واشنطن وطهران لمفاوضات إضافية وسط تكهنات بـ«صفقة أوسع»

تقارير عن تفاهمات ضمنية لتقييد «النووي» وضبط الميليشيات الوكيلة في العراق وسوريا

TT

واشنطن وطهران لمفاوضات إضافية وسط تكهنات بـ«صفقة أوسع»

بلينكن يتحدث خلال مؤتمر صحافي مع نظيرته المكسيكية أليسيا بارسينا إبارا في وزارة الخارجية في واشنطن أمس (إ.ب.أ)
بلينكن يتحدث خلال مؤتمر صحافي مع نظيرته المكسيكية أليسيا بارسينا إبارا في وزارة الخارجية في واشنطن أمس (إ.ب.أ)

أكد وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن أن «الاتفاق المبدئي» لإنهاء معاناة 5 من الأميركيين الإيرانيي الأصل المحتجزين في إيران لا يشمل تخفيفاً للعقوبات المفروضة عليها، رغم أنه يتضمن عملية بدأت بالفعل لتحرير ما بين 6 و7 مليارات دولار من الأموال الإيرانية المجمدة في كوريا الجنوبية لاستخدامها لأغراض إنسانية حصراً، وسط تكهنات بأن يكون أيضاً بمثابة مقدمة لصفقة أوسع بهدف احتواء البرنامج النووي لدى طهران.

وجاءت هذه الانفراجة الجزئية بعد أشهر من التوترات المتصاعدة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وحلفائها من الجهة الأخرى، تمثلت خصوصاً بإرسال تعزيزات عسكرية أميركية كبيرة إلى الخليج لحماية السفن التجارية والمدنية وناقلات النفط من عمليات القرصنة الإيرانية المتزايدة.

ونشرت صحيفة «نيويورك تايمز» أن نجاح الاتفاق الذي جرى التفاوض عليه بشق الأنفس «يزيل مشكلة خطيرة من العلاقة التي لم تكن بعيدة قط عن المواجهة العسكرية».

ونقلت عن الزميل البارز في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى هنري روما أن «صفقة الأسرى هي خطوة رئيسية إلى الأمام في جهود واشنطن وطهران لخفض التوترات مع تطلعهما للعودة إلى المفاوضات النووية الرسمية لاحقاً هذا العام».

ورجح أن إدارة الرئيس جو بايدن تأمل في استئناف المحادثات النووية الرسمية التي ينظمها الاتحاد الأوروبي لاحقاً هذا العام، بعدما انهارت قبل نحو عام بسبب المطالب الإيرانية «غير المقبولة» أميركياً. لكن لن ترغب إدارة بايدن في اتفاق نووي جديد قبل انتخابات 2024، بسبب الانعكاسات السياسية لهذه القضية.

ويتملك النظام الإيراني الشعور نفسه، بالنظر إلى احتمال عودة الرئيس السابق دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، علماً أنه كان قد انسحب عام 2018 من الاتفاق النووي، المعروف رسمياً باسم خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015.

إضافة إلى ذلك، نسبت وكالة «أسوشييتد برس» لمسؤولين إيرانيين في الأمم المتحدة أن نقل الأفراد الخمسة من السجن إلى الإقامة الجبرية «خطوة أولية مهمة» في تنفيذ الاتفاق، الذي لا يزال قيد التفاوض بغية الإطلاق الكامل لهؤلاء، ويشمل ما بين 6 و7 مليارات دولار جمدت بنتيجة العقوبات.

وأوضحوا أن الأموال ستحول إلى قطر قبل إرسالها إلى إيران عند توقيع الاتفاق، على الأرجح الشهر المقبل أو نحو ذلك بسبب الطبيعة المعقدة للمعاملات المالية.

امرأة تمشي بجوار جدارية تحمل صورة الرعايا الأميركيين المحتجزين في طهران في حي جورج تاون بواشنطن 20 يوليو 2022 (أ.ب)

مفاوضات «حساسة»

ووصف بلينكن الاتفاق المبدئي بأنه «بداية النهاية لكابوس» المحتجزين الخمسة و«الكابوس الذي تعيشه عائلاتهم»، مؤكداً أيضاً أن المزيد من العمل سيكون ضرورياً لتحرير هؤلاء. وكشف أن مسؤولي وزارة الخارجية تحدثوا إلى السجناء الخميس. وأكد أيضاً أن الولايات المتحدة ستواصل «بحزم» مواجهة نشاطات إيران «المزعزعة للاستقرار» في المنطقة وخارجها.

ووصفت الناطقة باسم مجلس الأمن القومي الأميركي أدريان واتسون المفاوضات بأنها «جارية» و«حساسة»، مضيفة أنه «في حين أن هذه خطوة مشجعة، فإن هؤلاء المواطنين الأميركيين (...) ما كان ينبغي أبداً أن يحتجزوا في المقام الأول».

ولا يزال من غير الواضح عدد الأميركيين من أصول إيرانية، المحتجزين لدى طهران، التي لا تعترف بالجنسية المزدوجة.

وكان لافتاً عودة ظهور المبعوث الأميركي الخاص لإيران روبرت مالي بتغريدة عبر منصة «إكس»، (تويتر سابقاً)، بعد فترة غياب منذ مايو (أيار) الماضي بسبب مساءلته حول تسريب «معلومات حساسة» عن المفاوضات.

وكتب مالي أن «هذه مجرد خطوة أولى، وكل يوم يستمرون فيه مسلوبي الحرية يقدر بأيام كثيرة»، مضيفاً أنه بالنسبة إلى «سيامك ومراد وعماد واثنين آخرين خرجوا من السجن، وأحباؤهم، هذه أخبار مرحب بها جرى انتظارها طويلاً». وزاد: «أعرف أن زملائي لن يرتاحوا حتى عودتهم جميعاً».

ولاحقاً، نسبت صحيفة «وول ستريت جورنال» لأشخاص مطلعين أن إيران «أبطأت بشكل كبير وتيرة تكديسها لليورانيوم المخصب شبه المخصص لصنع أسلحة نووية وخففت بعضاً من مخزونها بنسبة 60 في المائة، في خطوة قد تساعد في تخفيف التوترات مع الولايات المتحدة وتسمح باستئناف محادثات أوسع حول برنامجها النووي المثير للجدل».

وأضافت أن مسؤولين أميركيين وأوروبيين أبلغوا إيران أنه «إذا كان هناك تهدئة للتوترات خلال الصيف، فسيكونون منفتحين على محادثات أوسع في وقت لاحق من هذا العام».

لا رفع للعقوبات

ورغم تأكيدات بلينكن أن الاتفاق حول السجناء لا يشمل رفعاً للعقوبات، كشفت «نيويورك تايمز» عن أنه حصل في ظل «ما يبدو أنه اتفاق غير رسمي» لتقييد إيران برنامجها النووي وضبط ميليشيات تنشط بالوكالة عنها في كل من العراق وسوريا لتجنب انتقام قاسٍ من الولايات المتحدة».

وبينما نفى المسؤولون الأميركيون مراراً أن يكونوا قد توصلوا إلى أي «اتفاق» نووي مع الجانب الإيراني بعد المحادثات غير المباشرة التي عقدت في عمان سابقاً هذا العام، أكد مسؤولون من دول عدة أن ثمة تفاهماً «تشمل معاييره التخصيب الإيراني لليورانيوم بمستويات نقاء لا تزيد على 60 في المائة، وعدم تعرض القوات الأميركية لهجمات كبيرة من القوات الوكيلة لإيران في سوريا والعراق».

ونسبت الصحيفة الأميركية إلى اثنين من كبار مسؤولي الدفاع الإسرائيليين أن «الصفقة المتعلقة بالسجناء والأموال المجمدة هي جزء من تفاهمات أوسع جرى التوصل إليها في عمان (...) ويجري تنفيذها بالفعل على الأرض».

ولاحظ مسؤول عسكري أميركي كبير أن «هناك نشاطاً أقل للميليشيات المدعومة من إيران في سوريا والعراق ضد القوات الأميركية هناك في الأسابيع الأخيرة».

وأشار أحد المسؤولين الإسرائيليين أنه بينما أرسلت إيران مساعدات عسكرية، ومنها مسيّرات قوية، إلى روسيا منذ غزوها لأوكرانيا، فإن موسكو تريد أكثر مما تلقته.

«تمويل الإرهاب»

ومن المتوقع أن يفتح الاتفاق الباب واسعاً أمام انتقادات جديدة من الجمهوريين وآخرين بأن إدارة بايدن تساعد في تعزيز الاقتصاد الإيراني في وقت تشكل فيه إيران تهديداً متزايداً للقوات الأميركية وحلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

وفي ظل ترحيب إدارة بايدن، لاقى الاتفاق معارضة من مسؤولين أميركيين، بينهم نائب الرئيس الأميركي السابق مايك بنس، الذي رأى أن الصفقة المقترحة ستوفر لإيران الأموال لإنتاج مسيرات لروسيا ولـ«تمويل الإرهاب». وأضاف أن «الصين وروسيا، اللتين تحتجزان رهائن أميركيين، تعرفان الآن أن السعر ارتفع للتو».

ورأى السيناتور الجمهوري طوم كوتون أن إطلاق السجناء مقابل دفع مليارات من الدولارات، مجرد «استرضاء وهمي» سيؤدي فقط إلى «احتجاز المزيد من الرهائن». وأضاف أن تمويل الإرهاب وتسليح روسيا وتحركات النظام الإيرانية ضد القوات الأميركية ستستمر، حتى يتوقف جو بايدن عن «الرقص على أنغام إيران».

وأكد وزير الخارجية الأميركي سابقاً مايك بومبيو أن «إطلاق 6 مليارات دولار لسفاحي نظام طهران مقابل نقل الرهائن الأميركيين من سجن لآخر هو صفقة مروعة».

وبين السجناء سيامك نمازي، الذي اعتقل عام 2015، وحُكم عليه لاحقاً بالسجن 10 سنوات بتهم تجسس، والمتمول عماد شرقي الذي حكم عليه أيضاً بالسجن 10 سنوات، والناشط الأميركي البريطاني في مجال الحفاظ على البيئة مراد طهباز، الذي اعتقل عام 2018، وحكم عليه أيضاً بالسجن 10 سنوات. ولم يجر التعرف على السجينين الرابع والخامس.

وفي المقابل، أعلنت طهران أنها تسعى لإطلاق سجناء إيرانيين محتجزين في الولايات المتحدة. ورفض المسؤولون الأميركيون تحديد من هم هؤلاء، أو عددهم. لكن وسائل الإعلام الإيرانية في الماضي حددت سجناء لديهم قضايا مرتبطة بانتهاكات لقوانين التصدير الأميركية والقيود المفروضة على التعامل مع إيران.


مقالات ذات صلة

محطة بوشهر النووية... مشروع الشاه الذي تهدده الحرب

شؤون إقليمية محطة بوشهر النووية (أرشيفية - رويترز) p-circle

محطة بوشهر النووية... مشروع الشاه الذي تهدده الحرب

محطة بوشهر النووية هي المنشأة النووية المدنية الوحيدة العاملة في إيران، وشيَّدتها روسيا ودُشّنت رسمياً في سبتمبر (أيلول) 2013، بعد عقود من التأخير.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم صورة عامة للمفاعل النووي الرئيسي في بوشهر جنوب طهران 21 أغسطس 2010 (رويترز)

روسيا تعتزم طلب وقف النار من أميركا وإسرائيل لإجلاء موظفين من محطة بوشهر

ستطلب موسكو من الولايات المتحدة وإسرائيل ضمان وقف إطلاق النار أثناء قيامها بإجلاء مزيد من الموظفين الروس من محطة بوشهر للطاقة النووية الإيرانية.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
الولايات المتحدة​ صورة ملتقطة بالأقمار الاصطناعية تُظهر مجمع نطنز النووي في إيران (أ.ب) p-circle

مخاطر كبيرة وتعقيدات هائلة... ماذا يعني تأمين اليورانيوم الإيراني بالقوة؟

بينما يُطرح خيار استخدام القوة لتأمين مخزون اليورانيوم المخصَّب، يحذر خبراء ومسؤولون سابقون من أن مثل هذه الخطوة ستكون بالغة التعقيد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية انفجار في بحيرة جيتغر غرب طهران (شبكات التواصل)

مضيق هرمز يقيّد مخرج الحرب

رفع الرئيس الأميركي دونالد ترمب سقف الضغط على إيران عبر مضيق هرمز رابطاً أي نظر في وقف إطلاق النار بإعادة فتحه

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن - طهران- تل أبيب)
شؤون إقليمية تُظهر هذه الصورة الملتقَطة بواسطة القمر الاصطناعي «بلياديس نيو» التابع لشركة «إيرباص للدفاع والفضاء» شاحنة محمَّلة بـ18 حاوية زرقاء تنقل يورانيوم عالي التخصيب تدخل إلى نفق داخل مجمع «مركز التكنولوجيا النووية» في أصفهان 9 يونيو 2025 (أ.ب)

مخزون إيران النووي... خيار القوة يسابق مسار التفاوض

يُحذر خبراء ومسؤولون أميركيون سابقون من أن أي محاولة لتأمين مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بالقوة ستكون عملية شديدة التعقيد.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)

إيران تنفذ حكم الإعدام بشخصين دانتهما بالتواصل مع إسرائيل خلال احتجاجات يناير

متظاهرون يشاركون في احتجاجات ضد سوء الأوضاع الاقتصادية بطهران 28 ديسمبر الماضي (أرشيفية - د.ب.أ)
متظاهرون يشاركون في احتجاجات ضد سوء الأوضاع الاقتصادية بطهران 28 ديسمبر الماضي (أرشيفية - د.ب.أ)
TT

إيران تنفذ حكم الإعدام بشخصين دانتهما بالتواصل مع إسرائيل خلال احتجاجات يناير

متظاهرون يشاركون في احتجاجات ضد سوء الأوضاع الاقتصادية بطهران 28 ديسمبر الماضي (أرشيفية - د.ب.أ)
متظاهرون يشاركون في احتجاجات ضد سوء الأوضاع الاقتصادية بطهران 28 ديسمبر الماضي (أرشيفية - د.ب.أ)

نفذت السلطات الإيرانية الأحد حكم الإعدام بشخصين دانتهما بالعمل لصالح إسرائيل والولايات المتحدة أثناء الاحتجاجات الأخيرة مطلع السنة، بحسب ما أعلنت السلطات القضائية.

ونقل موقع ميزان التابع للسلطات القضائية في إيران أن «محمد أمين بيقلاري وشاهين وحيدبرست، أُعدما بعد إعادة النظر في القضية وتصديق الحكم النهائي من المحكمة العليا»، مشيراً إلى أنهما شاركا في الاحتجاجات التي بلغت ذروتها في يناير (كانون الثاني)، قبل الحرب، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتشير منظمة ‌العفو الدولية ‌إلى أن ​الرجلين ‌كانا ⁠من ​بين أربعة أشخاص ⁠في القضية نفسها يواجهون حكم الإعدام.

وقال موقع «ميزان» إن المحكمة العليا الإيرانية أيدت الحكم الصادر بحق المتهمين اللذين كانا من ⁠بين «المشاغبين الذين سعوا ‌لارتكاب مجزرة جماعية» ‌من خلال محاولة ​سرقة أسلحة ‌ومعدات عسكرية.

وفي الأسبوع ‌الماضي، أعدمت إيران أمير حسين حاتمي البالغ من العمر 18 عاماً والمدان في القضية نفسها ‌التي ترتبط بفترة احتجاجات شعبية مناهضة للحكومة قمعتها ⁠الجمهورية ⁠الإسلامية في أكبر حملة قمع في تاريخها، وفقاً لما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وذكرت منظمة العفو الدولية في تقرير حديث أن 11 رجلاً يواجهون خطر الإعدام الوشيك لمشاركتهم في الاحتجاجات، وأضافت أنهم «تعرضوا للتعذيب وغيره من أشكال سوء المعاملة خلال احتجازهم» ​قبل إدانتهم ​في «محاكمات جائرة للغاية اعتمدت على اعترافات قسرية».

واندلعت الاحتجاجات في 28 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، على خلفية متاعب اقتصادية وتطورت إلى مظاهرات واسعة النطاق تطالب بإنهاء حكم رجال الدين في إيران، وبلغت ذروتها في أعمال عنف واسعة النطاق خلال شهر يناير الماضي.


ترمب: الوقت ينفد والجحيم يقترب

آثار الدمار الذي أصاب مجمع مدينة معشور للبروكيماويات (وسائل التواصل)... وفي الإطار بقايا صاروخ إيراني سقط على مزرعة في مستوطنة إسرائيلية بالضفة (إ.ب.أ)
آثار الدمار الذي أصاب مجمع مدينة معشور للبروكيماويات (وسائل التواصل)... وفي الإطار بقايا صاروخ إيراني سقط على مزرعة في مستوطنة إسرائيلية بالضفة (إ.ب.أ)
TT

ترمب: الوقت ينفد والجحيم يقترب

آثار الدمار الذي أصاب مجمع مدينة معشور للبروكيماويات (وسائل التواصل)... وفي الإطار بقايا صاروخ إيراني سقط على مزرعة في مستوطنة إسرائيلية بالضفة (إ.ب.أ)
آثار الدمار الذي أصاب مجمع مدينة معشور للبروكيماويات (وسائل التواصل)... وفي الإطار بقايا صاروخ إيراني سقط على مزرعة في مستوطنة إسرائيلية بالضفة (إ.ب.أ)

دخلت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران أسبوعها السادس، وسط تصعيد في الخطاب السياسي وبالميدان، مع توجيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنذاراً لطهران مدته 48 ساعة للتوصل إلى اتفاق قبل أن تواجه إيران «الجحيم».

وكان ترمب قد وسّع بنك الأهداف داخل إيران ليشمل الجسور ومحطات الكهرباء، بينما ظلت الحرب تواصل إرباك الأسواق، وترفع الضغوط على إدارته.

ويأتي هذا في وقت تخوض فيه واشنطن وطهران سباقاً للعثور على أحد الطيارَين اللذين تحطمت طائرتهما داخل الأراضي الإيرانية في حادث هو الأول من نوعه منذ بدء الحرب؛ ما زاد الضغوط على ترمب لإيجاد نهاية للحرب التي دخلت أسبوعها السادس.

وكانت القوات المسلحة الإيرانية أعلنت، يوم الجمعة، أنها أسقطت طائرة «إف - 15 - آي»، بينما أفادت وسائل إعلام أميركية بأن أحد الطيارَين قفز بالمظلة، وأُخرج في عملية نفذتها قوات خاصة في جنوب غربي إيران، لكن مصير الطيار الثاني ما زال مجهولاً. وزاد الأمر خطورة بعدما أعلنت إيران أنها أصابت طائرة أميركية أخرى، وهي طائرة دعم جوي سقطت لاحقاً في الخليج، لكن صحيفة «نيويورك تايمز» ذكرت أن طائرة سقطت قرب مضيق هرمز، وأُنقذ قائدها.

في هذه الأثناء، استهدفت ضربات أميركية - إسرائيلية، أمس، مواقع حيوية في جنوب غربي إيران، طالت محيط محطة بوشهر النووية، ومجمعاً للبتروكيماويات في مدينة معشور، وهو الأكبر في إيران. وقالت وكالة «فارس» إن الهجوم استهدف 3 شركات في المنطقة، بينما ذكرت وكالة «تسنيم» أن «حجم الأضرار لا يزال غير معروف».


محطة بوشهر النووية... مشروع الشاه الذي تهدده الحرب

محطة بوشهر النووية (أرشيفية - رويترز)
محطة بوشهر النووية (أرشيفية - رويترز)
TT

محطة بوشهر النووية... مشروع الشاه الذي تهدده الحرب

محطة بوشهر النووية (أرشيفية - رويترز)
محطة بوشهر النووية (أرشيفية - رويترز)

محطة بوشهر النووية هي المنشأة النووية المدنية الوحيدة العاملة في إيران، وشيّدتها روسيا ودُشّنت رسمياً في سبتمبر (أيلول) 2013، بعد عقود من التأخير بسبب تاريخ إيران المضطرب.

استهدفت ضربة أميركية - إسرائيلية مشتركة، السبت، محيط المحطة التي تضم مفاعلاً بقدرة ألف ميغاواط، ما أسفر عن مقتل أحد عناصر الحماية، بحسب ما أفادت وسائل إعلام رسمية في إيران.

ووفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية»، فهذه هي المرة الرابعة التي تُستهدف فيها هذه المنطقة الواقعة في جنوب غربي إيران على سواحل الخليج منذ بدء الحرب في الشرق الأوسط في 28 فبراير (شباط).

وشاركت روسيا في بناء المحطة، ويساعد فنيون روس في تشغيلها. وأعلنت روسيا، السبت، أنها بدأت بإجلاء 198 عاملاً من المحطة في إيران، هم من موظفي وكالة «روساتوم» النووية.

مشروع أُطلق خلال عهد الشاه

بدأ المشروع، الذي مُنح في البداية لشركة «سيمنز» الألمانية، عام 1975، خلال عهد الشاه، وتوقف العمل فيه بسبب ثورة عام 1979 والحرب العراقية - الإيرانية (1980 - 1988).

وسعت إيران، وهي منتج رئيسي للنفط والغاز، إلى إحياء المشروع في أواخر ثمانينات القرن الماضي، معربة عن رغبتها في تنويع مصادر الطاقة وتقليل اعتمادها على الوقود الأحفوري للاستهلاك المحلي، إلا أن ألمانيا أقنعت «سيمنز» بالانسحاب منه بسبب مخاوف من انتشار الأسلحة النووية.

وبالتالي، اتجهت طهران إلى روسيا التي حصلت على عقد في يناير (كانون الثاني) 1995 لبناء مفاعل يعمل بالماء المضغوط.

ونص العقد الموقع مع موسكو على بدء التشغيل عام 1999، لكن مشاكل عديدة أخرت إنجاز المشروع لمدة 11 عاماً، وكان يعمل فيه آلاف المهندسين والفنيين الروس.

كما نشبت عدة نزاعات مالية بين الروس والإيرانيين حول هذا المشروع الذي تُقدر كلفته بأكثر من مليار دولار.

ضغوط واشنطن

من بين عقبات أخرى، مارست واشنطن ضغوطاً شديدة لإقناع موسكو بعدم إكمال بناء المحطة النووية؛ إذ خشيت من أن يُسهّل تشغيلها احتمال حصول إيران على أسلحة نووية.

ومع ذلك، حصلت موسكو على استثناء لإكمال بناء المحطة من خلال إبرام اتفاق مع طهران ينص على توفير الوقود النووي للمحطة وإعادته إلى روسيا لتخفيف مخاطر الانتشار النووي.

ويعتقد العديد من المحللين والدبلوماسيين أن روسيا أخرت إكمال المحطة للحفاظ على نفوذها على إيران، ولا سيما لإجبارها على التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

الاستخدام المدني

بخلاف منشأة نطنز لتخصيب اليورانيوم أو محطة أراك النووية المزمع إنشاؤها لتوليد الطاقة بالماء الثقيل، لا تُعدّ محطة بوشهر عاملاً مُساهماً في الانتشار النووي.

وتتهم القوى الغربية إيران منذ سنوات بالسعي لتطوير أسلحة نووية، وهو ما تنفيه طهران.

في المقابل، اتهمت إيران مراراً إسرائيل التي تُعدّ القوة العسكرية النووية الوحيدة في المنطقة، بتخريب بعض منشآتها لتخصيب اليورانيوم.

وتُشدد الولايات المتحدة على أهمية منع إيران من تخصيب اليورانيوم، في حين تُدافع طهران عن حقّها في امتلاك طاقة نووية لأغراض مدنية، إلا أنها خصّبت يورانيوم بنسبة 60 في المائة، وهي نسبة قريبة من 90 في المائة المطلوبة لإنتاج سلاح نووي، وتتجاوز إلى حد كبير المستوى المطلوب للاستخدام المدني.

قريبة من دول الخليج

تقع محطة بوشهر النووية على مقربة من دول الخليج العربي، وهي أقرب إلى عواصم عربية مثل الكويت والدوحة منها إلى طهران التي تبعد منها أكثر من 750 كيلومتراً.

وأعربت دول الخليج العربي المجاورة مراراً عن مخاوفها بشأن موثوقية هذه المحطة، خصوصاً لناحية خطر حصول تسربات إشعاعية في حال وقوع زلزال كبير في منطقة معرضة لذلك.

وفي أبريل (نيسان) 2021، ضرب زلزالٌ بلغت قوته 5.8 درجة منطقة بوشهر، إلا أن المحطة النووية لم تتضرر، بحسب السلطات.