوريين والعرب». وتابع أن «الاحتكاكات والجرائم التي وصلت إلى القتل لا يمكن أن نقول إنها عمل غير ممنهج، فلولا التعبئة والخطاب التحريضي عبر وسائل التواصل الاجتماعي ما شهدنا الجرائم التي بدأت تتزايد خلال الفترة الأخيرة، ويكفي القول إنه خلال الأسبوع الأخير فقط قُتل 3 سوريين في كونيا وإزمير من دون سبب».

استغلت الحملات المناهضة للسوريين والعرب والأجانب الوضع الاقتصادي في تركيا عبر تحميلهم المسؤولية عن البطالة (أ.ب)

ولفت قرنفل إلى غياب إحصاءات دقيقة عن عدد الحالات التي تتعرض للجرائم العنصرية، لكن على مدى ما يقرب من 10 سنوات، قُتل ما بين 20 و30 سورياً في جرائم عنصرية، وغالبية السوريين وغيرهم ممن يتعرضون لهذه الحوادث لا يبلغون الشرطة، إما بسبب أنهم يخشون أن يلقوا معاملة سيئة أو لأنه لن يعتد بشكاواهم، مضيفاً: «لذلك أنصح السوريين وكل من يتعرض لهذه الاعتداءات بالتوجه إلى النيابة العامة، وليس لمراكز الشرطة».

ونبّه إلى أن المسألة تجاوزت الحدود، ولا يمكن وضعها في إطار التصرفات الفردية، لافتاً إلى أن هذا نذير خطر ليس على السوريين ولا العرب والأجانب فقط ولكن على شريحة من الأتراك المحافظين. ورأى قرنفل أن «الدولة نفسها انتبهت إلى ذلك، وحذر الرئيس التركي مَن يروجون للخطابات العنصرية ضد اللاجئين والمهاجرين وضد المحافظين، خاصة النساء اللاتي يرتدين الحجاب، بأنه لن يتم السكوت عن أي تصرف وسيواجه بالقانون». وشدد قرنفل على أنه يجب على الدولة أن تقوم بدورها الآن على الفور، لأن وظيفتها توفير الأمن والأمان للناس سواء من المواطنين أو المقيمين أو اللاجئين ويتعين مساءلتها على التقصير في هذا الواجب.

ونبه المحامي إلى أن هناك تياراً عنصرياً «متأصلاً وله جذوره في المجتمع التركي». وقال إنه يختلف مع مَن يقولون إن السياسي القومي المتعصب، أوميت أوزداغ، هو من زرع شجرة العنصرية في تركيا، ورأى أن «جذور هذه الشجرة كانت موجودة وهو من قام بريها حتى تترعرع من جديد».

غياب الإحصاءات الدقيقة

بحسب مصدر أمني، تحدث لـ«الشرق الأوسط» شريطة عدم الإفصاح عن اسمه، تأخذ غالبية الحوادث طابع الشجار بين الجيران أو في المطاعم أو المراكز التجارية أو الاحتكاك اللفظي في وسائل النقل والمواصلات العامة، وتنتهي غالباً قبل الوصول إلى مراكز الشرطة، أو بتنازل أطرافها عن الشكاوى. وقال إن ما تم رصده من شجار أو اعتداءات كان اللاجئون السوريون أو العرب بشكل عام طرفاً فيها منذ عام 2020 لا تزيد على 100 حادثة، لافتاً إلى أن الأشهر الأخيرة شهدت تسليطاً للضوء على هذه الحوادث عبر وسائل التواصل الاجتماعي داخل تركيا وخارجها بشكل مثير للقلق، «ومبالغ فيه في كثير من الأحيان»، على حد قوله.

وشدد على أن أجهزة الأمن التركية تتدخل في أي حادثة، سواء ما يقع في الشوارع من مشاجرات أو التي يتم الإبلاغ عنها أو التي تتداول عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أو بأي طريقة للنشر، فضلاً عن تتبع الحسابات التي تحرض على الكراهية ضد الأجانب أو بعض فئات الشعب التركي وتوقيف المسؤولين عنها وحظر تلك الحسابات بالطرق القانونية.

إجراءات عاجلة

وعلى الرغم من أن الحوادث، التي توصف بالعنصرية، ترتبط بأسباب سياسية واجتماعية واقتصادية، تواجه الحكومة انتقادات حادة بسبب «عدم الحزم والصرامة» تجاه العنصرية، وأن الأمر لا يخرج عن إطار التصريحات.

وفي مواجهة تلك الانتقادات وبعد تعدد سلسلة الحوادث التي استهدفت السياح العرب، أصدر مكتب المدعي العام في العاصمة أنقرة أمراً بتوقيف 27 مشتبهاً بهم في 14 ولاية تركية، بتهم تحريض الجمهور علناً على الكراهية والعداء، ونشر معلومات مضللة من خلال «خطاب كراهية» يستخدم عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وأطلقت النيابة العامة تحقيقاً ضد المشتبه بهم في الجرائم المنصوص عليها بموجب المادة 5237 من قانون العقوبات التركي.

وفي إطار التحقيقات، صدرت أوامر بتوقيف 27 مشتبهاً في ولايات أنقرة، وهطاي، وأنطاليا، وسامسون، وكهرمان ماراش، وسكاريا، وإزمير، وشانلي أورفا، وتوكات، وسيرت، وأدرنه، وبورصة، وكونيا وإسطنبول. كما أوقفت السلطات التركية الصحافي باطوهان تشولاك رئيس تحرير موقع «آيكيري» المعروف بمناهضته لوجود اللاجئين السوريين والأجانب في تركيا.

وهاجم رئيس حزب «النصر» القومي المعارض، أوميت أوزداغ، المعروف بعدائه وعنصريته تجاه اللاجئين السوريين والأجانب في تركيا، قرار القبض على الصحافي.

وجاء القبض على تشولاك بعد يومين من توقيف رؤوف كوسا، مؤسس حساب «حركة الدفاع» القومية العنصرية، التي أعلنت أنها ستستهدف الأجانب في جميع أنحاء تركيا ابتداءً من أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، ما لم تتحرك الحكومة لإنهاء «احتلالهم للبلاد».

وقادت «حركة الدفاع»، مسيرة مضادة لتجمع مناهض للعنصرية نظمته جمعية «أوزغور دار» (الحرية) في إسطنبول السبت الماضي. ونظم كوسا حملة ضد اللاجئين السوريين والمهاجرين الذين يدخلون تركيا بطريقة غير شرعية. وحجبت السلطات التركية حسابات الحركة على منصات التواصل الاجتماعي.

تضخيم «متعمد»؟

يعتقد رئيس المنظمة الدولية للتعاون العربي - التركي، مستشار الرئيس التركي السابق لشؤون الشرق الأوسط أرشد هورموزلو، أن الحوادث الأخيرة، ولا سيما الاعتداء على السائح الكويتي، أخذت حيزاً أكبر بكثير في العالم العربي، وتم تصويرها على أنها جريمة عنصرية على الرغم من طبيعتها الفردية، حيث يقع آلاف الحوادث المماثلة في العالم يومياً. وتابع أن هذه الحوادث لا تشكل نسبة تذكر في بلد عدد سكانه 86 مليون نسمة، ويزوره أكثر من 50 مليون سائح سنوياً.

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان لدى إلقائه خطاباً في أنقرة (د.ب.أ)

وقال هورموزلو إن «نحو 200 ألف سائح كويتي يزورون تركيا سنوياً، وعلى مدى 10 سنوات لم نسمع إلا عن 3 حوادث فقط تعرض لها السياح الكويتيون، ما يعني أنها نسبة لا تذكر بالمقارنة بمليوني سائح حلّوا ضيوفاً على تركيا في تلك السنوات». وتابع هورموزلو، في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «أتصور أنه قد يكون هناك من يستغل هذا الوضع في الوقت الراهن بالذات، الذي يحدث فيه تقارب تركي-عربي، لأن مثل هذه المشاجرات تقع كل يوم تقريباً وتتم تسويتها بالاعتذار أو محاسبة المتورطين». وأضاف أنه لا ينفي أن هناك تياراً عنصرياً في تركيا، لكنه تساءل: «ماذا ربح هؤلاء في الانتخابات الأخيرة؟ لم تتجاوز نسبة الأصوات التي حصلوا عليها مجتمعين نسبة 1 في المائة».

ودعا هورموزلو وسائل الإعلام التركية والعربية إلى التحلي بالمنطق والحكمة والعقلانية في التعامل مع مثل هذه الحوادث، والابتعاد عن وصفها بالعنصرية وإثارة النعرات العرقية أو تحميل بعض الحوادث «أكثر مما لا تحتمل وإهدار الجهود التي تبذل لتعزيز العلاقات بين الجانبين العربي والتركي».

وعن اللوم الموجه للحكومة التركية بعدم الصرامة في مواجهة العنصرية، أوضح هورموزلو أن الحكومة التركية عليها مسؤوليات بالطبع تجاه توفير الأمن والأمان وحرية الحياة للسياح، معتبراً الحديث عن سنّ قانون لمكافحة العنصرية «أمراً غريباً»، لأن الدستور التركي يلزم السلطات بكفالة الأمن والأمان لكل شخص موجود على الأراضي التركية.

جذور العنصرية

ربما لا يعرف كثيرون خارج تركيا مصطلح «التركي الأبيض والتركي الأسود» الذي يعد أحد جذور العنصرية في البلاد، التي تفوق العنصرية التي ظهرت ضد العرب والأجانب.

وصدرت دراسات كثيرة داخل تركيا وخارجها حول الأتراك البيض والسود، منها دراسة للأكاديمية التركية سيدا دمير ألب أشارت فيها، عام 2012، إلى أن المجتمع التركي المعاصر منشطر منذ تأسيس الجمهورية عام 1923 إلى «أتراك بيض وأتراك سود». وذكرت أن بعضاً من النخب التي تميل للغرب في تركيا، والتي تعرف بـ«الأتراك البيض»، تتمسك بالاستئثار بالسلطة والثروة وتراه أمراً طبيعياً لا يجوز الاعتراض عليه، وتتعامل مع مجتمع الأناضول المحافظ باستعلاء.

مظاهرة في إسطنبول للتضامن مع حركة «حياة السود مهمة» والتنديد بالعنصرية وعنف الشرطة، يونيو 2020 (غيتي)

وبحسب الكاتب التركي، رئيس تحرير وكالة «الأناضول» السابق كمال أوزتورك، يجتهد «الأتراك البيض» في إظهار أنفسهم بمظهر متميز عن مجتمعهم سواء في نمط الحياة والمظهر أو حتى طريقة الحديث، و«كأنهم يعيشون في كانتون سويسري»، ويرتبطون وجدانياً بأوروبا ويعتقدون أنهم طبقة «متحضرة»، وأن أبناء المجتمع المحافظ العريض في الأناضول «همج أو بربر».

ويتركز «الأتراك البيض» في منطقة غرب تركيا وعلى سواحلها، ويدعمون قوة الجيش ويدافعون عن الارتباط بالغرب، بينما يشكّل مجتمع الأناضول في وسط البلاد غالبية الشعب التركي المحافظ.

وتطرق إردوغان لهذه القضية خلال حملة حزبه للانتخابات البرلمانية عام 2015، مخاطباً حشداً من أنصاره بالقول: «الأتراك البيض يصفونكم ويصفوننا بأننا زنوج تركيا. وأنا فخور بأنني زنجي تركي». وأضاف: «في هذا البلد يوجد تمييز بين الأتراك البيض والأتراك السود، أخوكم طيب (إردوغان) ينتمي إلى الأتراك السود... ولا يميز بين الأتراك والعرب أو الأكراد أو اللاز أو أي مواطن على أساس العرق».

أساليب المواجهة

عبّر خبراء وأكاديميون أتراك عن اعتقادهم بأن بعض سياسات الحكومة قد يكون لها دور في تشكيل سياق العنصرية والتمييز ضد اللاجئين والمهاجرين، كونها سياسات نابعة من قلة الخبرة العملية للدولة التركية في التعامل مع اللاجئين مقارنة مع دول أخرى، مثل ألمانيا التي يشكل الأتراك أكبر نسبة من المهاجرين إليها ويفوق عددهم 3 ملايين، أو بريطانيا، وهو ما أدى إلى الخلل في احتواء العدد الكبير من اللاجئين والأجانب الذي وصل إلى 5 ملايين شخص.

دمية «أمل الصغيرة» تتوقف في إزمير في طريقها إلى المملكة المتحدة للتوعية بمعاناة الأطفال اللاجئين، أغسطس 2021 (غيتي)

واستحدثت تركيا إدارة الهجرة التي حلّت محل شعبة الأجانب في مديريات الأمن منذ عام 2015، لكنها بحاجة إلى المزيد من الخبرة في التعامل مع أعباء اللاجئين والمهاجرين وإدماجهم في المجتمع التركي المنقسم إلى طبقة متعاطفة ترحب بالمهاجرين وتنفتح عليهم، وأخرى رافضة لوجودهم بتعصب.

ويبدو التعامل مع تحديات الاقتصاد من العوامل التي تؤثّر في النسق الاجتماعي والسياسي، ما يؤدي إلى تصاعد العنصرية والتمييز ضد اللاجئين والمهاجرين، خاصة العرب، الذين يرفضهم جزء كبير من العلمانيين في تركيا.

وبحسب دراسات أكاديمية حول اللجوء والهجرة في تركيا، تلعب وسائل الإعلام دوراً حاسماً في تشكيل الرأي العام وتوجيه انطباعات الجمهور حول مختلف القضايا، ومنها تعميق العنصرية ضد اللاجئين من خلال تضخيم الحوادث السلبية وبث الخوف والقلق في المجتمع، على الرغم من أن ما يقرب من 50 في المائة من الأتراك ليست لديهم ميول متحيزة.

البحث عن «الخط الأحمر»

ويسود اعتقاد بأن الحكومة التركية لا ترى في الحملات المناهضة للأجانب خطراً كبيراً على الأمن القومي، أو تتساهل معها لأن مَن يقومون بها مواطنون أتراك.

ورأى رئيس اتحاد المحامين السوريين الأحرار، غزوان قرنفل، أن اللاجئين هم من يدفعون ثمن أي تقصير في مكافحة العنصرية، ويتم ترحيلهم نتيجة خطأ بسيط يرتكبونه أو حتى من دون أي خطأ، كما أن تحول مشروع «العودة بشكل طوعي» إلى «عمليات ترحيل قسري»، مؤخراً، ما هو إلا إحدى نتائج حملات التحريض ضد اللاجئين والمهاجرين.

طفل سوري مهاجر يجمع قطعاً من البلاستيك بجوار مبانٍ متضررة من زلزال مدمر في كهرمان مرعش في مايو 2023 (إ.ب.أ)

وأكد مدير مركز دراسات الهجرة بجامعة «كوتش» الدكتور أحمد إيتشدويغو، أن «ردود الفعل والمخاوف في المجتمع كانت مفهومة جزئياً، أما الآن فنحن بحاجة إلى خط أحمر، فلا ينبغي أن يصل رد الفعل إلى مستوى كراهية الأجانب والعنصرية». ولفت إلى أن معظم الأتراك الذين ذهبوا إلى ألمانيا بوصفهم «عمالاً ضيوفاً» في الستينات لم يعودوا إلى تركيا، وعلى الرغم من أن شكل الهجرة كان مختلفاً، فإن الأتراك كانوا أيضاً ضيوفاً في ألمانيا، لكنهم بقوا في ألمانيا وأصبح منهم اليوم نواب بالبرلمان ووزراء في الحكومة، ولم يكن أحد يفكر في هذا قبل 50 عاماً. وأضاف: «بالمنطق ذاته، نحن نرى السوريين الآن ضيوفاً، والحكومة الآن لا تستطيع إدارة الهجرة بشكل جيد، كما أن أحزاب المعارضة، التي تستخدم هذه القضية مادة سياسية، لا يمكنها تقديم استراتيجيات ملموسة للجمهور حول كيفية إدارة المشكلة بشكل أفضل من الحكومة».

وتابع إيتشدويغو أن قضية الهجرة هي قضية مسيّسة في كل بلد يستقبل المهاجرين، وأن السياسيين الشعبويين يصنعون السياسة على أساس اهتمامات المجتمع.

وشدد على أن تعليم الأطفال السوريين المولودين في تركيا واندماجهم مع أسرهم ومجتمعهم، له أهمية كبيرة، وأن هناك 3 خيارات فيما يتعلق بالسوريين، ويجب على صناع السياسات شرحها بوضوح للمجتمع التركي، وكذلك المجتمع الدولي. وأوضح أن هذه الخيارات تتمثل في توضيح أن بعض السوريين الذين يعيشون في تركيا منذ 12 عاماً قد يرغبون في الاستمرار في الإقامة فيها، كما في حالة «العمال الضيوف» الذين توجهوا من تركيا إلى ألمانيا، ولهذا السبب ينبغي التركيز على مسألة الاندماج.

أما الخيار الثاني، بحسب الأكاديمي التركي، فيتمثل في أن ربع السوريين يريدون الذهاب إلى بلدان أخرى. وأضاف أن عودة السوريين إلى بلادهم تعد الخيار الثالث، لكنها تعتمد على شروط معينة. وخلص إلى أنه يجب العمل على تهيئة المجتمع التركي لتقبل فكرة التنوع وعدم الانسياق وراء الحملات التحريضية، وأن يتعود الناس على ألا يكرهوا رؤية العربي مثلما لا يكرهون رؤية الأوروبي أو الأميركي، وتذكيرهم بحالة «العمال الأتراك الضيوف» في ألمانيا.


مقالات ذات صلة

الاتحاد الألماني يتعاون مع مجموعة «روتس» لمكافحة العنصرية

رياضة عالمية الهدف من هذا التعاون هو مواصلة تسليط الضوء على الأشكال التمييزية (الاتحاد الألماني)

الاتحاد الألماني يتعاون مع مجموعة «روتس» لمكافحة العنصرية

قرر الاتحاد الألماني لكرة القدم توسيع جهوده لمكافحة جميع أشكال التمييز، وذلك من خلال تعاون مع مجموعة «روتس» لمكافحة العنصرية، التي يقودها أوتو أدو.

«الشرق الأوسط» (ميونيخ)
رياضة عالمية بريستياني نفى نعته لفينيسيوس بالقرد (أ.ف.ب)

بريستياني: عوقبت على تهمة العنصرية "من دون أدلة"

اعتبر لاعب الوسط الارجنتيني لنادي بنفيكا البرتغالي جانلوكا بريستياني الأربعاء أنه عوقب "من دون أدلة" على أمر لم يقم به في اشارة الى إيقافه من الاتحاد الأوروبي…

«الشرق الأوسط» (بوينس آيرس)
رياضة عالمية جماهير إسبانية تساند منتخب بلادها خلال ودية مصر المونديالية (رويترز)

رئيس وزراء إسبانيا: المشجعون الذين «هتفوا ضد المسلمين» شوهوا صورتنا

انتقد رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، الأربعاء، «أقلية» من المشجعين «شوّهت» صورة إسبانيا من خلال ترديد هتافات معادية للإسلام.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
رياضة عالمية لوتشاريل جيرترويدا لاعب سندرلاند (الشرق الأوسط)

الدوري الإنجليزي: القبض على مشجع لارتكابه إساءة عنصرية

ألقي القبض على رجل في أعقاب بلاغ عن إهانة عنصرية بين الجماهير خلال مباراة بالدوري الإنجليزي الممتاز بين الغريمين نيوكاسل وسندرلاند.

«الشرق الأوسط» (نيوكاسل)
رياضة عالمية نادي إسبانيول رفض ربط سمعة النادي بتصرفات فردية ومعزولة (رويترز)

إسبانيول يرفض اتهام جماهيره بالعنصرية في «أحداث مباراة إسبانيا ومصر»

أدان نادي إسبانيول بشدة السلوكيات العنصرية التي شهدتها المباراة الودية بين منتخبي إسبانيا ومصر التي أُقيمت على ملعب إسبانيول بتنظيم من الاتحاد الإسباني

شوق الغامدي (الرياض)

إيران تنفذ حكم الإعدام بشخصين دانتهما بالتواصل مع إسرائيل خلال احتجاجات يناير

متظاهرون يشاركون في احتجاجات ضد سوء الأوضاع الاقتصادية بطهران 28 ديسمبر الماضي (أرشيفية - د.ب.أ)
متظاهرون يشاركون في احتجاجات ضد سوء الأوضاع الاقتصادية بطهران 28 ديسمبر الماضي (أرشيفية - د.ب.أ)
TT

إيران تنفذ حكم الإعدام بشخصين دانتهما بالتواصل مع إسرائيل خلال احتجاجات يناير

متظاهرون يشاركون في احتجاجات ضد سوء الأوضاع الاقتصادية بطهران 28 ديسمبر الماضي (أرشيفية - د.ب.أ)
متظاهرون يشاركون في احتجاجات ضد سوء الأوضاع الاقتصادية بطهران 28 ديسمبر الماضي (أرشيفية - د.ب.أ)

نفذت السلطات الإيرانية الأحد حكم الإعدام بشخصين دانتهما بالعمل لصالح إسرائيل والولايات المتحدة أثناء الاحتجاجات الأخيرة مطلع السنة، بحسب ما أعلنت السلطات القضائية.

ونقل موقع ميزان التابع للسلطات القضائية في إيران أن «محمد أمين بيقلاري وشاهين وحيدبرست، أُعدما بعد إعادة النظر في القضية وتصديق الحكم النهائي من المحكمة العليا»، مشيراً إلى أنهما شاركا في الاحتجاجات التي بلغت ذروتها في يناير (كانون الثاني)، قبل الحرب، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتشير منظمة ‌العفو الدولية ‌إلى أن ​الرجلين ‌كانا ⁠من ​بين أربعة أشخاص ⁠في القضية نفسها يواجهون حكم الإعدام.

وقال موقع «ميزان» إن المحكمة العليا الإيرانية أيدت الحكم الصادر بحق المتهمين اللذين كانا من ⁠بين «المشاغبين الذين سعوا ‌لارتكاب مجزرة جماعية» ‌من خلال محاولة ​سرقة أسلحة ‌ومعدات عسكرية.

وفي الأسبوع ‌الماضي، أعدمت إيران أمير حسين حاتمي البالغ من العمر 18 عاماً والمدان في القضية نفسها ‌التي ترتبط بفترة احتجاجات شعبية مناهضة للحكومة قمعتها ⁠الجمهورية ⁠الإسلامية في أكبر حملة قمع في تاريخها، وفقاً لما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وذكرت منظمة العفو الدولية في تقرير حديث أن 11 رجلاً يواجهون خطر الإعدام الوشيك لمشاركتهم في الاحتجاجات، وأضافت أنهم «تعرضوا للتعذيب وغيره من أشكال سوء المعاملة خلال احتجازهم» ​قبل إدانتهم ​في «محاكمات جائرة للغاية اعتمدت على اعترافات قسرية».

واندلعت الاحتجاجات في 28 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، على خلفية متاعب اقتصادية وتطورت إلى مظاهرات واسعة النطاق تطالب بإنهاء حكم رجال الدين في إيران، وبلغت ذروتها في أعمال عنف واسعة النطاق خلال شهر يناير الماضي.


ترمب: الوقت ينفد والجحيم يقترب

آثار الدمار الذي أصاب مجمع مدينة معشور للبروكيماويات (وسائل التواصل)... وفي الإطار بقايا صاروخ إيراني سقط على مزرعة في مستوطنة إسرائيلية بالضفة (إ.ب.أ)
آثار الدمار الذي أصاب مجمع مدينة معشور للبروكيماويات (وسائل التواصل)... وفي الإطار بقايا صاروخ إيراني سقط على مزرعة في مستوطنة إسرائيلية بالضفة (إ.ب.أ)
TT

ترمب: الوقت ينفد والجحيم يقترب

آثار الدمار الذي أصاب مجمع مدينة معشور للبروكيماويات (وسائل التواصل)... وفي الإطار بقايا صاروخ إيراني سقط على مزرعة في مستوطنة إسرائيلية بالضفة (إ.ب.أ)
آثار الدمار الذي أصاب مجمع مدينة معشور للبروكيماويات (وسائل التواصل)... وفي الإطار بقايا صاروخ إيراني سقط على مزرعة في مستوطنة إسرائيلية بالضفة (إ.ب.أ)

دخلت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران أسبوعها السادس، وسط تصعيد في الخطاب السياسي وبالميدان، مع توجيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنذاراً لطهران مدته 48 ساعة للتوصل إلى اتفاق قبل أن تواجه إيران «الجحيم».

وكان ترمب قد وسّع بنك الأهداف داخل إيران ليشمل الجسور ومحطات الكهرباء، بينما ظلت الحرب تواصل إرباك الأسواق، وترفع الضغوط على إدارته.

ويأتي هذا في وقت تخوض فيه واشنطن وطهران سباقاً للعثور على أحد الطيارَين اللذين تحطمت طائرتهما داخل الأراضي الإيرانية في حادث هو الأول من نوعه منذ بدء الحرب؛ ما زاد الضغوط على ترمب لإيجاد نهاية للحرب التي دخلت أسبوعها السادس.

وكانت القوات المسلحة الإيرانية أعلنت، يوم الجمعة، أنها أسقطت طائرة «إف - 15 - آي»، بينما أفادت وسائل إعلام أميركية بأن أحد الطيارَين قفز بالمظلة، وأُخرج في عملية نفذتها قوات خاصة في جنوب غربي إيران، لكن مصير الطيار الثاني ما زال مجهولاً. وزاد الأمر خطورة بعدما أعلنت إيران أنها أصابت طائرة أميركية أخرى، وهي طائرة دعم جوي سقطت لاحقاً في الخليج، لكن صحيفة «نيويورك تايمز» ذكرت أن طائرة سقطت قرب مضيق هرمز، وأُنقذ قائدها.

في هذه الأثناء، استهدفت ضربات أميركية - إسرائيلية، أمس، مواقع حيوية في جنوب غربي إيران، طالت محيط محطة بوشهر النووية، ومجمعاً للبتروكيماويات في مدينة معشور، وهو الأكبر في إيران. وقالت وكالة «فارس» إن الهجوم استهدف 3 شركات في المنطقة، بينما ذكرت وكالة «تسنيم» أن «حجم الأضرار لا يزال غير معروف».


محطة بوشهر النووية... مشروع الشاه الذي تهدده الحرب

محطة بوشهر النووية (أرشيفية - رويترز)
محطة بوشهر النووية (أرشيفية - رويترز)
TT

محطة بوشهر النووية... مشروع الشاه الذي تهدده الحرب

محطة بوشهر النووية (أرشيفية - رويترز)
محطة بوشهر النووية (أرشيفية - رويترز)

محطة بوشهر النووية هي المنشأة النووية المدنية الوحيدة العاملة في إيران، وشيّدتها روسيا ودُشّنت رسمياً في سبتمبر (أيلول) 2013، بعد عقود من التأخير بسبب تاريخ إيران المضطرب.

استهدفت ضربة أميركية - إسرائيلية مشتركة، السبت، محيط المحطة التي تضم مفاعلاً بقدرة ألف ميغاواط، ما أسفر عن مقتل أحد عناصر الحماية، بحسب ما أفادت وسائل إعلام رسمية في إيران.

ووفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية»، فهذه هي المرة الرابعة التي تُستهدف فيها هذه المنطقة الواقعة في جنوب غربي إيران على سواحل الخليج منذ بدء الحرب في الشرق الأوسط في 28 فبراير (شباط).

وشاركت روسيا في بناء المحطة، ويساعد فنيون روس في تشغيلها. وأعلنت روسيا، السبت، أنها بدأت بإجلاء 198 عاملاً من المحطة في إيران، هم من موظفي وكالة «روساتوم» النووية.

مشروع أُطلق خلال عهد الشاه

بدأ المشروع، الذي مُنح في البداية لشركة «سيمنز» الألمانية، عام 1975، خلال عهد الشاه، وتوقف العمل فيه بسبب ثورة عام 1979 والحرب العراقية - الإيرانية (1980 - 1988).

وسعت إيران، وهي منتج رئيسي للنفط والغاز، إلى إحياء المشروع في أواخر ثمانينات القرن الماضي، معربة عن رغبتها في تنويع مصادر الطاقة وتقليل اعتمادها على الوقود الأحفوري للاستهلاك المحلي، إلا أن ألمانيا أقنعت «سيمنز» بالانسحاب منه بسبب مخاوف من انتشار الأسلحة النووية.

وبالتالي، اتجهت طهران إلى روسيا التي حصلت على عقد في يناير (كانون الثاني) 1995 لبناء مفاعل يعمل بالماء المضغوط.

ونص العقد الموقع مع موسكو على بدء التشغيل عام 1999، لكن مشاكل عديدة أخرت إنجاز المشروع لمدة 11 عاماً، وكان يعمل فيه آلاف المهندسين والفنيين الروس.

كما نشبت عدة نزاعات مالية بين الروس والإيرانيين حول هذا المشروع الذي تُقدر كلفته بأكثر من مليار دولار.

ضغوط واشنطن

من بين عقبات أخرى، مارست واشنطن ضغوطاً شديدة لإقناع موسكو بعدم إكمال بناء المحطة النووية؛ إذ خشيت من أن يُسهّل تشغيلها احتمال حصول إيران على أسلحة نووية.

ومع ذلك، حصلت موسكو على استثناء لإكمال بناء المحطة من خلال إبرام اتفاق مع طهران ينص على توفير الوقود النووي للمحطة وإعادته إلى روسيا لتخفيف مخاطر الانتشار النووي.

ويعتقد العديد من المحللين والدبلوماسيين أن روسيا أخرت إكمال المحطة للحفاظ على نفوذها على إيران، ولا سيما لإجبارها على التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

الاستخدام المدني

بخلاف منشأة نطنز لتخصيب اليورانيوم أو محطة أراك النووية المزمع إنشاؤها لتوليد الطاقة بالماء الثقيل، لا تُعدّ محطة بوشهر عاملاً مُساهماً في الانتشار النووي.

وتتهم القوى الغربية إيران منذ سنوات بالسعي لتطوير أسلحة نووية، وهو ما تنفيه طهران.

في المقابل، اتهمت إيران مراراً إسرائيل التي تُعدّ القوة العسكرية النووية الوحيدة في المنطقة، بتخريب بعض منشآتها لتخصيب اليورانيوم.

وتُشدد الولايات المتحدة على أهمية منع إيران من تخصيب اليورانيوم، في حين تُدافع طهران عن حقّها في امتلاك طاقة نووية لأغراض مدنية، إلا أنها خصّبت يورانيوم بنسبة 60 في المائة، وهي نسبة قريبة من 90 في المائة المطلوبة لإنتاج سلاح نووي، وتتجاوز إلى حد كبير المستوى المطلوب للاستخدام المدني.

قريبة من دول الخليج

تقع محطة بوشهر النووية على مقربة من دول الخليج العربي، وهي أقرب إلى عواصم عربية مثل الكويت والدوحة منها إلى طهران التي تبعد منها أكثر من 750 كيلومتراً.

وأعربت دول الخليج العربي المجاورة مراراً عن مخاوفها بشأن موثوقية هذه المحطة، خصوصاً لناحية خطر حصول تسربات إشعاعية في حال وقوع زلزال كبير في منطقة معرضة لذلك.

وفي أبريل (نيسان) 2021، ضرب زلزالٌ بلغت قوته 5.8 درجة منطقة بوشهر، إلا أن المحطة النووية لم تتضرر، بحسب السلطات.