يحيى مختار: المنصات الغربية تقدم صورة مغلوطة للعرب عن الثقافة الصينية

أصغر مترجم يحصل على جائزة «الكتاب الخاص» من الصين

يحيى مختار
يحيى مختار
TT

يحيى مختار: المنصات الغربية تقدم صورة مغلوطة للعرب عن الثقافة الصينية

يحيى مختار
يحيى مختار

لم يكن غريباً أن ينال يحيى مختار مؤخراً جائزة «الكتاب الخاص» التي تُعد أرفع جائزة دولية تمنحها الحكومة الصينية للأجانب المتخصصين في مجال الترجمة على مستوى العالم، ليصبح أصغر الحاصلين عليها. ورغم حداثة سنه، فإن د. يحيى مختار تحوّل إلى أحد أهم الأسماء على الساحة الثقافية في مجال نقل الأدب والفكر على خريطة الثقافة الصينية المعاصرة إلى اللغة العربية، حيث تجاوز عدد أعماله في هذا السياق 35 عملاً.

حصل مختار على درجة الدكتوراه من جامعة بكين في «الأدب المقارن»، ومن أبرز ترجماته عن الصينية روايات «بكين - بكين»، «نهر الزمن»، «1942»، «بعد النهاية»، «طلاق على الطريقة الصينية»، «رحلة إلى الشمال»، كما ترجم في المجال غير الإبداعي «تأثير الثقافة الشرقية على النهضة الأوروبية في العصر الحديث»، «الموسوعة الإسلامية الصينية»، «علم الجمال الأيكولوجي في الصين - النشأة والحاضر»، «اقتصاديات دول ومناطق الحزام والطريق - دراسة مقارنة».

هنا حوار معه حول هذه الرحلة، ورؤيته للأدب العربي المترجم إلى الصينية:

> في البداية، ما أسباب ولعك باللغة الصينية كخيار دراسي حين كنت طالباً رغم الانطباع الشائع حول صعوبتها وغموضها؟

- موضوع دراستي للغة الصينية جاء بمحض الصدفة، حيث وجدت اسمي مدرجاً ضمن قائمة قسم اللغة الصينية في الجامعة، وبالطبع كنت سمعت كغيري عن صعوبة هذه اللغة، لذلك حاولت عدة مرات الالتحاق بقسم آخر لكن محاولاتي لم تفلح. اضطررت في النهاية إلى الاستمرار في دراستها، لكن بعد فترة من الوقت، وبمزيد من الجهد، أدركت أنها ليست بالصعوبة التي كنت أتخيلها، بل على العكس صرت مغرماً برموزها المعقدة وتفاصيلها الغريبة وغموضها، لذلك أقول دوماً إنني لم أختر اللغة الصينية، بل هي التي اختارتني.

> ما الذي أثار الرغبة فيك كي تصبح مترجماً محترفاً لاحقاً؟

- كنتُ مولعاً بالقراءة منذ صغري، وطالعت الكثير من أمهات الكتب العربية، وأيضاً الكثير من الأعمال العالمية المترجمة، ودائماً ما كنت أُقدِّر المترجمين الذين نقلوا هذه الأعمال من مختلف اللغات إلى اللغة العربية، وتجذب انتباهي دوماً أسماؤهم على أغلفة هذه الكتب، وكنت أتمنى أن أصبح واحداً منهم. زادت هذه الأمنية بعد دراستي للغة الصينية كواحدة من اللغات النادرة، خصوصاً بعد ما أدركته من وجود فجوة كبيرة في عملية الترجمة من الصينية إلى العربية، وأيضاً وجود الكثير من الأعمال الصينية القيمة التي لا تزال بعيدةً عن متناول القارئ العربي بسبب عائق اللغة، كل هذه عوامل أثارت رغبتي في العمل بمجال الترجمة.

> ما هي الرؤية التي تحكم خياراتك كمترجم، وعلى أساسها تقرر ترجمة هذا النص وتستبعد ذاك؟

- في الحقيقة، وعلى خلاف المعمول به في الكثير من اللغات الأخرى، فمساحة اختيارنا للأعمال التي نترجمها من الصينية إلى اللغة العربية محدودة للغاية بسبب الكثير من العوامل، أهمها عدم الانتشار الكافي للأدب الصيني مقارنة بالأدب اللاتيني أو الروسي مثلاً، أو حتى آداب شرق آسيا مثل الأدب الياباني والكوري. بالتالي لا يزال الإقبال عليه ضعيفاً من الناحية التجارية، الأمر الذي يجعلنا نعمل في معظم الأحيان وفق مشاريع لدعم الترجمة من جانب جهات صينية في الأغلب، بالتالي نكون مقيدين بالاختيار ضمن قوائم الكتب المدرجة ضمن هذه المشاريع.

> تجمع أعمالك المترجمة ما بين المضمون الفكري التاريخي من ناحية، والمضمون الأدبي من ناحية أخرى، إلى أي الناحيتين تميل وما الفارق بين الترجمة في الحالتين؟

- أميل بشكل أكبر إلى الأعمال ذات المضمون الأدبي، والفارق بينهما واضح للغاية، فالأعمال ذات الطابع الأدبي تحمل مضموناً إنسانياً مشتركاً، لذلك فهي عادة ذات طبيعة عامة سهلة التلقي عند القراء من ذوي الخلفيات والثقافات المختلفة. أما الأعمال ذات المنحى التاريخي فهي محملة بالأحداث الكبرى والفلسفات القديمة وغالباً ما تكون غارقة في المحلية، وهذا النوع من الأعمال إما أن يتسبب في عدم استيعاب القارئ لتفاصيله، وهذا عامل سلبي، أو يتسبب في أن يضطر المترجم إلى إضافة الكثير من الشروحات، وهو ما يتنافى مع طبيعة وروح الترجمة الأدبية.

> من الملاحظ أنك تميل في ترجماتك الأدبية إلى اختيار روايات قصيرة «نوفيلا»، ما السبب وراء ذلك؟

- بالفعل أفضل اختيار ترجمة الروايات القصيرة أو «النوفيلات»، أولاً لأنه يمكن اعتبارها وجبة دسمة ثقيلة، بالتالي فهي سهلة وسريعة الهضم. كما أن هناك نقطةً بالغة الأهمية تتعلق بطبيعة الكتابة والتعبير والفارق بينهما في اللغتين العربية والصينية، فالأعمال الأدبية الصينية غالباً ما يتضاعف حجمها بعد ترجمتها إلى العربية. ولو كان الأصل الصيني نصاً ضخماً، سيتسبب حجمه المتضاعف بعد الترجمة في عزوف القارئ العربي عن قراءته.

> تبدو حريصاً على التواصل المباشر مع المؤلفين الذين تترجم أعمالهم، لا سيما الأدباء منهم؟

- أعتقد أن الحرص على التواصل المباشر مع المؤلفين هو أحد العوامل المهمة التي تساعد على إخراج العمل المترجم في أفضل صورة ممكنة، فأحياناً قد يواجه المترجم بعض العوائق، أو تكون لديه استفسارات يحتاج إلى سؤال الكاتب عنها، وأحياناً قد يضطر المترجم إلى إجراء بعض التعديلات الطفيفة على النص بما في ذلك إضافة بعض الشروحات أو الحذف أو الإضافة بما يتوافق مع ذائقة القارئ العربي، وفي مثل هذه الحالات يتعين على المترجم أن يحصل على الإذن من الكاتب لإجراء هذه التعديلات.

> هل هناك طقوس معينة تلتزم بها أثناء عملية الترجمة؟

- قبل الشروع في الترجمة، أقوم بمطالعة كل ما يخص الكاتب، سواء سيرته الذاتية أو أسلوبه ومكانته وما إلى ذلك. بعد ذلك أقوم بقراءة العمل كاملاً قراءةً متأنيةً، كما أحاول قراءة ما كتبه النقاد عنه، وما هي آراء القراء حوله، وأيضاً أطالع بعض الدراسات التي أجريت عن هذا العمل. ومن ضمن الطقوس أيضاً هي أنني أجهز جميع أدواتي، سواء الكمبيوتر أو القواميس، وما إلى ذلك. أحب العمل في أجواء هادئة، وأحب أيضاً أن أعمل في الصباح الباكر على خلاف معظم المترجمين، كما أنني ألزم نفسي بخطة عمل يومية لا بد من إنهائها.

> ما الذي لا نعرفه عن المشهد الأدبي المعاصر في الصين ولمسته أنت بنفسك؟

- للأسف نحن لا نعرف الكثير عن الأدب الصيني بشكل عام، فهو أدب عريق كحال الأمة الصينية، ويعج بالروائع، ولو طلبت من مثقف مصري أو عربي أن يذكر لك عدداً من أسماء الروايات أو الأدباء الصينيين، فقد يفشل في ذلك. وبالنسبة للمشهد الإبداعي المعاصر، فهو يتسم بكثرة الأدباء وغزارة الإنتاج، خصوصاً من جيل الشباب. كما يتميز أيضاً بظهور ما بات يُعرف بأدب الإنترنت، وتحول عدد لا بأس به من الكتاب إلى الكتابة في إطار أدب الخيال العلمي الذي يلقى رواجاً كبيراً بين القراء في الصين، وأشهرهم الكاتب الصيني ليو تسيشين صاحب رواية «الأجسام الثلاثة» التي حققت شهرة عالمية كبيرة، وزادت من سرعة رواج هذا النوع من الروايات في الصين.

> كيف تقيّم مدى إلمامنا كعرب بالثقافة الصينية الحديثة وما يعتريها من غموض لدى كثيرين؟

- من وجهة نظري، لا يزال إلمامنا كعرب بالثقافة الصينية الحديثة محدوداً للغاية، أو مغلوطاً في معظم حالاته حيث إن معظمنا يلجأ إلى المنصات ووسائل التواصل الغربية إذا أراد الحصول على أي معلومات تخص الصين، سواء في الجانب الثقافي أو غيره. وغني عن الذكر أن معظم هذه المنصات الغربية تعمد إلى تشويه الكثير من الحقائق التي تتعلق بالصين بسبب قلق الغرب المتنامي من صعود الصين، وتبنيه لهذه الآيدولوجيا وسيلةً للصراع مع هذا البلد الآسيوي. لذلك إذا أردنا إزالة ما يعتري الغموض المتعلق بمعرفتنا بالصين وثقافتها، يجب علينا أن نتعرف عليها من مصدرها الأصلي ألا وهو الصين.

> في المقابل، ما مدى إلمام الصينيين بالأدب العربي المعاصر؟

- أعتقد أن الوضع متشابه على كلا الجانبين، فكما هي الحال بالنسبة لإلمام العرب بالأدب الصيني المعاصر، الأمر نفسه بالنسبة لإلمام الصينيين بالأدب العربي المعاصر. ويرجع ذلك إلى عدة أسباب، أهمها القصور الحادث في ترجمة الأدب العربي المعاصر إلى اللغة الصينية، واقتصار انتشاره على الأوساط الأكاديمية والدارسين. ولو حدث أن سألت مثقفاً صينياً عن مدى معرفته بالأدب العربي، فعلى الأغلب ستجد معلوماته قاصرة على بعض الكلاسيكيات القديمة مثل ألف ليلة وليلة، أو ما يخص نجيب محفوظ، والسبب في ذلك بالطبع هو حصوله على جائزة نوبل في الآداب.

> أخيراً، ألم تفكر في ترجمة نماذج من الأدب العربي إلى الصينية؟

- في الحقيقة هناك توافق في أوساط المترجمين عموماً، والمترجمين بين العربية والصينية خصوصاً، بأن الأفضل لعملية الترجمة هو أن يقوم المترجم بالنقل من اللغة الأجنبية إلى لغته الأم. ويعود هذا إلى طبيعة وخصوصية اللغتين العربية والصينية اللتين تعدان الأصعب على مستوى العالم بلا شك. ففي حالتي كمترجم عربي بين العربية والصينية، يعد الأنسب بالنسبة لي هو الترجمة من الصينية إلى العربية، خصوصاً لو تحدثنا عن المجال الأدبي. لذلك فعملي الأساسي هو ترجمة الأعمال الأدبية الصينية إلى العربية، أما ترجمة الأعمال الأدبية العربية إلى الصينية فيقوم بها المترجمون الصينيون من دارسي اللغة العربية.


مقالات ذات صلة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

ثقافة وفنون «ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج، 25 عاماً آنذاك،

جنيفر سلاي
ثقافة وفنون خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية

مجسّمات كلاسيكية أموية

دخلت الثقافة اليونانية إلى حواضر الشرق الأدنى من الباب الواسع خلال القرون التي تلت سيطرة الإسكندر الأكبر على هذه النواحي،

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون «أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

تسرد رواية «أهلاً أميركا»، الصادرة عن دار «العربي» بالقاهرة للكاتب الإسباني مارتن جيرونيل، ترجمة محمد أحمد حسين، السيرة الروائية لرجل الأعمال الكاتالوني سيفرينو

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟

لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟

في عالمٍ محكومٍ بالتواصل الدائم والمنبهات اللانهائية، يبدو الحديث عن «الملل» مفارقةً غريبةً. فكيف يمكن للإنسان المعاصر أن يشعر بالسأم

ندى حطيط
ثقافة وفنون «التجريدة»... تفكيك عقل السلطة

«التجريدة»... تفكيك عقل السلطة

تتخذ رواية «التجريدة: ثورة الصعيد المقدسة» للروائي المصري أحمد إبراهيم الشريف (منشورات الربيع - القاهرة) من حدث تاريخي مركزاً لها،

عمر شهريار

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة
TT

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج، 25 عاماً آنذاك، تقيم برفقة والدتها ووالدها وأختها. وسرعان ما شعرت لابارج ببطانية تُسحب فوق رأسها، وبمسدس يضغط على قاعدة جمجمتها. هنا، همس المقتحمون: «لا نريد أن نؤذيك، لكننا سنفعل». وبعد ثماني ساعات مرعبة، غادر الرجال.

وصفت صديقة والدتها ما حدث بـ«قصة مذهلة»، ملمحة إلى أن لابارج يجب أن تكتب عنها. أما لابارج نفسها، فلم تستسغ الفكرة مطلقاً، وقالت: «أتذكر أنني قلت في نفسي إن هذا جنون. مستحيل أن أكتب هذه القصة أبداً».

وبالفعل، لم تكتب «هذه القصة» بعد ـ أو ليس نفس القصة بالضبط. بدلاً من ذلك، كتبت «أيام الكلاب». كتاب غريب ومذهل، يبدأ بالحدث الذي سيُعرف لاحقاً بالكثير من الأسماء - «الحادثة»، «ذلك الكريسماس»، «اقتحام المنزل»، «ذلك الشيء المروع الذي حدث».

من جهتها، تبدي لابارج، وهي كاتبة مقالات وناقدة فنية، إدراكاً كبيراً تجاه كذبة «القصة الجيدة»، ويقصد بها النسخة التي «لا تبث في أي شخص شعور بالغ بعدم الارتياح، أو بالسوء، أو بالتواطؤ». وتكمن أحد الأشكال الشائعة، بشكل خاص، على هذا الصعيد في حبكة الصدمة، التي تختزل الشخصيات إلى قصة خلفية مبسطة - حياة كاملة تفسرها حادثة مرعبة.

من جهتها، تبدو لابارج حذرة إزاء مثل هذه الاختصارات والاختزالات. وأعربت عن رأيها بأن تسمية ما حدث بـ«الصدمة» سيكون بمثابة تلطيف مخل لحقيقة ما حدث، «لأنه يوحي بحدث منفرد ومغلق، في حين أن الواقع عكس ذلك تماماً، مهما حاولت احتواءه».

ومع ذلك، تحاول كبح جماح مشاعرها. عبر الثلث الأول من الكتاب، تبرز محاولاتها المتقطعة والمجزأة لوصف وإعادة وصف وقائع ما حدث. فقد سمعت أحد المتسللين يضحك بصوت عالٍ في أثناء مشاهدته فيلم «السيدة داوتفاير»، الكوميديا الخفيفة، التي كانت عائلتها تشاهدها عندما اقتحم الرجال المنزل.

في وقت لاحق، سمعت موسيقى كورالية من ألبوم «أغنس داي»، أحد الألبومات التي كانت تحتفظ بها عائلتها، تُعاد مراراً وتكراراً. غير أنها تدرك أن هذه التفاصيل «غريبة، تكاد تكون كوميدية، ساخرة، وليست تلك التي تُهدد الحياة، ولا تلك التي تُثير الخوف العميق».

وعليه، تشرع لابارج في تجريب أشكال أخرى، من بينها الشعر («أحدهم يُحطم كأساً/ أحدهم يُحطم/ أحدهم يُحطم»)، ونصٌّ يكاد يكون هزلياً («يقول أبي مازحاً إنه بخير، لكنه يرفض مشاهدة أي أفلام عن قصص رهائن مرة أخرى. هاهاها، مزحة»). وفي محاولة أخرى، تلجأ إلى استخدام كلمات بديلة لمعظم الكلمات.

تسعى لابارج أن تضع حدوداً لشيء لا حدود له، ومن المتعذر تعريفه. وخلال الأسابيع والأشهر، التي أعقبت الحادثة، كان أقرب ما يعبر عن خوفها الدفين، حلم راودها عن وجودها داخل غرفة قذرة تشبه الزنزانة، بينما كان الناس يطرقون الباب، ويضغطون بوجوههم على النافذة. وكتبت عن ذلك: «أستلقي على الأرض، وظهري إلى الحائط، حتى لا تراني الوجوه، وأجعل نفسي صغيرة الحجم، وأبدأ في العد». وأضافت: «شيء ساخن ومروع يزحف نحو فمي، فابتلعه».

في البداية، تكون صورها وانطباعاتها محصورة ومقيدة بطبيعتها. من الواضح أن الصدمة النفسية تعزلها؛ فهي تقطع صلتها بالآخرين وتدفعها نحو الانكفاء على نفسها، فتدور في حلقة مفرغة حول نفس الهواجس. غير أنه سرعان ما يبدأ الكتاب في التحرك نحو الخارج. وهنا، كتبت لابارج: «أقرأ وأقرأ وأقرأ لنفسي قصصاً لأعيش»، معدلةً عبارة جوان ديديون عن سرد القصص.

وتتيح لها قراءة أعمال كاتبات مثل جوي ويليامز ولوري مور، اللتين تلعبان على خطوط التناقضات والعبثية، الشعور بالتواصل والارتباط. وأخيراً، لم يعد وجودها يبدو محصوراً وضيقاً إلى هذا الحد؛ فهو يتردد صداه مع «خيوط وحياة وروايات أخرى يتعذر استيعابها، حقيقية وغير حقيقية». ولا يقتصر الأمر على مجرد شخصيات هؤلاء الكتاب أو حبكاتهم؛ بل نبض لغتهم، وإيقاعات الصوت المفاجئة، وروح الدعابة الماكرة. في مجملها، تخلق قصصهم «احتمالات لم تخلق بعد».

من جهته، يتبنى كتاب «أيام الكلاب» هذا النهج الشامل، الذي يمزج السيرة الذاتية بالنقد، والتحليل النفسي بالشعر، والخيال وحتى فيزياء الكم. ويأتي هذا بمثابة شهادة على مواهب لابارج باعتبارها كاتبة قادرة على جعل حتى الأفكار الأشد تعقيداً ومجازية تبدو ملحّة ومفعمة بالحياة. وتبدو اهتماماتها وذوقها أكثر شراهة وجذباً: سواء عند التفكير في لوحة جوان ميتشيل، أو فيلم عيد الميلاد «إنها حياة رائعة»، أو الفانتازيا الكابوسية لفيلم ديفيد لينش «مولوهولاند درايف». وعبر صفحات الكتاب، تكتب لابارج بدقة وفضول وجدية.

ونلاحظ أن «الصدمة مشكلة سردية»، عبارة تتكرر في مواضع مختلفة من الكتاب. الصدمة «تتركز أولاً وقبل كل شيء في عدم اليقين»، حسبما كتبت لابارج. الصدمة تتحدى الرغبة في تحديد السببية، وتُشوّه إحساس المرء بالزمن، فتسرّعه وتبطئه. يمكن للأحلام أن تلتقط هذا الاضطراب؛ والحكايات الخرافية كذلك، فهي «عالم من الحلم أكثر من كونه ميداناً للفعل».

من منظور لابارج، توفِّر اللغة القيد ونافذة الإمكان معاً. في اقتباس تمهيدي، تدرج سطراً من الناقدة فيفيان غورنيك: «الخدعة، كما رأت، كانت أن تولي اهتماماً صارماً لتجربتك الفعلية، ثم تجد طريقة تجعل الكتابة تستوعبها». وفيما بعد، تقتبس لابارج مقولة صمويل بيكيت حول إن مهمة الفنان «إيجاد شكل يستوعب الفوضى».

ويتتبع «أيام الكلاب» اكتشاف لابارج للشكل الذي يمكن أن يتخذه هذا الاستيعاب. فهو يبدأ بعنف انتظار الموت وحيدة، وغطاء محبوك فوق رأسها، وينتهي بالتزام بالانخراط في العالم. وهنا، كتبت: «ما يحدث لك يحدث لي يحدث للجميع وكل شيء»؛ بمعنى أننا جميعاً نشارك حقيقة موتنا. وتروي لابارج كيف أن الشاعر والمؤدّي أنتونين أرتو ألقى محاضرته في السوربون عن «المسرح والطاعون»، وهو يتدحرج على الأرض، يصرخ ويلتفّ ويلتقط أنفاسه. وشرح لاحقاً أنه أراد لجمهوره أن يشعروا بالرعب ويفيقوا، لأنهم «لا يستوعبون أنهم موتى».

غير أن هذه التعاسة لم تكن مرادفاً لليأس؛ ففي مواجهة أرتو مع الفناء، تجد لابارج فسحة من الأمل: «قرأت هذه الرغبة في إظهار الجمهور كأنهم موتى، باعتباره دعوة ليحيوا».

* خدمة «نيويورك تايمز»

تروي المؤلفة في كتابها البارع «أيام الكلاب» مواجهة حقيقية مع الموت من دون اللجوء إلى أسلوب «حبكة الصدمة»

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج،


مجسّمات كلاسيكية أموية

خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
TT

مجسّمات كلاسيكية أموية

خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية

دخلت الثقافة اليونانية إلى حواضر الشرق الأدنى من الباب الواسع خلال القرون التي تلت سيطرة الإسكندر الأكبر على هذه النواحي، وانعكس أثر هذا الدخول سريعاً على النتاج الفني بمكوّناته المتعدّدة. ازدهر النحت الكلاسيكي في هذا السياق ازدهاراً كبيراً، وشاع في هذه البقاع، وطبع جزءاً كبيراً من النتاج المحلّي بطرز جماليّته الخاصة. تواصلت هذه الحركة الفنية في الحقبة التي شهدت سيطرة روما على الشرق الأدنى، وتجلّت في ميادين متعدّدة خلال القرون الميلادية الأولى. فقد النحت الكلاسيكي توهّجه الكبير خلال الحقبة البيزنطية، غير أنه حافظ على حضوره في الشرق الأدنى، كما في سائر العالم المتوسطي. استمرّ هذا الحضور في زمن الدولة الأموية، إذ ارتبط بشكل وثيق بالحركة العمرانية المدنية، كما تشهد عديد من المجسمّات خرجت من القصور التي شيّدها أسياد هذه الدولة في صحاري بلاد الشام، منها مجموعة من المنحوتات الآدمية، دخلت متحف دمشق الوطني في منتصف القرن الماضي، ومصدرها قصر الحير الغربي في البادية السورية.

تتمثّل هذه المجموعة بقطع من الحجم الصغير، وصلت كلّها بشكل مجتزأ للأسف، والأكيد أنّها شكّلت في الأساس جزءاً من الحلل النحتية الخاصة بأروقة القصر الداخلية، غير أن تحديد موقعها الأصلي في هذه الأروقة بشكل دقيق يبدو اليوم أشبه بلغز يصعب حلّه، كما يُجمع أهل الاختصاص الذين انكبّوا على دراستها، منذ اكتشافها في السنوات الأخيرة من ثلاثينات القرن الماضي. يتجلّى الطابع الكلاسيكي بشكل لا لبس فيه في قطعة من هذه القطع، يبلغ طولها 26 سنتيمتراً، وعرضها 21 سنتيمتراً، وتمثّل النصف الأعلى من قامة رجل شاب، سقطت منها الذراع اليمنى، ويد الذراع اليسرى. حافظ الرأس على بنيته بشكل كامل، وملامحه الناتئة واضحة، وتحاكي المثال الواقعي الحسّي، وفقاً للناموس الفني الذي شكّل أساساً للجمالية الكلاسيكية. يظهر هذا النسق في تجسيم العينين والحاجبين اللذين يعلوانهما، كما في تجسيم بنية الأنف الهرمية، وتحديد المنخرين. الفم مطبق، مع شق يفضل بين الشفتين، والأذنان ظاهرتان، وهما من الحجم الكبير. الخدان مكتنزان، والذقن بيضاوية وعريضة، وفقاً للنموذج المثالي المكرّس.

يكلّل الرأس شعر طويل أملس، ينقسم إلى مساحتين متساويتين يفصل بينهما فرق وسطيّ. ينسدل هذا الشعر إلى الوراء من خلف الأذنين، ويأخذ شكل هالة نصفية تُبرز الوجه. تتّحد هذه الكتلة البيضاوية بكتلة العنق، وتستقر فوق كتفين عريضتين. اللباس روماني تقليدي، ويتكوّن من رداء تحدّه بطانة عريضة تنعقد حول أسفل العنق، يعلوه معطف عريض، يأخذ شكل عباءة تلتف ثناياها حول الصدر والذراعين، مع حزام في الوسط، بقي منه طرفه الأعلى. ترتفع الذراع اليسرى نحو الأحلى، وتوحي بحركة يصعب تحديدها، بسبب سقوط يدها وضياعها.

يحضر هذا النسق الفنّي في قطعة أخرى مشابهة، يبلغ طولها 25 سنتيمتراً، وعرضها 15 سنتيمتراً، وتمثّل رجلاً ملتحياً، يرفع ذراعيه في اتجاه أعلى الصدر، في حركة يصعب كذلك تحديد هويّتها. الشعر كثيف، وخصله هنا ناتئة ومتموّجة، تحيط بالوجه وتحجب الأذنين كلّياً. اللحية عريضة، وتتكوّن من خصل أفقية متوازية، يعلوها شانب عريض وطويل، يبلغ حدّاه طرفي الذقن. العينان مفتوحتان، وتتميّزان ببؤبؤ يرتسم في وسط كلّ منهما على شكل ثقب دائري غائر. يتكرّر اللباس الروماني التقليدي، وتوشّحه ثنايا تلتفّ حول الكتفين على شكل وشاح، وتنسكب على أعلى الذراعين، كما على مساحة الصدر.

تتجلّى الحركة الحية في قطعتين تتشابهان من حيث الوضعيّة، وتمثّلان شاباً أمرد تبدو ملامحه واحدة. يبلغ طول القطعة الكبرى 22 سنتيمتراً، وعرضها 21 سنتيمتراً، وفيها يظهر هذا الفتي رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه الصدر، قابضاً بيده على رزمة من القضبان المرصوصة كأعواد. تلتفّ ثنايا الرداء حول الكتف وأعلى الذراع، وتنسدل على الصدر، وتظهر في أعلاها بطانة عريضة تنعقد حول العنق. الوجه غض وممتلئ، وملامحه محددة برهافة. تنفتح العينان تحت حاجبيهما. ويكشف الثغر الصغير عن ابتسامة خفيّة ترتسم على شفتيه. تحضر الاذنان الواسعتان، ويظهر صيوان كلّ منهما بدقة. تعلو الرأس كتلة من الشعر، تأخذ هنا خصلاتها المتموّجة شكلاً لولبياً.

يبلغ طول القطعة المشابهة 16 سنتيمتراً، وعرضها 28 سنتيمتراً، وفيها يحني هذا الفتى رأسه في وضعيّة مماثلة، رافعاً ذراعه اليمنى نحو أعلى هامته، قابضاً بيده على كتلة دائرية يصعب تحديد هويّتها. تتغيّر حركة خصل الشعر التي تكلّل الرأس، وتأخذ شكل مساحات مستطيلة، مرصوصة ومتوازية. سقط الجزء الأسفل من هذا المجسّم، وما بقي من صدره يكشف عن رداء تعلوه ثنايا تلتفّ حول الكتفين، كاشفة عن حركة حيّة تخرج عن القوالب الساكنة، وفقاً للنسق الذي تميّزت به الجمالية الكلاسيكية اليونانية، ووارثتها الرومانية.

إلى جانب هذه القطع الأربع، تحضر قطعة خامسة، يبلغ طولها 23 سنتيمتراً، وعرضها 22 سنتيمتراً. يغلب على هذا المجسّم الطابع الأنثوي، ويمثّل قامة ترفع رأسها نحو الأعلى، وتحنيه نحو الخلف، وكأنّها تتمايل في حركة راقصة. الوجه مهشّم، وما بقي من ملامحه يكشف عن عينين منسدلتين في نشوة غامضة. الشعر طويل، وخصله ممدودة نحو الخلف، وفقاً لطراز مألوف، يعود إلى الحقبة اليونانية الكلاسيكية. الذراعان ممدودتان إلى الخلف في حركة حيّة منفلتة، ويعلوها رداء تلتف ثناياه من حولها وتتموّج في حركة موازية.


«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة
TT

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

تسرد رواية «أهلاً أميركا»، الصادرة عن دار «العربي» بالقاهرة للكاتب الإسباني مارتن جيرونيل، ترجمة محمد أحمد حسين، السيرة الروائية لرجل الأعمال الكاتالوني سيفرينو كاريون الذي غادر إسبانيا بعد الحرب الأهلية هناك بحثاً عن حياة جديدة ليكتسب شهرة واسعة في الولايات المتحدة الأميركية بعد استقراره بها، في تجربة هجرة مزجت بين إرادة النجاح وألم الاغتراب والوحدة وقسوة البدايات.

هرب «سيفرينو» من واقع الفقر والقمع ليخوض رحلة محفوفة بالمخاطر من برشلونة إلى أميركا، وهناك استطاع أن يصنع لنفسه مستقبلاً غير متوقع، حيث عمل في البداية في مهن متواضعة قبل أن يدخل عالم المطاعم الراقية ويصبح صديقاً لنجوم هوليوود مثل «جيمس دين» و«مارلين مونرو»، غير أنه لم يكتفِ بذلك، بل أسس مطعمه الخاص في منطقة «بيفرلي هيلز» الراقية والذي تحوَّل لأيقونة ثقافية يقصده المشاهير والسياسيون.

ورغم ذلك، لا يمكن اختزال العمل في كونه مجرد حكاية صعود فردي، بل شهادة على روح المغامرة والإصرار وكيف يمكن للحلم أن يتحدى قسوة الواقع من خلال أسلوب مشوِّق وسرد متصاعد لقصة حقيقية عن شجاعة رجل أعاد اختراع نفسه وترك بصمة لا تُنسى في عالم المطاعم.

وُلد مؤلف العمل مارتي جيرونيل عام 1971 بإقليم كاتالونيا الإسباني ويعد من أكثر الروائيين الكاتالونيين انتشاراً في العقدين الأخيرين، حيث اشتُهر بكتاباته التاريخية التي تمزج بين الدقة التوثيقية والسرد المشوق والتي يحيي من خلالها شخصيات وأحداث منسية ليقدمها في قالب روائي يلامس القارئ المعاصر.

عمل جيرونيل في بداياته صحافياً ومقدماً للتقارير التلفزيونية قبل أن يتفرغ تدريجياً للأدب، فحقَّق شهرة واسعة منذ صدور روايته الأولى «قنطرة الأب فسينت» التي لاقت رواجاً كبيراً، بينما حازت «أهلا أميركا» على جائزة «رامون لول» لعام 2018 وهي إحدى أرفع الجوائز الأدبية في كاتالونيا.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في صباح ذلك اليوم من يوليو (تموز) عام 1949 شعر سيفرينو كاريون بالصدمة وهو يرى المدينة العملاقة تنبثق مباشرة من المياه، كان في ذلك المشهد المتعاظم الذي يخيل للناظر أنه لوحة سينمائية مزيج من سحر يأسر الألباب ووحشية جامحة فلم تكن السفينة هي التي تقترب بل نيويورك هي التي كانت تبتلعه.

لم يكن نور النهار قد انبلج بعد إلا والفتى قد ولج إلى أحشاء المدينة وقد تضاءلت نفسه أمام جبروتها وعظمتها، أغرقته أيضاً أمواج السيارات والبشر المتدافعة في ذلك الشارع الفسيح الذي كان آخر ما علق بذهنه من وصايا (جو) حتى لا يضل الطريق. سرت القشعريرة في أوصاله من مفرق رأسه حتى أخمص قدميه وغشاه عرق بارد كالثلج، ذاك العبور من مخبئه الخانق في جوف السفينة (ليبرتيه) إلى ترحيب تمثال الحرية الذي خلّف في روحه صقيعاً من غربة موحشة، صقيعاً عنيداً لم يُظهر أي عجلة في الرحيل ورغم كل شيء فقد ملأ الإيمان قلبه بأن طائر السعد سيعود ليحط على كتفه حالما يعثر على موقف الحافلة الأولى من أربع حافلات كان عليه أن يتنقل بينها ليصل إلى حي برونكس.

قبض على حقيبته الصغيرة وكأنها تميمة تحميه، يتأمل فاغر الفم تلك النواطح السحابية المعدنية بجدرانها اللامتناهية المرصعة بآلاف النوافذ الموصدة ومهما أمعن النظر لم يكن بوسعه أن يلمح سطحاً واحداً، الأمر الذي بث في نفسه شعوراً خانقاً أشبه برهاب الأماكن المغلقة. كل ما حوله كان زوايا قائمة وهياكل عملاقة بدت معها المدينة كغلام مراهق غير متناسق الأطراف لم يكتمل نموه بعد.

أما سيفرينو، الذي لم يجرؤ حتى على أن يأخذ نفساً عميقاً، فقد تشبث بالشيء الوحيد الذي يربطه بذاته، فلم يرفع عينيه عن قصاصة الورق التي تحمل عنوان عمه رامون ابن عم أبيه العنوان الذي كان يحفظه عن ظهر قلب: آرثر أفينيو رقم 2309».