مضيق هرمز كأداة ضغط... إلى أي مدى تصمد المعادلة؟

إيرانيات من أعضاء ميليشيا «الباسيج» يحملن بنادق كلاشينكوف خلال مسيرة نظمتها الحكومة دعماً لمجتبى خامنئي المرشد الإيراني بمناسبة «اليوم الوطني للفتيات» في طهران (نيويورك تايمز)
إيرانيات من أعضاء ميليشيا «الباسيج» يحملن بنادق كلاشينكوف خلال مسيرة نظمتها الحكومة دعماً لمجتبى خامنئي المرشد الإيراني بمناسبة «اليوم الوطني للفتيات» في طهران (نيويورك تايمز)
TT

مضيق هرمز كأداة ضغط... إلى أي مدى تصمد المعادلة؟

إيرانيات من أعضاء ميليشيا «الباسيج» يحملن بنادق كلاشينكوف خلال مسيرة نظمتها الحكومة دعماً لمجتبى خامنئي المرشد الإيراني بمناسبة «اليوم الوطني للفتيات» في طهران (نيويورك تايمز)
إيرانيات من أعضاء ميليشيا «الباسيج» يحملن بنادق كلاشينكوف خلال مسيرة نظمتها الحكومة دعماً لمجتبى خامنئي المرشد الإيراني بمناسبة «اليوم الوطني للفتيات» في طهران (نيويورك تايمز)

شنت الولايات المتحدة وإسرائيل حربهما ضد إيران على أساس أنه إذا حصلت إيران يوماً ما على سلاح نووي، فسيكون لديها أداة الردع القصوى ضد الهجمات المستقبلية. واتضح أن إيران لديها بالفعل أداة ردع: جغرافيتها الخاصة.

وقد أدى قرار إيران استعراض سيطرتها على الملاحة عبر مضيق هرمز، نقطة الاختناق الاستراتيجية التي يمر عبرها 20 في المائة من إمدادات النفط العالمية، إلى إلحاق ألم اقتصادي عالمي تمثل في ارتفاع أسعار البنزين والأسمدة وغيرها من السلع الأساسية.

كما قلب ذلك تخطيط الحرب في الولايات المتحدة وإسرائيل، حيث اضطر المسؤولون إلى وضع خيارات عسكرية لانتزاع المضيق من السيطرة الإيرانية.

وقد ألحقت الحرب الأميركية - الإسرائيلية أضراراً كبيرة بهيكل القيادة في إيران، وسفنها البحرية الأكبر، ومنشآت إنتاج الصواريخ، لكنها لم تفعل إلا القليل لتقييد قدرة إيران على السيطرة على المضيق.

وهكذا، قد تخرج إيران من الصراع ومعها مخطط لنظامها الثيوقراطي لإبعاد خصومها، بصرف النظر عن أي قيود على برنامجها النووي.

وقال داني سيترينوفيتش، الرئيس السابق لفرع إيران في جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية والزميل حالياً في المجلس الأطلسي: «الجميع يعرف الآن أنه إذا وقع صراع في المستقبل، فإن إغلاق المضيق سيكون أول ما في الكتاب الإيراني. لا يمكنك هزيمة الجغرافيا».

الرئيس دونالد ترمب يصل على متن طائرة «إير فورس وان» إلى مدينة فينيكس الجمعة (نيويورك تايمز)

وفي عدة منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، يوم الجمعة، قال الرئيس دونالد ترمب إن المضيق، الذي سماه في أحد المنشورات «مضيق إيران»، بات «مفتوحاً بالكامل» أمام الملاحة. وأصدر وزير الخارجية الإيراني إعلاناً مماثلاً.

لكن «الحرس الثوري» الإيراني قال يوم السبت إن الممر المائي لا يزال مغلقاً، بما يشير إلى وجود انقسام بين العسكريين والمدنيين الإيرانيين بشأن هذه المسألة خلال المفاوضات الرامية إلى إنهاء الحرب.

وفي حين أن مجرد احتمال وجود ألغام بحرية يكفي لإخافة الشحن التجاري، فإن إيران تحتفظ بوسائل سيطرة أكثر دقة بكثير: طائرات مسيّرة هجومية وصواريخ قصيرة المدى. ويقدّر مسؤولون عسكريون واستخباراتيون أميركيون أنه بعد أسابيع من الحرب، لا تزال إيران تمتلك نحو 40 في المائة من ترسانتها من الطائرات المسيّرة الهجومية، وما يزيد على 60 في المائة من منصات إطلاق الصواريخ، وهو أكثر من كافٍ لاحتجاز الملاحة في مضيق هرمز رهينة مستقبلاً.

وأصبح أحد الأهداف المركزية للحملة العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة في إيران الآن إعادة فتح المضيق، الذي كان مفتوحاً عندما بدأت الحرب. وهذا وضع محفوف بالمخاطر بالنسبة إلى الولايات المتحدة، وقد لاحظ خصومها ذلك.

وكتب دميتري مدفيديف، الرئيس الروسي السابق ونائب رئيس مجلس الأمن في البلاد، على وسائل التواصل الاجتماعي الأسبوع الماضي: «ليس واضحاً كيف ستسير الهدنة بين واشنطن وطهران. لكن شيئاً واحداً مؤكد — لقد اختبرت إيران أسلحتها النووية. اسمها مضيق هرمز. وإمكاناته لا تنفد».

وقد أجبرت سيطرة إيران على المضيق ترمب على إعلان حصار بحري من جانبه، وبدأت البحرية الأميركية هذا الأسبوع بإجبار سفن الشحن على دخول الموانئ الإيرانية بعد عبورها الممر المائي.

وردت إيران بغضب، ولكن أيضاً بسخرية. وكتبت إحدى البعثات الدبلوماسية الإيرانية، التي نشرت رسائل لاذعة طوال الحرب، على منصة التواصل الاجتماعي «إكس» رداً على خطوة ترمب: «مضيق هرمز ليس وسائل التواصل الاجتماعي. إذا قام أحدهم بحظرك، فلا يمكنك ببساطة أن تحظره بالمثل». وكان الخلاف بشأن المضيق محور عدد كبير من مقاطع الفيديو المولدة بالذكاء الاصطناعي التي صوّرت مسؤولين أميركيين وإسرائيليين على هيئة شخصيات من «ليغو».

ومع ذلك، كان تأثير الحصار الأميركي حقيقياً. فالتجارة المنقولة بحراً تمثل نحو 90 في المائة من الناتج الاقتصادي لإيران — أي ما يقرب من 340 مليون دولار يومياً — وقد توقف هذا التدفق إلى حد كبير خلال الأيام الأخيرة.

وتعتبر إيران الحصار عملاً حربياً، وهددت بمهاجمته. لكنها لم تفعل ذلك حتى الآن، كما أن الولايات المتحدة لم تحاول خلال وقف إطلاق النار الحالي تقليص قبضة إيران على المضيق عندما ينتهي الصراع نهائياً.

وقال الأميرال كيفن دونيغان، الذي سبق أن قاد أسطول البحرية الأميركية المسؤول عن الشرق الأوسط، وهو متقاعد الآن، خلال ندوة استضافها معهد الشرق الأوسط هذا الأسبوع: «قد يرى البلدان أن هناك نافذة حقيقية لإجراء مفاوضات» ولا يريدان تصعيد الصراع الآن.

وقد حاولت إيران إغلاق مضيق هرمز مرة من قبل، عندما زرعته وزرعت الخليج العربي بالألغام خلال الصراع مع العراق في الثمانينات. لكن حرب الألغام خطيرة، وبعد عقود تمكنت إيران فعلياً من تسخير تكنولوجيا الصواريخ والطائرات المسيّرة لتهديد حركة الملاحة البحرية التجارية والعسكرية على حد سواء.

وفي حين أن الحرب الأميركية والإسرائيلية ألحقت أضراراً كبيرة بقدرة إيران على تصنيع الأسلحة، فإن إيران احتفظت بما يكفي من صواريخها ومنصات إطلاقها وطائراتها المسيّرة الهجومية الانتحارية لتعريض الملاحة في المضيق للخطر.

مروحيتان هجوميتان أميركيتان من طراز «إيه إتش-64 أباتشي» تحلّقان فوق مضيق هرمز (سنتكوم)

وتختلف تقديرات الاستخبارات والجيش الأميركيين، لكن مسؤولين قالوا إن إيران لا تزال تمتلك نحو 40 في المائة من ترسانتها من الطائرات المسيّرة قبل الحرب. وقد أثبتت تلك المسيّرات أنها أداة ردع قوية. وبينما يسهل إسقاطها بواسطة السفن الحربية الأميركية، فإن ناقلات النفط التجارية تملك وسائل دفاع قليلة.

كما أن لدى إيران إمدادات وافرة من الصواريخ ومنصات إطلاق الصواريخ. وفي وقت وقف إطلاق النار، كانت إيران لا تزال قادرة على الوصول إلى نحو نصف منصات إطلاق الصواريخ لديها. وفي الأيام التي أعقبته مباشرة، استخرجت نحو 100 منظومة كانت مدفونة داخل كهوف ومخابئ، ما رفع مخزونها من منصات الإطلاق مجدداً إلى نحو 60 في المائة من مستواه قبل الحرب.

وتعمل إيران أيضاً على استخراج إمداداتها من الصواريخ، المدفونة بدورها تحت الأنقاض الناتجة من الهجمات الأميركية على مخابئها ومستودعاتها. وعندما يكتمل هذا العمل، قد تستعيد إيران ما يصل إلى 70 في المائة من ترسانتها التي كانت لديها قبل الحرب، وفق بعض التقديرات الأميركية.

ويشير المسؤولون إلى أن إحصاءات مخزون إيران من الأسلحة ليست دقيقة. فالتقييمات الاستخباراتية تقدم نظرة عامة على مقدار القوة التي لا تزال إيران تحتفظ بها.

لكن بينما تختلف التقديرات بشأن مخزونات إيران من الصواريخ، فإن هناك اتفاقاً بين المسؤولين على أن إيران تملك ما يكفي من السلاح لوقف الملاحة مستقبلاً.

واختارت الحكومة الإيرانية عدم إغلاق مضيق هرمز في يونيو (حزيران) الماضي، عندما شنت إسرائيل حملة عسكرية انضمت إليها الولايات المتحدة لاحقاً لاستهداف مواقع نووية مدفونة على عمق كبير.

وقال سيترينوفيتش، المسؤول الإسرائيلي السابق، إن ذلك القرار ربما عكس النهج الحذر للمرشد الإيراني علي خامنئي، الذي ربما كان قلقاً من أن يؤدي إغلاق المضيق إلى انضمام دول أخرى إلى الحملة العسكرية ضد إيران.

وقُتل خامنئي خلال اليوم الأول من الحرب الحالية، وهي خطوة أوحت للمسؤولين الإيرانيين بأن الأهداف الأميركية والإسرائيلية في هذا الصراع أوسع بكثير.

وقال سيترينوفيتش: «رأت إيران حرب يونيو على أنها حرب إسرائيلية لتحقيق أهدافها الاستراتيجية الخاصة. لكن هذه حرب لتغيير النظام».

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

الجيش الأميركي يشن موجة جديدة من الضربات ضد إيران

شؤون إقليمية طائرة «إف 15» تابعة لسلاح الجو الأميركي تهبط في قاعدة في الشرق الأوسط  (الجيش الأميركي)

الجيش الأميركي يشن موجة جديدة من الضربات ضد إيران

أعلن الجيش الأميركي، اليوم، البدء بشن موجة جديدة من الضربات ضد إيران، مشيرا إلى أنها تهدف إلى تقويض قدرة طهران على مهاجمة السفن التجارية في مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية تصاعد أعمدة كثيفة من الدخان عقب غارات على أصفهان بوسط إيران (أ.ف.ب)

إسرائيل قصفت منشأة صلب إيرانية... هل كانت هدفاً مشروعاً؟

خلال الحرب على إيران، قصفت الطائرات الحربية الأميركية والإسرائيلية مستودعات صواريخ ومنصات إطلاق، ومقاراً أمنية، لكن الأهداف لم تكن كلها مواقع عسكرية.

يغانه تورباتي (واشنطن)
شؤون إقليمية فيديو نشرته «سنتكوم» يوثق ضربات على أهداف عسكرية إيرانية بعد إطلاق طائرات وصواريخ كروز رداً على هجمات استهدفت سفناً تجارية في مضيق هرمز بين 6 و11 يوليو 2026 p-circle

تجدد القصف على جنوب إيران قرب مضيق هرمز

أفادت وسائل إعلام إيرانية، مساء الأحد، بسماع دوي عدة انفجارات من الجهة الشرقية لمدينة بندر عباس وفي المنطقة البحرية المحيطة بجزيرة قشم قبالة مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم العربي محادثات مصرية - إماراتية الأحد تناولت المستجدات الإقليمية (الرئاسة المصرية)

تأكيد مصري - إماراتي على مواصلة التنسيق لتجنب التصعيد بالمنطقة

شدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ونظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد، على ضرورة مواصلة التشاور بشأن مختلف القضايا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا من القاهرة ليلاً (الشرق الأوسط)

لماذا يتفاعل الجنيه المصري سريعاً مع التطورات الإقليمية؟

ما إن بدأ الجنيه المصري يُظهر تعافياً أمام الدولار عقب قرار وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، حتى أظهرت المؤشرات تراجعاً ملحوظاً له مرة أخرى.

هشام المياني (القاهرة )

«هرمز» يعيد الحرب إلى حافة الانفجار

 فيديو نشرته «سنتكوم» يوثق ضربات على أهداف عسكرية إيرانية، بعد إطلاق طائرات وصواريخ كروز رداً على هجمات استهدفت سفناً تجارية في مضيق هرمز بين 6 و11 يوليو 2026
فيديو نشرته «سنتكوم» يوثق ضربات على أهداف عسكرية إيرانية، بعد إطلاق طائرات وصواريخ كروز رداً على هجمات استهدفت سفناً تجارية في مضيق هرمز بين 6 و11 يوليو 2026
TT

«هرمز» يعيد الحرب إلى حافة الانفجار

 فيديو نشرته «سنتكوم» يوثق ضربات على أهداف عسكرية إيرانية، بعد إطلاق طائرات وصواريخ كروز رداً على هجمات استهدفت سفناً تجارية في مضيق هرمز بين 6 و11 يوليو 2026
فيديو نشرته «سنتكوم» يوثق ضربات على أهداف عسكرية إيرانية، بعد إطلاق طائرات وصواريخ كروز رداً على هجمات استهدفت سفناً تجارية في مضيق هرمز بين 6 و11 يوليو 2026

أعاد مضيق هرمز الحرب الأميركية - الإيرانية إلى حافة الانفجار، بعدما أعلنت البحرية التابعة لـ«الحرس الثوري» إغلاقه «حتى إشعار آخر» واستهداف سفن قالت إنها خالفت مسارات العبور، لترد واشنطن بجولة ثالثة من الضربات طالت، بحسب «سنتكوم»، أكثر من 140 هدفاً عسكرياً.

وقالت «سنتكوم» إن الضربات جاءت رداً على هجوم استهدف سفينة حاويات في المضيق، وأدى إلى حريق وأضرار في غرفة المحركات وفقدان أحد أفراد الطاقم.

وأفادت وسائل إعلام إيرانية بانفجارات في ميناء بندر عباس وجزيرة قشم وجاسك وبوشهر ومناطق مجاورة لمضيق هرمز، كما امتدت الضربات إلى عمق الأراضي الإيرانية، وطالت موقعاً عسكرياً قرب مفاعل «آراك» للمياه الثقيلة.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن مضيق هرمز مفتوح أمام الملاحة التجارية، وإن واشنطن وجهت لإيران «ضربة قوية للغاية»، مؤكداً أن طهران كانت قريبة من اتفاق قبل استهداف السفينة.

في المقابل، كتب رئيس البرلمان وكبير المفاوضين الإيرانيين مع الولايات المتحدة محمد باقر قاليباف: «ولى عهد الاتفاقات غير المتكافئة». وأضاف: «قلنا لكم: التزموا كلمتكم أو ادفعوا الثمن. وها قد صار الواقع على الأبواب».

وبحث وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار مع نظيره الإيراني عباس عراقجي خفض التصعيد، بعدما طالبت واشنطن طهران بتعهد علني بوقف الهجمات وفتح جميع مسارات العبور.


الجيش الأميركي يشن موجة جديدة من الضربات ضد إيران

طائرة «إف 15» تابعة لسلاح الجو الأميركي تهبط في قاعدة في الشرق الأوسط  (الجيش الأميركي)
طائرة «إف 15» تابعة لسلاح الجو الأميركي تهبط في قاعدة في الشرق الأوسط (الجيش الأميركي)
TT

الجيش الأميركي يشن موجة جديدة من الضربات ضد إيران

طائرة «إف 15» تابعة لسلاح الجو الأميركي تهبط في قاعدة في الشرق الأوسط  (الجيش الأميركي)
طائرة «إف 15» تابعة لسلاح الجو الأميركي تهبط في قاعدة في الشرق الأوسط (الجيش الأميركي)

أعلن الجيش الأميركي، اليوم، البدء بشن موجة جديدة من الضربات ضد إيران، مشيرا إلى أنها تهدف إلى تقويض قدرة طهران على مهاجمة السفن التجارية في مضيق هرمز.

وقالت القيادة المركزية الأميركية في بيان، أن قواتها بدأت عند الساعة 21,00 بتوقيت غرينتش، بشن «المزيد من الضربات ضد إيران لمواصلة تقويض قدرتها على مهاجمة البحارة المدنيين والسفن التجارية التي تعبر مضيق هرمز بحرية».

وأضافت أن ترمب أمر بشن هذه الضربات "لمحاسبة القوات الإيرانية».


إسرائيل قصفت منشأة صلب إيرانية... هل كانت هدفاً مشروعاً؟

تصاعد أعمدة كثيفة من الدخان عقب غارات على أصفهان بوسط إيران (أ.ف.ب)
تصاعد أعمدة كثيفة من الدخان عقب غارات على أصفهان بوسط إيران (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل قصفت منشأة صلب إيرانية... هل كانت هدفاً مشروعاً؟

تصاعد أعمدة كثيفة من الدخان عقب غارات على أصفهان بوسط إيران (أ.ف.ب)
تصاعد أعمدة كثيفة من الدخان عقب غارات على أصفهان بوسط إيران (أ.ف.ب)

خلال الحرب على إيران، قصفت الطائرات الحربية الأميركية والإسرائيلية مستودعات صواريخ ومنصات إطلاق، ومقاراً لقوات أمنية، وأنظمة دفاع جوي، لكن الأهداف التي استهدفت خلال الحملة التي استمرت ستة أسابيع لم تكن كلها مواقع عسكرية تقليدية. ففي 27 مارس (آذار)، ثم مرة أخرى بعد أيام قليلة، قصفت غارات جوية إسرائيلية مجمعاً ضخماً للصلب يقع مباشرة خارج أصفهان ويُعرف باسم «مباركة للصلب»، ومجمعاً آخر في جنوب غربي البلاد.

وأكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن ضربات بلاده قلّصت قدرة إيران على إنتاج الصلب، وحرمت «الحرس الثوري» القوي من إيرادات، وهو الجهاز الذي يشكل قمعه إحدى ركائز الحكومة الإيرانية.

وتُظهر شركات مثل «مباركة» التعقيدات الكامنة في الاقتصاد الإيراني. ففي حين أن القيادة وقوات الأمن في إيران متداخلة بعمق مع أكثر الشركات ربحية وأهمية في البلاد، فإن هذه الشركات نفسها حيوية لمعيشة ملايين الإيرانيين العاديين، بصرف النظر عما إذا كانوا يحملون ولاءً آيديولوجياً عميقاً للحكومة.

وأدت الهجمات إلى إغلاق أجزاء كبيرة من مصنع أصفهان لأسابيع، ما أوقف أكثر من 20 ألف عامل عن العمل، وقطع إمدادات الصلب عن المصنّعين المحليين. وقال مصطفى، وهو موظف سابق طلب التحدث، شرط عدم الكشف عن هويته لتجنب انتقام الحكومة: «شعرت وكأن بيتي أنا قد دُمّر».

وتأرجحت الولايات المتحدة وإيران بين محادثات السلام وتبادل إطلاق النار في الأسابيع الأخيرة. وكان من المتوقع أن تتناول مفاوضاتهما المنافع الاقتصادية التي قد تحصل عليها إيران مقابل قيود طويلة الأمد على برنامجها النووي.

وقد يؤدي اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت، الذي وُقّع الشهر الماضي، إلى توفير ما يصل إلى 300 مليار دولار لإعادة إعمار إيران وتنميتها الاقتصادية. لكن ذلك يبدو الآن احتمالاً بعيداً، بعدما قال الرئيس دونالد ترمب هذا الأسبوع إنه يعتقد أن الهدنة المؤقتة «انتهت».

جانب من هجوم 27 مارس الماضي على منشأة فولاد مباركة في أصفهان (أرنا)

إيرادات لصندوق «الباسيج»

وإذا تدفقت أي استثمارات إلى إيران، فستكون شركات مثل «مباركة» موضع تركيز بلا شك، بسبب أهميتها للاقتصاد الإيراني، وكذلك بسبب ارتباطها بأقوى قوات الأمن في إيران.

وكثيراً ما هدد ترمب بمهاجمة البنية التحتية الإيرانية، وإذا استؤنفت الحرب فسيخضع أي ضرب من هذا النوع لتدقيق واسع.

ويوم الخميس، اتهم «الحرس الثوري» الولايات المتحدة بقصف جسر للسكك الحديدية يربط البلاد بتركمانستان. وأكد متحدث باسم القيادة المركزية الأميركية أن الولايات المتحدة ضربت جسر السكك الحديدية، واصفاً إياه بأنه بنية تحتية لوجستية عسكرية كانت تتيح تدفق أسلحة وإمدادات عسكرية أخرى إلى مناطق رئيسية.

وقد وفرت «مباركة» إيرادات لصندوق استثماري تابع لجهاز تعبئة تديره الدولة، هو «الباسيج»، ذراع «الحرس الثوري»، وفق وزارة الخزانة الأميركية. وحدد تقرير صادر عن البرلمان الإيراني عام 2021 ذلك الصندوق الاستثماري بوصفه مساهماً رئيسياً في «مباركة».

وتُظهر بيانات مالية حديثة من «مباركة» أن من بين مساهميها صندوقاً استثمارياً يخضع في نهاية المطاف لسيطرة المرشد الإيراني. ورغم أن البيانات لا تُظهر صلة بـ«الحرس الثوري»، فإنه غالباً ما يحجب ملكيته عبر مستثمرين بالوكالة.

وفي تبريره الضربات على منشآت الصلب، قال نتنياهو إنها ستحرم النظام «من الموارد المالية ومن القدرة على إنتاج كثير من الأسلحة».

ولم يرد المديرون التنفيذيون في «مباركة» على طلب للتعليق، وليس واضحاً ما إذا كان الصلب المنتج في «مباركة» استخدم في تصنيع أنظمة الأسلحة الإيرانية.

وقال فرزين نديمي، الزميل البارز في «معهد واشنطن» والخبير في الشؤون العسكرية الإيرانية: «قد لا تُستخدم منتجات (مباركة) للصلب مباشرة في إنتاج الصواريخ، لكن الشركة على الأرجح منخرطة في البحث والتطوير لسبائك فولاذية حديثة عالية القوة من أجل إنتاج واسع النطاق مستقبلاً». وأضاف: «مع ذلك، فمن الأرجح أن تُستخدم منتجات (مباركة) للصلب في إنتاج مركبات نقل الصواريخ وإطلاقها».

وقال خبراء في القانون الدولي إن القانون الدولي يحظر الضربات على المواقع الصناعية التي تخدم المدنيين، ما لم تكن المنشأة تقدم مساهمة فعالة في العمل العسكري، وما لم يحقق ضربها ميزة عسكرية محددة.

وقالت سوزانا ساكوتو، مديرة مكتب أبحاث جرائم الحرب في كلية واشنطن للقانون بالجامعة الأميركية، إن الرأي الدولي الغالب يرفض فكرة أن توليد إيرادات للعمليات العسكرية يكفي لتصنيف موقع مدني هدفاً عسكرياً.

وقال مياد ملكي، وهو مسؤول سابق في وزارة الخزانة الأميركية، إنه رغم اعتقاده بأن المجمع كان هدفاً مشروعاً للعقوبات، فإنه يشك في أنه كان ينبغي استهدافه بضربات عسكرية. وقال: «هذه أصول الشعب الإيراني، وسيؤذي ذلك الاقتصاد إلى ما هو أبعد بكثير من الجمهورية الإسلامية».

وأضاف ملكي: «إنه يوظف كثيرين ويدفع رواتب لكثيرين. لكنه في الوقت نفسه مصدر رئيسي للإيرادات لكثير من الفاعلين الفاسدين».

ملكية غامضة

بُنيت «مباركة» على يد مجموعة أعمال إيطالية، ودخلت حيز التشغيل عام 1992، وكانت رمزاً للتطور الصناعي الإيراني وإعادة البناء بعد الحرب الإيرانية - العراقية في ثمانينات القرن الماضي.

وقال موظفان سابقان، رفضا الكشف عن هويتيهما لتجنب تداعيات من الحكومة الإيرانية، إن أشخاصاً لهم صلات بـ«الحرس الثوري» انتقلوا إلى مواقع قيادية في المصنع بدءاً من أواخر التسعينات. فعلى سبيل المثال، شغل مهدي تاج، وهو قائد كبير سابق في «الحرس الثوري»، عضوية مجلس إدارة المجمع وتولى منصباً تنفيذياً فيه في أوائل العقد الأول من القرن الحالي.

ويشغل تاج الآن منصب مدير الاتحاد الإيراني لكرة القدم، الذي لم يرد على طلب للتعليق.

وأدت حملة خصخصة نُفذت في منتصف العقد الأول من القرن الحالي إلى نقل أجزاء من شركات مملوكة للدولة، مثل «مباركة»، إلى أطراف قوية وغامضة، مثل «الحرس الثوري» وتكتلات تجارية تتبع القيادة الدينية في إيران.

وفي عام 2008، اشترى تحالف تقوده شركة «مهر اقتصاد للاستثمار الإيراني»، وهي كيان تابع لـ«الباسيج»، 45 في المائة من أسهم «مباركة». واعتباراً من عام 2021، كانت «مهر اقتصاد» أحد أكبر مساهمي «مباركة»، بحصة تقارب 14 في المائة، وفق تقرير برلماني كُتب في ذلك العام.

وتُعد «الباسيج» إحدى القوى الأساسية التي يستخدمها النظام لقمع الاحتجاجات، بما في ذلك المظاهرات التي عمّت البلاد في ديسمبر (كانون الأول) ويناير (كانون الثاني). وقد اندلعت تلك الاحتجاجات بسبب الاستياء من أزمة العملة الإيرانية وما يُنظر إليه على أنه سوء إدارة اقتصادية من جانب الحكومة.

واندمج مالك «مهر اقتصاد»، وهو بنك، في عام 2020 مع بنك إيراني آخر هو «بنك سبه»، الذي لم يرد على طلب للتعليق.

وحققت «مباركة» نحو 1.6 مليار دولار من صافي الأرباح في 2024 - 2025. وقالت وزارة الخزانة الأميركية عام 2018 إن الشركة «قدمت ملايين الدولارات» سنوياً إلى «مهر اقتصاد».

وقال مهدي قدسي، وهو اقتصادي في «معهد فيينا للدراسات الاقتصادية الدولية»: «جزء من الاقتصاد يُدار عبر الحكومة، لكن جزءاً أكبر من الاقتصاد يُدار عبر حكومة الظل أو (الحرس الثوري)».

ومن بين المساهمين الجدد نسبياً في «مباركة»، وفق وثائق قُدمت إلى بورصة طهران، شركة تابعة لـ«آستان قدس رضوي»، وهي مؤسسة إيرانية فرضت عليها الولايات المتحدة عقوبات عام 2021 لأنها كانت خاضعة لسيطرة المرشد الإيراني السابق آية الله علي خامنئي. وكانت الشركة تملك 1.79 في المائة من «مباركة» حتى العام الماضي.

ومن بين المالكين الرئيسيين الآخرين عدة صناديق تقاعد مملوكة للدولة. وتعاني صناديق التقاعد الإيرانية منذ سنوات من صعوبة دفع مستحقات المتقاعدين، ومن المرجح أن يؤدي تدمير قطاعات رئيسية من الاقتصاد إلى تفاقم تلك المشكلة.

وقد حقق مشرعون إيرانيون عام 2021 في فساد محتمل من جانب مديرين في «مباركة»، وألقوا باللوم في كثير من مشكلاتها على عملية الخصخصة المعيبة، قائلين إنها «باتت الآن تُدار بملكية غامضة تماماً إلى جانب إدارة خاضعة بالكامل لسيطرة الدولة».

ضربات على منشأة 15 خرداد الصاروخية في منطقة بهارستان بأصفهان مطلع أبريل الماضي (شبكات التواصل)

شركة «محبوبة»

وتقدم مقابلات مع بعض الأشخاص الذين كانوا يعملون سابقاً في «مباركة» صورة أخرى عن الشركة. فبالنسبة إلى المهندسين الطموحين الذين نشأوا في أصفهان، كان العمل في «مباركة» «وظيفة الأحلام»، كما قالت مريم، التي تعيش الآن خارج إيران. وطلبت هي وبعض الموظفين السابقين الآخرين الذين تحدثت إليهم «نيويورك تايمز» ألا تُكشف هوياتهم كاملة، خوفاً من تداعيات بسبب الحديث علناً.

وقال بعضهم إنهم شعروا بأنهم يعملون في شركة مرموقة ومتطورة تكنولوجياً، تسهم في البلاد وتهتم برفاههم. وقال مازيار شكراني، الذي عمل في «مباركة» مثل والده: «حتى قبل أن أُولد، كان والدي يعمل في الصلب».

وبدأ شكراني العمل هناك محامياً في منتصف العقد الأول من القرن الحالي، وكان يستقل حافلة يومياً إلى المصنع المترامي الأطراف على بعد 40 ميلاً خارج أصفهان. وقال: «أعرف أن حياتي كلها ووجودي كله من الصلب».

وقال مصطفى، الموظف السابق الذي يعيش الآن خارج إيران، إن «مباركة» تبرعت أيضاً بأموال لبناء ملاعب ومؤسسات تعليمية، ودعمت عائلات فقيرة في المنطقة المحيطة بالمجمع. وأضاف: «كانت محبوبة في تلك المنطقة». وأضاف: «أي صناعة كانت تواجه عقبة، أو أي مجموعة كانت تعاني مشكلة، كان لديها بعض الأمل في أن ترتب (مباركة للصلب) نوعاً من الدعم».

وأفاد موقع الأخبار الإيراني «رويداد 24» في أوائل مايو (أيار) بأنه من بين 27 ألف عامل، كان 2000 فقط لا يزالون يعملون في المصنع. وقال مسؤولون إيرانيون إن إعادة بناء «مباركة» تجري بسرعة أكبر من المتوقع، وفي أوائل يونيو (حزيران) أعادت الشركة تشغيل فرن كان قد تضرر في الضربات.

وفي المقابلات، اختلفت آراء الموظفين السابقين بشأن الجهة التي ينبغي تحميلها مسؤولية الضربات على «مباركة». وقال شكراني، الذي يعيش الآن خارج إيران: «ينبغي إلقاء قدر أكبر من اللوم على (الحرس الثوري)، لأنه دفع اقتصاد البلاد عمداً وبوعي إلى هذا المسار».

وقال عباس كامرانيان - مرناني، وهو مهندس ميكانيكي عمل في «مباركة» أو لدى متعاقدين معها على مدى عقد ويعيش الآن في أوروبا، إن الولايات المتحدة وإسرائيل كانتا، في أذهان الإيرانيين، مرتبطتين ارتباطاً وثيقاً في طريقة إدارتهما الحرب. وأضاف: «لقد عملتا في الغالب باتجاه تدمير البنية التحتية وتدمير إيران».

وقال كامرانيان - مرناني إن ضربات مثل تلك التي استهدفت مصنع الصلب جعلت الإيرانيين يفقدون الأمل في فكرة علاقات أفضل مع الولايات المتحدة.

وقال مسؤول عسكري أميركي كبير، تحدث بشرط عدم الكشف عن هويته لمناقشة مسائل عملياتية، إنه لا يعلم بأي دور أميركي في ضربات الصلب.

* خدمة «نيويورك تايمز»