الاعتداءات على العرب في تركيا... عنصرية متجذّرة أم حوادث فردية؟

«الشرق الأوسط» ترصد تصاعد حملات التحريض على الكراهية وجهود مكافحتها

مهاجرة تطلّ من سياج حدودي مع سوريا في شانلي أورفا، مايو 2023 (غيتي)
مهاجرة تطلّ من سياج حدودي مع سوريا في شانلي أورفا، مايو 2023 (غيتي)
TT

الاعتداءات على العرب في تركيا... عنصرية متجذّرة أم حوادث فردية؟

مهاجرة تطلّ من سياج حدودي مع سوريا في شانلي أورفا، مايو 2023 (غيتي)
مهاجرة تطلّ من سياج حدودي مع سوريا في شانلي أورفا، مايو 2023 (غيتي)

كشفت سلسلة من الاعتداءات وقعت في الفترة الأخيرة في تركيا عن تبلور نزعة عنصرية ضد العرب على وجه التحديد، وإن بدت في ظاهرها حوادث فردية وشجارات عادية، ربما يقع مثلها الآلاف في أنحاء العالم يومياً، إلا أن تواليها وحجم انتشارها على منصات التواصل الاجتماعي فجّرا تساؤلات عما إذا كان القوميون المتطرفون في تركيا نجحوا في تعبئة الشارع التركي ضد كل ما هو عربي، وعن المدى الذي يمكن أن تصل إليه هذه الاعتداءات، وما الذي ستفعله حكومة الرئيس رجب طيب إردوغان لمواجهة هذا التيار الذي يشكل تحدياً كبيراً لها.

بل إن السؤال الأكثر إلحاحاً في ظل هذه الموجة غير المسبوقة من التحريض على كراهية العرب، هو: هل اضطرت الحكومة لغض الطرف عن تلك الحوادث لترفع عن كاهلها ضغوط المعارضة وقطاع عريض من الشعب التركي؟ خاصة أن الحملات ضد الأجانب تفاقمت خلال موسم الانتخابات البرلمانية والرئاسية في مايو (أيار) الماضي، مع استغلال المعارضة ملف اللاجئين السوريين والعرب الحاصلين على الجنسية التركية ورقة ضغط ضد الحكومة.

فبعدما أصبح الخطاب المعادي لبقاء اللاجئين السوريين في تركيا معتاداً ويجري التعامل معه على صعيد تصريحات التهدئة والطمأنة إلى جهود إعادتهم بشكل آمن إلى بلادهم، اتسع الخطاب ليشمل المقيمين والسياح العرب، لدرجة الخوف من الحديث باللغة العربية في أي مكان، خاصة في المواصلات العامة، بعد تفشي تيار العنصرية وتأثر الشارع التركي، بمن في ذلك قسم لا بأس به من المحافظين، الذين يعانون أيضاً لوناً آخر من العنصرية داخل بلادهم.

في التحقيق التالي محاولة للإجابة عن التساؤلات حول صعود التيار العنصري الرافض لوجود الأجانب، ولا سيما العرب في تركيا، وكيف تتعامل حكومة إردوغان مع الضغوط التي تتعرض لها في هذا الملف.

نقطة فارقة

شكّلت جولة الإعادة في الانتخابات الرئاسية في مايو (أيار) النقطة الفارقة في ملف «العنصرية الجديدة» بتركيا، وانتشرت سريعاً عبر منصات التواصل الاجتماعي مشاهد الاعتداءات والإهانات للعرب وحوادث الاعتداء التي تبدو فردية، لكنّها ناتجة عن التعرض لسيل من التحريض على كراهية العرب، ووصل الأمر بعد الانتخابات إلى حد قتل السياح أحياناً.

مشاة في إحدى مناطق أضنة حيث يقيم عدد كبير من اللاجئين السوريين، مايو 2023 (غيتي)

ونجحت المعارضة العلمانية، ومعها القوميون المتشددون، في تطوير استخدام ورقة اللاجئين والأجانب، التي لم يفلحوا من خلالها في الفوز بالانتخابات، إلى أداة لشحن المجتمع التركي مستغلين الأزمة الاقتصادية الضاغطة على الأتراك.

وبعد أن كان الحزب الحاكم يكرس جهده لنزع هذه الورقة من يد المعارضة عبر سلسلة إجراءات اتخذتها حكومة إردوغان عقب الانتخابات، تمثّلت في حملات لترحيل المهاجرين غير الشرعيين ومخالفي شروط الإقامة، أصبحت تواجه أسئلة أخرى تتعلق بقدرتها على توفير الأمن للأجانب والسياح العرب، وعن سبب تقاعسها في إصدار قانون لمكافحة العنصرية.

فخلال السنوات الثلاث الماضية، وبالتزامن مع ازدياد الضغوط الاقتصادية، أطلقت أحزاب المعارضة التركية حملات إعلامية وعبر عشرات الحسابات على منصات التواصل الاجتماعي للتحريض ضد اللاجئين السوريين بشكل خاص، ثم العرب بوجه عام.

وتصاعدت هذه الحملات خلال جولة الإعادة من الانتخابات الرئاسية، عندما وعد مرشح المعارضة كمال كليتشدار أوغلو بترحيل السوريين فوراً، حال فوزه بالانتخابات لتخليص المجتمع التركي.

وسعت المعارضة بعد خسارتها الانتخابات إلى توظيف قضية اللاجئين السوريين والأجانب في تركيا ورقة للضغط على إردوغان وحزب العدالة والتنمية الحاكم الذي تسبب، من وجهة نظرهم، في فتح الأبواب أمام المهاجرين والعرب لـ«استعمار تركيا»، وإبقاء هذه الضغوط حتى إجراء الانتخابات المحلية المقررة في 31 مارس (آذار) 2024.

وفي الأيام الأخيرة، سيطرت حادثة الاعتداء على السائح الكويتي محمد راشد العجمي في مدينة طرابزون بمنطقة البحر الأسود في شمال تركيا على مواقع التواصل الاجتماعي في تركيا والعالم العربي، وأخذت حيزاً واضحاً من الاهتمام السياسي بين الكويت وتركيا، بعد أن جرى التعامل معها على أنها دليل جديد على العنصرية تجاه العرب في تركيا. وسبق هذه الحادثة مقتل مواطن مغربي في إسطنبول بسبب خلاف مع سائق سيارة أجرة، ما أدى إلى إطلاق حملات في المغرب ودول خليجية تدعو لمقاطعة السياحة إلى تركيا.

وقبلها أيضاً تعرض طفلان يمنيان للضرب المبرح على أيدي أتراك في أحد المجمعات السكنية بسبب شجار مع طفل تركي، كما وقعت مشادات بين سياح خليجيين وعمال أتراك، وصلت إلى حد الاعتداء بالضرب في أحد المراكز التجارية في إسطنبول.

وخلال الأسبوع الأخير وحده، تعرض مصريون للاعتداء في أحد المطاعم في منطقة تقسيم في إسطنبول بسبب اعتراضهم على أسعار الطعام، وقُتل 3 سوريين في كونيا (وسط) وإزمير (غرب) في مشاجرات، لأسباب ربما توصف بـ«التافهة» لكنها تنم عن تأثر بحملة الكراهية التي يقودها منذ أكثر من عامين رئيس حزب «النصر» القومي المتطرف أوميت أوزداغ، المعروف بعدائه للسوريين والعرب والأفغان، ومناهضته لوجود الأجانب بشكل عام.

حملات كراهية

ولعبت المعارضة خلال الانتخابات على ورقة اللاجئين والأجانب، ووضعها مرشح المعارضة للرئاسة رئيس حزب الشعب الجمهوري كمال كليتشدار أوغلو على رأس حملته الانتخابية، وكذلك حزب «الجيد» الذي تترأسه ميرال أكشنار، لا سيما في جولة الإعادة للانتخابات الرئاسية.

كمال كليتشدار أوغلو دعا إلى ترحيل ملايين اللاجئين خلال تجمّعات حملته الانتخابية، مايو 2023 (غيتي)

كما جاهر أوزداغ بالعداء الصريح وخطاب العنصرية، الذي بدأه قبل عامين، وشن حملات تدعو إلى طرد السوريين والأفغان وغيرهم من البلاد، زاعماً أنهم سبب المشاكل الاقتصادية التي تعانيها تركيا.

وبعد حادثة السائح الكويتي، تحوّل الأمر إلى سجال بين الحكومة والمعارضة التي تحملها المسؤولية عن الوضع الراهن. وأعلن المستشار السابق لرئيس الجمهورية العضو البارز في الحزب الحاكم، ياسين أقطاي، أن الحملات ضد العرب في تركيا كلفتها خسارة 5 مليارات دولار من عائدات السياحة، بسبب تصوير بعض الحوادث العادية على أنها عنصرية ضد العرب. كما أشارت وسائل إعلام قريبة من الحكومة إلى انسحاب مليار دولار من رؤوس الأموال الخليجية من تركيا بسبب هذه الحملات في تركيا وصداها في العالم العربي.

وقال الصحافي المخرج السينمائي التركي القريب من الحكومة، إرم شنتورك، إن هجمات «العصابات المعادية للأجانب» والعنصرية في تركيا، أضرّت بالسياحة وزادت العداء ضد العرب. ولفت إلى أن رئيس حزب «النصر»، وحزب الشعب الجمهوري، مع حزب العمال الكردستاني (مصنف تنظيماً إرهابياً)، حققوا أهدافهم، وبدأت التساؤلات الموجهة لتركيا: «هل أنتم أعداء للعرب؟ هل أنتم أعداء للمسلمين؟».

وكتب شنتورك في حسابه على «إكس» أن كراهية الأجانب هي في الواقع عداء تجاه الأتراك، قائلاً: «ستتم مناقشة قانون الأسرة مرة أخرى، ولن تبقى تركيا دون رد على العداء للإسلام».

استغلال الأزمة الاقتصادية

واستغلت الحملات المناهضة للسوريين والعرب والأجانب الوضع الاقتصادي في تركيا عبر تحميلهم المسؤولية عن البطالة في العديد من القطاعات لقبولهم العمل بأجور متدنية ومن دون تأمينات صحية أو اجتماعية، فضلاً عن استفادة اللاجئين السوريين من الدعم المالي وخدمات صحية «لا يحصل عليها الأتراك إلا بمقابل كبير»، وزيادة إيجارات المساكن وغلاء الأسعار والتضخم.

لاجئون سوريون مقيمون في كهرمان مرعش وهاتاي يعودون إلى سوريا في إطار مشروع «العودة الطوعية»، يونيو 2023 (غيتي)

وبدأت حملات الكراهية والتحريض باستهداف السوريين أولاً، وباتت واضحة بشكل كبير بعد إطلاق تركيا عملياتها العسكرية في شمال سوريا عام 2016، لينالوا النصيب الأكبر من الاعتداءات اللفظية والجسدية، قبل أن تتطور الحملة لتشمل مختلف الجنسيات العربية، حتى السائحين.

وجاء السوريون أولاً لأنهم يشكلون الكتلة الكبرى من اللاجئين العرب في تركيا، التي استقبلتهم قبل لاجئين فلسطينيين وعراقيين، ثم يمنيين وتونسيين وليبيين ومصريين بعد انتفاضات ما يسمى «الربيع العربي»، لكن الحملات الانتخابية للمعارضة أولتهم النصيب الأكبر من الخطابات العدائية، وحملتهم المسؤولية عن ارتفاع معدلات الجريمة والبطالة، بينما توضح إحصائيات وزارة الداخلية أن نسبة المتورطين في الجرائم من السوريين لم تتجاوز 1.3 في المائة.

ويوجد في تركيا، بحسب الإحصاءات الرسمية الأخيرة، نحو 3.4 مليون سوري حاصلين على بطاقات الحماية المؤقتة (كيمليك)، كما حصل نحو 230 ألفاً على جنسيات استثنائية، وإن كانت المعارضة تقول إن الرقم أعلى بكثير.

ودفعت تلك الحملات قطاعاً عريضاً من الشعب التركي إلى الاعتقاد بأن الأزمة الاقتصادية في بلادهم هي نتيجة مترتبة على الأعداد الكبيرة للاجئين السوريين والعرب والأفغان وغيرهم من الأجانب المقيمين في البلاد. واللافت أن الاعتداءات لم توجه إلى غير العرب، كما أنه يسود اعتقاد لدى كثيرين بأن كل من يتحدث العربية هو سوري، ولذلك فإن أي عربي في تركيا الآن بات هدفاً محتملاً إن لم يكن للاعتداء الجسدي، فللاعتداء اللفظي.

مهاجر سوري يطلّ من سياج حدودي مع سوريا في شانلي أورفا، مايو 2023 (غيتي)

وتقول نوران أوزدمير، مواطنة تركية في العقد الخامس من عمرها، لـ«الشرق الأوسط»، «إنهم (العرب) يأتون إلى هنا يأخذون الوظائف التي لا يحصل عليها شبابنا، ويحظون برعاية صحية ربما لا تتوفر لنا.؟. العرب لم يكونوا يوماً عوناً لنا... يجب أن يرحلوا... لا نريدهم في بلادنا... لدينا ما يكفينا... لقد كنا في وضع أفضل كثيراً قبل مجيئهم إلى هنا». وأضافت: «شبابنا يقتل في الحرب في سوريا، بينما السوريون هنا يتجولون في الشوارع وعلى الشواطئ ويعيشون أفضل منا ويحصلون على مختلف أنواع الدعم».

العربي بات هدفاً

لفت مضر أحمد، وهو لاجئ سوري يقيم في إسطنبول منذ اندلاع الحرب الداخلية في بلاده، إلى أن الوضع أصبح صعباً جداً، «أصبحنا نخشى الخروج من بيوتنا، فقد أصبح العرب عموماً، والسوريون خصوصاً، هدفاً للعنصرية إلى حد أنهم يعجزون الآن عن استئجار منزل ليسكنوا فيه لرفض الأتراك تأجير البيوت لهم». وأضاف أن «العنصرية ضدنا، نحن السوريين، ليست وليدة الانتخابات. فمنذ سنوات ونحن نتعرض للتهديدات وتشويه السمعة، فضلاً عن اتهامات السياسيين لنا بالمسؤولية عن ارتفاع معدلات الجريمة، وعن الأزمة الاقتصادية. والأسوأ أن غالبية الأتراك باتوا يصدقون ذلك، وبات جميع العرب الآن عرضة للاعتداءات الجسدية واللفظية، ما ينذر بالأسوأ».

جانب من إعلان وزير الداخلية التركي السابق سليمان صويلو إطلاق مشروع «العودة الطوعية» في جرابلس، مايو 2023 (غيتي)

لم يختلف الأمر بالنسبة للطالب الجامعي العراقي الذي يدرس بجامعة إسطنبول، علي هاشم، الذي قال إنه نصح زملاءه العرب بعدم التحدث بالعربية في الأماكن العامة، خصوصاً في وسائل النقل العام، مؤكداً أن الوضع بات صعباً وأنه أصبح يشعر بالعداء تجاهه إذا تحدث العربية فضلاً عن أنه لا يشبه الأتراك. وكشف عن أنه تعرض للاعتداء الجسدي داخل أحد محال البقالة، حيث رفض البائع أن يعطيه احتياجاته عندما اكتشف أنه عربي، قائلاً إنه لا يبيع للسوريين، ورفض الاستماع إليه عندما قال له إنه ليس سورياً وليس لاجئاً، وهدده بأن يطلب له الشرطة لترحيله إلى سوريا. وأضاف أن مجموعة من الشباب كانوا خارج المحل وعندما سمعوا نقاشه مع البائع دخلوا إلى المحل وبدأوا الاعتداء عليه بالضرب، ولم ينقذه سوى صراخ امرأة كانت تشتري بعض احتياجاتها وتعاطفت معه. وأكد أنه بات يخشى الخروج من المنزل، أو الذهاب إلى الجامعة أو دعوة أصدقائه لزيارته حتى لا يتعرضوا للاعتداء مثله.

«عمل ممنهج»

أكّد رئيس تجمع المحامين السوريين الأحرار في تركيا، غزوان قرنفل، لـ«الشرق الأوسط»، أنه لم يعد هناك أمان للاجئين السوريين في تركيا، الذين بدأ بهم التيار العنصري، ثمّ اتجه إلى العرب بعد ذلك، موضحاً أن الخطاب العنصري ضد اللاجئين الذي سبق العملية الانتخابية هو جزء من خطاب قطاع عريض من الشعب التركي، أدى بالنهاية إلى سقوط قتلى وجرحى. وأكد أن ما يحدث الآن لا يمكن أن يكون صدفة، كما لا يمكن وضعه في إطار الحوادث الفردية، «فهذا عمل منظم وممنهج يكشف عنه حجم العمل على منصات التواصل الاجتماعي، خاصة (إكس) ضد السوريين والعرب». وتابع أن «الاحتكاكات والجرائم التي وصلت إلى القتل لا يمكن أن نقول إنها عمل غير ممنهج، فلولا التعبئة والخطاب التحريضي عبر وسائل التواصل الاجتماعي ما شهدنا الجرائم التي بدأت تتزايد خلال الفترة الأخيرة، ويكفي القول إنه خلال الأسبوع الأخير فقط قُتل 3 سوريين في كونيا وإزمير من دون سبب».

استغلت الحملات المناهضة للسوريين والعرب والأجانب الوضع الاقتصادي في تركيا عبر تحميلهم المسؤولية عن البطالة (أ.ب)

ولفت قرنفل إلى غياب إحصاءات دقيقة عن عدد الحالات التي تتعرض للجرائم العنصرية، لكن على مدى ما يقرب من 10 سنوات، قُتل ما بين 20 و30 سورياً في جرائم عنصرية، وغالبية السوريين وغيرهم ممن يتعرضون لهذه الحوادث لا يبلغون الشرطة، إما بسبب أنهم يخشون أن يلقوا معاملة سيئة أو لأنه لن يعتد بشكاواهم، مضيفاً: «لذلك أنصح السوريين وكل من يتعرض لهذه الاعتداءات بالتوجه إلى النيابة العامة، وليس لمراكز الشرطة».

ونبّه إلى أن المسألة تجاوزت الحدود، ولا يمكن وضعها في إطار التصرفات الفردية، لافتاً إلى أن هذا نذير خطر ليس على السوريين ولا العرب والأجانب فقط ولكن على شريحة من الأتراك المحافظين. ورأى قرنفل أن «الدولة نفسها انتبهت إلى ذلك، وحذر الرئيس التركي مَن يروجون للخطابات العنصرية ضد اللاجئين والمهاجرين وضد المحافظين، خاصة النساء اللاتي يرتدين الحجاب، بأنه لن يتم السكوت عن أي تصرف وسيواجه بالقانون». وشدد قرنفل على أنه يجب على الدولة أن تقوم بدورها الآن على الفور، لأن وظيفتها توفير الأمن والأمان للناس سواء من المواطنين أو المقيمين أو اللاجئين ويتعين مساءلتها على التقصير في هذا الواجب.

ونبه المحامي إلى أن هناك تياراً عنصرياً «متأصلاً وله جذوره في المجتمع التركي». وقال إنه يختلف مع مَن يقولون إن السياسي القومي المتعصب، أوميت أوزداغ، هو من زرع شجرة العنصرية في تركيا، ورأى أن «جذور هذه الشجرة كانت موجودة وهو من قام بريها حتى تترعرع من جديد».

غياب الإحصاءات الدقيقة

بحسب مصدر أمني، تحدث لـ«الشرق الأوسط» شريطة عدم الإفصاح عن اسمه، تأخذ غالبية الحوادث طابع الشجار بين الجيران أو في المطاعم أو المراكز التجارية أو الاحتكاك اللفظي في وسائل النقل والمواصلات العامة، وتنتهي غالباً قبل الوصول إلى مراكز الشرطة، أو بتنازل أطرافها عن الشكاوى. وقال إن ما تم رصده من شجار أو اعتداءات كان اللاجئون السوريون أو العرب بشكل عام طرفاً فيها منذ عام 2020 لا تزيد على 100 حادثة، لافتاً إلى أن الأشهر الأخيرة شهدت تسليطاً للضوء على هذه الحوادث عبر وسائل التواصل الاجتماعي داخل تركيا وخارجها بشكل مثير للقلق، «ومبالغ فيه في كثير من الأحيان»، على حد قوله.

وشدد على أن أجهزة الأمن التركية تتدخل في أي حادثة، سواء ما يقع في الشوارع من مشاجرات أو التي يتم الإبلاغ عنها أو التي تتداول عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أو بأي طريقة للنشر، فضلاً عن تتبع الحسابات التي تحرض على الكراهية ضد الأجانب أو بعض فئات الشعب التركي وتوقيف المسؤولين عنها وحظر تلك الحسابات بالطرق القانونية.

إجراءات عاجلة

وعلى الرغم من أن الحوادث، التي توصف بالعنصرية، ترتبط بأسباب سياسية واجتماعية واقتصادية، تواجه الحكومة انتقادات حادة بسبب «عدم الحزم والصرامة» تجاه العنصرية، وأن الأمر لا يخرج عن إطار التصريحات.

وفي مواجهة تلك الانتقادات وبعد تعدد سلسلة الحوادث التي استهدفت السياح العرب، أصدر مكتب المدعي العام في العاصمة أنقرة أمراً بتوقيف 27 مشتبهاً بهم في 14 ولاية تركية، بتهم تحريض الجمهور علناً على الكراهية والعداء، ونشر معلومات مضللة من خلال «خطاب كراهية» يستخدم عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وأطلقت النيابة العامة تحقيقاً ضد المشتبه بهم في الجرائم المنصوص عليها بموجب المادة 5237 من قانون العقوبات التركي.

وفي إطار التحقيقات، صدرت أوامر بتوقيف 27 مشتبهاً في ولايات أنقرة، وهطاي، وأنطاليا، وسامسون، وكهرمان ماراش، وسكاريا، وإزمير، وشانلي أورفا، وتوكات، وسيرت، وأدرنه، وبورصة، وكونيا وإسطنبول. كما أوقفت السلطات التركية الصحافي باطوهان تشولاك رئيس تحرير موقع «آيكيري» المعروف بمناهضته لوجود اللاجئين السوريين والأجانب في تركيا.

وهاجم رئيس حزب «النصر» القومي المعارض، أوميت أوزداغ، المعروف بعدائه وعنصريته تجاه اللاجئين السوريين والأجانب في تركيا، قرار القبض على الصحافي.

وجاء القبض على تشولاك بعد يومين من توقيف رؤوف كوسا، مؤسس حساب «حركة الدفاع» القومية العنصرية، التي أعلنت أنها ستستهدف الأجانب في جميع أنحاء تركيا ابتداءً من أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، ما لم تتحرك الحكومة لإنهاء «احتلالهم للبلاد».

وقادت «حركة الدفاع»، مسيرة مضادة لتجمع مناهض للعنصرية نظمته جمعية «أوزغور دار» (الحرية) في إسطنبول السبت الماضي. ونظم كوسا حملة ضد اللاجئين السوريين والمهاجرين الذين يدخلون تركيا بطريقة غير شرعية. وحجبت السلطات التركية حسابات الحركة على منصات التواصل الاجتماعي.

تضخيم «متعمد»؟

يعتقد رئيس المنظمة الدولية للتعاون العربي - التركي، مستشار الرئيس التركي السابق لشؤون الشرق الأوسط أرشد هورموزلو، أن الحوادث الأخيرة، ولا سيما الاعتداء على السائح الكويتي، أخذت حيزاً أكبر بكثير في العالم العربي، وتم تصويرها على أنها جريمة عنصرية على الرغم من طبيعتها الفردية، حيث يقع آلاف الحوادث المماثلة في العالم يومياً. وتابع أن هذه الحوادث لا تشكل نسبة تذكر في بلد عدد سكانه 86 مليون نسمة، ويزوره أكثر من 50 مليون سائح سنوياً.

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان لدى إلقائه خطاباً في أنقرة (د.ب.أ)

وقال هورموزلو إن «نحو 200 ألف سائح كويتي يزورون تركيا سنوياً، وعلى مدى 10 سنوات لم نسمع إلا عن 3 حوادث فقط تعرض لها السياح الكويتيون، ما يعني أنها نسبة لا تذكر بالمقارنة بمليوني سائح حلّوا ضيوفاً على تركيا في تلك السنوات». وتابع هورموزلو، في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «أتصور أنه قد يكون هناك من يستغل هذا الوضع في الوقت الراهن بالذات، الذي يحدث فيه تقارب تركي-عربي، لأن مثل هذه المشاجرات تقع كل يوم تقريباً وتتم تسويتها بالاعتذار أو محاسبة المتورطين». وأضاف أنه لا ينفي أن هناك تياراً عنصرياً في تركيا، لكنه تساءل: «ماذا ربح هؤلاء في الانتخابات الأخيرة؟ لم تتجاوز نسبة الأصوات التي حصلوا عليها مجتمعين نسبة 1 في المائة».

ودعا هورموزلو وسائل الإعلام التركية والعربية إلى التحلي بالمنطق والحكمة والعقلانية في التعامل مع مثل هذه الحوادث، والابتعاد عن وصفها بالعنصرية وإثارة النعرات العرقية أو تحميل بعض الحوادث «أكثر مما لا تحتمل وإهدار الجهود التي تبذل لتعزيز العلاقات بين الجانبين العربي والتركي».

وعن اللوم الموجه للحكومة التركية بعدم الصرامة في مواجهة العنصرية، أوضح هورموزلو أن الحكومة التركية عليها مسؤوليات بالطبع تجاه توفير الأمن والأمان وحرية الحياة للسياح، معتبراً الحديث عن سنّ قانون لمكافحة العنصرية «أمراً غريباً»، لأن الدستور التركي يلزم السلطات بكفالة الأمن والأمان لكل شخص موجود على الأراضي التركية.

جذور العنصرية

ربما لا يعرف كثيرون خارج تركيا مصطلح «التركي الأبيض والتركي الأسود» الذي يعد أحد جذور العنصرية في البلاد، التي تفوق العنصرية التي ظهرت ضد العرب والأجانب.

وصدرت دراسات كثيرة داخل تركيا وخارجها حول الأتراك البيض والسود، منها دراسة للأكاديمية التركية سيدا دمير ألب أشارت فيها، عام 2012، إلى أن المجتمع التركي المعاصر منشطر منذ تأسيس الجمهورية عام 1923 إلى «أتراك بيض وأتراك سود». وذكرت أن بعضاً من النخب التي تميل للغرب في تركيا، والتي تعرف بـ«الأتراك البيض»، تتمسك بالاستئثار بالسلطة والثروة وتراه أمراً طبيعياً لا يجوز الاعتراض عليه، وتتعامل مع مجتمع الأناضول المحافظ باستعلاء.

مظاهرة في إسطنبول للتضامن مع حركة «حياة السود مهمة» والتنديد بالعنصرية وعنف الشرطة، يونيو 2020 (غيتي)

وبحسب الكاتب التركي، رئيس تحرير وكالة «الأناضول» السابق كمال أوزتورك، يجتهد «الأتراك البيض» في إظهار أنفسهم بمظهر متميز عن مجتمعهم سواء في نمط الحياة والمظهر أو حتى طريقة الحديث، و«كأنهم يعيشون في كانتون سويسري»، ويرتبطون وجدانياً بأوروبا ويعتقدون أنهم طبقة «متحضرة»، وأن أبناء المجتمع المحافظ العريض في الأناضول «همج أو بربر».

ويتركز «الأتراك البيض» في منطقة غرب تركيا وعلى سواحلها، ويدعمون قوة الجيش ويدافعون عن الارتباط بالغرب، بينما يشكّل مجتمع الأناضول في وسط البلاد غالبية الشعب التركي المحافظ.

وتطرق إردوغان لهذه القضية خلال حملة حزبه للانتخابات البرلمانية عام 2015، مخاطباً حشداً من أنصاره بالقول: «الأتراك البيض يصفونكم ويصفوننا بأننا زنوج تركيا. وأنا فخور بأنني زنجي تركي». وأضاف: «في هذا البلد يوجد تمييز بين الأتراك البيض والأتراك السود، أخوكم طيب (إردوغان) ينتمي إلى الأتراك السود... ولا يميز بين الأتراك والعرب أو الأكراد أو اللاز أو أي مواطن على أساس العرق».

أساليب المواجهة

عبّر خبراء وأكاديميون أتراك عن اعتقادهم بأن بعض سياسات الحكومة قد يكون لها دور في تشكيل سياق العنصرية والتمييز ضد اللاجئين والمهاجرين، كونها سياسات نابعة من قلة الخبرة العملية للدولة التركية في التعامل مع اللاجئين مقارنة مع دول أخرى، مثل ألمانيا التي يشكل الأتراك أكبر نسبة من المهاجرين إليها ويفوق عددهم 3 ملايين، أو بريطانيا، وهو ما أدى إلى الخلل في احتواء العدد الكبير من اللاجئين والأجانب الذي وصل إلى 5 ملايين شخص.

دمية «أمل الصغيرة» تتوقف في إزمير في طريقها إلى المملكة المتحدة للتوعية بمعاناة الأطفال اللاجئين، أغسطس 2021 (غيتي)

واستحدثت تركيا إدارة الهجرة التي حلّت محل شعبة الأجانب في مديريات الأمن منذ عام 2015، لكنها بحاجة إلى المزيد من الخبرة في التعامل مع أعباء اللاجئين والمهاجرين وإدماجهم في المجتمع التركي المنقسم إلى طبقة متعاطفة ترحب بالمهاجرين وتنفتح عليهم، وأخرى رافضة لوجودهم بتعصب.

ويبدو التعامل مع تحديات الاقتصاد من العوامل التي تؤثّر في النسق الاجتماعي والسياسي، ما يؤدي إلى تصاعد العنصرية والتمييز ضد اللاجئين والمهاجرين، خاصة العرب، الذين يرفضهم جزء كبير من العلمانيين في تركيا.

وبحسب دراسات أكاديمية حول اللجوء والهجرة في تركيا، تلعب وسائل الإعلام دوراً حاسماً في تشكيل الرأي العام وتوجيه انطباعات الجمهور حول مختلف القضايا، ومنها تعميق العنصرية ضد اللاجئين من خلال تضخيم الحوادث السلبية وبث الخوف والقلق في المجتمع، على الرغم من أن ما يقرب من 50 في المائة من الأتراك ليست لديهم ميول متحيزة.

البحث عن «الخط الأحمر»

ويسود اعتقاد بأن الحكومة التركية لا ترى في الحملات المناهضة للأجانب خطراً كبيراً على الأمن القومي، أو تتساهل معها لأن مَن يقومون بها مواطنون أتراك.

ورأى رئيس اتحاد المحامين السوريين الأحرار، غزوان قرنفل، أن اللاجئين هم من يدفعون ثمن أي تقصير في مكافحة العنصرية، ويتم ترحيلهم نتيجة خطأ بسيط يرتكبونه أو حتى من دون أي خطأ، كما أن تحول مشروع «العودة بشكل طوعي» إلى «عمليات ترحيل قسري»، مؤخراً، ما هو إلا إحدى نتائج حملات التحريض ضد اللاجئين والمهاجرين.

طفل سوري مهاجر يجمع قطعاً من البلاستيك بجوار مبانٍ متضررة من زلزال مدمر في كهرمان مرعش في مايو 2023 (إ.ب.أ)

وأكد مدير مركز دراسات الهجرة بجامعة «كوتش» الدكتور أحمد إيتشدويغو، أن «ردود الفعل والمخاوف في المجتمع كانت مفهومة جزئياً، أما الآن فنحن بحاجة إلى خط أحمر، فلا ينبغي أن يصل رد الفعل إلى مستوى كراهية الأجانب والعنصرية». ولفت إلى أن معظم الأتراك الذين ذهبوا إلى ألمانيا بوصفهم «عمالاً ضيوفاً» في الستينات لم يعودوا إلى تركيا، وعلى الرغم من أن شكل الهجرة كان مختلفاً، فإن الأتراك كانوا أيضاً ضيوفاً في ألمانيا، لكنهم بقوا في ألمانيا وأصبح منهم اليوم نواب بالبرلمان ووزراء في الحكومة، ولم يكن أحد يفكر في هذا قبل 50 عاماً. وأضاف: «بالمنطق ذاته، نحن نرى السوريين الآن ضيوفاً، والحكومة الآن لا تستطيع إدارة الهجرة بشكل جيد، كما أن أحزاب المعارضة، التي تستخدم هذه القضية مادة سياسية، لا يمكنها تقديم استراتيجيات ملموسة للجمهور حول كيفية إدارة المشكلة بشكل أفضل من الحكومة».

وتابع إيتشدويغو أن قضية الهجرة هي قضية مسيّسة في كل بلد يستقبل المهاجرين، وأن السياسيين الشعبويين يصنعون السياسة على أساس اهتمامات المجتمع.

وشدد على أن تعليم الأطفال السوريين المولودين في تركيا واندماجهم مع أسرهم ومجتمعهم، له أهمية كبيرة، وأن هناك 3 خيارات فيما يتعلق بالسوريين، ويجب على صناع السياسات شرحها بوضوح للمجتمع التركي، وكذلك المجتمع الدولي. وأوضح أن هذه الخيارات تتمثل في توضيح أن بعض السوريين الذين يعيشون في تركيا منذ 12 عاماً قد يرغبون في الاستمرار في الإقامة فيها، كما في حالة «العمال الضيوف» الذين توجهوا من تركيا إلى ألمانيا، ولهذا السبب ينبغي التركيز على مسألة الاندماج.

أما الخيار الثاني، بحسب الأكاديمي التركي، فيتمثل في أن ربع السوريين يريدون الذهاب إلى بلدان أخرى. وأضاف أن عودة السوريين إلى بلادهم تعد الخيار الثالث، لكنها تعتمد على شروط معينة. وخلص إلى أنه يجب العمل على تهيئة المجتمع التركي لتقبل فكرة التنوع وعدم الانسياق وراء الحملات التحريضية، وأن يتعود الناس على ألا يكرهوا رؤية العربي مثلما لا يكرهون رؤية الأوروبي أو الأميركي، وتذكيرهم بحالة «العمال الأتراك الضيوف» في ألمانيا.


مقالات ذات صلة

«فيفا» يفرض غرامة على الاتحاد الإسرائيلي بتهمة «العنصرية»

رياضة عالمية «فيفا» قال إن الاتحاد الإسرائيلي للعبة فشل في اتخاذ إجراءات فعالة بحق نادي بيتار القدس (أ.ب)

«فيفا» يفرض غرامة على الاتحاد الإسرائيلي بتهمة «العنصرية»

فرض الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) غرامة مالية على الاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم بقيمة (190696 دولاراً) الخميس، بسبب «عدة انتهاكات».

«الشرق الأوسط» (لوزان)
رياضة سعودية اللاعب الياباني كازوناري (الشرق الأوسط)

العنصرية تضرب من جديد في ملاعب إسبانيا... والضحية هذه المرة «ياباني»

أُوقفت مباراة في دوري الدرجة الثانية الإسباني لبضع دقائق، السبت، بعد حادثة جديدة من مزاعم العنصرية.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
شؤون إقليمية عمال إنقاذ في موقع صاروخ إيراني في بيت شيمش قرب القدس يوم الأحد (أ.ب) p-circle 02:54

الملاجئ في إسرائيل تفتح باباً لاتهامات العنصرية والإهمال

فتحت واقعة اختراق صاروخ إيراني ملجأً عمومياّ في مدينة بيت شيمش قرب القدس، ومقتل 9 أشخاص وإصابة وفقدان العشرات تحت الأنقاض، باباً لاتهامات بالإهمال والعنصرية.

نظير مجلي (تل أبيب)
رياضة عالمية جياني إنفانتينو رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» (د.ب.أ)

إنفانتينو يقترح طرد اللاعبين الذين يغطون أفواههم أثناء المناوشات

اقترح جياني إنفانتينو رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) طرد اللاعبين الذين يغطون أفواههم أثناء المناوشات الكلامية مع المنافسين.

«الشرق الأوسط» (زيوريخ)
رياضة عالمية سيُعاقَب اللاعبون بالإنذار عند تغطية أفواههم إذا ما أُقرَّت تعديلات قانونية يجري تسريعها (أ.ف.ب)

محاربة العنصرية: «قانون فينيسيوس الجديد» سيعاقب اللاعبين الذين يغطون أفواههم

ادعاءات إساءة مهاجم ريال مدريد على يد جيانلوكا بريستياني لاعب بنفيكا تُسرّع إدخال مخالفة انضباطية محتملة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قالیباف يزداد نفوذاً في دوائر صنع القرار

رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف في صورة تعود إلى عام 2024 (د.ب.أ)
رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف في صورة تعود إلى عام 2024 (د.ب.أ)
TT

رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قالیباف يزداد نفوذاً في دوائر صنع القرار

رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف في صورة تعود إلى عام 2024 (د.ب.أ)
رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف في صورة تعود إلى عام 2024 (د.ب.أ)

يضطلع رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف بدور محوري بشكل متزايد في ظل الضربات الأميركية الإسرائيلية التي تستهدف القيادة السياسية لإيران، مما يجعله شخصية بالغة الأهمية في لحظة حاسمة.

ومع اختفاء المزيد من الشخصيات النافذة من المشهد، أصبح الرجل، الذي كان قائداً في «الحرس الثوري» ورئيس بلدية طهران، وقائداً للشرطة الوطنية، ومرشحاً رئاسياً سابقاً، حلقة وصل رئيسية الآن بين النخب السياسية والأمنية والدينية.

وبعد ما يقرب من ثلاثة أسابيع من بدء الهجوم المفاجئ على إيران بقتل المرشد علي خامنئي، تخوض القيادة في طهران معركة استنزاف مريرة للصمود أمام المهاجمين.

وكان قالیباف، الذي طالما نُظر إليه على أنه مقرب من خامنئي وموضع ثقة ابنه مجتبى الذي خلفه في منصب الزعيم الأعلى، من أبرز الأصوات المتحدية لإسرائيل والولايات المتحدة وتوعد بالثأر من هجومهما.

وفي كلمة وجهها إلى الرئيس ‌الأميركي دونالد ‌ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بعد مقتل خامنئي، توعد بتوجيه «ضربات مدمرة ‌لدرجة ⁠ستجعلكما تتوسلان».

وقال في ⁠خطاب بثه التلفزيون: «أقول لهذين المجرمين القذرين وعملائهما: لقد تجاوزتم الخط الأحمر بالنسبة لنا وعليكم أن تدفعوا الثمن».

تعكس هذه اللهجة القوية موقفه الراسخ بصفته أحد أنصار النظام الديني في طهران، وهو موقف تجلى أيضاً من خلال المساعدة في قمع مظاهر المعارضة الداخلية.

مع ذلك، ورغم هذه المواقف المتشددة، رسم قاليباف أيضاً صورة لنفسه بوصفه شخصية مجدِّدة براغماتية، وظهر خلال حملته الرئاسية عام 2005 بزيه الرسمي كونه طياراً في إعلانات الحملة الانتخابية لتعزيز صورته بأنه مرشح مؤهل.

«الحرس الثوري»

ولد قاليباف في بلدة طُرقبة بشمال شرقي البلاد عام 1961. وتشير وسائل الإعلام إلى أن ⁠حياته تشكلت في المراحل المبكرة جزئياً من خلال المحاضرات التي كان يحضرها ‌في المساجد عندما كان مراهقاً، في وقت زخم الثورة الإسلامية ‌عام 1979.

وعندما هاجم العراق إيران بعد أشهر من إطاحة الشاه، انضم إلى «الحرس الثوري»، وهي قوة عسكرية تشكلت في ذلك الحين لحماية النظام الجديد في البلاد، وتدرّج سريعاً ليصبح جنرالاً خلال ثلاثة ‌أعوام فقط.

وبعد انتهاء الحرب واصل مسيرته مع «الحرس الثوري» وحصل على رخصة طيار عسكري، وأصبح رئيساً لوحدة القوات الجوية في «الحرس الثوري».

محمد باقر قاليباف يتحدث في إحدى جلسات البرلمان الإيراني (رويترز)

وأثناء خدمته في «الحرس الثوري»، شارك في حملة قمع دموية ضد طلاب الجامعات في عام 1999، وانضم إلى قادة آخرين في توقيع رسالة موجهة إلى الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي، يهددونه فيها بالإطاحة ‌إذا لم يكبح الاحتجاجات.

وعندما وجد خامنئي نفسه محاصراً بين السخط المتزايد في الداخل والضغوط بشأن البرنامج النووي في الخارج، لجأ على نحو متزايد ⁠إلى الشخصيات الأمنية المتشددة مثل ⁠قاليباف مع انحسار زخم الحركة الإصلاحية.

وخلال توليه منصب قائد الشرطة، اتسم قاليباف بالقسوة؛ إذ أصدر أوامر بإطلاق النار على المتظاهرين عام 2002، لكنه في الوقت نفسه حاول استمالة دعاة التحديث عبر إدخال زي جديد أنيق لعناصر الشرطة.

وعندما ترشح للرئاسة في عام 2005، كان يسعى لاستقطاب الناخبين أصحاب الدخل المتوسط والمنخفض، لكن خطابه الشعبوي لم يصمد أمام منافسه رئيس بلدية طهران المثير للجدل محمود أحمدي نجاد، الذي مال خامنئي في النهاية لدعمه على حساب الجنرال السابق المقرب منه.

لم يتوقف قاليباف قط عن السعي للرئاسة، إذ ترشح لها في عامي 2013 و2024 دون أن يحالفه التوفيق، وانسحب من سباق عام 2017 لتجنب انقسام أصوات التيار المتشدد.

وحل محل أحمدي نجاد في منصب رئيس بلدية طهران، وشغل المنصب لمدة 12 عاماً، ونُسب إليه الفضل في المساعدة على قمع اضطرابات استمرت لأشهر وهزت المؤسسة الحاكمة بعد إعلان فوز أحمدي نجاد في انتخابات متنازع عليها عام 2009.

وبعد 12 عاماً في رئاسة بلدية طهران، عاد إلى معترك السياسة بانتخابه لعضوية البرلمان وتوليه منصب رئيس البرلمان في عام 2020، مما منحه أحد أهم المناصب في هرم السلطة الإيرانية.


28 مليون رحلة جوية من الشرق الأوسط مهددة هذا العام بسبب حرب إيران

مواطنون يونانيون عائدون إلى بلادهم قادمون من الشرق الأوسط... أثينا 18 مارس 2026 (إ.ب.أ)
مواطنون يونانيون عائدون إلى بلادهم قادمون من الشرق الأوسط... أثينا 18 مارس 2026 (إ.ب.أ)
TT

28 مليون رحلة جوية من الشرق الأوسط مهددة هذا العام بسبب حرب إيران

مواطنون يونانيون عائدون إلى بلادهم قادمون من الشرق الأوسط... أثينا 18 مارس 2026 (إ.ب.أ)
مواطنون يونانيون عائدون إلى بلادهم قادمون من الشرق الأوسط... أثينا 18 مارس 2026 (إ.ب.أ)

خلصت مذكرة بحثية صادرة عن «أوكسفورد إيكونوميكس»، إلى أن ما يقرب من 28 مليون رحلة جوية مغادرة من الشرق الأوسط معرضة للخطر هذا العام نتيجة الاضطرابات الناجمة عن الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران.

وقالت هيلين ماكدرموت، مديرة التوقعات العالمية لدى شركة الاستشارات والأبحاث الاقتصادية البريطانية، وجيسي سميث، كبيرة الاقتصاديين في الشركة: «ما يقرب من 28 مليون رحلة مغادرة من الشرق الأوسط معرضة للخطر هذا العام مع استمرار الاضطرابات في السفر الجوي وتأثيراتها الاقتصادية».

وأضافت سميث أن أوروبا معرضة بشكل خاص لهذا الخطر، إذ تمثل 60 في المائة من الرحلات المهددة، حسب وكالة «رويترز» للأنباء.

وتعتبر تركيا وفرنسا وبريطانيا معرضة بشكل خاص للخطر، إذ تستقبل عادة نسبة أعلى من الزوار القادمين من الشرق الأوسط.

وقال فريق اقتصاديات السياحة في «أوكسفورد إيكونوميكس» إن الحرب ستؤدي إلى مزيد من «التركيز على أقاليم بعينها» في السفر، إذ ينظر المستهلكون إلى الوجهات المحلية على أنها خيارات أكثر أماناً.

وستستفيد الوجهات الأوروبية مثل إسبانيا والبرتغال واليونان، في حين تمثل مصر والمغرب وتونس وجهات بديلة.


ترمب يقيّد إرسال القوات إلى المنطقة… والتصعيد يصل إلى مصفاة حيفا

TT

ترمب يقيّد إرسال القوات إلى المنطقة… والتصعيد يصل إلى مصفاة حيفا

صورة نشرها الجيش الإسرائيلي من مقاتلات قبل تنفيذها غارات جوية في إيران أمس
صورة نشرها الجيش الإسرائيلي من مقاتلات قبل تنفيذها غارات جوية في إيران أمس

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن إسرائيل لن تشن هجمات جديدة على حقل «بارس الجنوبي» الإيراني، لكنه لوّح في الوقت نفسه بأن الولايات المتحدة ستدمره إذا واصلت طهران استهداف منشآت الطاقة في المنطقة، في وقت برز تباين داخل الإدارة بشأن نشر قوات إضافية في الشرق الأوسط.

وعشية نهاية الأسبوع الثالث من الحرب، وسّعت إسرائيل ضرباتها إلى قواعد للبحرية الإيرانية على ساحل بحر قزوين في شمال البلاد، وردّت طهران بموجات صاروخية وضربات على منشآت إسرائيلية، بينها منشأة بتروكيمياويات في حيفا، وسط تحذيرات دبلوماسية متصاعدة من اتساع الحرب إلى البنية التحتية للطاقة والممرات البحرية.

وقال ترمب، الخميس، إن الولايات المتحدة لن تنشر جنوداً في إيران، وذلك بعد 3 أسابيع من بدء الضربات الأميركية - الإسرائيلية على الجمهورية الإسلامية، لكنه أبقى الباب مفتوحاً أمام خيارات أخرى في الشرق الأوسط، من دون أن يستبعد صراحة تعزيز الوجود العسكري الأميركي في المنطقة.

وأضاف ترمب، خلال لقاء مع صحافيين، أنه لن يرسل قوات إلى أي مكان، قائلاً إنه لو قرر القيام بذلك فلن يعلن الأمر مسبقاً. وجاء هذا التصريح في وقت تحدث فيه مسؤول أميركي و3 أشخاص مطلعين عن مناقشات داخل الإدارة بشأن إرسال آلاف الجنود إلى الشرق الأوسط.

أتت تصريحات ترمب بعدما نقلت وكالة «رويترز» عن مسؤولين ومصادر مطلعة بأن الإدارة تدرس نشر قوات إضافية، في إطار استعدادات الجيش الأميركي لخيارات محتملة جديدة مع دخول الحرب أسبوعها الثالث واستمرار إغلاق مضيق هرمز عملياً.

وبحسب المصادر، فإن هذه التعزيزات قد توفر لترمب خيارات أوسع، بينها حماية عبور ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، وهي مهمة يفترض أن تنفذ أساساً بواسطة القوات الجوية والبحرية، لكن 4 مصادر، من بينهم مسؤولان أميركيان، قالوا إن ذلك قد يتطلب أيضاً قوات على الساحل الإيراني.

وذكرت المصادر نفسها أن الخيارات المطروحة تشمل كذلك إرسال قوات برية إلى جزيرة خرج الإيرانية، التي تعد مركزاً لنحو 90 في المائة من صادرات النفط الإيرانية. وقال أحد المسؤولين إن مثل هذه العملية ستكون شديدة الخطورة بسبب قدرة إيران على استهداف الجزيرة بالصواريخ والطائرات المسيّرة.

كما أشار أحد المصادر المطلعة إلى أن مسؤولين في إدارة ترمب ناقشوا أيضاً احتمال نشر قوات أميركية لتأمين مخزونات إيران من اليورانيوم عالي التخصيب، مع تأكيد أن أي استخدام لقوات برية في الداخل الإيراني ليس وشيكاً، وأن جميع الخيارات لا تزال قيد الدراسة فقط.

لكن مسؤولاً في البيت الأبيض قال إن أي قرار بإرسال قوات برية لم يُتخذ في الوقت الراهن، لكنه أضاف أن الرئيس «يبقي جميع الخيارات متاحة»، وأنه يركز على تحقيق أهداف عملية «ملحمة الغضب»، ومنها تدمير القدرات الصاروخية والبحرية الإيرانية ومنع طهران من امتلاك سلاح نووي.

وأظهر استطلاع أجرته «رويترز/إبسوس»، ونُشرت نتائجه الخميس، أن 65 في المائة من الأميركيين يتوقعون أن تنشر الولايات المتحدة قوات لخوض حرب برية واسعة النطاق في إيران، في حين لا يؤيد هذه الخطوة سوى 7 في المائة.

وبيّن الاستطلاع أن 34 في المائة من الأميركيين يؤيدون نشر عدد محدود من القوات الخاصة لتنفيذ عمليات محددة داخل إيران، مقابل 55 في المائة يعارضون نشر أي قوات برية.

ترمب يحذر طهران

وفي ملف الطاقة، قال ترمب إن إسرائيل «بدافع الغضب» شنّت «هجوماً عنيفاً» على حقل «بارس الجنوبي» الإيراني، لكنه شدد على أنه لن تكون هناك هجمات إسرائيلية إضافية على الحقل شديد الأهمية، ما لم تقدم إيران على مهاجمة منشآت الطاقة القطرية مرة أخرى.

وأضاف ترمب أن الولايات المتحدة لم تكن على علم بهذا الهجوم «تحديداً»، وأن قطر لم تشارك فيه، ملوحاً في الوقت نفسه بأن واشنطن ستقوم، «بمساعدة أو موافقة إسرائيل أو من دونها»، بتفجير الحقل بالكامل إذا واصلت إيران استهداف منشآت الغاز القطرية.

لكن هذا الموقف بدا متبايناً مع ما أوردته «وول ستريت جورنال» من أن ترمب كان على علم مسبق بالخطة الإسرائيلية ووافق عليها باعتبارها رسالة إلى طهران رداً على إغلاق مضيق هرمز، وقد يكون منفتحاً مجدداً على استهداف منشآت طاقة إيرانية إضافية وفق سلوك إيران لاحقاً.

هيغسيث يتحدث بينما يستمع إليه الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونائب الرئيس جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو ومسؤولون آخرون خلال اجتماع مع رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي (رويترز)

كما نقلت «رويترز» عن 3 مسؤولين إسرائيليين أن الهجوم على منشآت الغاز في حقل «بارس الجنوبي» تم بالتنسيق مع الولايات المتحدة، لكنه غير مرجح أن يتكرر. وقال المسؤولون، الذين طلبوا عدم نشر أسمائهم، إن إسرائيل لم تُفاجأ لاحقاً بتصريحات ترمب بشأن الحقل.

ووصف هؤلاء المسؤولون الوضع بأنه شبيه بما حدث بعد ضرب مستودعات وقود في إيران قبل أسابيع، حين قال وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث إن تلك لم تكن «هجماتنا».

وفي هذا السياق، قال وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث إن أهداف الولايات المتحدة في الحرب لم تتغير منذ 28 فبراير (شباط)، مشدداً على أن ما تنفذه واشنطن ليس استجابة لأهداف إعلامية أو إيرانية أو مستجدة، بل هو تنفيذ لخطة محددة وضعها الرئيس الأميركي منذ اليوم الأول.

وأضاف هيغسيث أنه لا يوجد إطار زمني لإنهاء الحرب، وأن الأمور تسير على النحو المرجو، وأن الرئيس وحده سيقرر متى تتوقف العمليات. وقال أيضاً إن طلبات التمويل المرتبطة بالحرب قد ترتفع، وإن الأمر «يتطلب مالاً» لضمان مواصلة العمليات الحالية والمستقبلية.

أهداف واشنطن

وشدّد هيغسيث على أن الضربات التي استهدفت القدرات العسكرية الإيرانية في جزيرة خرج جعلت «مصير إيران بيد الولايات المتحدة»، بينما أكد كبير المسؤولين العسكريين الأميركيين الجنرال دان كين أن القوات الأميركية تواصل استهداف البحرية الإيرانية وقدراتها الصاروخية والمسيّرة في المنطقة.

وقال كين إن طائرات «إيه-10 وورثوغز» التي تحلق على ارتفاعات منخفضة تطارد الزوارق الهجومية السريعة وتقصفها في مضيق هرمز، فيما تُستخدم مروحيات «أباتشي» في العراق لضرب المجموعات المسلحة الموالية لإيران، بينما بدأ بعض حلفاء الولايات المتحدة استخدام هذه المروحيات لاعتراض مسيّرات تنطلق من إيران.

وأعلنت القيادة المركزية الأميركية أن القوات الأميركية نفذت أكثر من 7800 ضربة منذ بدء الحرب في 28 فبراير، وألحقت أضراراً أو دمرت أكثر من 120 قطعة بحرية إيرانية. كما استهدفت أكثر من 40 سفينة إيرانية لزرع الألغام و11 غواصة، وفق تصريحات هيغسيث.

وفي المقابل، قالت مديرة الاستخبارات الوطنية الأميركية، تولسي غابارد، إن أهداف الولايات المتحدة تختلف عن أهداف إسرائيل. وأوضحت أمام لجنة الاستخبارات في مجلس النواب أن الحكومة الإسرائيلية تركز على شلّ القيادة الإيرانية، بينما يركز ترمب على الصواريخ الباليستية والبحرية الإيرانية.

وأضافت غابارد أن النظام الإيراني «لا يزال قائماً»، لكنه «تضرر إلى حد كبير»، في وقت تواصل فيه الضربات الأميركية - الإسرائيلية استهداف مواقع عسكرية وأمنية وقيادية. ويعكس هذا التصريح بوضوح تمايزاً بين الرؤية الأميركية والأولويات الإسرائيلية في إدارة الحرب.

وفي تطور منفصل، أفادت شبكة «سي إن إن»، نقلاً عن مصدرين مطلعين، بأن مقاتلة أميركية من طراز «إف-35» نفّذت هبوطاً اضطرارياً في قاعدة أميركية في الشرق الأوسط بعد تعرضها لما يُشتبه بأنه نيران إيرانية أثناء مهمة قتالية فوق إيران.

وقال المتحدث باسم القيادة المركزية الأميركية إن الطائرة كانت تنفذ مهمة قتالية فوق إيران عندما اضطرت إلى الهبوط، مؤكداً أنها هبطت بسلام وأن الطيار في حالة مستقرة، فيما لا يزال الحادث قيد التحقيق. وإذا تأكدت الرواية، فقد تكون أول إصابة مباشرة من نوعها.

وفي موازاة ذلك، قالت 6 دول، هي بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا واليابان، إنها مستعدة للمساهمة في الجهود الرامية إلى تأمين مضيق هرمز، داعية إلى وقف فوري للهجمات على البنى التحتية المدنية، ولا سيما منشآت النفط والغاز في المنطقة.

غارات إسرائيلية

على الجبهة الإسرائيلية، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الخميس، إن إيران لم تعد تملك القدرة على تخصيب اليورانيوم أو تصنيع الصواريخ الباليستية، وذلك بعد نحو 20 يوماً من بدء الضربات الجوية الأميركية - الإسرائيلية عليها.

وأضاف نتنياهو، في مؤتمر صحافي، أن إسرائيل «تنتصر في الحرب»، بينما تتعرض القدرات العسكرية الإيرانية لتدهور كبير، مشيراً إلى تدمير مئات منصات إطلاق الصواريخ وإلحاق أضرار كبيرة بمخزوناتها والصناعات المرتبطة بها.

وأوضح أن من المبكر تحديد ما إذا كان الإيرانيون سينزلون إلى الشوارع للاحتجاج، مؤكداً أن «إحداث ثورة من الجو وحده غير ممكن»، وأن ذلك يتطلب «عنصراً أرضياً» أيضاً، من دون أن يكشف عن تفاصيل، مكتفياً بالقول إن هناك «احتمالات متعددة» في هذا السياق.

وشدد نتنياهو على أن إسرائيل لم تجرّ الولايات المتحدة إلى الحرب، في حين تواصل العمليات العسكرية استهداف القدرات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية.

أعلن سلاح الجو الإسرائيلي أنه أسقط أكثر من 12 ألف قنبلة على أهداف داخل إيران منذ بدء الحرب، ضمن أكثر من 8500 ضربة منفصلة، بينها 3600 ذخيرة استُخدمت في ضربات على طهران، مشيراً إلى تنفيذ نحو 5700 طلعة جوية خلال 18 يوماً، في وتيرة تعادل النشاط السنوي المعتاد.

وقال مسؤول عسكري إن العمليات نُفذت ضمن نحو 540 موجة ضربات في وسط وغرب إيران، إضافة إلى 50 موجة في الشرق، باستخدام تكتيكات تسمح ببقاء الطائرات في الجو لفترات أطول، وتنفيذ ضربات فورية استناداً إلى معلومات آنية تستهدف منصات الصواريخ وقوات إيرانية وأهدافاً أخرى.

وأضاف الجيش أن الضربات دمرت نحو 85 في المائة من أنظمة الدفاع الجوي والرصد، بما في ذلك أكثر من 300 هدف، إلى جانب 92 في المائة من الأنظمة المتقدمة، و80 في المائة من الأنظمة الأقدم والرادارات، و75 في المائة من أنظمة الدفاع اللامركزية.

وفي ما يتعلق بالقدرات الصاروخية، قال الجيش إنه تم تدمير أو تعطيل نحو 60 في المائة من منصات إطلاق الصواريخ الباليستية الإيرانية، من أصل نحو 470 منصة، مؤكداً استمرار العمليات لتعقب المنصات المتبقية، في وقت لا تزال إيران تمتلك مئات الصواريخ وقد أطلقت أكثر من 350 صاروخاً منذ بدء الحرب.

مقاتلة تغادر للمشاركة في عملية داخل الأراضي الإيرانية (الجيش الإسرائيلي)

وأعلن الجيش الإسرائيلي أنه بدأ، للمرة الأولى منذ بدء العملية العسكرية في 28 فبراير، استهداف أهداف في شمال إيران، موضحاً أن سلاح الجو نفذ هذه الضربات بناءً على معلومات استخباراتية من البحرية والجيش، من دون تقديم تفاصيل إضافية فورية عن طبيعة الأهداف.

كما أعلن الجيش الإسرائيلي أن سلاح الجو دمر مروحية إيرانية من طراز «17 إم آي» في مطار «سنندج» غرب البلاد، مشيراً إلى أن العملية نُفذت ليلاً استناداً إلى معلومات استخباراتية دقيقة ومباشرة، في إطار إضعاف القدرات العسكرية لسلاح الجو التابع لـ«الحرس الثوري».

وقال الجيش الإسرائيلي أيضاً إن طائراته المقاتلة قصفت، الأربعاء، بنية تحتية رئيسية للبحرية الإيرانية في بحر قزوين، شملت مرافق ميناء وقاعدة تتمركز فيها عشرات السفن العسكرية، بينها سفن صواريخ وسفن دعم وزوارق دورية وسفن حراسة ومركز قيادة ميداني.

وأضاف أن الضربات طالت كذلك بنية تحتية تستخدم لإصلاح وصيانة السفن، وأن تنفيذ العملية تم بتعاون وثيق بين قائدي سلاحي الجو والبحرية الإسرائيليين من داخل مركز قيادة سلاح الجو. ووصف الجيش العملية بأنها من أبرز الضربات منذ بدء الحرب.

وفي ملف «الباسيج»، قال الجيش الإسرائيلي إنه قتل أحد عناصر هذه القوات أثناء حراسته نقطة دخول إلى قاعدة للباسيج في غرب إيران. وأضاف أن سلاح الجو حدد موقعه ثم نفذ الغارة، بعد أيام من استهداف عناصر للباسيج في أكثر من 10 نقاط في طهران.

كما نشر الجيش الإسرائيلي رسوماً وصوراً ولقطات مصورة قال إنها توثق ضربات على مقار ومنشآت للباسيج داخل إيران، إلى جانب مشاهد لاستهداف منشأة تحت الأرض تستخدم لتخزين وإطلاق الصواريخ الباليستية، ومقاطع أخرى تظهر ضرب منصات إطلاق صواريخ في الداخل الإيراني.

وفي الميدان الإيراني، أفادت تقارير محلية غير مؤكدة بسماع دوي انفجارات متتالية في مناطق شرق وشمال شرقي طهران، خصوصاً في بارس، بعد منتصف الليل، ترافقت مع أصوات كثيفة للدفاعات الجوية استمرت أكثر من نصف ساعة، من دون بيانات رسمية عن طبيعة الأهداف.

كما أبلغ سكان عن أصوات دفاع جوي في ونك وشيخ بهائي ومهرآباد، من دون تسجيل انفجارات مباشرة في بعض تلك المناطق، ما يرجح عمليات اعتراض أو تفعيل مبكر للإنذار. وفي شيراز، تحدثت تقارير عن ضربات طالت مواقع مرتبطة بالصناعات الإلكترونية ومنطقة أميركبير.

وفي أصفهان، أفاد شهود بسماع تحليق كثيف لطائرات حربية على ارتفاعات منخفضة مع دوي انفجارين على الأقل في مواقع غير محددة. وفي تبريز، وردت أنباء عن عدة انفجارات متزامنة مع نشاط جوي، فيما أفادت تقارير في يزد باستهداف محيط مطار المدينة.

ضربات إيرانية تطول مصفاة حيفا

في المقابل، أعلن «الحرس الثوري» الإيراني استهداف مصفاتي حيفا وأشدود، إلى جانب أهداف أمنية ومراكز دعم عسكرية، مؤكداً أن هذه الموجة نُفذت بصواريخ دقيقة.

وأفادت وسائل إعلام إسرائيلية بإصابة منشأة في حيفا بصاروخ إيراني. وقال وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين إن شبكة الكهرباء شمال البلاد تعرضت لأضرار جزئية، موضحاً أن الطواقم أعادت التيار إلى بعض المناطق وتواصل العمل لإعادته إلى المواقع التي لا تزال متضررة.

وأظهرت مقاطع فيديو دخاناً أسود يتصاعد من محيط مصفاة حيفا، فيما قالت وزارة حماية البيئة إن فرق الطوارئ توجهت إلى المكان بعد الاشتباه في حادث يتعلق بمواد خطرة. وأشارت هيئة البثّ الإسرائيلية إلى عدم وجود مخاوف من تسرب مواد خطرة.

الدخان يتصاعد من مصفاة نفط تضررت جراء هجوم إيراني على حيفا (رويترز)

وقال «الحرس الثوري» إنه استخدم للمرة الأولى منظومة «نصر الله»، وهي نسخة مطورة وموجهة من صواريخ «قدر». وأضاف أن الهجمات شملت أيضاً أهدافاً ومصالح أميركية، منها قاعدة الخرج وقاعدة الشيخ عيسى وقاعدة الظفرة، باستخدام صواريخ متوسطة المدى تعمل بالوقود الصلب والسائل.

وأوضح أن هذه الصواريخ شملت «قدر» متعددة الرؤوس و«خيبرشكن» و«قيام» و«ذوالفقار»، مؤكداً أنها أصابت أهدافها بدقة. كما أعلن، في بيان آخر، أن الهجمات الصاروخية فجر الخميس استهدفت مواقع في وسط وشمال إسرائيل إضافة إلى الأسطول الخامس الأميركي، وأن العمليات لا تزال مستمرة.

وأطلقت طهران 6 موجات صاروخية على الأقل الخميس، بعضها استخدم ذخائر عنقودية. وتم اعتراض معظم الصواريخ، لكن شظايا سقطت في عدة مناطق، وأسفرت بعض الهجمات عن قتلى وإصابات، بينها مقتل عامل زراعي في وسط إسرائيل.

كما أعلن الجيش الإيراني أنه استهدف وزارة الأمن الداخلي الإسرائيلية وقناة «13» التلفزيونية في تل أبيب ومنشآت ووحدات تابعة للقوات البرية في معسكر «عرعر»، موضحاً أن الضربات جاءت «انتقاماً» لمقتل طاقم المدمرة «دنا» ووزير الاستخبارات إسماعيل خطيب.

وأشار بيان الجيش إلى أن وزارة الأمن الداخلي تُعد مركزاً لإدارة الأزمات، بينما اتهم قناة «13» بلعب دور في «الحرب النفسية» والتعتيم على ما وصفه بإنجازات إيران وحلفائها، كما وصف معسكر «عرعر» بأنه موقع استراتيجي قريب من الحدود مع لبنان وسوريا.

من جهته، قال المتحدث باسم عمليات هيئة الأركان الإيرانية إن استهداف مواقع الطاقة الإيرانية يمثل «مرحلة جديدة في الحرب»، وإن طهران بدأت استهداف منشآت للطاقة مرتبطة بالولايات المتحدة وبمستثمرين أميركيين في المنطقة، محذراً من أن الرد المقبل سيكون أشد إذا تكرر استهداف الطاقة.

وأضاف أن الهجمات على البنية التحتية للطاقة التابعة للولايات المتحدة وحلفائها «لن تتوقف حتى التدمير الكامل» إذا تعرضت منشآت إيران للطاقة مجدداً لهجوم، مشدداً على أن الرد على الضربات السابقة «لا يزال مستمراً ولم ينتهِ بعد»، وأن إيران استخدمت حتى الآن جزءاً محدوداً من قدراتها.

«المعادلة انقلبت»

وفي الداخل الإيراني، اقترح نواب خطة لفرض رسوم وضرائب على السفن التي تمر عبر مضيق هرمز، وفق ما نقلته وكالة «إيسنا» عن النائبة سمية رفيعي، التي قالت إن البرلمان يعمل على مقترح يُلزم الدول بالدفع إذا استخدمت المضيق ممراً آمناً للطاقة والغذاء.

وجاء هذا الطرح فيما سخر رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف من تقديرات منسوبة إلى مسؤولين عسكريين إسرائيليين وأميركيين بشأن تدمير منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية، قائلاً إن هذه التقديرات تتحدث عن تدمير «320 في المائة» من المنصات رغم استمرار إطلاق الصواريخ.

وأضاف قاليباف أن «العدو» يسعى حالياً إلى تدمير ما يصل إلى «500 في المائة» من تلك المنصات، في إشارة تهكمية اعتبر فيها ذلك «إنجازاً فريداً» للجيش الأميركي. وفي السياق نفسه، نقل «إيلنا» عن إسماعيل كوثري قوله إن «العدو يتوسل عبر دول مختلفة» لطلب المساعدة.

وأضاف كوثري أن ما وصفه بـ«قوى الاستكبار العالمي والصهاينة» بدأوا الحرب بهدف اغتيال القيادة والقادة وإسقاط النظام والسيطرة على إيران، لكن «المعادلة انقلبت» وأصيب العدو بالإحباط، على حد تعبيره، مضيفاً أنه بات يطلب المساعدة عبر دول مثل إيطاليا وبريطانيا.

«جزء بسيط»

دبلوماسياً، حذّر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي من أن طهران لن تبدي «أي ضبط للنفس» إذا تعرضت بنيتها التحتية للطاقة لهجوم جديد، مؤكداً أن الردّ الإيراني السابق على الضربات الإسرائيلية لم يستخدم سوى «جزء بسيط» من القدرات الإيرانية.

وأضاف عراقجي أن السبب الوحيد لضبط النفس حتى الآن كان «احترام طلب خفض التصعيد»، مشدداً على أن أي إنهاء للحرب يجب أن يتضمن معالجة الأضرار التي لحقت بالمواقع المدنية في إيران.

وأجرى عراقجي اتصالات هاتفية منفصلة مع نظرائه في تركيا ومصر وباكستان، وقالت الخارجية الإيرانية إنه وصف الهجمات الأميركية والإسرائيلية على البنى التحتية الإيرانية بأنها تهدف إلى تصعيد التوتر وزعزعة استقرار المنطقة، داعياً إلى اليقظة والتنسيق بين دول الإقليم.

وفي المقابل، قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان من الدوحة إن بلاده تقدم نصيحة «ودية» لإيران لتجنب امتداد الحرب إلى أنحاء الشرق الأوسط، مشدداً على أن هجمات طهران على دول المنطقة «غير مقبولة» رغم اعتباره إسرائيل المتسبب الرئيسي في الحرب.

وأضاف فيدان أن على إيران «مسؤولية تاريخية» تتمثل في عدم مهاجمة دول المنطقة، مؤكداً أن أنقرة على اتصال بكل من واشنطن وطهران لفهم موقفيهما، وأن تركيا ستواصل جهودها لإنهاء الصراع.

وفي باريس، دعا إيمانويل ماكرون إلى محادثات مباشرة بين الأميركيين والإيرانيين. لكن عراقجي انتقد ماكرون بشدة، قائلاً إن الرئيس الفرنسي تجاهل الضربات الأميركية - الإسرائيلية السابقة على إيران، ولم يُدن الحرب عندما استهدفت منشآت إيرانية للوقود والغاز، مضيفاً أن «قلقه» ظهر بعد الردّ الإيراني فقط على منشأة راس لفان في قطر.

من جهته، حضّ الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الولايات المتحدة وإسرائيل على إنهاء الحرب قبل أن تصبح «خارج السيطرة بالكامل»، متوجهاً إلى إيران بالقول: «توقفي عن مهاجمة جيرانك. فهم لم يكونوا يوماً طرفاً في النزاع».

كما قالت الصين إن اغتيال علي لاريجاني «غير مقبول»، ورفضت استهداف أي زعيم إيراني آخر، داعية إلى وقف فوري لإطلاق النار. وأضافت أن مهاجمة الأهداف المدنية أو الإخلال بسلامة الممرات الملاحية أمر «غير مقبول على الإطلاق» ويجب وقفه فوراً.