واشنطن وطهران لمفاوضات إضافية وسط تكهنات بـ«صفقة أوسع»

تقارير عن تفاهمات ضمنية لتقييد «النووي» وضبط الميليشيات الوكيلة في العراق وسوريا

TT

واشنطن وطهران لمفاوضات إضافية وسط تكهنات بـ«صفقة أوسع»

بلينكن يتحدث خلال مؤتمر صحافي مع نظيرته المكسيكية أليسيا بارسينا إبارا في وزارة الخارجية في واشنطن أمس (إ.ب.أ)
بلينكن يتحدث خلال مؤتمر صحافي مع نظيرته المكسيكية أليسيا بارسينا إبارا في وزارة الخارجية في واشنطن أمس (إ.ب.أ)

أكد وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن أن «الاتفاق المبدئي» لإنهاء معاناة 5 من الأميركيين الإيرانيي الأصل المحتجزين في إيران لا يشمل تخفيفاً للعقوبات المفروضة عليها، رغم أنه يتضمن عملية بدأت بالفعل لتحرير ما بين 6 و7 مليارات دولار من الأموال الإيرانية المجمدة في كوريا الجنوبية لاستخدامها لأغراض إنسانية حصراً، وسط تكهنات بأن يكون أيضاً بمثابة مقدمة لصفقة أوسع بهدف احتواء البرنامج النووي لدى طهران.

وجاءت هذه الانفراجة الجزئية بعد أشهر من التوترات المتصاعدة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وحلفائها من الجهة الأخرى، تمثلت خصوصاً بإرسال تعزيزات عسكرية أميركية كبيرة إلى الخليج لحماية السفن التجارية والمدنية وناقلات النفط من عمليات القرصنة الإيرانية المتزايدة.

ونشرت صحيفة «نيويورك تايمز» أن نجاح الاتفاق الذي جرى التفاوض عليه بشق الأنفس «يزيل مشكلة خطيرة من العلاقة التي لم تكن بعيدة قط عن المواجهة العسكرية».

ونقلت عن الزميل البارز في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى هنري روما أن «صفقة الأسرى هي خطوة رئيسية إلى الأمام في جهود واشنطن وطهران لخفض التوترات مع تطلعهما للعودة إلى المفاوضات النووية الرسمية لاحقاً هذا العام».

ورجح أن إدارة الرئيس جو بايدن تأمل في استئناف المحادثات النووية الرسمية التي ينظمها الاتحاد الأوروبي لاحقاً هذا العام، بعدما انهارت قبل نحو عام بسبب المطالب الإيرانية «غير المقبولة» أميركياً. لكن لن ترغب إدارة بايدن في اتفاق نووي جديد قبل انتخابات 2024، بسبب الانعكاسات السياسية لهذه القضية.

ويتملك النظام الإيراني الشعور نفسه، بالنظر إلى احتمال عودة الرئيس السابق دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، علماً أنه كان قد انسحب عام 2018 من الاتفاق النووي، المعروف رسمياً باسم خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015.

إضافة إلى ذلك، نسبت وكالة «أسوشييتد برس» لمسؤولين إيرانيين في الأمم المتحدة أن نقل الأفراد الخمسة من السجن إلى الإقامة الجبرية «خطوة أولية مهمة» في تنفيذ الاتفاق، الذي لا يزال قيد التفاوض بغية الإطلاق الكامل لهؤلاء، ويشمل ما بين 6 و7 مليارات دولار جمدت بنتيجة العقوبات.

وأوضحوا أن الأموال ستحول إلى قطر قبل إرسالها إلى إيران عند توقيع الاتفاق، على الأرجح الشهر المقبل أو نحو ذلك بسبب الطبيعة المعقدة للمعاملات المالية.

امرأة تمشي بجوار جدارية تحمل صورة الرعايا الأميركيين المحتجزين في طهران في حي جورج تاون بواشنطن 20 يوليو 2022 (أ.ب)

مفاوضات «حساسة»

ووصف بلينكن الاتفاق المبدئي بأنه «بداية النهاية لكابوس» المحتجزين الخمسة و«الكابوس الذي تعيشه عائلاتهم»، مؤكداً أيضاً أن المزيد من العمل سيكون ضرورياً لتحرير هؤلاء. وكشف أن مسؤولي وزارة الخارجية تحدثوا إلى السجناء الخميس. وأكد أيضاً أن الولايات المتحدة ستواصل «بحزم» مواجهة نشاطات إيران «المزعزعة للاستقرار» في المنطقة وخارجها.

ووصفت الناطقة باسم مجلس الأمن القومي الأميركي أدريان واتسون المفاوضات بأنها «جارية» و«حساسة»، مضيفة أنه «في حين أن هذه خطوة مشجعة، فإن هؤلاء المواطنين الأميركيين (...) ما كان ينبغي أبداً أن يحتجزوا في المقام الأول».

ولا يزال من غير الواضح عدد الأميركيين من أصول إيرانية، المحتجزين لدى طهران، التي لا تعترف بالجنسية المزدوجة.

وكان لافتاً عودة ظهور المبعوث الأميركي الخاص لإيران روبرت مالي بتغريدة عبر منصة «إكس»، (تويتر سابقاً)، بعد فترة غياب منذ مايو (أيار) الماضي بسبب مساءلته حول تسريب «معلومات حساسة» عن المفاوضات.

وكتب مالي أن «هذه مجرد خطوة أولى، وكل يوم يستمرون فيه مسلوبي الحرية يقدر بأيام كثيرة»، مضيفاً أنه بالنسبة إلى «سيامك ومراد وعماد واثنين آخرين خرجوا من السجن، وأحباؤهم، هذه أخبار مرحب بها جرى انتظارها طويلاً». وزاد: «أعرف أن زملائي لن يرتاحوا حتى عودتهم جميعاً».

ولاحقاً، نسبت صحيفة «وول ستريت جورنال» لأشخاص مطلعين أن إيران «أبطأت بشكل كبير وتيرة تكديسها لليورانيوم المخصب شبه المخصص لصنع أسلحة نووية وخففت بعضاً من مخزونها بنسبة 60 في المائة، في خطوة قد تساعد في تخفيف التوترات مع الولايات المتحدة وتسمح باستئناف محادثات أوسع حول برنامجها النووي المثير للجدل».

وأضافت أن مسؤولين أميركيين وأوروبيين أبلغوا إيران أنه «إذا كان هناك تهدئة للتوترات خلال الصيف، فسيكونون منفتحين على محادثات أوسع في وقت لاحق من هذا العام».

لا رفع للعقوبات

ورغم تأكيدات بلينكن أن الاتفاق حول السجناء لا يشمل رفعاً للعقوبات، كشفت «نيويورك تايمز» عن أنه حصل في ظل «ما يبدو أنه اتفاق غير رسمي» لتقييد إيران برنامجها النووي وضبط ميليشيات تنشط بالوكالة عنها في كل من العراق وسوريا لتجنب انتقام قاسٍ من الولايات المتحدة».

وبينما نفى المسؤولون الأميركيون مراراً أن يكونوا قد توصلوا إلى أي «اتفاق» نووي مع الجانب الإيراني بعد المحادثات غير المباشرة التي عقدت في عمان سابقاً هذا العام، أكد مسؤولون من دول عدة أن ثمة تفاهماً «تشمل معاييره التخصيب الإيراني لليورانيوم بمستويات نقاء لا تزيد على 60 في المائة، وعدم تعرض القوات الأميركية لهجمات كبيرة من القوات الوكيلة لإيران في سوريا والعراق».

ونسبت الصحيفة الأميركية إلى اثنين من كبار مسؤولي الدفاع الإسرائيليين أن «الصفقة المتعلقة بالسجناء والأموال المجمدة هي جزء من تفاهمات أوسع جرى التوصل إليها في عمان (...) ويجري تنفيذها بالفعل على الأرض».

ولاحظ مسؤول عسكري أميركي كبير أن «هناك نشاطاً أقل للميليشيات المدعومة من إيران في سوريا والعراق ضد القوات الأميركية هناك في الأسابيع الأخيرة».

وأشار أحد المسؤولين الإسرائيليين أنه بينما أرسلت إيران مساعدات عسكرية، ومنها مسيّرات قوية، إلى روسيا منذ غزوها لأوكرانيا، فإن موسكو تريد أكثر مما تلقته.

«تمويل الإرهاب»

ومن المتوقع أن يفتح الاتفاق الباب واسعاً أمام انتقادات جديدة من الجمهوريين وآخرين بأن إدارة بايدن تساعد في تعزيز الاقتصاد الإيراني في وقت تشكل فيه إيران تهديداً متزايداً للقوات الأميركية وحلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

وفي ظل ترحيب إدارة بايدن، لاقى الاتفاق معارضة من مسؤولين أميركيين، بينهم نائب الرئيس الأميركي السابق مايك بنس، الذي رأى أن الصفقة المقترحة ستوفر لإيران الأموال لإنتاج مسيرات لروسيا ولـ«تمويل الإرهاب». وأضاف أن «الصين وروسيا، اللتين تحتجزان رهائن أميركيين، تعرفان الآن أن السعر ارتفع للتو».

ورأى السيناتور الجمهوري طوم كوتون أن إطلاق السجناء مقابل دفع مليارات من الدولارات، مجرد «استرضاء وهمي» سيؤدي فقط إلى «احتجاز المزيد من الرهائن». وأضاف أن تمويل الإرهاب وتسليح روسيا وتحركات النظام الإيرانية ضد القوات الأميركية ستستمر، حتى يتوقف جو بايدن عن «الرقص على أنغام إيران».

وأكد وزير الخارجية الأميركي سابقاً مايك بومبيو أن «إطلاق 6 مليارات دولار لسفاحي نظام طهران مقابل نقل الرهائن الأميركيين من سجن لآخر هو صفقة مروعة».

وبين السجناء سيامك نمازي، الذي اعتقل عام 2015، وحُكم عليه لاحقاً بالسجن 10 سنوات بتهم تجسس، والمتمول عماد شرقي الذي حكم عليه أيضاً بالسجن 10 سنوات، والناشط الأميركي البريطاني في مجال الحفاظ على البيئة مراد طهباز، الذي اعتقل عام 2018، وحكم عليه أيضاً بالسجن 10 سنوات. ولم يجر التعرف على السجينين الرابع والخامس.

وفي المقابل، أعلنت طهران أنها تسعى لإطلاق سجناء إيرانيين محتجزين في الولايات المتحدة. ورفض المسؤولون الأميركيون تحديد من هم هؤلاء، أو عددهم. لكن وسائل الإعلام الإيرانية في الماضي حددت سجناء لديهم قضايا مرتبطة بانتهاكات لقوانين التصدير الأميركية والقيود المفروضة على التعامل مع إيران.


مقالات ذات صلة

الإيرانيون يخشون من تفاقم الضغوط بعد الحرب وحملة القمع

شؤون إقليمية إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)

الإيرانيون يخشون من تفاقم الضغوط بعد الحرب وحملة القمع

يسعى الإيرانيون إلى الحفاظ على لمحة من مظاهر الحياة الطبيعية بعد أسابيع شهدت قصفاً أميركياً وإسرائيلياً، وحملة قمع ضد المتظاهرين أسقطت قتلى في يناير (كانون…

شؤون إقليمية إيرانية تمر أمام لافتة تظهر عليها صورتا المرشدين الأول والثاني الخميني (يسار) وعلي خامنئي (وسط) بجانب المرشد الجديد مجتبى خامنئي في طهران الأحد (أ.ف.ب)

أوروبا تتحسب لاتفاق «متعجل» بين واشنطن وطهران

قال دبلوماسيون مطلعون على الملف الإيراني إن حلفاء واشنطن في أوروبا يخشون أن يدفع فريق التفاوض الأميركي، الذي يرونه محدود الخبرة في هذا المسار نحو اتفاق «متعجل».

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية جندي من مشاة البحرية الأميركية على متن السفينة البرمائية «يو إس إس نيو أورلينز» يراقب حركة الملاحة خلال عمليات الحصار البحري قبالة الموانئ الإيرانية السبت (سنتكوم) p-circle

ترمب يعلن جولة تفاوض ثانية ويتهم إيران بـ«خرق» الهدنة

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن واشنطن تمضي في جولة جديدة من المفاوضات مع إيران، معلناً أن مسؤولين أميركيين سيتوجهون إلى إسلام آباد، مساء الاثنين.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية إيرانيات من أعضاء ميليشيا «الباسيج» يحملن بنادق كلاشينكوف خلال مسيرة نظمتها الحكومة دعماً لمجتبى خامنئي المرشد الإيراني بمناسبة «اليوم الوطني للفتيات» في طهران (نيويورك تايمز)

مضيق هرمز كأداة ضغط... إلى أي مدى تصمد المعادلة؟

تكشف أزمة مضيق هرمز أن جغرافيا إيران ما زالت تمنحها ورقة ردع مؤثرة، رغم الخسائر العسكرية والضغوط على برنامجها النووي.

مارك مازيتي (واشنطن) آدم إنتوس (واشنطن) جوليان بارنز (واشنطن)
شؤون إقليمية صورة التقطها قمر اصطناعي يوم 17 يونيو 2025 تُظهر مبنى مُدمّراً في موقع نطنز النووي بإيران (بلانيت لابز - رويترز) p-circle

هل يمكن نقل مخزون اليورانيوم الإيراني إلى دولة ثالثة؟

هل يمكن نقل هذا المخزون إلى دولة ثالثة، وتخفيف تخصيبه إلى درجات غير ضارة؟

«الشرق الأوسط» (لندن)

السلطات الأميركية توقف إيرانية بتهمة تهريب أسلحة إلى السودان لصالح طهران

أرشيفية لحركة الطائرات على مدرج في مطار لوس أنجليس الدولي (ا.ب)
أرشيفية لحركة الطائرات على مدرج في مطار لوس أنجليس الدولي (ا.ب)
TT

السلطات الأميركية توقف إيرانية بتهمة تهريب أسلحة إلى السودان لصالح طهران

أرشيفية لحركة الطائرات على مدرج في مطار لوس أنجليس الدولي (ا.ب)
أرشيفية لحركة الطائرات على مدرج في مطار لوس أنجليس الدولي (ا.ب)

أوقفت السلطات الأميركية امرأة إيرانية في مطار لوس أنجليس الدولي بتهمة تهريب أسلحة إلى السودان لصالح طهران، وفق ما أفاد مدع عام فدرالي الأحد.

ووجهت إلى شميم مافي البالغة 44 عاما، تهمة «التوسط في صفقة بيع السودان طائرات مسيرة وقنابل وصواعق وملايين الطلقات النارية المصنعة في إيران»، بحسب ما أعلن مدعي عام المنطقة الوسطى لولاية كاليفورنيا، بيل عسيلي، على منصة «إكس».

وأشار عسيلي إلى أن مافي التي تقيم في ضاحية وودلاند هيلز بمدينة لوس أنجليس، «مواطنة إيرانية حصلت على الإقامة الدائمة القانونية في الولايات المتحدة عام 2016».

وألقي القبض على مافي السبت، وهي تواجه عقوبة قصوى تصل إلى السجن لمدة 20 عاما في حال إدانتها.

وأرفق عسيلي منشوره بلقطات من تحقيق تلفزيوني يتضمن صورا تظهر امرأة يُعتقد أنها مافي محاطة برجال أمن فدراليين وطائرة مسيرة على مدرج مطار وبطاقة هوية امرأة ورزما من النقود.

وحذرت الأمم المتحدة مؤخرا من أن السودان معرض لخطر الانزلاق إلى «مجاعة وانهيار شاملين»، مع دخول الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع عامها الرابع.

وقالت منسقة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في السودان، دينيس براون، إن السودان يواجه أكبر أزمة إنسانية في العالم، محملة الأسلحة التي ترد من مصادر خارجية جزءا من المسؤولية عن الأزمة.

وحضت الأمم المتحدة مرارا القوى الأجنبية على الكف عن تأجيج الحرب، لكنها لم توجه اتهامات لدول معينة.

ويحظى الجيش السوداني بدعم مصر والسعودية، وتستخدم قواته طائرات مسيرة تركية وإيرانية الصنع.

ومع ذلك غالبا ما يلقى باللوم على الإمارات التي تنفي أي دليل على إرسال أسلحة إلى قوات الدعم السريع المتهمة بارتكاب جرائم إبادة.


إيران تتهم أميركا بانتهاك وقف إطلاق النار وتتوعد بالرد على مهاجمة سفينة

جندي من مشاة البحرية الأميركية يراقب حركة الملاحة خلال حصار بحري قبالة الموانئ الإيرانية (القيادة المركزية الأميركية)
جندي من مشاة البحرية الأميركية يراقب حركة الملاحة خلال حصار بحري قبالة الموانئ الإيرانية (القيادة المركزية الأميركية)
TT

إيران تتهم أميركا بانتهاك وقف إطلاق النار وتتوعد بالرد على مهاجمة سفينة

جندي من مشاة البحرية الأميركية يراقب حركة الملاحة خلال حصار بحري قبالة الموانئ الإيرانية (القيادة المركزية الأميركية)
جندي من مشاة البحرية الأميركية يراقب حركة الملاحة خلال حصار بحري قبالة الموانئ الإيرانية (القيادة المركزية الأميركية)

اتهمت القيادة الموحدة للقوات المسلحة ​الإيرانية، المعروفة باسم «مقر خاتم الأنبياء»، الولايات المتحدة بانتهاك وقف إطلاق ‌النار من ‌خلال ​مهاجمة ‌إحدى ⁠السفن التجارية ​الإيرانية في ⁠خليج عمان، وتوعدت بالرد.

ونقلت وسائل إعلام حكومية عن متحدث ⁠باسم «خاتم ‌الأنبياء» ‌قوله اليوم ​الأحد ‌إن السفينة ‌كانت متجهة من الصين إلى إيران.

وذكر المتحدث «نحذر من ‌أن القوات المسلحة للجمهورية الإسلامية الإيرانية ⁠سترد ⁠قريبا وتنتقم من هذه القرصنة المسلحة التي ارتكبها الجيش الأميركي».


الإيرانيون يخشون من تفاقم الضغوط بعد الحرب وحملة القمع

إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)
إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)
TT

الإيرانيون يخشون من تفاقم الضغوط بعد الحرب وحملة القمع

إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)
إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)

يسعى الإيرانيون إلى الحفاظ على لمحة من مظاهر الحياة الطبيعية بعد أسابيع شهدت قصفاً أميركياً وإسرائيلياً، وحملة قمع ضد المتظاهرين أسقطت قتلى في يناير (كانون الثاني)، ولا يزالون يشعرون بالقلق إزاء المستقبل في ظل الآثار السلبية الناجمة عن الغارات الجوية وانقطاع خدمة الإنترنت.

وفي ظل الخلافات الدائرة بين إيران والولايات المتحدة حول تمديد وقف إطلاق النار والاتفاق على إنهاء الصراع، فتحت المتاجر والمطاعم والمكاتب الحكومية أبوابها. وفي أيام الربيع المشمسة، تزدحم حدائق المدينة بأسر خرجت للتنزه وشبان يمارسون الرياضة، بينما يتجمع آخرون في المقاهي على جوانب الشوارع.

لكن وراء هذه المشاهد الهادئة، يتداعى الاقتصاد الإيراني، ويخشى الناس من حملة قمع جديدة من الحكومة، ويشعرون بالغضب إزاء الغارات الجوية المدمرة.

ويبدو أن الصعوبات التي أذكت اضطرابات واحتجاجات حاشدة في يناير ستزداد تفاقماً، حسب وكالة «رويترز».

وانتهت المحادثات التي جرت في إسلام آباد هذا الشهر، وهي أول مفاوضات مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران منذ سنوات، دون التوصل إلى اتفاق. ولكن مع اقتراب موعد انتهاء وقف إطلاق النار الهش الحالي يوم الأربعاء، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب اليوم الأحد إن مبعوثيه سيتوجهون إلى باكستان وإنهم مستعدون لإجراء مزيد من المحادثات.

إيرانيتان تنظران إلى هاتف ذكي عند البوابة الرئيسية لجامعة طهران الأحد (أ.ب)

خوف من ضغوط مع استمرار نظام الحكم

قالت فريبا (37 عاماً) التي شاركت في مظاهرات يناير لـ«رويترز» عبر الهاتف من إيران: «ستنتهي الحرب، لكن عندها ستبدأ مشاكلنا الحقيقية مع النظام. أخشى جداً من أن يزيد الضغط على الناس العاديين إذا توصل النظام إلى اتفاق مع الولايات المتحدة».

وأضافت: «لم ينس الشعب جرائم النظام في يناير، ولم ينس النظام أن الناس لا يريدونه. إنه يكبح نفسه الآن لأنه لا يريد القتال على الجبهة الداخلية أيضاً».

وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن القصف أودى بحياة الآلاف، منهم عشرات التلميذات في مدرسة للبنات في اليوم الأول من الصراع.

ودمر القصف أيضاً بنى تحتية في أنحاء البلاد، مما زاد من احتمالات حدوث تسريح جماعي للعمال.

ويبدو أن النظام الإيراني راسخ كما كان في الماضي، بعد أن نجا من القصف المكثف على مدى أسابيع وعرقل إمدادات النفط العالمية.

وقال أوميد ميماريان، محلل الشأن الإيراني لدى مركز الأبحاث المستقل «دون» في الولايات المتحدة: «أدرك الإيرانيون أن هذه الحرب لن تؤدي إلى إسقاط النظام، لكنها في الوقت نفسه ستجعل حياتهم أسوأ بكثير من الناحية الاقتصادية».

وأضاف: «لن يضع الجيش أسلحته. سيبقون، وسيكون الوضع دموياً. سيكون مكلفاً من دون أي أمل في مستقبل أفضل».

وفي شمال طهران، أجرت «رويترز» الأسبوع الماضي مقابلات بالفيديو مع شبان إيرانيين تحدثوا عن الحرب ومخاوفهم. وتعمل وسائل الإعلام الأجنبية في إيران بموجب المبادئ التوجيهية التي تضعها وزارة الثقافة والإرشاد، التي تنظم نشاط الصحافة والتراخيص.

الإيرانيون يستمتعون بيوم مشمس في حديقة عامة في خضم وقف إطلاق النار في طهران الأسبوع الماضي (رويترز)

وقالت مهتاب، الموظفة في شركة خاصة، التي طلبت عدم ذكر اسم عائلتها، إن الأمور يمكن أن تكون أسوأ بالنسبة للإيرانيين، بالنظر إلى تأثير الحرب والعقوبات والعزلة على مدى سنوات.

وأضافت: «لا أريد أن أقول إن الوضع طبيعي، لكن كإيرانية عاصرت كل هذا، إذ إنه ليس سيئاً للغاية. يمكننا التعايش معه».

لكن لم يكن لدى الإيرانيين الذين تواصلت معهم «رويترز» عبر الهاتف هذا الرأي، إذ أبدوا قلقاً أكبر بكثير خلال حديثهم، بشرط عدم الكشف عن هوياتهم خوفاً من التعرض للانتقام.

وقالت سارة (27 عاماً)، وهي مدرسة خاصة، طلبت عدم الكشف عن اسم عائلتها أو مكان إقامتها: «نعم، الناس يستمتعون بوقف إطلاق النار في الوقت الحالي... لكن ماذا سيحدث بعد ذلك؟ ماذا يُفترض بنا أن نفعل مع نظام أصبح أكثر قوة؟».

خيارات قليلة

قُتل الآلاف عندما قمعت السلطات احتجاجات استمرت أسابيع في يناير، وقال حينها ترمب إنه سيأتي لمساعدة الإيرانيين.

ولم ترد بعثة إيران الدائمة لدى الأمم المتحدة في جنيف بعد على طلبات للتعليق على هذه القصة. وكانت قد ألقت سابقاً باللوم في أعمال العنف التي وقعت في يناير على «إرهابيين مسلحين» مرتبطين بإسرائيل والولايات المتحدة.

وقال ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في بداية الحرب إنهما يريدان الإطاحة بالحكام، لكن هذا الهدف تلاشى مع استمرار القصف.

وقال ميماريان إن الغضب من القمع جعل كثيراً من الإيرانيين يأملون في تولي حكام جدد السلطة، لكن سرعان ما تحولت مشاعر الغضب إلى الحرب ضد بلادهم.

وأضاف: «أعتقد أنه أصبح أكثر وضوحاً لكثير من الإيرانيين أن هذه الحرب ليست مصممة، أو لا تهدف، إلى مساعدة الشعب الإيراني».

إيرانيات يمررن بجانب ضابط شرطة يقف حراسة في ساحة تجريش شمال طهران الأربعاء الماضي (رويترز)

ولم تكن مهتاب ولا النساء الأخريات الجالسات في مقهى شمال طهران يرتدين الحجاب الإلزامي المفروض منذ عقود في إيران. وصارت قواعد الزي العامة أكثر مرونة عقب الاحتجاجات الشعبية في عام 2022، ومنها مظاهرات رفعت مطالب تتعلق بحقوق المرأة، التي قمعتها السلطات، وخففت بعدها ضمنياً تطبيق بعض قواعد الزي.

وقال المحلل السياسي الإيراني المستقل المقيم في بريطانيا حسين رسام إنه أصبح واضحاً في يناير أن السلطات لن تتراجع بسهولة مجدداً، وأنها لن تنهار في مواجهة الهجوم العسكري.

وجعلت الحرب الإيرانيين أكثر انقساماً من ذي قبل، لكن مع خيارات قليلة. وقال رسام: «هذه لحظة حاسمة للإيرانيين لأنهم في النهاية، وخاصة الإيرانيين داخل البلاد، يدركون أنهم بحاجة إلى العيش معاً. لا مكان يذهبون إليه».

نار تحت الرماد

يخشى كثيرون من تفاقم القمع الآن. وقال أرجانج، وهو أب لطفلين يبلغ من العمر 43 عاماً، لـ«رويترز» عبر الهاتف من شمال طهران: «في الشوارع، تتجول النساء دون حجاب، لكن ليس واضحاً ما إذا كانت هذه الحريات ستستمر بعد التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة. سيزداد الضغط 100 في المائة، لأنه بمجرد التوصل إلى سلام مع واشنطن، لن يواجه النظام الضغط الخارجي نفسه».

ولم تحدث احتجاجات بداية العام أي تغيير ملموس في حياة الناس، بل دفعت السلطات إلى فرض قيود صارمة على استخدام الإنترنت؛ وهو ما أثر كثيراً على الشركات والمواطنين العاديين الذين كانوا في حاجة ماسة إلى المعلومات أثناء الحرب.

إيرانيات يستقللن مركبة عسكرية أثناء مشاركتهن في مسيرة مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران الجمعة (إ.ب.أ)

وقالت فائزة (47 عاماً)، وهي تلعب الكرة الطائرة مع أصدقائها في حديقة شمال طهران: «حتى أصغر الأمور، مثل التواصل مع أفراد عائلتنا الذين يعيشون خارج البلاد، باتت مستحيلة».

وقال ميماريان إن الاستياء الشعبي قد يتصاعد بعد انتهاء الحرب، وإن الناس أصبحوا أقل خوفاً حيال اتهامهم بالخيانة.

وأضاف: «هناك الكثير من النار تحت الرماد».