المشاركة الكويتية في الثقافة العربية

وفّر البلد مبكراً استقراراً نفسياً وحرية فكرية للأكاديميين الوافدين

المشاركة الكويتية في الثقافة العربية
TT

المشاركة الكويتية في الثقافة العربية

المشاركة الكويتية في الثقافة العربية

ما زلت أتذكر ذلك اليوم القائظ من سنة 1973م حين تواصل معي محمد طنطاوي، محرر الاستطلاعات الصحافية عن المدن العربية والإسلامية، لمساعدته في فتح أبواب مدينتي (القطيف) أمام قراء مجلة «العربي» المستمتعين بدخول عوالم تلك المدن، عبر كاميرا عبد الناصر شقرة، مصور المجلة.

كنت وقتها طالباً في المرحلة الثانوية، وقد بدأت خطواتي على درب الصحافة المثير، متابعاً ما كان يدور في صحافة لبنان ومصر والكويت، حيث أتسابق أنا وزملائي على اقتناء ما تصدر من صحف ومجلات، وكان في مقدمتها مجلة «العربي» تشدنا بمحتواها الموسوعي الجذاب، خاصة حديث رئيس تحريرها الشهري دكتور أحمد زكي. هذا المعلم الكيميائي الذي تحصّل على أطروحة الدكتوراه في جامعة لندن، ليصبح المشرف على مركز البحوث العلمية. لقد أهّلته ثقافته الموسوعية الجامعة بين العلم والأدب ليرأس تحرير مجلة «الهلال»، وبعدها رئاسة جامعة الملك فؤاد الأول (جامعة القاهرة فيما بعد).

لعل انحسار دور المجلات الأدبية في مصر فيما بين الحربين العالميتين؛ «الكاتب المصري» برئاسة طه حسين، و«الثقافة» لأحمد أمين، و«الرسالة» لأحمد حسن الزيات، كأنه حفز النخبة الكويتية من مثقفين وأدباء ورجال مال وأعمال أن تكون لبلدهم المنتظر استقلاله مجلة تأخذ بالكويت الصغيرة إلى اهتمام العرب، متأثرين بما كان يجري حينذاك من أحداث قومية في مشارق العالم العربي ومغاربه، وقد استضافت الكويت قبل استقلالها رموزاً من مناضليهم، فارّين من اضطهاد الاستعمار الأوروبي.

ويدهش المطلع على تاريخ الكويت الثقافي كيف قام علماؤها وأدباؤها وأثرياؤها وشخصياتها العامة، منذ نشأة الكويت، بنسخ مخطوطات التراث العربي والإسلامي، وتبني فتح مكتبات عامة، وإنشاء مدارس، وإصدار صحف ومجلات، رغم ضعف الإمكانات الطباعية، تأثراً بما كان يصل إليهم عبر سفن الغوص على اللؤلؤ من مجلات وصحف تصدر من أقصى القارة الهندية إلى أقرب جارٍ للكويت، فإذا بعبد العزيز الرشيد يصدر سنة 1928 مجلة «الكويت»، وهاشم الرفاعي بعده يصدر صحيفة من البصرة.

حين قابلت أحمد السقاف الأديب والشاعر سنة 1994 في برنامجي «هذا هو» عبر قناة «MBC»، فتح أمامي صفحات ما جرى تحضيراً لإصدار مجلة «العربي»؛ إذ تحمس الشيخ صباح الأحمد الصباح، مدير إدارة النشر والمطبوعات قبل الاستقلال - أي وزير الإعلام بعده - واستقر الرأي على إصدار مجلة باسم «العربي»، وقد كُلّف السقاف بالسفر إلى أهم عواصم الثقافة العربية للاجتماع بأبرز مفكريها وأدبائها.

فبدأ سنة 1957م السفر جواً إلى بغداد، مجتمعاً بالمفكر القومي عبد العزيز الدوري، والمحقق محمد بهجة الأثري، ودكاترة من جامعة بغداد. غادر بعدها إلى لبنان متواصلاً مع نائب رئيس الجامعة الأميركية ببيروت فؤاد أفرام البستاني، الذي أصدر هو وأخوه يعقوب مجلة «المقتطف» في القاهرة، أسوة بما أصدره قبلهما جورجي زيدان وأخوه إميل؛ مجلة «الهلال»، وآل تقلا الذين أصدروا جريدة «الأهرام»، أثناء هجرة الشوام إلى مصر فراراً من الطغيان العثماني.

ولم ينسَ السقاف في رحلته التاريخية هذه الإفادة من خبرة محققي التراث العربي، الذين أفادت وزارة الإعلام الكويتية مبكراً من علمهم في طباعة عددٍ مختار من نفائس المخطوطات العربية، وفي طليعتها ما أنجزه - مؤخراً - المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب من طباعة معجم «تاج العروس» للغوي مرتضى الزبيدي في أربعين جزءاً.

أما الأمر المثير حقاً في رحلة السقاف التحضيرية هذه لإصدار مجلة «العربي»، فهو إقناعه السريع أحمد زكي - الوزير السابق والمشرف على مركز البحوث ورئيس الجامعة في بلده المتمدن عمرانياً واجتماعياً وثقافياً حينها - بالانتقال إلى دولة صغيرة ناشئة لم تتوفر بعد على بنية تحتية تهيئ لحياة عصرية.

ونظراً لتوفر إرادة سياسية طموحة، فقد سافر السقاف - وقتذاك - إلى ألمانيا لحضور معرض عالمي لآلات الطباعة، لكي تختص المجلة الوليدة بمطبعة خاصة بها؛ إذ كان ضعف مستوى الطباعة في الكويت منذ بداية القرن العشرين سبباً في تعثر استمرار ما حاوله بعض عناصر المجتمع الأهلي والثقافي من إصدار صحف ومجلات.

هكذا صدر العدد الأول من مجلة «العربي» في ديسمبر (كانون الأول) 1958، ليكون من حسن طالعها التفاعلي انعقاد مؤتمر الأدباء العرب في الكويت متزامناً مع صدورها.

في الوقت الذي تفتق وعيي على مجلة «العربي»، وهي في ذروة ازدهارها وتألقها، كانت إذاعة الكويت هي الأخرى تشكل مصدراً معرفياً لجيلي، بما كان يصل إليها من مشاركات بعض الأكاديميين العرب الوافدين إلى الكويت للتدريس في جامعتها الوليدة سنة 1966، وكان في طليعتهم الدكاترة عبد الرحمن بدوي، وزكي نجيب محمود، وشاكر مصطفى، ومحمود علي مكي، وأحمد أبو زيد، وفؤاد زكريا، الذين وفرت لهم الكويت جواً من الاستقرار النفسي والحرية الفكرية.

أحمد السقاف

فإذا بوكالة المطبوعات الكويتية تطبع معظم ما ألفه عبد الرحمن بدوي من كتب تتعلق بتراث الفلسفة اليونانية والعربية، وقد أصبح أستاذاً للفلسفة في جامعة الكويت جنباً إلى جنب مع زكي نجيب محمود؛ هذا الذي طالما استمتعت - وقتذاك - بحوارات رمضان لاوند، المذيع اللبناني اللامع بفكره الوقاد، مع فيلسوف الوضعية المنطقية عبر أثير إذاعة الكويت.

فقد وجد هذا المفكر المصري في جو الجامعة العلمي، ومكتبتها الزاخرة بأمهات الكتب التراثية، فرصة ذهبية للاستغراق في قراءتها، بعدما انكب على قراءة الفكر الأوروبي بمدارسه الفلسفية والأدبية المختلفة، أثناء دراسته منذ الأربعينيات الميلادية في جامعة لندن. ورغم أنه حاول استدراك ما فاته عربياً وإسلامياً بكتابة بحثه الدسم عن الفيلسوف والعالم الكيميائي جابر بن حيان، المنشور سنة 1960 في سلسلة «أعلام العرب» المصرية، فإن ذلك لم يشفِ غليله، وقد بدأ يشتغل على أطروحته حول «الأصالة والمعاصرة» الجامعة بين روحانية الشرق وعقلانية الغرب، كما تطارحتها معه في برنامجي التلفازي «الكلمة تدق ساعة» وأنا أزوره في شقته القاهرية صيف 1978م؛ أي بعد عودته من الكويت بخمس سنوات، بعدما استقر بين أروقة جامعتها منذ 1968 إلى 1973.

وفيها أكد تدينه المستنير كما يذهب تلميذه دكتور إمام عبد الفتاح إمام في كتابه «رحلة في فكر زكي نجيب محمود»، بل إن هذا سجل إضافته الفكرية في تجربته الحائرة، حين أسفرت قراءاته النهمة لأمهات كتب التراث العربي الإسلامي عن تأليف كتابه «تجديد الفكر العربي» الصادر سنة 1971م، وكتابه الآخر المكمل «المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري».

انظر إلى ما كتبه في مقدمة كتابه الأول: «استيقظ صاحبنا بعد أن فات أوانه، فإذا هو يحس الحيرة تؤرقه، فطفق في الأعوام الأخيرة التي لا تزيد على السبعة أو الثمانية - أي في الفترة التي قضاها في جامعة الكويت - يزدرد تراث آبائه ازدراد العجلان... والسؤال ملء سمعه وبصره: أين السبيل إلى ثقافة موحدة متسقة يعيشها مثقف حي في عصرنا هذا، بحيث يندمج فيها المنقول والأصيل في نظرة واحدة؟»، ويختم محمود مقدمته بجملة: «جامعة الكويت في يونيو (حزيران) 1971».

بعد سنة من مغادرته إلى مصر عاد إلى الكويت ثانيةً مشاركاً ببحثه «الحضارة وقضية التقدم والتخلف» في ندوة كبرى عُقدت بين 7 و12 أبريل (نيسان) سنة 1974م، مع نخبة من أبرز مفكري العرب على اختلاف توجهاتهم الآيديولوجية، بدعوة من جامعة الكويت وجمعية الخريجين الكويتية، لمناقشة «أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي»، إيماناً من مفكري العرب بمسؤوليتهم القومية أمام التاريخ وأمام الأجيال العربية المقبلة، وشعوراً منهم - كما جاء في بيان الندوة الختامي - بخطورة المرحلة الحضارية التي تمر بها الأمة العربية في الظروف الراهنة - وقتذاك - لمواكبة شعوبها مسيرة الحضارة العالمية في تطورها المتسارع، فقد ناقشوا قضايا التخلف الفكري والاجتماعي والاقتصادي، والتراث العربي الإسلامي، وتبعات الاستعمار الغربي في المجتمع.

قبل انعقاد الندوة اللاحقة التي عُقدت في الكويت سنة 2014 حول نفس الموضوع، بمشاركين آخرين ورؤى مختلفة متجددة، وجدنا عدداً من المفكرين العرب منذ منتصف السبعينيات الميلادية يشتغلون على ما أثارته الندوة الأولى من قضايا وإشكالات؛ فقام المفكر المغربي محمد عابد الجابري في الثمانينيات الميلادية بمحاولة تفكيك سلطة النص المحافظ، منتقداً هيمنة التراث الفكري على العقل العربي طوال قرون، وذلك في مشروعه التأليفي المعروف بـ«نقد العقل العربي».

وهو ما عالجه قبله دكتور طيب تيزيني، أستاذ الفلسفة بجامعة دمشق، في كتابه «مشروع رؤية للفكر العربي في العصر الوسيط» بأجزاء عدة، ثم عمّق أطروحته حسين مروة بكتابه «النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية» سنة 1978، برؤية تحليلية لا تكاد تغادر الخطاب الماركسي، بتحليل التراث وفق مقولة الصراع الطبقي، وإقحام التصور الماركسي في تحليل واقع المجتمع العربي وتاريخيته.

وهذا ما فعله محمود أمين العالم في تعليقه على بحث رفيق دربه المفكر المصري أنور عبد الملك، المعروف بأطروحته الشهيرة عن «مصر مجتمع عسكري»، منتقداً موقف المثقف العربي من قضية «الخصوصية والأصالة»، وكان هذا عنوان ورقته في ندوة الكويت الأولى، عازياً ذلك إلى تبعيته للفكر الغربي في مفاهيمه ومناهجه. فما كان من العالم سوى استدعاء التصور الماركسي الدوغماتي حول «الخصوصية التاريخية»، ليكون حسب رأيه أساساً آيديولوجياً في دراسة المجتمع المصري لمعرفة طبيعة تركيبه الاجتماعي والاقتصادي والموضوعي.

على أي حال، أحسب كأنه في أعقاب هذه الندوة التاريخية أن تشجع المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الكويتي، بأمانة الشاعر المثقف أحمد مشاري العدواني، ومساعدة الشاعر الأكاديمي خليفة الوقيان، على إصدار كتاب «عالم المعرفة»، بالإفادة من خبرات بعض من شارك في الندوة الأولى - كما لمست ذلك من مقاله المنشور في مجلة «العربي» بعنوان «ميلاد عالم المعرفة».

وفي طليعة أولئك دكتور فؤاد زكريا، أستاذ الفلسفة بجامعة الكويت، الذي أصبح مستشاراً دؤوباً صبوراً وفعالاً لهذا الإصدار المعرفي الشهري - تأليفاً وترجمةً. ويبدو أن المجلس الوطني عمل على التحضير لإصداره هذا بعد تأسيسه سنة 1973، متوخياً طباعة خمسين ألف نسخة من كل كتاب، وتوزيعها في جميع أنحاء العالم العربي.

هذا ما وجدته شخصياً وأنا أتمشى في «شارع الحبيب بورقيبة» بتونس صيف 1978، مقتنياً إصداره الأول؛ كتاب «الحضارة»، تأليف دكتور حسين مؤنس. لقد اكتسبت سلسلة كتاب «عالم المعرفة» على توالي السنين شهرة عربية واسعة، شاكرةً جهود الكويت في نشر الثقافة الجادة منذ استقلالها سنة 1961 إلى يومنا هذا؛ إذ شكلت إصداراتها بمجلة «العربي»، ومجلة «عالم الفكر» سنة 1970 ذات الدراسات الأكاديمية برئاسة أحمد مشاري العدواني، واستشارة أستاذ الأنثروبولوجيا المصري دكتور أحمد أبو زيد، ومجلة «الثقافة العالمية» ذات الموضوعات المعاصرة المترجمة، وكتاب «عالم المعرفة»، منظومةً ثقافية راقية.

يضاف إليها تجربة الكويت المسرحية اللافتة، التي شكلت أساساً راسخاً لقوة العرب الناعمة، انطلاقاً من الكويت التي عملت منذ 1979 على تبني وتمويل «الخطة الشاملة للتنمية الثقافية»، بمشاركة أبرز الخبراء العرب بتخصصاتهم الثرية المتخصصة، لتصدر باسم المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم التابعة لجامعة الدول العربية سنة 1968، بحماس الوزير المثقف عبد العزيز حسين في اجتماع المنظمة التحضيري بالطائف، متعهداً رعاية الكويت تلك الخطة، بوصفه رئيساً للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.

هذا الرائد الكويتي بدأ اهتمامه بإشاعة الثقافة منذ كان مشرفاً على «بيت الطالب الكويتي» في القاهرة سنة 1946، بإصدار مجلة «البعثة»، مستكتباً مثقفين وأدباء كويتيين وعرباً فوق صفحاتها.

يا ترى، هل إصدار مجلة «البعثة» لمدة ثماني سنوات حتى سنة 1954 كان مقدمة حبلى آذنت بعد أربع سنوات بولادة تلك البنت الجميلة في محتواها وشكلها؛ مجلة «العربي»؟


مقالات ذات صلة

«البينيلوبياد»... أو «الأوديسة» من العالم السفلي

ثقافة وفنون مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد

«البينيلوبياد»... أو «الأوديسة» من العالم السفلي

يدخل القارئ العالم التخييلي الذي أبدعته مارغريت أتوود في «البينيلوبياد، 2005» ليجد نفسه في مواجهة مع المألوف وغير المألوف، مع ما لم يشاهده في الأفلام المبنية…

د. مبارك الخالدي
ثقافة وفنون أشباح الماضي تستيقظ في «البحث عن سعيد مهران»

أشباح الماضي تستيقظ في «البحث عن سعيد مهران»

تنسج رواية «البحث عن سعيد مهران»، للروائية المصرية الشابة إيمان أبو غزالة، منذ عنوانها، علاقة نصية وطيدة مع رواية نجيب محفوظ «اللص والكلاب»،

عمر شهريار
ثقافة وفنون «الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

بعد 15 عاماً من الدعايات الحماسية للكتاب الإلكتروني بأنه سيقضي على الورق، ويحول المكتبات التقليدية إلى مجرد مدافن لمحتويات تأكلها الغبار...

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون «أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

صدر للروائي والناقد السوري نبيل سليمان كتاب جديد بعنوان «أرواحهم في المفكرة»

«الشرق الأوسط» (دمشق)
كتب «الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

مرَّ جهيمان العتيبي، الشخصية التي قادت اقتحام الحرم المكي عام 1979 بتحوّل راديكالي عميق، حيث بدأ من الهامش.

عمر البدوي (الرياض)

«البينيلوبياد»... أو «الأوديسة» من العالم السفلي

مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
TT

«البينيلوبياد»... أو «الأوديسة» من العالم السفلي

مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد

يدخل القارئ العالم التخييلي الذي أبدعته مارغريت أتوود في «البينيلوبياد، 2005» ليجد نفسه في مواجهة مع المألوف وغير المألوف، مع ما لم يشاهده في الأفلام المبنية على أوديسة هوميروس وآخرها فيلم كريستوفر نولان «الأوديسة 2026»، أو لم يقرأه في أي فصل من فصولها، أو مع مثل ما يقع عليه بصره في الفصل الخامس والعشرين على سبيل المثال: «قررتُ أن أجعله يذوق طعم الانتظار؛ أما أنا فقد انتظرت انتظاراً طويلاً بما فيه الكفاية. وأيضاً لأنني أحتاج بعض الوقت كي أخفي مشاعري الحقيقية التي أثارها الشنق المحزن لخادماتي الشابات الاثنتي عشرة... لذا لما دلفت إلى القاعة ولمحته جالساً هناك، لم أنبس بكلمة. ولم يفوّت تيليماخوس الفرصة لتوبيخي لأنني لم أكترث لاستقبال أبيه بدفءٍ كاف... الأب والابن يتَّحدان ضدي... ديكان يسيطران على حظيرة دجاج».

مذبحة الخُطّاب والخادمات

تلك كانت بينيلوبي، دون أي شكل من أشكال التوسط السردي بينها والقارئ، تحكي عن مجيئها إلى القاعة بعد أن أيقظتها الخادمة العجوز يوريكليا، لتخبرها أن المتسول العجوز ذا الملبس البالي هو أوديسيوس، وأنه قضى على الخُطّاب كلهم، ولم يكتف بذلك؛ بل أمر تليماخوس بقتل خادماتها الاثنتي عشرة وأولهن المفضلة ميلانثو ذات الخدود الجميلة، وأنهما، الأب وابنه، ينتظرانها في القاعة بعد أن نظفتها الخادمات وأزلْنَ منها الجثث والدماء قبل أن يعلق تليماخوس أعناقهن بحبل المشنقة.

لكن ما لا تعرفه يوريكليا، ويتفوق عليها القارئ بمعرفته فيما يشكل مفارقة درامية (dramatic irony)، هو أن نظرات بينيلوبي انسربت خلال نسيج أسمال المتسول العجوز لتكتشف حقيقته وهويته. لكنها فضلت التظاهر بأنها لم تتعرف عليه: «حالما رأيت ذلك الصدر الذي كالبرميل، وتلك الساقين القصيرتين، راودني شك عميق، سرعان ما تحول إلى يقين عندما سمعت أنه كسر عنق متسوّلٍ عدواني... وأخفيت أنني عرفت مخافة أن يشكل اعترافي خطراً عليه». تخفي بينيلوبي الحقيقة عن أوديسيوس؛ لأنها لم ترد حرمانه من فرصة للافتخار بقدرته ومهارته على التنكر. فمن الحماقة دائماً، تقول: «أن تقف... امرأة بين رجلٍ وانعكاس ذكائه». ومن المؤكد أن يدرك القارئ أن بينيلوبي تتساوى مع زوجها وابنها في السيطرة على المشهد المسرود في الاقتباس في بداية المقالة. فإذا كان الأب والابن مسيطرين في الموقف الذي استرجعته من ذاكرتها من العالم التخييلي في «الأوديسة»، فإنها، وعلى النقيض منهما، تمسك بزمام الهيمنة على مستوى الخطاب لكونها الساردة والمبئرة في «البينيلوبياد»، أو بتعبير آخر، السارد الأول، ومن منظورها يرى ويسمع ويلمس القارئ كل الأحداث والأشياء والشخصيات الأخرى. وفي المشهد السابق، يظهر الأب وابنه صامتين؛ لأنها لم تمنحهما فرصة للكلام، حتى ولو عبَرها بوصفها وسيطاً. إنها تقدم تمثيلاً/صورة لهما، وهما مجردان من القدرة على تمثيل نفسيهما. وليس لديهما وسيلة لدفع تهمة اتحادهما ضدها. لقد فرضت عليهما حالة الخرس. وهذا ما يجعل تمثيلها لهما عرضة للشك في موثوقيته؛ إذ لا يتضمن المشهد ما يوحي باتحادهما أو تآمرهما عليها سوى وقوفهما بجانب بعض ينتظران قدومها لتشاهد المكان وقد خلا من الخُطّاب.

مارغريت أتوود

صوت الخادمات المقتولات

تُقَيِّدُ أتوود هيمنة بينيلوبي الخطابية بمنح صوتٍ للخادمات المُسْتَغَلّات والمُهَمَّشَات في البداية والمشنوقات في النهاية؛ الصوت الذي حُرِمْنَ منه عبر التاريخ في كل الحكايات التي نُسِجت وتمحورت حول أوديسيوس، الشفاهية منها والمكتوبة والمرئية والمسموعة، بيد أنه الصوت الواحد المعبر عن الكل، صوت الجوقة المستعار من المسرح الإغريقي. فالخطاب السردي في الرواية يتشكل من حكاية/مونولوغ بينيلوبي، ومن حكاية الخادمات مروية من وجهة نظرهن. تقول أتوود في تقديمها للرواية: «اخترت أن أُسند حكي القصة إلى بينيلوبي وإلى الخادمات الاثنتي عشرة اللاتي شُنِقن. وتشكل الخادمات جوقةً تُنشد وتغني، وتتمحور حول سؤالين لا بد أن يطرحا نفسيهما بعد أي قراءة متأنية لـ(الأوديسة): ما الذي أدى إلى شنق الخادمات؟ وما الذي كانت بينيلوبي تفعله حقاً؟ إن القصة كما رُويت في (الأوديسة) لا تبدو مقنعة؛ فهناك الكثير من التناقضات. لطالما ظلّت الخادمات المشنوقات يطاردْنَ مخيلتي؛ وفي «البينيلوبياد» تطارد بينيلوبي نفسها أيضاً».

الجوقة صوت يأتي من الهامش، ومن وظائفه تعرية التمييز الطبقي في عالم الأوديسة التخييلي، وفي عالم البينيلوبياد أيضاً؛ فالسبب الأول لقتلهن شنقاً هو نزعة بينيلوبي المكافيللية، فهن في نظرها لسْنَ سوى خادمات مستَعْبَدات تستغلهن وتستخدمهن في تحقيق غاياتها، بغض النظر عما قد يتعرضن له من ضرر وأذى. فمن أجل معرفة ما يدور بين الخُطَّاب وما يخططون له، تعترف بينيلوبي وهي تروي حكايتها من العالم السفلي بعد موتها بأنها شجعت خادماتها على الاختلاط بالخُطّاب، والتقرب منهم، والتودد إليهم ومغازلتهم: «لا بأس»، قلتُ لهن: «عليكن التظاهر بالوقوع في حب هؤلاء الرجال. فإذا ظنّوا أنكن قد انضممتن إلى صفّهم، فسوف يبوحون بأسرارهم، وسنعرف خططهم. إنها إحدى الطرق لخدمة سيِّدكن، سيكون مسروراً جداً منكن عندما يعود...».

المفارقة أن سيدهن العائد لم يُسَر بفعلهن، بل ساءه وأغضبه ما سمع عنهن، لذلك لم يتردد لحظة في التخلص منهن بالقتل، مساوياً بذلك بين من اغْتُصبن ومن وقعن في غرام بعض الخُطّاب فَأَسْلمْنَ أجسادهن إليهم. واللافت أنهن لم يقتلن بسبب الاغتصاب أو نومهن طواعية مع الخُطّاب، إنما لأنهن لم يستأذِنَّ من أوديسيوس نفسه. فوفقاً لقانون زيوس أو قانون زينيا (Xenia Law)، من طقوس الضيافة الترفيه عن الضيف، ومن أنواع الترفيه نوم الضيف مع إحدى الخادمات، خاصة في القصور والبيوت الكبيرة شرط موافقة المضيف. وهذا ما لم يحدث في حالة نوم الخادمات مع الخُطّاب الذين كانوا يعدون ضيوفاً رغم انتهاكهم آداب الضيافة وواجب احترام المضيف حتى في غيابه.

غلاف البينيلوبياد

باروديا ما بعد حداثية

«البينيلوبياد» إعادة كتابة نقدية مضادة لـ«الأوديسة»، باروديا (محاكاة) ما بعد حداثية معاصرة. تقلب فيها مارغريت أتوود نص هوميروس رأساً على عقب، تفككه وتعيد بناءه، مستعينة بمصادر أخرى للحكايات والأساطير اليونانية مثل كتاب «الأساطير الإغريقية» لــــــروبرت غريفز.

يتكئ مشروع أتوود، بشكل رئيس، على خلق بينيلوبي من جديد، عبر إحداث تغيير في بنية شخصيتها؛ وكذلك على إزاحة أوديسيوس من مركز المتن إلى الهامش، وموضعة بينيلوبي في المركز ساردة ومبئرة تحكي الحكاية من وجهة نظرها. إن بينيلوبي أتوود «الما بعد حداثية» ليست بينيلوبي هوميروس، فلم تعد بينيلوبي التي تمثل قيم الوفاء والإخلاص والصبر فقط. إنها بينيلوبي التي تضيق ذرعاً بقيود المرأة المثال والنموذج. وترفض صورتها المثالية، تلك العصا عابرة الأزمنة والأمكنة، التي تُضْربُ بها النساء لكي يقتدين بها. تقول متسائلة: «وماذا أصبحتُ بعدما ترسّخت النسخة الرسمية؟ أسطورةً وعظية. وعصاً تُستخدم لضرب النساء الأخريات. لماذا لم يكن بوسعهن أن يكنّ على القدر نفسه من المراعاة، والجدارة بالثقة، والقدرة على تحمّل كل شيء، كما كنتُ أنا؟».

بينيلوبي أتودد لا تتردد عن الكذب والخداع، وإظهار خلاف ما تبطن، ميكافيللية، تحقد على ابنة عمها هيلين وتغار منها. ولا تتورع، باعترافها، عن مغازلة بعض الخُطّاب، وتبادل الرسائل معهم، لغاية اتقاء شرهم، كما تقول، أو للحصول على الهدايا منهم تعويضاً عما يستهلكونه من أكل وشراب في قصر أوديسيوس كما تدعي. بعدما تتحرر من قالب الصورة المثالية، تصبح بينيلوبي على شبه كبير بأوديسيوس الذي تصفه بالكذاب والمحتال. وتمضي أتودد في تقويضها لنص هوميروس عبر احتجاج الجوقة ضد إعدامهن ظلماً وعدواناً، وتقويضهن حكاية بينيلوبي بمقاطعتها والتعليق عليها، وفضح أسرار بينيلوبي، وتسليط الضوء على ظاهرة الكيل بمكيالين في الأساطير البطولية الذكورية، بالإضافة إلى اتهام أوديسيوس بالنفاق والقسوة. بهذا تُشكل تدخلات الجوقة حكايةً مضادةً لـ«الأوديسة» ولحكاية بينيلوبي معاً.

الإزاحة في بناء شخصية بينيلوبي

يسبق إزاحة أوديسيوس من المركز إلى الهامش، حدوثُ انزياح في بناء شخصية بينيلوبي، عبر انزياحات الأبعاد الثلاثة لشخصيتها. كل شخصية تخييلية تتألف من ثلاثة أبعاد حسب عالم السرد البلاغي جيمس فيلان في كتابه «قراءة الناس، قراءة الحبكات، 1989»: البعد المحاكاتي (mimetic dimension) يعني الشخصية بوصفها صورة لشخص محتمل الوجود؛ البعد الموضوعاتي ( thematic dimension) تمثيل الشخصية لأفكار وقيم ومعتقدات معينة؛ البعد التأليفي/التركيبي (synthetic dimension ) يعني الشخصية بوصفها عنصراً مصنوعاً داخل بنية النص. ترتبط الأبعاد الثلاثة بحالة انسجام داخل الشخصية، مع تفاوت المساحة التي يشغلها كل بعدٍ من جنس أو نص سردي إلى آخر. في «الأوديسة» مثلاً يطغى البعد الموضوعاتي في شخصية بينيلوبي على البعدين المحاكاتي والتركيبي، بينما يتراجع أمام «المحاكاتي» في «البينيلوبياد» حيث تظهر بينيلوبي صورةً لشخص محتمل. ويكون التركيبي البُعد الأكثر بروزاً في الميتاتخييل / الميتاقص.

* كاتب وناقد سعودي

تُقَيِّدُ أتوود هيمنة بينيلوبي الخطابية بمنح صوتٍ للخادمات المُسْتَغَلّات والمُهَمَّشَات في البداية والمشنوقات في النهاية


أشباح الماضي تستيقظ في «البحث عن سعيد مهران»

أشباح الماضي تستيقظ في «البحث عن سعيد مهران»
TT

أشباح الماضي تستيقظ في «البحث عن سعيد مهران»

أشباح الماضي تستيقظ في «البحث عن سعيد مهران»

تنسج رواية «البحث عن سعيد مهران»، للروائية المصرية الشابة إيمان أبو غزالة، منذ عنوانها، علاقة نصية وطيدة مع رواية نجيب محفوظ «اللص والكلاب»، إذ تعيد بطل الرواية المحفوظية إلى واجهة روايتها، ويتأكد هذا الحضور في الجملة التصديرية للرواية، التي تقول: «لن أنسى الماضي لسبب بسيط، هو أنه حاضر - لا ماضٍ - في نفسي» المقتبسة كذلك من رواية محفوظ نفسها. هذه الجملة التي يمكن فهمها بوصفها تعبيراً عن أبطال الرواية، وأثر الماضي الذي يظل يمارس حضوره في نفوسهم ويوجه اختياراتهم. كما يمكن فهمها بوصفها تعبِّر عن الروائية، التي تتعاطى مع موروث الرواية العربية بوصفه حاضراً وفاعلاً في مخيلتها، وفي بنائها لشخصياتها، فهي ليست منبتة عن هذا الموروث، الحاضر دوماً في نفسها.

الرواية صدرت في القاهرة عن «دار المحرر»، وتبدأ من نقطة تمثل ذروة الأحداث، بما تحمله من قدر كبير من الغرائبية، فأول جملة في النَّصِّ الروائي لها أهميتها الاستثنائية هنا، فهي التي ستوجه مسار الأحداث كلها، وتفتح مخزون الذكريات لدى كل شخوص الرواية: «تُقسم دميانة بالمسيح الحي أنها رأت سعيداً يخرج من قبره كمُخلِّص عاد من الموت ووجد قيامته، رسمت الصليب على صدرها، وأعادت القَسم، مؤكدة أنها لا تكذب». فالمحكي عنه هنا هو «سعيد الرفاعي مهران»، بطل الرواية، والمحكي لهما - عبر مكالمة هاتفية - هما ابنه، الذي يحمل اسم «سعيد» أيضاً، وابنته «نور»، ومَن تحكي هذا الحدث وتبلغهما به هي أمهما «حكيمة»، التي تطلب من ابنها أن يعود هو وأخته من العاصمة ليبحثا عن جثة أبيهما، والتوثق من حقيقة خروج الجثة من قبرها، خصوصاً بعد أن وجد أهل القرية القبر مفتوحاً بالفعل، ولا جثة فيه.

خروج الجثة من قبرها استعارة كبرى لعودة الماضي الذي يتوهم الجميع موته، وانكشاف الندوب والجروح التي توهَّم أصحابها أنها اندملت، لكنها حية وموجعة تحت جلودهم، وجميعهم ينزفون داخلياً في صمت. هذا الخروج المتخيل للجثة، الذي يقع في الوقت الحالي، يدفع الأحداث زمنياً إلى الماضي، فرغم أنَّ عودة الابنين إلى القرية للبحث، لم تستغرق فعلياً سوى أيام عدة، فإن تداعي الذكريات يعود بالزمن إلى حقبة الستينات، إلى أصل الندوب وسبب اللعنة التي حلت بالعائلة وأجيالها، وتاريخ حياة صاحب الجثة «سعيد»، وعلاقته بأبيه من جهة، ثم علاقته بابنه سعيد وابنته نور من جهة أخرى. وتعود الرواية إلى جذور الأزمة الضاغطة على الجميع، حين رُزق الفلاح البسيط «الرفاعي مهران» بمولود ذكر، كان يتمناه بعد إنجاب أكثر من فتاة، وعندما جاء هذا الابن أراد له الأب اسماً مميزاً، وكان قد رأى فيلم «اللص والكلاب»، وتعاطف مع بطله المظلوم «سعيد مهران»، فقرَّر أن يطلق على ابنه اسم «سعيد»، محبةً في ذلك البطل المعذب، وإنصافاً رمزياً له، لكنه بهذا التَّصرُّف العفوي أصاب ابنه بلعنة الشخصية واسمها، فصار بطل الرواية المحفوظية شبحاً يطارد البطل الحديث منذ طفولته، وتنمر الجميع عليه، واتهام زملاء الدراسة وأبناء القرية له بأنه سيكون لصاً مثل سميّه الروائي.

تبرز في الرواية فكرة الأشباح، وفق مفهومها التفكيكي لدى الناقد والفيلسوف الفرنسي، جاك ديريدا، بشكل شديد الإلحاح، بل إنها أشباح عدة، كل منها يضغط على الآخر ويوجهه.

لقد أصبح البطل «سعيد الرفاعي مهران» مسكوناً بشبح بطل «اللص والكلاب»، خصوصاً بعدما كبر وقرأ الرواية، وأصبح ناقماً على أبيه، الذي جعله عرضةً للتنمر والنبذ، لمجرد رغبة ذلك الأب في اختيار اسم موسيقي مميز، فتحوَّل إلى ناقم على الأب والأم والعالم، ويريد الانتقام من أبيه، متخذاً الطريق نفسه للبطل المحفوظي في الانتقام من ظالميه، حتى لو بدا أنه يحارب طواحين الهواء، فقرر أن يقضي على أراضي أبيه الزراعية، فكان على النقيض من أبيه الذي كان يعشق الزرع واللون الأخضر، فاقتلع الزرع وعمل على تبوير الأرض

هذا البطل المأزوم، المحكوم بشبح بطل الرواية المحفوظية، وبمنطق الكيد لأبيه والانتقام منه، قضى شبابه في صالات القمار وبيوت المتعة، واختار الغانية «حكيمة»، وتزوجها سراً دون علم أبيه، وأنجب منها فتاة أسماها «نور»، وذهب لأبيه في أواخر أيامه وفاجأه بزواجه هذا، وأخبره متحدياً: «أردتني أن أكون (سعيد مهران) وها أنا أسير على خطاه لأكون (سعيد مهران) في كل شيء، وقد بحثت عن غانية اسمها (نور) لأحقق كل ما دار في مخيلتك، لكنني لم أجد واحدة تحمل الاسم نفسه، فاخترت غانية تحمل أي اسم، لكنني عوضت الاسم بأن أطلقت على ابنتي الطفلة اسم (نور)، علها تعيد مسيرة بطلة الرواية والفيلم».

وبعد سنوات أنجب طفلاً، فأسماه «سعيد» أيضاً، ليعيد المأساة نفسها، فهو لم يكتفِ بالانتقام من أبيه، بل ينتقم من ابنه وابنته.

الابن والابنة، سعيد ونور، بدورهما عاشا محكومَين بشبح أبيهما نصف المجنون وأمهما الغانية السابقة. هذا الأب، نصف الجلاد ونصف الضحية، الذي عاش متخبطاً ومنتقماً من الجميع، عامل طفليه بعنف طيلة طفولتيهما، وكان يحبسهما لأيام في غرف مظلمة، بل إنه زوَّج ابنته «نور» من صديقه وزميله في الأماكن المشبوهة، نظير شراكة معه في بناء مصنع، فعاش الابن والابنة بمخزون من الكراهية تجاه هذا الأب السادي، وظلَّ شبحاً يؤرقهما رغم مغادرتهما القرية للأبد؛ الابنة بالزواج، والابن بالهرب والعمل بعيداً.

كان نبأ خروج الجثة من قبرها، واضطرار الابن والابنة للعودة للقرية شيئاً مفزعاً لهما، ينكأ جروح الماضي، فالأب شبح يرفض الموت، ويظل يطاردهما رغم موته منذ سنوات، ولم يعد فقط حاضراً بأثره السلبي عليهما، بل أصبح حاضراً بجثته الهائمة التي يبحثان عنها ليعيدا دفنها، لعلهما يدفنان كل أثر لهذا البطل المعذَّب والمعذِّب، ودفن اللعنة التي حلت بالعائلة ونسلها وامتدادها، ورغبة في إنهاء هذه الدائرة من الانتقام العبثي، من تدمير الذات والآخر، من إعادة إنتاج القهر، ولعل في هذا التوالد لأنظمة القهر استعارة رمزية لأزمات الإنسان العربي، الذي يعيد إنتاج أزماته، هذا الإنسان لا بد أن ينتهي، ربما لذلك نفهم معنى ألا ينجب «سعيد» أو «نور» بعد سنوات من زواجهما، ونفهم أيضاً معنى أن يجدوا الجثة أخيراً راقدةً في فراش الأب الأول «الرفاعي»، بحثاً عن سكينة ومصالحة مع الماضي، مع الجد الفلاح البسيط، في حين أن أهل القرية في حالة مسكونة بـ«الدروشة»، يستعدون لبناء ضريح لدفن جثة مَن عدّوه ولياً عاد من الموت.


«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)
تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)
TT

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)
تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)

بعد 15 عاماً من الدعايات الحماسية للكتاب الإلكتروني بأنه سيقضي على الورق، ويحول المكتبات التقليدية إلى مجرد مدافن لمحتويات تأكلها الغبار ولا يريد أحد العودة إليها، كل النتائج تثبت العكس. يتبين بالأرقام، أن الكتاب الورقي يحافظ على مكانته في الصدارة، ويربح المعركة في أميركا وأوروبا والعالم العربي أيضاً، وأن الكتب الرقمية توقف سوقها عن النمو، وهي تصارع من أجل أن تتقدم دون كبير جدوى. ما الذي فرمل حيويتها الأولى؟ وهل المستقبل سيكون مختلفاً؟ هذا ما سنحاول الإجابة عليه.

10 أعوام من الجمود

تحدثت دول غربية عن نمو كبير في عدد قراء الكتب الرقمية ابتداءً من عام 2011 حيث ازدادت نسبة قراءة الكتب الإلكترونية بين الأميركيين 11 نقطة مئوية خلال 3 سنوات فقط، أي أنها قفزت من 17 في المائة عام 2011 إلى 28 في المائة عام 2014. لكن للغرابة فإن هذه النسبة لم تشهد بعد ذلك تزايداً يذكر، لا في أميركا عقر دار التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ولا في دول أوروبية، رصدت أحوال القراء، ورغباتهم. وبدل أن يفقد الكتاب الورقي مكانته بسرعة كما كان متوقعاً، توقف مدّ الكتاب الإلكتروني، طوال السنوات العشر الماضية، واحتفظ كل شكل من أشكال القراءة، بنسبة محددة لا تتزحزح.

أميركا تقرأ ورقياً

في دراسة أصدرها «مركز بيو للأبحاث»، في أبريل (نيسان) من العام الحالي، تبين أن الكتب الورقية لا تزال هي المفضلة لدى الأميركيين، وأن ثلث القراء فقط هم من قرأوا كتاباً إلكترونياً واحداً على الأقل خلال السنة الماضية، فيما وصل عدد الذين قرأوا كتاباً ورقياً إلى 64 في المائة، أي بانخفاض 10 في المائة فقط عن النسبة قبل 14 عاماً، بينما لجأ 26 في المائة إلى كتاب صوتي واحد على الأقل العام الماضي.

الدراسة تثبت أن الكتب الورقية هي الصيغة الوحيدة التي يستخدمها أغلبية الأميركيين، وأن النمو الرقمي جاء مكملاً لها ولم يحلّ مكانها. وهذه ملاحظة عامة في دول أوروبية عديدة، حيث أن نسبة قراء الكتاب الرقمي تجمدت بالفعل في السنوات الأخيرة. بالتالي، وبعكس التوقعات الأولى، فإن قارئ الكتاب الإلكتروني يجد فيه مكملاً لدور الكتاب الورقي، ولم يعتبره بديلاً عنه، خصوصاً في ما يتعلق بكتب الروايات والمغامرات والكتب المخصصة للأطفال، فيما الكتب الأكاديمية لها شأن آخر.

لماذا العودة إلى التقليدي؟

قد يكون سبب بقاء القراء مخلصين لعاداتهم الورقية متأتياً من الحاجة إلى الابتعاد عن إجهاد الشاشات الذي يرهقهم طوال اليوم، وقد أصبح استخدام الهاتف يستغرق يومنا ونحتاج إلى استراحة منه. هناك أيضاً الدراسات التي تحذر باستمرار من القراءة الإلكترونية حيث يصبح الإنسان أقرب إلى التشتت وعدم التركيز منه إلى حالة التفكر. ولا ننسى وسائل التواصل والمنصات التي لعبت دوراً إيجابياً في لفت الانتباه إلى الكتب كمنتجات مغرية، عبر مؤثرين، تمكنوا من التعريف بالمؤلفات واجتذاب المهتمين، كما لم يفعل أحد من قبل. كما يبدو أن القارئ وجد في النهاية، في كل صيغة، سواء الورقية أو الرقمية أو الصوتية، ما يناسب الظرف الذي يعيشه، إن كان مسافراً أو مسترخياً في منزله، أو يزاول رياضة المشي، فلكل حالة كتابها.

ونحن هنا لا نتحدث عن صور «بي دي إف» المقرصنة والمصورة التي يتداولها القراء بالعربية وفي شتى اللغات، بحيث يصعب معرفة عدد من يتناقلونها أو يستفيدون منها، وتبقى في منطقة من الظلال الكثيفة. إنما الدراسات تأخذ بعين الاعتبار الصيغ المختلفة للكتاب التي تباع وتشترى في سوق الكتب، ويمكن للجهات المختصة مراقبتها، ومعرفة مسارها.

بريطانيا تنتصر للنشر الكلاسيكي

في بريطانيا، بحسب الرابطة التجارية لصناعة النشر، النتائج مشابهة لما أعلنته الولايات المتحدة حيث لا تزال الطباعة الورقية هي الشكل الأقوى للنشر الاستهلاكي، وقد بلغت إيراداتها 2.1 مليار جنيه إسترليني من إجمالي 2.6 مليار جنيه إسترليني، بزيادة قدرها 2 في المائة عن العام الماضي. وحققت الصيغ الرقمية إيرادات لم تصل إلى أكثر من 558 مليون جنيه إسترليني، بينما بلغت إيرادات الكتب الصوتية 255 مليون جنيه. ما يعطي الورق تقدماً كبيراً على كل ما عداه.

العرب غياب للتوثيق الدقيق

أما العرب، ورغم غياب الإحصاءات الشاملة والموثوقة، فإن تقارير معارض الكتب والناشرين، تتحدث عن بيع ملايين النسخ الورقية. وهبوط القدرة الشرائية التي أثرت على سوق الكتب لا يوازيه ارتفاع في بيع الكتاب الإلكتروني، لأسباب تتجاوز تلك التي نراها في الغرب، على رأسها تعثر النشر الإلكتروني العربي تقنياً خاصة في البدايات، في الوقت الذي كانت فيه الكتب باللغات الأجنبية في عزّ انطلاقتها. ولا بد من التذكير بأن تطويع الخط العربي ليصبح مناسباً للنشر الإلكتروني والقراءة على الشاشات تأخر، عن باقي اللغات، ولا تزال المشاكل التقنية حاضرة ولم تذلل جميعها. كما أن ضعف البنية التحتية لحماية حقوق الملكية الفكرية الرقمية لم يشجع على الاستثمار في منصات النشر. وحسب إحدى الدراسات، فإن سوق النشر بكليته في العالم العربي يقدر بنحو 13.4 مليار دولار، أما النشر الإلكتروني فلا يشغل سوى 791 مليون دولار من هذا المبلغ، ما يدل على أنه لا يزال ضعيفاً جداً، بل أضعف من معدله في أماكن أخرى في العالم.

أوروبا لا تشذّ عن القاعدة

أوروبا لا تشذ عن غيرها، ففي فرنسا وإسبانيا لا تزال الكتب الورقية في المقدمة، وفي ألمانيا القراءة بخير، حيث إن أكثر من نصف الألمان يشترون الكتب الورقية ولا يستعيرونها فقط. والأمر نفسه من حيث الإقبال على النشر الورقي في الهند وكوريا الجنوبية.

وتسجل الصين اختلافاً بيناً في صفوف قرائها، إذ إن الصينيين هم من أكثر المستهلكين للكتب الإلكترونية، نسبة إلى الشعوب الأخرى. عدد قراء الكتب الورقية يكاد يوازي عندهم عدد قراء الكتب الرقمية، يليهم في ذلك اليابانيون، مع فارق كبير بين الشعبين لصالح الصينيين. هذا النوع من الإحصاءات يأخذ بعين الاعتبار إجابات من يتم طرح السؤال عليهم، وعدد الكتب المباعة بصيغها المختلفة. وغالباً ما يكون القراء أنفسهم هم الذين يلجأون إلى الوسيلتين معاً، مع ملاحظة أن الشباب أميل قليلاً إلى الكتاب الإلكتروني من الأكبر سناً.

سوق النشر بكليته في العالم العربي تقدر بنحو 13.4 مليار دولار، أما النشر الإلكتروني فلا يشغل سوى 791 مليون دولار

دراسة

مشاكل رقمية غير مشجعة

الكتاب الورقي يقاوم ويثبت مكانته، رغم أن مغريات الكتاب الإلكتروني أصبحت كثيرة، منها ارتفاع سعر الحبر والطباعة والورق، ما جعل سعر الكتاب التقليدي باهظاً بالنسبة للبعض، كما أن الحصول عليه يحتاج وقتاً أطول حتى لو طلب من منصة، إضافة على أن الاحتفاظ بالكتب يشكل عبئاً على أصحابها في المنازل الصغيرة. لكنه في المقابل يبقى عملياً بعد الحصول عليه، فلا يحتاج كهرباء ولا تشريجاً أو جهازاً للعودة إليه، كما يسهل التعليق على هوامشه والتعامل مع معلوماته.

ومن العوائق، التي لا تزال ترجّح الرغبة في الحصول على الكتب ورقياً، أنها بعد شرائها تصبح ملكية لا يمكن استردادها، بينما تدفع ثمن كتاب إلكتروني وتشعر أنه لديك على سبيل الإعارة. كما تحدد بعض المنصات للمكتبات العامة عند شراء الكتب الرقمية عدداً محدداً للإعارات المسموح بها والمدة الزمنية المتاحة، وهناك قيود أخرى بدأت تزعج القراء وتشعرهم بأنها تحدّ من حريتهم، بل ملكيتهم.

من هنا، لا غرابة، ليس بالبقاء على الكتاب الورقي للشعور بالأمان فقط، ولكن هناك أيضاً عودة إلى الكتب القديمة بطبعات محفوظة في المخازن لأنها لم تبع في حينه.

الكتب المستعملة ذخائر للمستقبل

وقد قُدّر نمو سوق الكتب المستعملة عالمياً بأنه ارتفع من 25.32 مليار دولار عام 2024 إلى 27.13 مليار دولار عام 2025، بسبب تراجع أسعار هذه الكتب، وتوسع المنصات الإلكترونية التي تتيح وتعرض هذا النوع من المطبوعات، كما أن المغرب لديه معرض خاص للكتب المستعملة، ما يدلّ على نمو جمهورها.

إن ميل «المستجد» يشجع أصحاب المكتبات على إخراج قديمهم وعرضه للبيع، كما شراء المكتبات الشخصية التي تعرض بعد رحيل أصحابها. فهذه الكنوز، بحسب ما أخبرني صاحب أحد المكتبات في لبنان، تتيح كتباً بأسعار خيالية، وطبعات نادرة أو نافدة من السوق. تخزين هذه المقتنيات لدى أصحاب المكتبات بات شائعاً، إذ ثمة رهان على أن الكتب الورقية ستكون غداً أغلى من اليوم، وأكثر أهمية وقيمة مما كنا نتصور.