المشاركة الكويتية في الثقافة العربية

وفّر البلد مبكراً استقراراً نفسياً وحرية فكرية للأكاديميين الوافدين

المشاركة الكويتية في الثقافة العربية
TT

المشاركة الكويتية في الثقافة العربية

المشاركة الكويتية في الثقافة العربية

ما زلت أتذكر ذلك اليوم القائظ من سنة 1973م حين تواصل معي محمد طنطاوي، محرر الاستطلاعات الصحافية عن المدن العربية والإسلامية، لمساعدته في فتح أبواب مدينتي (القطيف) أمام قراء مجلة «العربي» المستمتعين بدخول عوالم تلك المدن، عبر كاميرا عبد الناصر شقرة، مصور المجلة.

كنت وقتها طالباً في المرحلة الثانوية، وقد بدأت خطواتي على درب الصحافة المثير، متابعاً ما كان يدور في صحافة لبنان ومصر والكويت، حيث أتسابق أنا وزملائي على اقتناء ما تصدر من صحف ومجلات، وكان في مقدمتها مجلة «العربي» تشدنا بمحتواها الموسوعي الجذاب، خاصة حديث رئيس تحريرها الشهري دكتور أحمد زكي. هذا المعلم الكيميائي الذي تحصّل على أطروحة الدكتوراه في جامعة لندن، ليصبح المشرف على مركز البحوث العلمية. لقد أهّلته ثقافته الموسوعية الجامعة بين العلم والأدب ليرأس تحرير مجلة «الهلال»، وبعدها رئاسة جامعة الملك فؤاد الأول (جامعة القاهرة فيما بعد).

لعل انحسار دور المجلات الأدبية في مصر فيما بين الحربين العالميتين؛ «الكاتب المصري» برئاسة طه حسين، و«الثقافة» لأحمد أمين، و«الرسالة» لأحمد حسن الزيات، كأنه حفز النخبة الكويتية من مثقفين وأدباء ورجال مال وأعمال أن تكون لبلدهم المنتظر استقلاله مجلة تأخذ بالكويت الصغيرة إلى اهتمام العرب، متأثرين بما كان يجري حينذاك من أحداث قومية في مشارق العالم العربي ومغاربه، وقد استضافت الكويت قبل استقلالها رموزاً من مناضليهم، فارّين من اضطهاد الاستعمار الأوروبي.

ويدهش المطلع على تاريخ الكويت الثقافي كيف قام علماؤها وأدباؤها وأثرياؤها وشخصياتها العامة، منذ نشأة الكويت، بنسخ مخطوطات التراث العربي والإسلامي، وتبني فتح مكتبات عامة، وإنشاء مدارس، وإصدار صحف ومجلات، رغم ضعف الإمكانات الطباعية، تأثراً بما كان يصل إليهم عبر سفن الغوص على اللؤلؤ من مجلات وصحف تصدر من أقصى القارة الهندية إلى أقرب جارٍ للكويت، فإذا بعبد العزيز الرشيد يصدر سنة 1928 مجلة «الكويت»، وهاشم الرفاعي بعده يصدر صحيفة من البصرة.

حين قابلت أحمد السقاف الأديب والشاعر سنة 1994 في برنامجي «هذا هو» عبر قناة «MBC»، فتح أمامي صفحات ما جرى تحضيراً لإصدار مجلة «العربي»؛ إذ تحمس الشيخ صباح الأحمد الصباح، مدير إدارة النشر والمطبوعات قبل الاستقلال - أي وزير الإعلام بعده - واستقر الرأي على إصدار مجلة باسم «العربي»، وقد كُلّف السقاف بالسفر إلى أهم عواصم الثقافة العربية للاجتماع بأبرز مفكريها وأدبائها.

فبدأ سنة 1957م السفر جواً إلى بغداد، مجتمعاً بالمفكر القومي عبد العزيز الدوري، والمحقق محمد بهجة الأثري، ودكاترة من جامعة بغداد. غادر بعدها إلى لبنان متواصلاً مع نائب رئيس الجامعة الأميركية ببيروت فؤاد أفرام البستاني، الذي أصدر هو وأخوه يعقوب مجلة «المقتطف» في القاهرة، أسوة بما أصدره قبلهما جورجي زيدان وأخوه إميل؛ مجلة «الهلال»، وآل تقلا الذين أصدروا جريدة «الأهرام»، أثناء هجرة الشوام إلى مصر فراراً من الطغيان العثماني.

ولم ينسَ السقاف في رحلته التاريخية هذه الإفادة من خبرة محققي التراث العربي، الذين أفادت وزارة الإعلام الكويتية مبكراً من علمهم في طباعة عددٍ مختار من نفائس المخطوطات العربية، وفي طليعتها ما أنجزه - مؤخراً - المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب من طباعة معجم «تاج العروس» للغوي مرتضى الزبيدي في أربعين جزءاً.

أما الأمر المثير حقاً في رحلة السقاف التحضيرية هذه لإصدار مجلة «العربي»، فهو إقناعه السريع أحمد زكي - الوزير السابق والمشرف على مركز البحوث ورئيس الجامعة في بلده المتمدن عمرانياً واجتماعياً وثقافياً حينها - بالانتقال إلى دولة صغيرة ناشئة لم تتوفر بعد على بنية تحتية تهيئ لحياة عصرية.

ونظراً لتوفر إرادة سياسية طموحة، فقد سافر السقاف - وقتذاك - إلى ألمانيا لحضور معرض عالمي لآلات الطباعة، لكي تختص المجلة الوليدة بمطبعة خاصة بها؛ إذ كان ضعف مستوى الطباعة في الكويت منذ بداية القرن العشرين سبباً في تعثر استمرار ما حاوله بعض عناصر المجتمع الأهلي والثقافي من إصدار صحف ومجلات.

هكذا صدر العدد الأول من مجلة «العربي» في ديسمبر (كانون الأول) 1958، ليكون من حسن طالعها التفاعلي انعقاد مؤتمر الأدباء العرب في الكويت متزامناً مع صدورها.

في الوقت الذي تفتق وعيي على مجلة «العربي»، وهي في ذروة ازدهارها وتألقها، كانت إذاعة الكويت هي الأخرى تشكل مصدراً معرفياً لجيلي، بما كان يصل إليها من مشاركات بعض الأكاديميين العرب الوافدين إلى الكويت للتدريس في جامعتها الوليدة سنة 1966، وكان في طليعتهم الدكاترة عبد الرحمن بدوي، وزكي نجيب محمود، وشاكر مصطفى، ومحمود علي مكي، وأحمد أبو زيد، وفؤاد زكريا، الذين وفرت لهم الكويت جواً من الاستقرار النفسي والحرية الفكرية.

أحمد السقاف

فإذا بوكالة المطبوعات الكويتية تطبع معظم ما ألفه عبد الرحمن بدوي من كتب تتعلق بتراث الفلسفة اليونانية والعربية، وقد أصبح أستاذاً للفلسفة في جامعة الكويت جنباً إلى جنب مع زكي نجيب محمود؛ هذا الذي طالما استمتعت - وقتذاك - بحوارات رمضان لاوند، المذيع اللبناني اللامع بفكره الوقاد، مع فيلسوف الوضعية المنطقية عبر أثير إذاعة الكويت.

فقد وجد هذا المفكر المصري في جو الجامعة العلمي، ومكتبتها الزاخرة بأمهات الكتب التراثية، فرصة ذهبية للاستغراق في قراءتها، بعدما انكب على قراءة الفكر الأوروبي بمدارسه الفلسفية والأدبية المختلفة، أثناء دراسته منذ الأربعينيات الميلادية في جامعة لندن. ورغم أنه حاول استدراك ما فاته عربياً وإسلامياً بكتابة بحثه الدسم عن الفيلسوف والعالم الكيميائي جابر بن حيان، المنشور سنة 1960 في سلسلة «أعلام العرب» المصرية، فإن ذلك لم يشفِ غليله، وقد بدأ يشتغل على أطروحته حول «الأصالة والمعاصرة» الجامعة بين روحانية الشرق وعقلانية الغرب، كما تطارحتها معه في برنامجي التلفازي «الكلمة تدق ساعة» وأنا أزوره في شقته القاهرية صيف 1978م؛ أي بعد عودته من الكويت بخمس سنوات، بعدما استقر بين أروقة جامعتها منذ 1968 إلى 1973.

وفيها أكد تدينه المستنير كما يذهب تلميذه دكتور إمام عبد الفتاح إمام في كتابه «رحلة في فكر زكي نجيب محمود»، بل إن هذا سجل إضافته الفكرية في تجربته الحائرة، حين أسفرت قراءاته النهمة لأمهات كتب التراث العربي الإسلامي عن تأليف كتابه «تجديد الفكر العربي» الصادر سنة 1971م، وكتابه الآخر المكمل «المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري».

انظر إلى ما كتبه في مقدمة كتابه الأول: «استيقظ صاحبنا بعد أن فات أوانه، فإذا هو يحس الحيرة تؤرقه، فطفق في الأعوام الأخيرة التي لا تزيد على السبعة أو الثمانية - أي في الفترة التي قضاها في جامعة الكويت - يزدرد تراث آبائه ازدراد العجلان... والسؤال ملء سمعه وبصره: أين السبيل إلى ثقافة موحدة متسقة يعيشها مثقف حي في عصرنا هذا، بحيث يندمج فيها المنقول والأصيل في نظرة واحدة؟»، ويختم محمود مقدمته بجملة: «جامعة الكويت في يونيو (حزيران) 1971».

بعد سنة من مغادرته إلى مصر عاد إلى الكويت ثانيةً مشاركاً ببحثه «الحضارة وقضية التقدم والتخلف» في ندوة كبرى عُقدت بين 7 و12 أبريل (نيسان) سنة 1974م، مع نخبة من أبرز مفكري العرب على اختلاف توجهاتهم الآيديولوجية، بدعوة من جامعة الكويت وجمعية الخريجين الكويتية، لمناقشة «أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي»، إيماناً من مفكري العرب بمسؤوليتهم القومية أمام التاريخ وأمام الأجيال العربية المقبلة، وشعوراً منهم - كما جاء في بيان الندوة الختامي - بخطورة المرحلة الحضارية التي تمر بها الأمة العربية في الظروف الراهنة - وقتذاك - لمواكبة شعوبها مسيرة الحضارة العالمية في تطورها المتسارع، فقد ناقشوا قضايا التخلف الفكري والاجتماعي والاقتصادي، والتراث العربي الإسلامي، وتبعات الاستعمار الغربي في المجتمع.

قبل انعقاد الندوة اللاحقة التي عُقدت في الكويت سنة 2014 حول نفس الموضوع، بمشاركين آخرين ورؤى مختلفة متجددة، وجدنا عدداً من المفكرين العرب منذ منتصف السبعينيات الميلادية يشتغلون على ما أثارته الندوة الأولى من قضايا وإشكالات؛ فقام المفكر المغربي محمد عابد الجابري في الثمانينيات الميلادية بمحاولة تفكيك سلطة النص المحافظ، منتقداً هيمنة التراث الفكري على العقل العربي طوال قرون، وذلك في مشروعه التأليفي المعروف بـ«نقد العقل العربي».

وهو ما عالجه قبله دكتور طيب تيزيني، أستاذ الفلسفة بجامعة دمشق، في كتابه «مشروع رؤية للفكر العربي في العصر الوسيط» بأجزاء عدة، ثم عمّق أطروحته حسين مروة بكتابه «النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية» سنة 1978، برؤية تحليلية لا تكاد تغادر الخطاب الماركسي، بتحليل التراث وفق مقولة الصراع الطبقي، وإقحام التصور الماركسي في تحليل واقع المجتمع العربي وتاريخيته.

وهذا ما فعله محمود أمين العالم في تعليقه على بحث رفيق دربه المفكر المصري أنور عبد الملك، المعروف بأطروحته الشهيرة عن «مصر مجتمع عسكري»، منتقداً موقف المثقف العربي من قضية «الخصوصية والأصالة»، وكان هذا عنوان ورقته في ندوة الكويت الأولى، عازياً ذلك إلى تبعيته للفكر الغربي في مفاهيمه ومناهجه. فما كان من العالم سوى استدعاء التصور الماركسي الدوغماتي حول «الخصوصية التاريخية»، ليكون حسب رأيه أساساً آيديولوجياً في دراسة المجتمع المصري لمعرفة طبيعة تركيبه الاجتماعي والاقتصادي والموضوعي.

على أي حال، أحسب كأنه في أعقاب هذه الندوة التاريخية أن تشجع المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الكويتي، بأمانة الشاعر المثقف أحمد مشاري العدواني، ومساعدة الشاعر الأكاديمي خليفة الوقيان، على إصدار كتاب «عالم المعرفة»، بالإفادة من خبرات بعض من شارك في الندوة الأولى - كما لمست ذلك من مقاله المنشور في مجلة «العربي» بعنوان «ميلاد عالم المعرفة».

وفي طليعة أولئك دكتور فؤاد زكريا، أستاذ الفلسفة بجامعة الكويت، الذي أصبح مستشاراً دؤوباً صبوراً وفعالاً لهذا الإصدار المعرفي الشهري - تأليفاً وترجمةً. ويبدو أن المجلس الوطني عمل على التحضير لإصداره هذا بعد تأسيسه سنة 1973، متوخياً طباعة خمسين ألف نسخة من كل كتاب، وتوزيعها في جميع أنحاء العالم العربي.

هذا ما وجدته شخصياً وأنا أتمشى في «شارع الحبيب بورقيبة» بتونس صيف 1978، مقتنياً إصداره الأول؛ كتاب «الحضارة»، تأليف دكتور حسين مؤنس. لقد اكتسبت سلسلة كتاب «عالم المعرفة» على توالي السنين شهرة عربية واسعة، شاكرةً جهود الكويت في نشر الثقافة الجادة منذ استقلالها سنة 1961 إلى يومنا هذا؛ إذ شكلت إصداراتها بمجلة «العربي»، ومجلة «عالم الفكر» سنة 1970 ذات الدراسات الأكاديمية برئاسة أحمد مشاري العدواني، واستشارة أستاذ الأنثروبولوجيا المصري دكتور أحمد أبو زيد، ومجلة «الثقافة العالمية» ذات الموضوعات المعاصرة المترجمة، وكتاب «عالم المعرفة»، منظومةً ثقافية راقية.

يضاف إليها تجربة الكويت المسرحية اللافتة، التي شكلت أساساً راسخاً لقوة العرب الناعمة، انطلاقاً من الكويت التي عملت منذ 1979 على تبني وتمويل «الخطة الشاملة للتنمية الثقافية»، بمشاركة أبرز الخبراء العرب بتخصصاتهم الثرية المتخصصة، لتصدر باسم المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم التابعة لجامعة الدول العربية سنة 1968، بحماس الوزير المثقف عبد العزيز حسين في اجتماع المنظمة التحضيري بالطائف، متعهداً رعاية الكويت تلك الخطة، بوصفه رئيساً للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.

هذا الرائد الكويتي بدأ اهتمامه بإشاعة الثقافة منذ كان مشرفاً على «بيت الطالب الكويتي» في القاهرة سنة 1946، بإصدار مجلة «البعثة»، مستكتباً مثقفين وأدباء كويتيين وعرباً فوق صفحاتها.

يا ترى، هل إصدار مجلة «البعثة» لمدة ثماني سنوات حتى سنة 1954 كان مقدمة حبلى آذنت بعد أربع سنوات بولادة تلك البنت الجميلة في محتواها وشكلها؛ مجلة «العربي»؟


مقالات ذات صلة

ماهر شفيق فريد... ناقداً

ثقافة وفنون ماهر شفيق فريد

ماهر شفيق فريد... ناقداً

لم أُحصِ عدد المقالات التي كتبها ماهر شفيق فريد، الأكاديمي والمترجم والناقد المصري واسع العلم غزير الإنتاج، الذي أثرى الحياة الثقافية بإسهاماته المتنوعة

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون هل العربية عرقٌ أم لسان؟

هل العربية عرقٌ أم لسان؟

لم أتقبل قط فكرة أن هناك علماً ضاراً أو علماً لا ينفع، وظللتُ وفياً لفكرة العلم بالمطلق، ولكن حدث أن سمعت مقاطعَ تتالت عليَّ مصادفة للعالم الجليل بشار عواد

عبد الله الغذامي
ثقافة وفنون الدخول في المتاهة العراقية قبل الفتح العربي ــ الإسلامي

الدخول في المتاهة العراقية قبل الفتح العربي ــ الإسلامي

أثارت الكتب الثلاثة التي ألفها المؤرخ البريطاني فيليب وود عن سوريا والعراق في نفسي، ذلك السؤال الذي ظل غائباً عن الذهن طويلاً: ماذا جرى للعراق بعد سقوط بابل…

لؤي عبد الإله
ثقافة وفنون «مدينة الذباب»... البحث عن عالم مغاير

«مدينة الذباب»... البحث عن عالم مغاير

لا تؤسِس رواية «في مدينة الذباب» (دار الشروق - القاهرة) للكاتب والروائي المصري أحمد عبد المنعم رمضان عالمها على الديستوبيا وحدها،

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون ميخائيل رومان... دون كيشوت المسرح المصري

ميخائيل رومان... دون كيشوت المسرح المصري

يقدم عامر درويش الخطيب، في كتابه «البطل الدرامي عند ميخائيل رومان»، دراسة عن تطور شخصية البطل الدرامي في كتابات رومان المسرحية، عبر نموجين من أعماله.

«الشرق الأوسط» (بغداد)

ماهر شفيق فريد... ناقداً

ماهر شفيق فريد
ماهر شفيق فريد
TT

ماهر شفيق فريد... ناقداً

ماهر شفيق فريد
ماهر شفيق فريد

لم أُحصِ عدد المقالات التي كتبها ماهر شفيق فريد، الأكاديمي والمترجم والناقد المصري واسع العلم غزير الإنتاج، الذي أثرى الحياة الثقافية بإسهاماته المتنوعة منذ ستينات القرن الماضي وحتى اليوم، إذ يخطو في عقده التاسع. والأرجح أنها تُحصى بالمئات لا العشرات. فماهر شفيق هو آلة مبرمجة لأداء عملين هما القراءة والكتابة. وإن كنا نميل لاعتبار وصف الإنسان بالآلة نوعاً من التحقير، فليس أبعد من هذا عن قصدي. إنما أستعير من أوصاف الآلة النظام الصارم، ودقة العمل على مدار الساعة بغير كلل، وغزارة الإنتاج. ومن الصفات الآلية في كتابة ماهر شفيق الالتزام بتركيب أو بناء بعينه لمقالاته مهما اختلفت الموضوعات. قرأت، في الآونة الأخيرة، ما لا يقل عن مائة من مقالاته المنشورة عبر عدة عقود زمنية، ما يسمح لي بأن أستخلص بعض القواسم العامة منهجياً وفكرياً لديه في كتابة المقالة النقدية.

أول ما يعنّ لي من ملاحظات هو اتساع مجالات الاهتمام من عصر الإغريق والرومان إلى عصرنا الحديث وما بينهما. وعلى الرغم من تخصص الكاتب في الأدب الإنجليزي، فإن إحاطته بالمشهد الثقافي المصري بكل تفرعاته، منذ بداية عصر نهضتنا الحديثة في أواخر القرن التاسع عشر وحتى اليوم، مدهشة في شمولها، فهو يُعدُّ بحق نموذجاً للمثقف العام الذي ينهل من تخصصه الأجنبي ليصبّ في المجرى العام لثقافة بلده رافداً إياها في كل اتجاه. كما تنمّ مقالاته عن دراية تاريخية بالتراث الثقافي العربي والإسلامي ينضح بها محتوى كتاباته وأسلوبه ومفرداته جميعاً.

لماهر شفيق في مقالاته منهج متواتر يتمثل في التزامه شبه الدائم بالعودة إلى النماذج الأولى والمقاربات السابقة وأصول الأنواع الأدبية، وهو ضرب من ضروب الالتزام بأداة المقارنة في النقد، تُعينه عليه قراءاته الواسعة وقدرة ذاكرته الجبّارة على الاحتفاظ بما يقرأ واستدعائه حسب المقام. أما عن منهجه النقدي فأحسب أنه بقي عمره ممارساً مخلصاً للقواعد النقدية التي سار عليها ت. س. إليوت من اعتماد التحليل والمقارنة أداتين رئيسيتين للنقد، وما أضافه إلى ذلك أصحاب مدرسة «النقد الجديد» في أميركا وأضرابهم من الإنجليز الذين سيطروا على الفكر النقدي من ثلاثينات القرن الماضي إلى ستيناته. ظل ماهر شفيق في نقده على مسافة آمنة من البنيوية والتفكيكية وما بعد الكولونيالية وسائر الصراعات النقدية التي استشرت بين الأكاديميين في العقود الأخيرة وما زالت.

عنده أيضاً ما يمكن تسميته الولع الببليوغرافي. هو كاتبٌ مُحصٍ، مُعِدٌّ للقوائم، مُثبتٌ للعناوين، مُدرِجٌ لتواريخ النشر. هو حُلم كل كاتب أن تنجو أعمالُه من النسيان، حُلم كل شاعر ألا تضيع قصيدة من قصائده ولو كانت غثّة. لكن ما السر في هذا الولع الببليوغرافي عند الكاتب؟ لا أظنُّه هوساً مَرضياً، ولا أظنُّه وُلد بمورِّثات أرشيفية. الأمر عندي أن ماهر شفيق الناقد لا يحب النظر إلى كاتب أو قاصّ أو شاعر إلا باعتباره كلاً واحداً، باعتباره مجموعَ إنتاجه، وليس عدة أعمال متفرقة في مراحل حياته وكأنها صادرة عن أشخاص مختلفين، وأنه لا ينظر إلى ما كُتب عن أديب بعينه من نقد باعتباره متفرقات بلا رابط من فريق لا يجمع بين أفراده جامع، ولكن باعتباره محاولات متعددة لفهم كاتبٍ بعينه أو عمل بعينه، يسهم كل منها بشيء في محاولة الفهم. فالنقد جهد تعاضدي تراكمي.

ماهر شفيق أستاذ الإنجليزية يكتب ويترجم في لغة عربية جزلة أنيقة واضحة، لا يكتب بتقعر أكاديمي ولا ينزلق إلى وهاد المصطلحات الكهنوتية التي تفتن بعض الأكاديميين بينما تعزلهم عن المثقف العام، لكنه لا يتدنى إلى لغة الصحافة السيّارة. وهو يكتب النقد الأدبي كما لو كان يبدع الأدب، ما يُذكِّر بجيل الرواد، أمثال عباس العقاد وطه حسين ومحمد حسين هيكل ولويس عوض ومحمد مندور وحسين فوزي وغيرهم.

ومن خصائص المقالة النقدية عنده أن يختمها بتعداد أخطاء النحو والأسلوب لدى الكاتب موضوعِ النقد. قد يكون أنفق جُلَّ المقالة يعدِّد مناقبه الفكرية والأدبية وغزارة علمه وطلاوة أسلوبه وما أسَّس من مجلات عظيمة أو حبَّر من كُتب ستبقى على مر الزمن وأفضاله على الجيل وعلى هذا النوع الأدبي أو ذاك، لكن شيئاً من هذا لن ينفعه حين تحين ساعة الحساب النحوي أو التدقيق الإملائي أو الأسلوبي في آخِر المقالة.

مِن مجموع المقالات يمكنك أن تستخلص أن ماهر شفيق يمكن ضمه إلى قائمة الكُتاب المصريين الحائزين لقب «عدو المرأة»، يقفز إلى الذهن اسما عباس العقاد وتوفيق الحكيم، ولكن في حالة ماهر شفيق الأمر ليس بهذا الوضوح، فليس في المقالات المائة التي أعتمد عليها هنا مقالة واحدة مكرَّسة للهجوم على المرأة أو بخْس حقوقها، لكننا نجد إشارات وتلميحات وعبارات تُلقى جزافاً في كثير من النصوص تشي بنزعة ذكورية بطركية متعالية على النساء. انظر مثلاً كيف أنه في مقالة له عن الناقد والأكاديمي «عز الدين إسماعيل» يصف أسلوبه النقدي بأنه يتسم «بنبرة رجولية حازمة»، وهو تعبير ينم على نزعة ذكورية مستهجِنة نحو المرأة. فالحزم صفة بشرية عامة تُنسب للرجال كما تُنسب للنساء. وفي مقالة بعنوان «ثلاثة دواوين وشاعر» يُعرّض بشعراء قصيدة النثر تعريضاً عاماً، لكنه يضيف تعميماً بلا أسماء يخص فيه الإناث منهم بكونهم «أبعد ضلالاً، وأقتل لدغةً، من الذكور». وقِسْ على هذا كثيراً في ثنايا مقالاته وبعض كتبه، لكنك أيضاً ستجد مدحاً لهذه الكاتبة أو تلك، لهذه الأكاديمية أو تلك، لأستاذةٍ له من الماضي أو أخرى، ما يقطع بأن مظلته الذكورية تقبل أن تتفيأ تحتها بعض النسوة الفرادى، مُستثنَياتٍ من الاستهجان العام.

على امتداد حياته في أروقة الجامعة وفي الساحة الثقافية العامة، كان ماهر شفيق - ولا يزال - قوة إيجابية معطاءة، حمل الشعلة غير هيّابٍ من أجيال التنوير السابقة على مدى القرنين السابقين، ومثلما كانوا لا تجده محصوراً في تخصصه الأكاديمي، فهو في كل مكان، في كل عصر، في كل ثقافة، في كل لغة، يقيم الصلات ويربط الوشائج. إنه من بقايا جيل المثقفين المتلاشي الذي كان يؤمن بوحدة الثقافة الإنسانية، والذي اصطلحنا على تسميته المثقف الموسوعي، وهو ما يجعله عملةً نادرة في عصر التخصصات الدقيقة والتفتت المعرفي، تجده حريصاً على التراث قدر حرصه على التجديد، منفتحاً على الثقافة الغربية قدر حرصه على الخصوصية المصرية والعربية وقدرتها على تمثل الملقِّحات الغربية. لكن هل فينا جميعاً بذرةٌ من المحافظة والرجعية تنمو داخلنا كلما تقدَّم بنا العمر؟ ألم نشهد كثيراً من مجدِّدي الشباب يصبحون محافظي الشيخوخة؟ ألم نرَ العقاد الثائر على الإحيائيين في شبابه يرفض شعر التفعيلة في شيخوخته ويُحيل شعر صلاح عبد الصبور إلى لجنة النثر في المجلس الأعلى للآداب والفنون للاختصاص؟

انظر إلى ماهر شفيق مثلاً في مقالة له عن القصاص «إبراهيم المصري (1900-1979) رائد القصة التحليلية»، حيث يصف أسلوبه بأنه «جزل اللفظ، مستحكم القوة. إن في نثره العضلي فحولة وقوة يفتقدها المرء في قصاصي عصرنا، مثلما يفتقد في شعر حلمي سالم ومحمد آدم وعبد المنعم رمضان - أكبر ثلاثة شعراء في جيلنا - فحولة البارودي وشوقي وحافظ والجارم». تأملْ وصف الأسلوب «بالفحولة» و«العضلية»، ما يُذكِّر بوصفه أعلاه لنقد عز الدين إسماعيل «بالرجولة الحازمة». تأملْ أيضاً تعريضه مروراً بشعراء الجيل الحاضر؛ لأن لغتهم تفتقد «فحولة» جيل الإحيائيين. أحقّاً يريد لحلمي سالم وجيله أن يكتب بلغة البارودي وشوقي وحافظ الذين كانوا يكتبون بلغة شعراء العصر العباسي؟في الختام، قد نتساءل: تُرى أين يقف ماهر شفيق فريد آيديولوجياً؟ أظنُّه سؤالاً مشروعاً، فلكل إنسان، ناهيك بأن يكون كاتباً، موقف آيديولوجي معلَنٌ أو مُضمَّن. لم أجد في المقالات المائة موقفاً آيديولوجياً معلَناً. على أن ناقدنا لم يتردد، على الأقل، في إعلان صريح عما هو ليس آيديولوجيته، إذ كتب، في مفتتح مقالة له بعنوان «لطيفة الزيات والنقد الإنجليزي الحديث»: «فلأقلْ، بادئ ذي بدء (...) إني فكرياً أختلف مع منظور الالتزام اليساري الذي تُمثله كتابات لطيفة الزيات، كما تُمثله (...) كتابات سلامة موسى، ومحمد مندور، ولويس عوض، وعلي الراعي، ومحمود أمين العالم، وعبد العظيم أنيس، وعبد المنعم تليمة، وسيد البحراوي، وأمينة رشيد، وإدوار الخراط، وغالي شكري، وصبري حافظ، وفريدة النقاش، وأمير إسكندر، ورضوى عاشور، وبشير السباعي، وفاروق عبد القادر، وألفريد فرج، ورمسيس يونان... إلخ إلخ». يا لها من قائمة! مَن مِن مفكري مصر ومبدعيها ونقادها وأكاديمييها لم تشمله هذه القائمة؟ وإن كان ماهر شفيق يقف بمنأى عن كل هؤلاء، فأين يقف؟ لا أملك إلا أن أسأله: فأين إذًا تلتزم فكرياً؟ لا أراك يمينياً. كتاباتك تنضح بحب الناس وحب الحرية الفكرية وبالروح الليبرالية (ما عدا فيما يتعلق بالنساء). وأظنُّك لا تجد بأساً في العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص والتضامن الاجتماعي والفصل بين الدين والدولة. وفي ظنِّي أن مَن اجتمعت له هذه المبادئ لن يكون إلا يسارياً، وإن كره التسمية. هناك فارق بين الروح اليسارية، وبين الإيمان اليساري الكتابي أو الفقهي الذي يعيش ويفكر ويكتب بالشرائع الماركسية والسنن اللينينية وما أشبه. أعدّكَ في زمرة الروح اليسارية العامة، لا يسارياً سلفياً. وإن لم ترضَ بهذا فإني لأخشى عليك من صقيع الانعزالية.

يكتب فريد النقد الأدبي كما لو كان يبدع الأدب ما يُذكّر بجيل الرواد أمثال عباس العقاد وطه حسين ومحمد حسين هيكل


هل العربية عرقٌ أم لسان؟

هل العربية عرقٌ أم لسان؟
TT

هل العربية عرقٌ أم لسان؟

هل العربية عرقٌ أم لسان؟

لم أتقبل قط فكرة أن هناك علماً ضاراً أو علماً لا ينفع، وظللتُ وفياً لفكرة العلم بالمطلق، ولكن حدث أن سمعت مقاطعَ تتالت عليَّ مصادفة للعالم الجليل بشار عواد معروف (رحمه الله)، وكأنها تدقّ جرس تنبيه لي من غفوة علمية غلبت عليَّ العمر كله، لتكشف لي خطل ظني بأن ليس هناك علمٌ ضار.

وهنا أعدتُ النظر في قناعتي، لأرى أمامي عالماً وباحثاً جسوراً ومخلصاً لشرطه العلمي الذي نذر نفسه له وخدم التراث العربي تحقيقاً وبحثاً ودراسة، لكنه وقع في فتنة العلم، وهو ما تكشف عنه تلك المقاطع التي تصادفت كلها بأنها عن قضية واحدة حول مقولات لباحثين عرب ومستشرقين تقول إن عدد الباحثين العجم أكثرُ من العرب في خدمة القرآن واللغة العربية. والمقصود بالعجم هنا هم المستعربون ممن خدم العربية والإسلام. والقول إنهم هم الأكثر لا يثير عندي أي حساسية علمية ولا قومية، وكنت وما زلتُ أباهي بمثل هذا القول، وأراه مزية وليس مثلبة نسعى لنفيها عن سوء ظن منا بأنها تهدم هرم الثقافة العربية.

وكان بشار عواد وعمه ناجي من المتحمسين وباذلي الوقت والجهد لنفي هذه الدعوى.

وقبل الخوض في هذه الفتنة، أود التأكيد على رأيي في أن المعروفين معاً عالمان بارزان وعميقان ومخلصان، لكن تحرّجهما من أعجمية مَن خدموا لغتنا وتراثنا لن تكون إلا فتنة علمية. وأستطيع مقارنة هذه الدعوى بافتراض دعوى بأن اليهود والأفارقة هم من صنعوا أميركا؛ فتشومسكي يهودي، وكيسنجر يهودي، ومارتن لوثر كينج أفريقي، وترمب نفسه ابن مهاجرَين، أحدهما من قرية في اسكوتلندا، وزوجته (أم ترمب) من قرية في ألمانيا، وكذلك فلغة أميركا مستعارة من الإنجليز. وهذه معلومات صحيحة من جهة ومغلوطة من جهة أخرى؛ فالإنجليزية تأمركت، والشخوص المذكورون هنا تأمركوا، ولم يعد العرق ولا الدين ولا اللون ولا اللكنة تُلغِي كونهم أميركيين، وأميركا كلها قامت على المهاجرين الذين لا يمتون لها بعرق ولا لون ولا لغة. ولكن كل منجز يتحقق منهم هو منجز أميركي بالحتمية الثقافية؛ فالثقافة نسب ومعنى وجذر معنوي يصنع ويعلي كل قيمة. وقد كان لنا مثالٌ مجيد من العصر العباسي بكل نماذجه الشعرية واللغوية والفلسفية والفقهية، وكلها تتداخل فيها الأعراق وألوان الوجوه ولهجات الألسنة وتعدد المشارب داخل بنية كلية شاملة. ومنجزاتهم كلها هي منجزات عربية في حقبة عربية مجيدة. ومنهم الفارسي والرومي، ومن الأعراق القديمة من شعوب ما بين النهرين وشمال أفريقيا.

ولابن خلدون مقولات حاسمة هنا، وهي أن العرب أنواعٌ، هم كالتالي:

1 - العرب العاربة

2 - العرب المستعربة

3 - العرب التابعة للعرب

4 - العرب المستعجمة.

وعبر هذا التصنيف، فإن مَن خدم تراثنا وثقافتنا لن يخرج عن واحدة من هذه الفئات. حتى إن مصطلح المستشرقين بات اليوم يُستبعَد، ويحل محله مصطلح المستعرب، وذلك لأن كلمة مستشرق أصبحت موشومة ومرتبطة بالاستعمار، وأحياناً تتلبس بتهمة التجسس.

وأهم من ذلك الحديث الشريف «ليست العربية بأب لأحدٍ منكم أو أمّ، وإنَّما هي اللسان؛ فمن تكلم العربية فهو عربي»، وإن شكك بعض المحدّثين بصحته، فقد أثبته بعض آخر، لكن الجميع يتفقون على مطابقة معناه للقيم الإسلامية الجوهرية، ومن ثم صحته كمعنى وقيمة.

وإن كان العجم هم الأكثر، فهذا أعظم منجَز يتحقق لثقافتنا وديننا ولعقليتنا، وإن حاول بعضنا نفي ذلك، فإنهم يضعون علمهم ومهاراتهم في متاهة عبثية لا معنى لها، وهي خلط مشين لا وجه له، وهذه هي الفتنة الخادعة.

ثم لنفترض أننا طرحنا سؤالاً عن العرب الذين يغطون خريطة الجامعة العربية اليوم، وهل شعوب المنطقة كلها عربٌ بشرط العرق أم هم أجناس عرقية وثقافية متنوعة تجمعها اللغة وهوية المعنى والقيمة؟ ولو كانت العروبة بالعرق للزمنا إثبات عروبتنا بالفحص الجيني.

والواقعي أن كل باحث ومعجمي ومحدث وفقيه وفيلسوف يكتب بلغتنا ويشتغل بفكرنا فهو عربي بالانتماء الثقافي وبالمنتج العلمي. والثقافة سلوك ذهني وعملي يتجلى أبرز ما يتجلى في اللغة التي هي بوتقة صاهرة تذيب كل التمايزات العرقية واللونية والدينية، ولا معنى للسؤال عن العرق هنا.

ولا شك أن للعلم جوانبه السالبة، وقد تحدث فتنة العلم نتيجة لنوع من التخمة العلمية حين يستولي علمنا على أذهاننا، ومن هذا قصة طريفة ودالَّة عن العالم الجليل محمود شاكر، وحدثت القصة عام 1980 في مكتب صلاح عبد الصبور بـ«الهيئة المصرية العامة للكتاب»، وقد صدر وقتها العدد الأول من مجلة «فصول»، وهي مجلة متخصصة بالنظرية النقدية الحداثية، ووقعت المجلة بيد الشيخ محمود شاكر، وحين تصفحها صدمته مصطلحاتها النقدية ونظرياتها التي رآها حالة عجمة وليست حالة علمية، وجاء للمكتب وبيده المجلة، وهزَّها أمام وجه صلاح، وقال بصوته القوي والبليغ: «أنا لم أفهم كلمة واحدة مما نشرتم هنا؛ فهل تتصورون أي قارئ شاب سيفهم عنكم...؟!!»، وكانت المجلة تصدر عن «الهيئة المصرية للكتاب»، وعبد الصبور هو المسؤول عنها، واختار صلاح أن يقدّر عِلْم شاكر ومقامه فقال له: «معاك حق يا مولانا»، وحين خرج الأستاذ شاكر علق عبد الصبور على الحدث بقوله: «هذا رجلٌ أضرَّ به علمه». وقد سمعتُ القصة من صلاح فضل، حيث كان حاضراً حينها، وهو أحد أعضاء هيئة تحرير المجلة، رحم الله الجميع.

وهذه حالة خبرتها عند كثير من سلفنا من الباحثين العرب، والعنت الذي كنت أراه عندهم مع النظريات النقدية الحديثة؛ إذ ضاقت صدورهم بعلمٍ لم يألفوه فاستوحشوا منه.

تلك أمثلة توضح أن ما نكتسبه من علمٍ يتجذر فينا حتى ليستحوذ على أذهاننا ويدير رد فعنا. وكل جديد يأتي بغير ما يتسق مع أنظمتنا الذهنية، فإن هذه الأنظمة ستشكل سياجاً ضد الطارئ المتحدي لقناعاتنا العميقة. وهنا نقول عن فتنة العلم بمثل ما نقول عن فائدة العلم.


الدخول في المتاهة العراقية قبل الفتح العربي ــ الإسلامي

الدخول في المتاهة العراقية قبل الفتح العربي ــ الإسلامي
TT

الدخول في المتاهة العراقية قبل الفتح العربي ــ الإسلامي

الدخول في المتاهة العراقية قبل الفتح العربي ــ الإسلامي

أثارت الكتب الثلاثة التي ألفها المؤرخ البريطاني فيليب وود عن سوريا والعراق في نفسي، ذلك السؤال الذي ظل غائباً عن الذهن طويلاً: ماذا جرى للعراق بعد سقوط بابل على يد الإمبراطور الأخميني، قورش الكبير، عام 539 ق.م. حتى الفتح العربي - الإسلامي عام 637؟

أسأل الأستاذ فيليب: هل هناك صورة واضحة عن التنوع الإثني للعراق خلال تلك الفترة الممتدة لأكثر من ألف سنة، عدا عن كون اللغة التي سادت آنذاك هي الآرامية؟

يجيب: «أنا مهتم جداً بمعرفة الهوية الإثنية أو الدينية في ذلك الوقت، وهذا لأن الحكام الساسانيين أو المسلمين الذين أعقبوهم، لم يكونوا مهتمين بذلك الجانب».

على ضوء ذلك، يرى وود أن الدولة العراقية الحديثة (خصوصاً خلال حكم صدام حسين) كان لديها حرص على اعتبار أن العراقيين كانوا جميعاً عرباً، وهذا مخالف للواقع. «على سبيل المثال، أنت تجد أهل الحلة يتكلمون العربية القريبة للجماعات البدوية، ولكن ذلك لا ينطبق على سائر العراق، فكما تعلم أن العربية العراقية هي نفسها متنوعة داخلياً، فالعربية التي يتكلمها المسيحيون واليهود في بغداد خلال الخمسينات من القرن الماضي، كانت أقرب إلى العربية السائدة في الموصل منها إلى العربية التي يتكلم بها البغداديون المسلمون... لذلك فإن العراق كما أرى، كان متعدد الإثنيات والديانات بشكل يجعل من الصعب اليوم استكشافه... هناك بعض منها له أصواته، بينما ربما مجموعات دينية محلية كثيرة أصبحت منقرضة، بحيث أصبحت غير سهلة علينا الكتابة عنها».

ولعل الحالة مماثلة، أو أكثر قليلاً، مع اللغة الآرامية السائدة في العراق عشية الفتح العربي - الإسلامي.

تعلم اللغات المحلية

يجرنا الحديث إلى مشوار تعلمه اللغة العربية. أسأله: ما الذي دفعك إلى تعلم لغة معقدة كلغتنا؟ فكأن السؤال أثار ذكريات محببة إلى نفسه قضاها في دمشق.

خلال فترة الزمالة الدراسية التي حصل عليها لما يعرف بـ«ما بعد الدكتوراه»، تبلورت في نفسه قناعة بأنه سيحتاج إلى تعلم العربية جنباً إلى جنب مع السريانية (التي هي واحدة من لهجات اللغة الآرامية)، وإذا كان فيليب قد تعلم قسطاً مهماً من الأخيرة خلال سنوات دراسته للدكتوراه، فإنه شعر وهو يشاهد المصادر الكثيرة المترجمة عن العربية في مكتبة الكلية التي انتسب إليها خلال تلك الفترة الواقعة بين عامي 2010 و2012، بضرورة تعلم هذه اللغة، فقد أدرك أن كثيراً من الدراسات المعنية بالإرث المكتوب بالسريانية، يهمل الدراسات السياسية والثقافية الأوسع. وقد شعر فيليب وود بأن السريانية تكون مفهومة أكثر عند تحاورها مع لغة أخرى: السريانية مع الإغريقية أو السريانية مع العربية.

لذلك لم يكن أمامه خيار سوى العثور على مدرس خاص يبدأ معه أولى الخطوات: «كان بروفسوراً متقدماً كثيراً في السن، وراغباً في تعليمي قواعد العربية من دون قاموس... كان مسرفاً في التدخين، وهو مهتم فقط بالفلسفة لكنه كان لطيفاً جداً معي».

في دمشق سجل فيليب بمعهد يقع في منطقة المزة، خاص بتعليم العربية لغير الناطقين بها، لكنه كان محظوظاً بعثوره على مدرس فلسطيني. «كان شخصاً عظيماً ومدهشاً ورائعاً»، يردد مبتسماً: «قال إنه لن يعلمني الفصحى فقط؛ بل هو طلب مني أن أبدأ بالكتابة بالعربية، طلب أن أكتب عن أي موضوع أريده، لذلك كتبت شيئاً عن السياسة المعاصرة، أو اكتشاف أميركا أو عن فيلم بريطاني... كانت طريقته أن يصحح لي أسلوبي، ويجعلني أقرأ بصوت عالٍ من كتاب، ثم نبدأ بالجدال حول موضوع ما. كنت أقدم عرضاً ما فيهاجم وجهة نظري ويدفعني كي أدافع عنها... كان يدخن باستمرار... وكان عليّ دائماً أن أزيل الرماد من أوراقي».

في مساء كل خميس، كان مدرس فيليب ينظم حفلات؛ فهو عضو في تنظيم يساري، فيلتقي خلاله برفاقه الشباب. «بعد العمل، كان يطبخ، وكنت أساعده في إعداد العشاء... كان وقتاً ممتعاً جداً... درّسني العربية مدة ستة أشهر في دمشق، وكنت هناك من وقت إلى آخر».

الموسوعي أدّاي شير

أسأل: «هل يمكنك إضاءة ما دار في مدينة سِعِرْت التي ذكرها عدد من المؤرخين المسلمين؛ مثل ياقوت الحموي والمقدسي وابن الأثير، باسم آخر هو (سِعِرْد)؟».

«هي مدينة تقع في شرق أناضوليا، ومكتشف الحولية (التي كانت موضوع كتابي الثاني) رجل اسمه أدّاي شير الذي كان رئيس الأساقفة في سِعِرْت، وهو الذي نقّحها وترجمها للفرنسية، وقد أُرسلت لحسن الحظ إلى الموصل قبل مقتله خلال الإبادة الجماعية التي ارتكبت عام 1915 على يد جماعات غير نظامية من الأتراك والكرد».

«كان من المفترض أن المكتبة أخفيت في بئر داخل منشفة»، يقول فيليب، «لكن لم يتم العثور عليها... وكان شير قد وضع فهرساً لهذه المخطوطات، قبل تدميرها. وهذا الفهرس يضم ملاحظات عديدة عن تلك النفائس غير القابلة للتعويض».

«كان شير فصيحاً في العربية والفرنسية والسريانية والتركية. لهذا السبب كان ذلك عالمه. لذلك أكملت - مع صديق هو مايل بونر - ترجمة مخطوطة الفهرست والهوامش التي كتبها والتعليق عليها، وستتولى دار النشر (كرومات) إصدارها بالإنجليزية».

كأن هذا الحوار الطويل مع البروفسور فيليب وود أثار في مخيلتي صورة العراق في تلك الحقبة الفارسية - الإغريقية: نخب صغيرة متفرقة في أماكن عديدة، وتيارات دينية متعددة، ولهجات مختلفة للغة نفسها: الآرامية؛ هناك الآرامية المندائية، والآرامية السريانية، والآرامية البابلية التي كان اليهود يتحدثون بها، والآرامية المانوية. من بين الحركات الدينية الكبرى التي ظهرت خلال تلك الحقبة كانت المانوية في القرن الثالث الميلادي، كما يقول وود، وهذا يتوافق مع ما جاء في رواية أمين معلوف «حدائق النور» المكرسة لحياة ماني.

استخدم ماني اللغة الآرامية في تأليف ما عُرف بـ«التراتيل المانوية» التي قال عنها فيليب «إنها آسرة».

علق محاوري على اللهجات المختلفة للآرامية، مستنداً إلى سليمان البصري مطران مدينة البصرة في القرن الثالث عشر، الذي قال إن هناك 12 لهجة آرامية تمتد ما بين سيناء والبصرة، لكن قد تكون اللهجات التي يتحدث بها الناس في الهلال الخصيب أكبر بكثير من هذا الرقم.

وأشار فيليب وود إلى أن «اللغة الآرامية المسيحية لغة مناسبة متطورة، وهي بمثابة الفصحى بالنسبة للناس الذين يتحدثون بلغة أخرى في الحياة اليومية، وهذه العملية حدثت أيضاً للمندائية حين أصبحت اللهجات الآرامية (آرامية مندائية). والشيء نفسه مع الآرامية المانوية، ولغات غيرها كان لها تاريخ باعتبارها لغات محلية، ثم أصبحت تُعرَّف بدين محدَّد، وبذلك أصبحت صيغاً معيارية مرتبطة بجماعات دينية».

مكان تدوين حولية سِعِرْت

أسأل فيليب عن مكان تدوين الوقائع التي تضمنتها هذه الحولية بالذات. «كثير مما حدث وكُتب عنه في الحولية، كان في طيسفون (المدائن)». يجيبني البروفسور وود: «كذلك هناك كثير من النشاطات جرى على نهر دجلة. كثير من الوصف لأديرة تقع في شمال العراق، وأماكن أخرى. وأديرة كثيرة من المذكورة لا يمكننا تحديد مواقعها... طبعاً سيكون أمراً رائعاً لو كانت هناك خريطة جميلة مع أسهم ونقاط صغيرة ودقيقة أستطيع أن أحدد كل شيء بدقة عليها».

العراق الوثني

يحضرني هذا السؤال: كيف كان لقاء الفاتحين العرب الذين أغلبهم من قبائل بدوية أو شبه بدوية، بالعراقيين الذين كانوا بالدرجة الأولى فلاحين؟

«حين فتح العرب المسلمون العراق، كانوا يسخرون ممن أطلقوا عليهم بالنبط الذين هم من دون أصول قبلية مثلهم، والذين لا يستطيعون التفاهم مع أحد خارج قريتهم. كثير من السكان آنذاك كان يتحدث بلهجات مختلفة من اللغة الآرامية، مع مجموعات دينية محلية كل واحدة منها قد لا تكون لديها آصرة مع غيرها، ثم تم جمعهم على يد فاتحين متعددين، مثل الفرس ثم العرب».

يستنتج وود موضحاً: «إذن بمعنى ما نحن نتكلم عن العراقي... هذه تصنيفات استخدمها الحكام، وربما لم تكن مدرَكة من قبل السكان أنفسهم؛ إذ لم تكن هناك هوية مشتركة يقر بها الفاتحون».

مع ذلك، فأمام النظرة الفوقية للفاتحين الجدد القادم أغلبهم من البوادي والصحارى، جاء الرد عبر كتاب «الفلاحة النبطية» لابن وحشية النبطي، «حيث تكلم فيه عن معتقدات ومعرفة الكلدانيين، ووصف نفسه بأنه كلداني اعتنق الإسلام».

وتضمن كتابه، الذي زعم أنه ترجمه عن السريانية، كثيراً من تراث قديم يعود إلى ما قبل سقوط بابل قبل أكثر من ألف سنة: أي إلى العراق الوثني. غير أن المادة الأساسية فيه، كما كشفت دراسات حديثة عنه، تعود إلى فترة متأخرة تقع بين القرنين الخامس والسادس الميلاديين، فهي تعكس تقاليد عراقية متأخرة جداً عن العصور السومرية أو الأكدية أو الآشورية البائدة.

يسلط هذا الكتاب الضوء على جوانب مهمة في ابتكارات سكان وادي الرافدين القدامى بدلاً من سيرة الملوك. إنه يثير أسئلة من هذا النوع: من اكتشف الزراعة؟ ومن غرس أول نخلة؟ ومن علّم الناس الري؟ ومن صنَّف أنواع التربة؟ كأن الروايات التي تضمنها الكتاب، كما يرى البروفسور فيليب وود، تكشف عن اهتمام ابن وحشية النبطي، مؤلف العصر الوسيط في العراق، بأصول المعرفة العراقية القديمة، وتكشف ما يميز هذا الخليط الواسع من الإثنيات والأعراق التي استوطنت وادي الرافدين طويلاً، عن الفاتحين الجدد. وهذا بالضبط ما جعل مترجم الكتاب الفنلندي هامين أنتيلا، أن يعدّه محاولة لإحياء ذاكرة العراق القديم وتراثه الزراعي والحضاري.

لكأن هذا السؤال يفرض نفسه عليّ، بعد هذا الحوار الشيق مع فيليب وود أستاذ التاريخ والأديان المقارِنة: كم تغير النسيج الاجتماعي المتنوع والمعقد للعراقيين اليوم عما كان عليه في أواخر العصور القديمة؟

كم تغير النسيج الاجتماعي المتنوع والمعقد للعراقيين اليوم عما كان عليه في أواخر العصور القديمة؟