مشروعية الدولة وغايتها بين الفكر السياسي.. الكلاسيكي والحداثي

ينطوي مفهومها على مفارقات فلسفية مهمة

مشروعية الدولة وغايتها بين الفكر السياسي.. الكلاسيكي والحداثي
TT

مشروعية الدولة وغايتها بين الفكر السياسي.. الكلاسيكي والحداثي

مشروعية الدولة وغايتها بين الفكر السياسي.. الكلاسيكي والحداثي

تعرّف «الدولة» بكونها مجموع المؤسسات القانونية والإدارية والعسكرية التي يتم إنشاؤها، من لدن جماعة من الناس، بموجب عقد مشترك، لغرض تنظيم حياتهم في الميادين والمجالات كافة، كما تحيل إلى مجال ترابي محدد، وتمثل هذه المؤسسات جهازًا يشرف على المجالات السياسية والاقتصادية والإدارية والعسكرية والاجتماعية. ومن ثم، فوجود الدولة رهين بتوفر مجموعة من الشروط الأساسية: الأرض، والسكان، والسلطة السياسية (القوانين، المؤسسات...)، وأن تعمل هذه الدولة على توفير وضمان الحقوق الأساسية لأفرادها (التعليم، الصحة، السكن والشغل...)، وحفظ الأمن والاستقرار. غير أن هذا الوجه الإيجابي للدولة قد لا يتجسد دائما على أرض الواقع، بل يمكن أن يصطدم فيه الأفراد بممارسات مخالفة لما هو مرجو من الدولة، فيكون الإنسان ضحية للعنف المنظم والظلم الاجتماعي والاقتصادي، والاستبداد الممارس من طرف الدولة نفسها. الأمر الذي يجعل مفهوم الدولة ينطوي على مفارقات فلسفية مهمة، إذ تتجاور فيه مفاهيم أخرى متقابلة وقيم متضادة (بين ادعائها لتحقيق الأمن وممارستها للعنف مثلا). من هنا، يمكن أن نطرح مجموعة من الإشكالات الفلسفية ونتساءل: ما الغاية من تأسيس الدولة؟ ومن أين تستمد مشروعيتها؟ وكيف جرى تبرير وجود الدولة من داخل تاريخ الفلسفة السياسية، الكلاسيكية والحديثة؟ وما الهدف من وجودها؟ هل هو تحقيق الأمن والاستقرار أم الهيمنة الطبقية واحتكار العنف؟
بالعودة إلى تاريخ الفلسفة اليونانية، نجد التفكير والاهتمام بالدولة حاضرًا لدى الفلاسفة اليونان. فقد حاول كل من أفلاطون وأرسطو التنظير لدولة مثالية قادرة على تجسيد الخير الأسمى. وفي هذا الصدد، نجد أفلاطون الذي دافع عن أن أساس الدولة الطبيعي يتجسد في وجود لا مساواة طبيعية بين الناس. فكما تنقسم النفس إلى ثلاث: نفس شهوانية، ونفس غضبية، ونفس عاقلة، ينقسم كذلك أفراد النوع الإنساني إلى فئات ثلاث: حرفيون وجنود وحكام. وما دامت وظيفة النفس العاقلة هي توجيه عمل النفس الشهوانية والنفس الغضبية بالشكل الذي يضمن الانسجام والتناغم في حياة الفرد، فإن وظيفة الحكام هي تدبير شؤون الحرفيين والجنود، وتوجيه عملهم نحو تحقيق الانسجام والتناغم في حياة الجماعة التي ينتمون إليها. فالعدالة كما يقول أفلاطون، في كتاب «الجمهورية»: «هي أن يؤدي كل فرد وظيفة واحدة هي تلك التي وهبته الطبيعة خير قدرة على أدائها». إن غاية الدولة عند أفلاطون هي تحقيق الانسجام والتناغم بين مكونات المجتمع. وهو تناغم لا يتحقق إلا بانصراف كل فئة إلى أداء المهمة التي هيأتها الطبيعة للقيام بها من دون التدخل في مهام الفئات الأخرى. فمن هيأته الطبيعة أن يكون حرفيًا، وزودته بما يلزم ذلك من مهارات وقدرات، فلا مفر له من أن يكون كذلك، وينجز ما يلزم من المهن والصنائع، ومن هيأته أن يكون محاربًا، فعليه أن يحمل السلاح ويقف بشجاعة ضد كل خطر يمكن أن يهدد المدينة/ الدولة Polis. ومن هيأته أن يكون حاكمًا، فعليه أن يتجه لتدبير شؤون الناس بفضيلة وحكمة وعدل. وهكذا نرى أن غاية الدولة ومشروعية وجودها تستمدها من الطبيعة البشرية، فهي من الأمور الطبيعية التي رافقت وجود البشرية التي تكون دائمًا في حاجة إلى من ينظمها.
في السياق نفسه، نجد الفيلسوف أرسطو، الذي ظل وفيًا لأفكار أفلاطون، على الرغم من بعض الانتقادات التي وجهها إلى فكره السياسي، فأرسطو أيضًا يؤكد على فكرة التراتبية واللامساواة الطبيعية بين الناس. بل يذهب أرسطو إلى أن هذا التراتب مقصود من طرف الطبيعة نفسها، التي «لا تفعل باطلا أبدًا». فكون الناس مختلفين ومتمايزين على مستوى المهارات والقدرات، يجعلهم في حاجة إلى بعضهم البعض، وبالضرورة ميالين إلى الألفة والاجتماع، لأن لا أحد منهم يستطيع أن يوفر بنفسه كل ما يحتاج إليه. لذلك كان الإنسان، حسب أرسطو، كائنًا مدنيًا بطبعه، أي كائنًا لا يستقيم وجوده إلا في مجتمع يتقاسم أفراده المهام والوظائف. وبهذا المعنى أيضًا، كانت الدولة من الأمور الطبيعية، أي من الأمور التي يقتضيها تحقيق الحاجات الطبيعية للإنسان، التي دونها لا يمكن أبدًا أن يتحقق. إن غاية الدولة عند أرسطو هي تحقيق الخير الأسمى، وهو سعادة الأفراد المكونين لها عبر تحقيق حاجاتهم الطبيعية من غذاء وسكن وأمن. بعد التحولات التي عرفتها أوروبا مع مطلع العصر الحديث، وبتأثير من الحركة الإنسية والتطورات الهائلة في مجال الفن والعلوم والعمارة، واكتشاف كروية الأرض، وعقم المنهج الأرسطي الذي قامت عليه المؤسسة الآمرة والحاكمة في أوروبا، وهي الكنيسة، سيستعيد التفكير في مفهوم الدولة أهميته، باعتباره موضوعا للتفكير الفلسفي والسياسي، حيث خاض رواد النهضة والتنوير، صراعا ضد النظرية الثيوقراطية، أو ما يسمى بنظرية الحق الإلهي، التي تفسر نشوء الدولة بفكرة دينية أو ما سمي بـ«حق الملوك المقدس». وتقوم هذه النظرية، على ضرورة تأليه الحاكم وعبادته وتقديسه، ولنا في مصر القديمة وروما مثال على ذلك. وستعرف هذه النظرية تطورًا على يد ملوك أوروبا في المرحلة الإقطاعية، إذ لم يعد ينظر للملك على أنه إله، بل إنه خليفة الله في الأرض. وهكذا رفض رواد النهضة الوصاية على الإنسان واعتباره قاصرًا يحتاج لمن يقوده ويملي عليه كيف يسلك ويتصرف. وفي هذا السياق، فكر أصحاب نظرية العقد الاجتماعي، أو المصنفين ضمنها، في مفهوم الدولة (هوبز/ لوك/ روسو)، حيث يرى أصحاب نظرية العقد الاجتماعي ويفترضون أن مشروعية الدولة وغايتها، تستمدهما من حالة الطبيعة التي كان الأفراد فيها يعيشون على الفطرة، أحرارا من دون أن يوجد ما يحد من حريتهم. لكن هذا النوع من الحرية أدى للفوضى والاضطراب. وهو ما جعلهم يفكرون في وسيلة للخروج من حياة الاضطراب والتطاحن، يعني أنهم فكروا في تأسيس حياة يسودها التنظيم والتوافق، فكانت الوسيلة هي العقد الاجتماعي كأساس للدولة التي يتنازلون لها عن جزء من حريتهم وحقوقهم. وعلى الرغم من أن رواد العقد الاجتماعي اتفقوا على تعريف العقد الاجتماعي وفرضية حالة الطبيعة، إلا أنهم يختلفون حول طبيعة العقد ومبرراته وغاية الدولة الناشئة، وكذلك حول تصورهم لحالة الطبيعة. فمثلا طوماس هوبز، يرى أن ظهور الدولة لم يكن طبيعيًا، بل هو «الثمرة الاصطناعية التي جاءت نتيجة ميثاق إرادي، ولحساب مصلحي»، لأن حالة الطبيعة هي حالة عنف وجور وتدمير وميل نحو الشر، الذي اعتبره هوبز، ميلاً طبيعيًا في الإنسان. فالإنسان لديه ميل طبيعي نحو العدوان والقوة. وهو ما يجعل الضعفاء ضحية لهذا المنطق. فحالة الطبيعة تطبعها الفوضى والعنف، «حرب الكل ضد الكل»، ما يحول دون قيام حياة اجتماعية آمنة ومستقرة. فيجد الإنسان نفسه أمام فقدان أهم ما لديه، وهو «البقاء على قيد الحياة». لذلك فكر الناس في بناء مجتمع سياسي يضع حدًا للحروب والعدوان والجور والظلم والتسلط، يستبدل بالعنف التكامل والتعاون. لذلك فكر المكونون للعقد بالتنازل عن كل سلطتهم وحقوقهم، لصالح رئيسهم/ راعيهم/ ملكهم، الذي سيتمتع بالسلطة المطلقة، لأنه لم يكن طرفًا في العقد وليس خاضعًا لأحد. وهكذا كانت الدولة هي التنظيم الجديد الذي قام من أجل ضمان أمنهم وتأمين سلامتهم. وفي هذا الصدد يقول هوبز، في كتابه «اللفيتان»، في النهاية، إن الدافع والهدف عند الذي يتخلى عن حقه أو يحوله، ليس إلا أمنه الشخصي في حياته وفي وسائل حفظ هذا الأمن».
إذا كانت غاية الدولة ومشروعيتها عند هوبز تستمدهما من ضمانها لأمن الناس وسلامتهم، نتيجة العقد الذي أقاموه وسلموا فيه كل حقوقهم لمن يجب طاعته والخضوع له، فإن جان جاك روسو، لم ير في الدولة أداة محافظة على أمن الناس وسلامتهم فقط، بل إن الدولة ليست غايتها الحفاظ على الأمن، بل غايتها بناء حياة اجتماعية، وتكوين مجتمع سياسي تقوم فيه الدولة بالمحافظة على حقوق الأفراد. فالدولة لا تقوم على احتكار الحاكم للسلط، بل على التعاون والتشارك والسيادة المطلقة للشعب عن طريق الإرادة العامة التي يعبر عنها في القوانين. وبالتالي تكون وظيفتها هي الحفاظ على حقوق المواطنين الذين لا يخضعون للحاكم داخل الدولة، بل يخضعون لسلطة القوانين التي ساهموا في وضعها. فالسيادة دائمة للشعب، وهذا ما يقصده روسو بقوله: «إن من يهب نفسه للجميع لا يهب نفسه لأحد»، فالدولة ليست كما تصور أصحاب النظرية الثيوقراطية أو هوبز متعالية على الإنسان بل هي وسيلة ضرورية لتحقيق أماني الإنسان ومطامحه، فهي توفر النظام والنفوذ الذي يحمي كل فرد من ظلم فرد آخر، إن مشروعية الدولة لا تستمدها عند روسو فقط من حالة الطبيعة، بل حالة الطبيعة حسب روسو هي حالة خيّرة، حالة سلم ووئام.
أما بالنسبة لاسبينوزا، فقد فكر في الدولة من منظور علماني مستفيدا من الصراع الديني الطاحن بين الكاثوليك والبروتستانت. فدافع عن دولة لا تنحصر وظيفتها في السيادة والتنظيم والتحكم، كما ذهب إلى ذلك هوبز. بل غاية الدولة عند اسبينوزا، تستمدها من قدرتها على تحرير الناس من الخوف، والعنف، والإرهاب الذي قد يمارسه المختلفون في التصورات والآراء والمعتقدات على بعضهم البعض بالقوة والعنف والإكراه. فالدولة حسب اسبينوزا، لا يجب أن تنحصر وظائفها في تطويع الناس والتحكم بهم، بل غايتها أسمى من ذلك، وهي تحرير أجسادهم وعقولهم لكي يفكروا بشكل حر في كل القضايا، استنادا إلى الحجج العقلانية وليس بالأسلحة والإرهاب والخوف. وفي هذا السياق يؤكد اسبينوزا، بعد أن حدد غاية الدولة، أن مشروعيتها يجب أن تنبع من مجموع الأفراد المكونين لها، الذين يكونون غير قادرين إن تركوا لذواتهم، على تدبير اختلافاتهم بالعقل والنقاش بعيدا عن الإكراه والقوة. لذلك، فإن قيام الدولة نابع من عدم قدرة المختلفين في الرأي والمعتقد، على تدبير اختلافاتهم، ودورها يتجسد في حماية الاختلاف والعمل على تكريسه. إن القيمة التاريخية لتصور اسبينوزا، تكمن في كونه غيّر من تصورنا للدولة، باعتبارها دولة سيادة وعنف مشروع إلى دولة راعية للاختلاف والحرية. وبالتالي، طالب اسبينوزا بضرورة فصل مجال الدولة على مجال الدين. فالدولة لا تدافع عن مذهب ديني ضد آخر. إنها تقف موقفا واحدا من جميع الأديان والمعتقدات، وتعمل على حماية الجميع، ورفض العنف. وفي هذا الصدد، يقول اسبينوزا: «إن الغاية من تأسيس الدولة ليس تحويل الموجودات العاقلة إلى حيوانات وآلات صماء، بل المقصود منها هو إتاحة الفرصة لأبدانهم وأذهانهم كي تقوم بوظائفها كاملة في أمان تام، بحيث يتسنى لهم أن يستخدموا عقولهم استخدامًا حرًا، من دون إشهار لأسلحة الحقد والغضب أو الخداع، وبحيث يتعاملون معًا دون ظلم أو إجحاف، فالحرية إذن هي الغاية الحقيقية من قيام الدولة».



هل أمومة المرأة غريزة أم خيار؟

هل أمومة المرأة غريزة أم خيار؟
TT

هل أمومة المرأة غريزة أم خيار؟

هل أمومة المرأة غريزة أم خيار؟

لطالما كانت تجربة الأمومة والإنجاب، فضلاً عن علاقة المرأة بجسدها وبالعالم، محلاً لاشتغال الكثير من الباحثين في علوم النفس والطب والاجتماع. ومع أن الجانب العلمي والنظري من هذه التجربة، هو محل تناول الجنسين معاً، إلا أن المرأة وحدها هي المنوطة بالتعبير عن الشق العملي منها؛ لأنهن الطرف الذي قُدّر له أن يختبر آلامها ومسراتها وتبعاتها المتباينة. وإذا كان من الطبيعي أن تنعكس القضايا الشائكة المتصلة بالحب والزواج والأنوثة والأمومة في الأعمال الإبداعية للنساء المشتغلات بشؤون الأدب والفن، فاللافت بهذا الخصوص، أن هذا الموضوع بالذات كان في الآونة الأخيرة، مثاراً لاهتمام ثلاث من الكاتبات اللبنانيات، وهن: يسرى مقدم في «صباح الخامس والعشرين من شهر ديسمبر»، وحنان ضيا في «خارجات على الغريزة»، وسهير بشارة في «حامل النور»، مع ضرورة الإشارة إلى السمات المختلفة التي تحكم أساليب الكاتبات الثلاث، في مجالات اللغة والأسلوب وتقنيات السرد.

في كتابها «صباح الخامس والعشرين من شهر ديسمبر»، لا تأبه يسرى مقدم كثيراً للنسب الأدبي الذي ينتمي إليه عملها السردي السيَري، بل تحوله حواراً مع النفس، تكشف من خلاله، وقد أنجبت صبياً وفتاة، عن إخفاقها الذريع في القيام بدورها كأم؛ الأمر الذي انعكس بشكل سلبي على علاقتها بولديها من جهة، ولكنه دفعها إلى الكتابة من جهة أخرى. وإذا كان ضمير المخاطب في الكتاب برمته، هو سكنة أم الكاتبة وجدة ولديها، فلأنها رأت في أمها بالذات، ما يرمز إلى الأمومة المطلقة، حيث الحدب على الأولاد والأحفاد يصل إلى حد العطاء الأقصى والإمحاء الخالص.

وإذا كنا نعرف من سياق العمل أن والد المؤلفة الراوية قد مات مقتولاً من قِبل عصابة مهربين، قبل ولادتها بأسابيع، فإن عبارة «يا سكنة» التي تكررها المؤلفة على نحو دائم، تبدو نوعاً من الانتشال الرمزي للأم الراحلة من براثن العدم، أو نداء الاستغاثة التي تطلقها السفن الموشكة على الغرق أملاً في خلاصٍ غير متوقع. وإذ تكشف الكاتبة عن أن أمها سكنة لم تتكفل أعباء تربيتها فحسب، بل أوكلت إليها الابنة، بفعل انشغالاتها الكثيرة، مهمة الاعتناء بولديها الصغيرين، يمكن أن نفهم السبب الحقيقي لانصراف ولدها عنها حين حاولت تبرير تقصيرها بحقه. كما لم يختلف موقف الابنة المهملة كثيراً عن موقف الابن الساخط، وهو ما تعبّر عنه الكاتبة بقولها عنها: «كانت تجاهر بأنها فقدت شهية المحاورة معي، وبأن ثمة حاجزاً جليدياً بات يفصل فيما بيننا».

لكن الذروة الدراماتيكية لمأزق الأم الكاتبة، تمثلت في اكتشافها أنها لم تكن جزءاً من الصورة التي أرسلتها لها ابنتها عبر شاشة الهاتف بمناسبة عيد الميلاد، بما يعني أن ابنتها، وابنها استتباعاً، لا يعتبرانها، بحكم تخليها عن دورها كأم، جزءاً أساسياً من المشهد العائلي.

ومع أن الكاتبة حنان ضيا تقارب في روايتها «خارجات على الغريزة »، قضايا المرأة والأمومة والإنجاب من خلال نماذج نسائية متنوعة الأمزجة والقناعات، ومقيمة في منفاها النفسي والمكاني، إلا أن ضيا تحرص على ألا تقارب هذه النماذج، بمعزل عن البيئة والثقافة والظروف الشخصية والاجتماعية التي تنشأ المرأة في كنفها، والتي تسهم إلى حد بعيد في دفعها إلى خيار الإنجاب أو عدمه، فضلاً عما يمكن للعلاقة بين الزوجين، والتي تتفاوت بين الحب والكراهية والتناغم والتنابذ، أن تلعبه في نجاح العلاقة بين الأمهات وأطفالهن أو انحدارها إلى فشل ذريع.

ومع أن جلنار التي التقت ساهر أثناء رحلة سياحية إلى أميركا، قبل أن يختبرا علاقة زوجية ناجحة في بدايتها، كانت ترى في إنجاب الأطفال ممن تحبه، التتويج الطبيعي لهذا الحب. إلا أن المصاعب التي كابدتها خلال عمليات الولادة القاسية، أو خلال تربيتها أطفالها الثلاثة، وضعتها في حالة من التوتر العصبي الهستيري، بحيث انتابتها في إحدى اللحظات «رغبة جامحة في القفز من الشرفة وإنهاء كل هذه المهزلة». والأدهى من ذلك، أن المكافأة التي نالتها من الزوج، على القيام بمهماتها الأمومية التي دفعت ثمنها باهظاً على المستويين الجسدي والعصبي، تمثلت في خيانته لها مع امرأة أكثر نضارة، قبل أن يغوص هو الآخر في ظلمة داخلية خانقة.

أما ناديا، صديقة جلنار الأثيرة، فلا تعتقد من جهتها أن الأمومة هي قدر المرأة الحتمي والشرط الإلزامي لتحقيق ذاتها كأنثى، بل هي خيار شخصي تأخذه كل امرأة بمفردها. وقد حرصت المؤلفة على أن تستشهد، بلسان بطلتها، ببعض علماء الاجتماع الذين يؤكدون أن الأمومة ليست نزوعاً أنثوياً غرائزياً و«أننا لا نولد أمهات كما أوهمنا البعض»، قبل أن تعمد لتأكيد موقفها، كما بشواهد تاريخية مختلفة عن قتل بعض النساء لأبنائهن. وإذ قررت ناديا الامتناع عن الإنجاب، عمدت إلى إجهاض الأجنة الذين حملت بهم من زوجها وليد، واحداً بعد الآخر، إلى أن انتهت علاقتهما بالطلاق، ولم ترض الزواج بعد ذلك، إلا من الرجل الذي رضخ لاشتراطاتها القاطعة.

وحيث لم تجد هالة، ابنة مدينة السلط الأردنية، من يشاطرها أفكارها المتحررة، فقد آثرت الزواج من ابن عمها سليم، الطبيب المقيم في أميركا؛ لأنها وجدت فيه ما يحررها من القيود. ومع أنها تنازلت، بناءً لرغبته، عن موقفها السلبي من الإنجاب، حتى ولو اعتبرت نفسها «امرأة معاقبة بالأمومة»، إلا أنها لم تلبث أن عادت بأطفالها إلى الأردن، بعد أن رفضت مماشاته على طريق الرذيلة والانحراف السلوكي.

أما سهير بشارة، فهي تعبّر في روايتها «حامل النور»،عن نظرة إلى الأمومة مغايرة لمعظم النماذج السابقة، سواء من حيث انتصارها لمبدأ الإنجاب نفسه، أو من حيث علاقة الأم بالطفل، فضلاً عن الغبطة التي تنتاب المرأة وهي تمنح الحياة فرصة جديدة للتحقق. كما أن الكاتبة تنقل مفهوم الولادة من كونه واقعة آنية ينتهي حدوثها مع خروج الطفل من الرحم، لتتحول حدثاً دائماً يستغرق الحياة بكاملها. وقد حرصت بشارة على تحويل المأزق الصعب الذي واجهه والدا الطفل لوقا، حين اكتشفا أن ابنهما مصاب بمتلازمة داون، إلى مناسبة للربط بين الحب والتضحية، وإلى سؤال وجودي عن معنى الحياة نفسها، حيث كل طفل يولد هو رمز للإنسانية جمعاء، وأي تخلٍّ عنه هو تخل عن هذه الإنسانية.

الجانب العلمي والنظري من تجربة علاقة المرأة بجسدها وبالعالم شغلت الكثير من الباحثين... لكنها وحدها المنوطة بالتعبير عن الشق العملي منها

وإذا كان من اللافت في العمل إعلان الكاتبة بلسان بطلتها بأن «الزواج هو مؤسسة فاشلة بطلاها امرأة ورجل عاشا وهم الحب»، وبأن بطلتها لم تعمد إلى الزواج إلا لتحقيق حلمها بالأمومة، فإن ردة فعل الزوج المصدوم، لم تخيب خيبتها به، بل أكدتها بالملموس، وهو الذي هتف لدى مشاهدة طفله «لماذا أنا؟، لماذا اختارني الله لأكون أباً لطفل كهذا؟». ثم لم يكتف الأب بذلك، بل أراد أن يحجر على الطفل في غرفة خاصة؛ كي لا يتسبب حضوره العلني في كسر صورته الزاهية أمام أقرانه.

على أن قرار الأم بالوقوف إلى جانب ابنها حتى النهاية، قابله صراع مرير بين النزوع النرجسي للمرأة المنتشية بذاتها، والتي تحظى بقدر وافر من الجمال، وبين عاطفتها الخلاقة التي جعلتها تحول وضع ابنها المريض مناسبةً لاستيلاد نفسها من رحم المكابدات الشاقة والحب الخالص. وهي حين طرحت على نفسها وعلى العالم سؤالها المحير: «لمن ينبغي أن تنتصر المرأة إذا فرضت عليها الحياة الانتصار لأحد الخيارين: الأنوثة أو الأمومة، فقد بدت بذلك وكأنها تجتاز المأزق الوجودي نفسه الذي فُرض على مريم العذراء، الاختيار بين دورها كأنثى ودورها كأم، قبل أن تغلّب الثاني على الأول.

هكذا كفّت البطلة الأم، عن أن ترى في وجود طفلها المنغولي نقمة عليها، بل رأت فيه نعمتها وفرحها بالوجود وهديتها السماوية. لذلك؛ فهي تخاطب ابنها بالقول: «لست قادرة على الاستمرار من دونك، فأنا أحتاج إليك أكثر من حاجتك إلي. كنتُ في نظر الكثيرين قوتك، ولكن في الحقيقة كنت أنت قوتي، وكنت أتشبث بك لأتنفس الحياة، ولأسترد حقيقتي التي فقدتُها ذات يوم».


فسيفساء أموية من قصر الحلابات في البادية الأردنية

فسيفساء أرضية من قصر الحلابات في الأردن
فسيفساء أرضية من قصر الحلابات في الأردن
TT

فسيفساء أموية من قصر الحلابات في البادية الأردنية

فسيفساء أرضية من قصر الحلابات في الأردن
فسيفساء أرضية من قصر الحلابات في الأردن

تحوي البادية الأردنية مجموعة كبيرة من المنشآت العمرانية الأموية، منها قصر يقع على بعد 25 كيلومتراً، شمال شرقي مدينة الزرقاء، يُعرف باسم قصر الحلابات. يحوي هذا الموقع الأثري سلسلة من الألواح الفسيفسائية الأرضية التي تزيّن قاعاته، كشفت عنها حملة تنقيب استمرت من عام 1979 إلى عام 1985، منها لوح كبير خرج إلى النور بشكل كامل عند اكتشافه، غير أنه تعرّض لاحقاً لحادث طبيعي أفقده كثيراً من عناصره. تظهر مكوّنات هذا اللوح في صور التُقطت قبل وقوع هذا الحادث، وتؤلف مشهداً تصويرياً يجمع بين سلسلة متنوّعة من البهائم، تصطفّ حول صيّاد يحتلّ وسط التأليف.

يتكوّن قصر الحلابات من مجموعة غرف وقاعات مستطيلة، تتوزع على جهات البناء الأربع. يزيّن هذا اللوح الاستثنائي أرض غرفة حملت رقم 11 في الدراسات التوثيقية الخاصة بهذا الموقع، ويتبع أسلوباً تقليدياً راج بشكل واسع في سائر أقاليم العالم المتوسّطي. يحضر المشهد التصويري داخل إطار مزدوج يتألّف من شريطين يتبنّى كلّ منهما طرازاً خاصاً. يشكّل الشريط الأول إطاراً خارجياً، وهو تجريدي هندسي، ويتألف من سلسلة من المربعات المائلة، تحضر وسط سلسلتين متواجهتين من المثلثات، صيغت بحلّة لونية ترابيّة، تناوب فيهما الأسوَد والبنّي. اتخذت المربعات المائلة حلّة مشابهة، وبدا كلّ منها على شكل مُعين أبيض يتوسّطه مُعين صغير صيغ بهذين اللونين. يشكّل الشريط الأول إطاراً داخلياً، وهو تصويري نباتي، ويتألف من أغصان حلزونية تتدلّى منها عناقيد العنب. تشكّل هذه الدوالي شريطاً زخرفياً متقناً، وتتبع في صياغتها اللونية حلّة مختزلة تقتصر كذلك على الألوان الترابية.

تستقرّ البهائم وسط هذا الإطار المزدوج، ويقف الصياد بينها في فضاء مجرّد، وفقاً للغة تشكيلية ملتبسة يصعب تحديدها في خانة ثابتة. ينفي المصور نقطة التقاء الصياد والحيوانات بالأرض التي يقفون عليها، معتمداً على مبدأ التنضيد. يغيب الشق الظاهر للبعد الأمامي فتتحرّر الكائنات من قوانين الجاذبية وتبدو في حركاتها المتعددة كأنها تحلّق في فضاء عمودي. يحافظ القسم الأكبر منها على صورته الطبيعية بثقلها الواقعي، لكن أحجامها تخرج عن المنطق الطبيعي. في القسم الأيسر من تأليف الصورة، يظهر أسد وأفعى ومعزاة. وفي القسم الأيمن، يظهر ثور وكبش وطيور من فصائل متعددة. وفي وسط الصورة، يحضر الصياد، وهو حافي القدمين، ويرتدي سروالاً يعلوه قميص ينسدل فوق ركبتيه. نراه رافعاً بيده اليسرى فوق ظهره عصا يتدلى منها أرنب اصطاده، قابضاً بيده اليمنى على حبل يلتف حول عنق نعامة كبيرة. تحيط بهذه الكائنات مجموعة من الشجيرات تختلف في الحجم والشكل، أبرزها شجرة تحتل وسط الجزء الأعلى من التأليف، تتميز بثمارها المتدلية من أغصانها.

في القسم الأعلى، يظهر الأسد في وضع جانبي، ويظهر الثور في وضعية مشابهة، وتفصل بينهما الشجرة المثمرة. يحني الليث رأسه في اتجاه الثور كأنه يستعدّ للانقضاض عليه، كاشفاً عن مخالب كبيرة تخرج من أطراف قوائمه الأربعة. يأخذ الثور طابعاً وحشياً، ويحضر في حركة موازية كأنه يستعدّ لمحاربة خصمه، كاشفاً عن قرنين طويلين يعلوان قمة رأسه. صُوّر وجه الأسد في وضعية المواجهة، وبدت ملامحه واضحة، وقوامها عينان ضخمتان جاحظتان، وأنف أفطس، وشدق عريض. في المقابل، صُوّر وجه الأسد في وضعية نصف جانبية، وتميّزت ملامح وجهه كذلك بطابع عدائي وحشيّ. تظهر الأفعى تحت قوائم الأسد، وتبدو كأنّها تنسلّ أفقياً في الفضاء، وسط ثلاث شجيرات ترتفع في الأفق. يربض الثور فوق شجرتين تماثلان في تكوينهما الشجرة الكبيرة، وتظهر في طرف التأليف ثلاثة طيور صوّرت في وضعية جانبية، منها طير يبدو من فصيلة الحجل.

في القسم الأوسط من التأليف، يحل الصياد وسط شجيرتين بسيطتين خلت أغصانهما من الثمار، وتحوط به نعامتان كبيرتين صوّرتا جانبياً كأنهما متواجهتان. تتميّز هذه النعامة بحجمها الضخم، والشائع أنها الكبيرة من الطير، وتشتهر بقوتها وسرعتها، وهي معروفة في بلاد العرب، كما يشهد قول أبي كثوة: «ولّى نعام بني صفوان زوزأة / لما رأى أسداً بالغاب قد وثبا». في القسم الأسفل، يحلّ الكبش تحت قدمي الصياد، ويظهر في وضعية جانبية شاخصاً في اتجاه معزاة كبيرة في وضعية مماثلة. ومن خلف هذا الكبش، نعامة أخرى تبدو أصغر حجماً.

يبدو هذا اللوح استثنائياً في الميراث الأموي، ويتميّز بحضور عنصر آدمي يتمثّل هنا بصياد يحمل طريدته وسط مجموعة متنوعة من الدواب والطيور. يشكّل هذا المشهد في الواقع امتداداً لتقليد فني ازدهر في الحقبة البيزنطية ازدهاراً كبيراً في الأردن، كما تشهد مجموعة هائلة من أرضيات كنائس تعود إلى تلك الحقبة. ويبدو أن هذا التقليد تواصل مسيحياً في هذه البقاع خلال الحقبة الأموية، وبلغ الحقبة العباسية، كما تؤكد الشواهد الأثرية التي تم الكشف عنها في العقود الماضية. تبنّى الأمويون هذا الفن وبرعوا به، وتجلّى هذا الإبداع في حلل أشهر مساجدهم وأكبرها، كما في أرضيات عمائرهم المدنية. أشار شهاب الدين العمري إلى هذا الفن في كتابه «مسالك الأبصار»، وكتب في وصفه: «والفسيفساء مصنوع من زجاج يُذهب ثم يطبق عليه زجاج رقيق، ومن هذا النوع المسحور، وأمّا الملوّن فمعجون وقد عمل منه في هذا الزمان شيء كثير برسم الجامع الأموي».

استعاد محمد كرد علي هذا النص في موسوعته «خطط الشام»، وكتب معلّقاً: «ووصف ابن فضل الله هذا يمكن أن يُستنتج منه أن الفسيفساء كانت تعمل في الشام، وأن هذه الصناعة اللطيفة وإن اختصّت بها القسطنطينية قد نُقلت إلى الشام وجود عملها». كما نقل العلّامة السوري عن ابن عساكر أبياتاً شعرية قيلت في وصف هذا الفن، ومنها:

إذا تفكرت في الفصوص وما

فيها تيقّنت حذق راصعها

أشجارها لا تزال مثمرة

لا تذهب الريح من مدافعها

كأنها من زمرد غُرست

في أرض تِبْرٍ تغشى بفاقعها

فيها ثمارٌ تَخَالُها يَنَعَتْ

وليس يُخشَى فسادُ يانِعِها


فوكوياما وتهافت «النهاية»

فوكوياما
فوكوياما
TT

فوكوياما وتهافت «النهاية»

فوكوياما
فوكوياما

تحمل صورة «الإنسان الأخير» التي رسمها فوكوياما تعميماً طبقياً حين صاغ فرانسيس فوكوياما أطروحة «نهاية التاريخ»، منح الديمقراطية الليبرالية منزلة المحطة الأخيرة في تطوّر أنظمة الحكم، ووضع في نهاية هذا المسار «الإنسان الأخير» الذي أشبع حاجاته المادية وظلّ أسير القلق على مكانته ومعنى وجوده، لتجتمع في الفكرة ثقة بانتصار النظام وشكوك في قدرة الإنسان على الرضا بالحياة التي يتيحها.

ومن هذا التوتر تكتسب مذكراته «في عالم الإنسان الأخير»، التي صدرت للتو، أهميتها، إذ تصل بين لحظة قدّم فيها الليبرالية بوصفها أفق البشرية النهائي، وأخرى يعود فيها إلى سيرته وسط صراع على شروط بقاء ذلك النظام، بعدما انتقل السؤال من فرص تعميم الديمقراطية إلى القوى التي تعمل على تفكيكها من داخل مؤسساتها، ومن وعد المستقبل المشترك إلى النزاع على الثروات والقدرة على تقرير المصير.

تتبع المذكرات تكوينه الفكري في محيط الفيلسوف ألان بلوم بجامعة كورنيل، والتحاقه بمؤسسة «راند» ودوائر السياسة الخارجية الأميركية، ولقاءاته مع شخصيات امتدت من معمر القذافي إلى النخب الصينية، فتمنح طروحاته سياقاً اجتماعياً ومهنياً يلحظ قرب إنتاج المعرفة من صناعة القرار في الولايات المتحدة. ويكتسب هذا المسار دلالته حين يقترن بتاريخ أسرته اليابانية الأميركية واعتقال أقارب له خلال الحرب العالمية الثانية، إذ تدخل التجربة الذاتية إلى قلب السؤال عن معنى الدولة التي تنظّر لحقوق الإنسان بينما تعيد ترتيب مواطنيها بحسب أصولهم ومنابتهم وفق الظرف السياسي.

يستعيد فوكوياما وصوله إلى كاليفورنيا عام 1978 للتدرّب في «راند»، حيث أعدّ دراسة عن علاقة العراق بالاتحاد السوفياتي، قبل أن يصبح العراق لاحقاً سبباً في قطيعته مع المحافظين الجدد. وهذا التجاور بين البدايات المهنية والمراجعات الفكرية اللاحقة يتيح قراءة سيرة مفكر تشكّلت أحكامه داخل المؤسسات، ثم دفعته نتائج السياسات التي ساندها عندئذ إلى إعادة فحص تصوّراته عن معنى القوة ونتائج التغيير، بما يجعل المذكرات مناسبة لمساءلة المسؤولية التي يتحمّلها الفكر حين يمنح المشاريع السياسية لغة الحتميّة التاريخية.

ويتصل تراجعه عن تأييد غزو العراق بمراجعته اقتصاد السوق المنفلت عقب أزمة 2008، فتلتقي حدود القوة العسكرية بحدود الثقة في التنظيم التلقائي للاقتصاد. وتتيح هذه المراجعات الفكريّة تحويل الاهتمام من افتراض سهولة انتشار النموذج الليبرالي إلى تعقيد الشروط التي تمنحه الاستقرار، وفي مقدمتها كفاءة الدولة ومحاسبة السلطة وتماسك المجتمع، وهي شروط تجعل الدفاع عن الديمقراطية مهمة مفتوحة على التعديل والجدل والتغيير.

وتتيح هذه المراجعات العودة إلى الأساس الفلسفي لأطروحة «نهاية التاريخ»، التي قدّمها فوكوياما في مقاله عام 1989 ووسّعها في كتابه عام 1992، مستنداً إلى قراءة هيغل عبر ألكسندر كوجيف، ورابطاً حركة التاريخ بالسعي إلى الاعتراف الذي رأى في المساواة القانونية والحكم برضا المحكومين استجابة له، فتتركّز المحاكمة النقدية على القفزة من جاذبية هذين المبدأين إلى اعتبار الديمقراطية الليبرالية صيغتهما المؤسسية المكتملة والنهائية.

لقد رفع فوكوياما أزمة النموذج السوفياتي وصعود الثقة بانتصار الغرب إلى منزلة تتيح الحكم على التاريخ بأسره، فتحوّلت الغلبة السياسية المرحليّة إلى برهان فلسفي، واكتسب المنتصر سلطة تعريف المستقبل وقياس المجتمعات بمقدار اقترابها منه. وتكمن مشكلة هكذا طرح في اختزال التجربة الإنسانية داخل معيار يستمد صورته من مجتمعات بعينها، ثم يرفع مؤسساتها إلى مرتبة الأفق العالمي، بينما تتشكّل الحرية الإنسانية عملياً من صراعات محلية على الأرض والعمل والتعليم والتمثيل، وتظلّ حصيلتها قابلة لإنتاج ترتيبات تتجاوز الأشكال التي استقرّت عليها الديمقراطيات الغربية بشكلها المعاصر. وتترتب على هذا التصوّر الفوكويامي القاصر تكلفة سياسية حين تعتبر مطالب التغيير الاقتصادي خروجاً عن العقلانية، ويصار إلى قصر الخلاف المشروع على إدارة النظام القائم، فتكتسب خيارات الخصخصة وتقليص الحماية الاجتماعية صفة الحقائق التقنية، بينما تُكنس الأسئلة المتعلقة بمن يستفيد ومن يدفع الثمن إلى هامش النقاش العام وخارج مجالات التأثير الانتخابي.

ويظهر التناقض الأشدّ عند فحص العلاقة بين المساواة السياسية وتراكم الملكية الخاصة، إذ يحصل المواطنون على أصوات متساوية في الاقتراع، فيما تتفاوت قدرتهم على تمويل الحملات وامتلاك وسائل الإعلام والتأثير في السرديات السائرة. وحين تستطيع الطبقة المتنفذة تحويل امتيازها الاقتصادي إلى واقع تشريعي، تصبح الإرادة العامة محكومة بميزان قوى يسبق الانتخابات ويرجّح كفّة مصالح بعينها في نتائجها.

ولذلك تحمل صورة «الإنسان الأخير» التي رسمها فوكوياما تعميماً طبقياً يستحق المساءلة، لأنها تتخيّل إنساناً أشبع حاجاته المادية ثم أصابه الضجر وفقدان الغاية، بينما ينشغل القطاع الأوسع من سكان المجتمعات الغنية بتكاليف السكن والعلاج والعمل المتقلّب. وتختلف أزمة العامل القلق على أجره عن أزمة المستهلك المرفه الباحث عن الإثارة حتى حين يلتقي الاثنان في التصويت الاحتجاجي، ولذلك يصبح ردّ الغضب الشعبي إلى الحاجة للاعتراف أقرب إلى تفسير جزئي يفتقد ربطاً موضوعياً بمواقع الناس داخل الاقتصاد وبقدرتهم على السيطرة على زمنهم وحياتهم.

يمنح فوكوياما هذا الجوع للاعتراف مكانة مركزية، مستعيداً مفهوم «الثيموس» بوصفه طلباً للكرامة والتقدير، كما وضع داخل تصوّره للإنسان الأخير احتمال التمرّد على الرضا المادي نفسه. وتكشف هذه الفكرة عن توتر آخر في بناء أطروحة «نهاية التاريخ»، إذ يحمل النظام المفترض اكتماله دوافع الاعتراض عليه في تكوين الإنسان الذي يسكنه، وتصبح النهاية عندئذ تسوية تحتاج إلى تجديد متتابع، بينما يستمر المجتمع في إنتاج تفاوتات تغذّي المطالبة بالمساواة أو الرغبة في التفوّق والسيطرة على الآخرين. وتستثمر الشعبوية هذا التوتر حين تمنح الإحباط الاجتماعي غلافاً قومياً وتختار لتوجيه الغضب عدواً قريباً، لتتحوّل مسائل مثل فقدان الوظيفة أو تراجع المكانة، أو تضخم الأسعار إلى رواية عن أمة تهددت عظمتها، والمهاجر أو الأقلية بوصفهما تفسيراً جاهزاً معلباً لتلك الخسارات.

على المستوى العالمي، تطرح التجربة الصينية، لا سيما في الفترة ما بعد تدبيج مقال الـ1989 سؤالاً عن اقتران التحديث الاقتصادي بالحريات السياسية، بعدما جمع مسارها بين الاندماج في الأسواق الدولية واستمرار سلطة الحزب الواحد، مقدّماً مادة لا يمكن تجاهلها لاختبار الصلة المفترضة بين الرأسمالية والديمقراطية. ويكفي هذا النموذج المغاير لإعادة فتح النقاش حول تعدّد الأشكال التي يستوعبها الاقتصاد الحديث، بغض النظر عن قيم الحقوق والمحاسبة والحريات الفردية وحدود مشاركة المواطنين في الحكم.

وتضيف أزمتا المناخ والتقنية المعاصرة أسئلة تتجاوز قضية ترتيب الانتخابات إلى تحديد أصحاب القرار الحقيقيين بشأن شروط الحياة والعمل، إذ تتوزّع تكاليف التحوّل البيئي ومكاسب الأتمتة وفق علاقات الملكية والقدرة على فرض الأولويات. فحين تمتلك شركات قليلة حق احتكار المرور إلى التواصل والمعرفة، يصبح المجال العام نفسه خاضعاً لقواعد تجارية خاصة، دون أن تمتد الرّقابة الشعبية إلى تلك البنية، ما يعزل الديمقراطية عن الاقتصاد والتقنية، ويحتجز إمكان تطورهما في اتجاه الاستجابة لمطالب نشأت من تطوّر المجتمع ذاته.

ربما يتبقى من فكرة «نهاية التاريخ والإنسان الأخير» قوة السؤال عن الاعتراف ورضا المحكومين، لكن ادعاء اكتمال التجربة الإنسانية حَوّلها عبئاً على فهم السياسة وإمكاناتها، لتصبح مذكرات فوكوياما شاهداً على ضرورة مراجعة الأحكام القاطعة التي نتجت تحت ضغط التجربة.

فالمستقبل الذي يستحق الدفاع عنه يتحدّد بقدرة البشر على تغيير الشروط التي تحكمهم، وبإمكان العامل والناخب والمهمّش المشاركة في صياغة المؤسسات وتوزيع الموارد، وعند هذا الحدّ تستعيد الديمقراطية معناها بوصفها صراعاً على توسيع نطاقات الحرية والمساواة، ويأخذ الإنسان مكانه فاعلاً جدلياً في تاريخ تتجدّد وجهاته مع كل مطالبة بحق، وكل محاولة لتنظيم الحياة المشتركة.