يحيى مختار: المنصات الغربية تقدم صورة مغلوطة للعرب عن الثقافة الصينية

أصغر مترجم يحصل على جائزة «الكتاب الخاص» من الصين

يحيى مختار
يحيى مختار
TT

يحيى مختار: المنصات الغربية تقدم صورة مغلوطة للعرب عن الثقافة الصينية

يحيى مختار
يحيى مختار

لم يكن غريباً أن ينال يحيى مختار مؤخراً جائزة «الكتاب الخاص» التي تُعد أرفع جائزة دولية تمنحها الحكومة الصينية للأجانب المتخصصين في مجال الترجمة على مستوى العالم، ليصبح أصغر الحاصلين عليها. ورغم حداثة سنه، فإن د. يحيى مختار تحوّل إلى أحد أهم الأسماء على الساحة الثقافية في مجال نقل الأدب والفكر على خريطة الثقافة الصينية المعاصرة إلى اللغة العربية، حيث تجاوز عدد أعماله في هذا السياق 35 عملاً.

حصل مختار على درجة الدكتوراه من جامعة بكين في «الأدب المقارن»، ومن أبرز ترجماته عن الصينية روايات «بكين - بكين»، «نهر الزمن»، «1942»، «بعد النهاية»، «طلاق على الطريقة الصينية»، «رحلة إلى الشمال»، كما ترجم في المجال غير الإبداعي «تأثير الثقافة الشرقية على النهضة الأوروبية في العصر الحديث»، «الموسوعة الإسلامية الصينية»، «علم الجمال الأيكولوجي في الصين - النشأة والحاضر»، «اقتصاديات دول ومناطق الحزام والطريق - دراسة مقارنة».

هنا حوار معه حول هذه الرحلة، ورؤيته للأدب العربي المترجم إلى الصينية:

> في البداية، ما أسباب ولعك باللغة الصينية كخيار دراسي حين كنت طالباً رغم الانطباع الشائع حول صعوبتها وغموضها؟

- موضوع دراستي للغة الصينية جاء بمحض الصدفة، حيث وجدت اسمي مدرجاً ضمن قائمة قسم اللغة الصينية في الجامعة، وبالطبع كنت سمعت كغيري عن صعوبة هذه اللغة، لذلك حاولت عدة مرات الالتحاق بقسم آخر لكن محاولاتي لم تفلح. اضطررت في النهاية إلى الاستمرار في دراستها، لكن بعد فترة من الوقت، وبمزيد من الجهد، أدركت أنها ليست بالصعوبة التي كنت أتخيلها، بل على العكس صرت مغرماً برموزها المعقدة وتفاصيلها الغريبة وغموضها، لذلك أقول دوماً إنني لم أختر اللغة الصينية، بل هي التي اختارتني.

> ما الذي أثار الرغبة فيك كي تصبح مترجماً محترفاً لاحقاً؟

- كنتُ مولعاً بالقراءة منذ صغري، وطالعت الكثير من أمهات الكتب العربية، وأيضاً الكثير من الأعمال العالمية المترجمة، ودائماً ما كنت أُقدِّر المترجمين الذين نقلوا هذه الأعمال من مختلف اللغات إلى اللغة العربية، وتجذب انتباهي دوماً أسماؤهم على أغلفة هذه الكتب، وكنت أتمنى أن أصبح واحداً منهم. زادت هذه الأمنية بعد دراستي للغة الصينية كواحدة من اللغات النادرة، خصوصاً بعد ما أدركته من وجود فجوة كبيرة في عملية الترجمة من الصينية إلى العربية، وأيضاً وجود الكثير من الأعمال الصينية القيمة التي لا تزال بعيدةً عن متناول القارئ العربي بسبب عائق اللغة، كل هذه عوامل أثارت رغبتي في العمل بمجال الترجمة.

> ما هي الرؤية التي تحكم خياراتك كمترجم، وعلى أساسها تقرر ترجمة هذا النص وتستبعد ذاك؟

- في الحقيقة، وعلى خلاف المعمول به في الكثير من اللغات الأخرى، فمساحة اختيارنا للأعمال التي نترجمها من الصينية إلى اللغة العربية محدودة للغاية بسبب الكثير من العوامل، أهمها عدم الانتشار الكافي للأدب الصيني مقارنة بالأدب اللاتيني أو الروسي مثلاً، أو حتى آداب شرق آسيا مثل الأدب الياباني والكوري. بالتالي لا يزال الإقبال عليه ضعيفاً من الناحية التجارية، الأمر الذي يجعلنا نعمل في معظم الأحيان وفق مشاريع لدعم الترجمة من جانب جهات صينية في الأغلب، بالتالي نكون مقيدين بالاختيار ضمن قوائم الكتب المدرجة ضمن هذه المشاريع.

> تجمع أعمالك المترجمة ما بين المضمون الفكري التاريخي من ناحية، والمضمون الأدبي من ناحية أخرى، إلى أي الناحيتين تميل وما الفارق بين الترجمة في الحالتين؟

- أميل بشكل أكبر إلى الأعمال ذات المضمون الأدبي، والفارق بينهما واضح للغاية، فالأعمال ذات الطابع الأدبي تحمل مضموناً إنسانياً مشتركاً، لذلك فهي عادة ذات طبيعة عامة سهلة التلقي عند القراء من ذوي الخلفيات والثقافات المختلفة. أما الأعمال ذات المنحى التاريخي فهي محملة بالأحداث الكبرى والفلسفات القديمة وغالباً ما تكون غارقة في المحلية، وهذا النوع من الأعمال إما أن يتسبب في عدم استيعاب القارئ لتفاصيله، وهذا عامل سلبي، أو يتسبب في أن يضطر المترجم إلى إضافة الكثير من الشروحات، وهو ما يتنافى مع طبيعة وروح الترجمة الأدبية.

> من الملاحظ أنك تميل في ترجماتك الأدبية إلى اختيار روايات قصيرة «نوفيلا»، ما السبب وراء ذلك؟

- بالفعل أفضل اختيار ترجمة الروايات القصيرة أو «النوفيلات»، أولاً لأنه يمكن اعتبارها وجبة دسمة ثقيلة، بالتالي فهي سهلة وسريعة الهضم. كما أن هناك نقطةً بالغة الأهمية تتعلق بطبيعة الكتابة والتعبير والفارق بينهما في اللغتين العربية والصينية، فالأعمال الأدبية الصينية غالباً ما يتضاعف حجمها بعد ترجمتها إلى العربية. ولو كان الأصل الصيني نصاً ضخماً، سيتسبب حجمه المتضاعف بعد الترجمة في عزوف القارئ العربي عن قراءته.

> تبدو حريصاً على التواصل المباشر مع المؤلفين الذين تترجم أعمالهم، لا سيما الأدباء منهم؟

- أعتقد أن الحرص على التواصل المباشر مع المؤلفين هو أحد العوامل المهمة التي تساعد على إخراج العمل المترجم في أفضل صورة ممكنة، فأحياناً قد يواجه المترجم بعض العوائق، أو تكون لديه استفسارات يحتاج إلى سؤال الكاتب عنها، وأحياناً قد يضطر المترجم إلى إجراء بعض التعديلات الطفيفة على النص بما في ذلك إضافة بعض الشروحات أو الحذف أو الإضافة بما يتوافق مع ذائقة القارئ العربي، وفي مثل هذه الحالات يتعين على المترجم أن يحصل على الإذن من الكاتب لإجراء هذه التعديلات.

> هل هناك طقوس معينة تلتزم بها أثناء عملية الترجمة؟

- قبل الشروع في الترجمة، أقوم بمطالعة كل ما يخص الكاتب، سواء سيرته الذاتية أو أسلوبه ومكانته وما إلى ذلك. بعد ذلك أقوم بقراءة العمل كاملاً قراءةً متأنيةً، كما أحاول قراءة ما كتبه النقاد عنه، وما هي آراء القراء حوله، وأيضاً أطالع بعض الدراسات التي أجريت عن هذا العمل. ومن ضمن الطقوس أيضاً هي أنني أجهز جميع أدواتي، سواء الكمبيوتر أو القواميس، وما إلى ذلك. أحب العمل في أجواء هادئة، وأحب أيضاً أن أعمل في الصباح الباكر على خلاف معظم المترجمين، كما أنني ألزم نفسي بخطة عمل يومية لا بد من إنهائها.

> ما الذي لا نعرفه عن المشهد الأدبي المعاصر في الصين ولمسته أنت بنفسك؟

- للأسف نحن لا نعرف الكثير عن الأدب الصيني بشكل عام، فهو أدب عريق كحال الأمة الصينية، ويعج بالروائع، ولو طلبت من مثقف مصري أو عربي أن يذكر لك عدداً من أسماء الروايات أو الأدباء الصينيين، فقد يفشل في ذلك. وبالنسبة للمشهد الإبداعي المعاصر، فهو يتسم بكثرة الأدباء وغزارة الإنتاج، خصوصاً من جيل الشباب. كما يتميز أيضاً بظهور ما بات يُعرف بأدب الإنترنت، وتحول عدد لا بأس به من الكتاب إلى الكتابة في إطار أدب الخيال العلمي الذي يلقى رواجاً كبيراً بين القراء في الصين، وأشهرهم الكاتب الصيني ليو تسيشين صاحب رواية «الأجسام الثلاثة» التي حققت شهرة عالمية كبيرة، وزادت من سرعة رواج هذا النوع من الروايات في الصين.

> كيف تقيّم مدى إلمامنا كعرب بالثقافة الصينية الحديثة وما يعتريها من غموض لدى كثيرين؟

- من وجهة نظري، لا يزال إلمامنا كعرب بالثقافة الصينية الحديثة محدوداً للغاية، أو مغلوطاً في معظم حالاته حيث إن معظمنا يلجأ إلى المنصات ووسائل التواصل الغربية إذا أراد الحصول على أي معلومات تخص الصين، سواء في الجانب الثقافي أو غيره. وغني عن الذكر أن معظم هذه المنصات الغربية تعمد إلى تشويه الكثير من الحقائق التي تتعلق بالصين بسبب قلق الغرب المتنامي من صعود الصين، وتبنيه لهذه الآيدولوجيا وسيلةً للصراع مع هذا البلد الآسيوي. لذلك إذا أردنا إزالة ما يعتري الغموض المتعلق بمعرفتنا بالصين وثقافتها، يجب علينا أن نتعرف عليها من مصدرها الأصلي ألا وهو الصين.

> في المقابل، ما مدى إلمام الصينيين بالأدب العربي المعاصر؟

- أعتقد أن الوضع متشابه على كلا الجانبين، فكما هي الحال بالنسبة لإلمام العرب بالأدب الصيني المعاصر، الأمر نفسه بالنسبة لإلمام الصينيين بالأدب العربي المعاصر. ويرجع ذلك إلى عدة أسباب، أهمها القصور الحادث في ترجمة الأدب العربي المعاصر إلى اللغة الصينية، واقتصار انتشاره على الأوساط الأكاديمية والدارسين. ولو حدث أن سألت مثقفاً صينياً عن مدى معرفته بالأدب العربي، فعلى الأغلب ستجد معلوماته قاصرة على بعض الكلاسيكيات القديمة مثل ألف ليلة وليلة، أو ما يخص نجيب محفوظ، والسبب في ذلك بالطبع هو حصوله على جائزة نوبل في الآداب.

> أخيراً، ألم تفكر في ترجمة نماذج من الأدب العربي إلى الصينية؟

- في الحقيقة هناك توافق في أوساط المترجمين عموماً، والمترجمين بين العربية والصينية خصوصاً، بأن الأفضل لعملية الترجمة هو أن يقوم المترجم بالنقل من اللغة الأجنبية إلى لغته الأم. ويعود هذا إلى طبيعة وخصوصية اللغتين العربية والصينية اللتين تعدان الأصعب على مستوى العالم بلا شك. ففي حالتي كمترجم عربي بين العربية والصينية، يعد الأنسب بالنسبة لي هو الترجمة من الصينية إلى العربية، خصوصاً لو تحدثنا عن المجال الأدبي. لذلك فعملي الأساسي هو ترجمة الأعمال الأدبية الصينية إلى العربية، أما ترجمة الأعمال الأدبية العربية إلى الصينية فيقوم بها المترجمون الصينيون من دارسي اللغة العربية.


مقالات ذات صلة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

كتب زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها.

ندى حطيط
كتب حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954»

رشا أحمد (القاهرة)
كتب صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار

يصدّر الكاتب المصري محمد جاد أحدث أعماله الروائية، الذي يحمل عنواناً لافتاً هو «صمت صاخب»، بعبارة ذات دلالة مهمة في الكشف عن رؤية العمل

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون محمد علي شمس الدين

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب

شوقي بزيع
ثقافة وفنون مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن

محمود الزيباوي

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.


رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية
TT

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي، التي أنجزها المترجم الفرنسي الدكتور لوك باربلسكو/Loic Barbulsco بعنوان «الرواية المستحيلة للفاضل السيد ك» (L’Impossible roman de l’honorable monsieur K).

صدرت رواية «الثوب» بطبعتها العربية عن «دار المدى» عام 2009.

وتعتمد الرواية تكنيك «التخييل الذاتي»، حيث يحضر الكاتب في أعماله الروائية باسمه الصريح وبسيرته الذاتية الحقيقية، مع عائلته وأصدقائه ومكان عمله، وحيثيات عيشه.

تتناول الرواية الجديدة التجربة التي عايشها المؤلف في كتابة السيرة الذاتية لأحد الأغنياء، وكيف تنكشف التجربة على فكرة تسليع الأدب وبيع جهد الكاتب للمليونير المشتري، وبروز سؤال الرواية الأهم: هل يمكن للمال شراء الإبداع الإنساني؟

الاتفاق الذي يُعقد بين الكاتب والمليونير يأتي عبر المرور على السيرة الذاتية الحقيقية للرفاعي، بموقفه من الاتفاق، وموقف المحيطين به من أفراد أسرته بأسمائهم الحقيقية، وكذلك موقف الروائي الراحل إسماعيل فهد إسماعيل، والمحامي الراحل محمد مساعد الصالح وغيرهما. ويكتب المؤلف أحداث الرواية بوصفه إحدى شخصياتها الروائية إلى جانب كونه المؤلف، وبما يقدّم مستوى ثانياً للنص، كون حبكة الرواية تقوم على كتابة الرواية داخل الرواية، وبذلك يكون القارئ شريكاً حاضراً في النص، وهو النهج نفسه الذي اتبعه الرفاعي في أعماله منذ صدور روايته الأولى «ظل الشمس» عام 1998، و«سمر كلمات»، و«الثوب»، و«في الهُنا»، ومجموعته القصصية «الدكتور نازل».

وسبق للدار نفسها «أكت سود» أن نشرت ترجمات لروايات الرفاعي، منها رواية «في الهُنا»، و«ظل الشمس»، و«النجدي»، و«حابي»، و«خطف الحبيب».

وحصل طالب الرفاعي على وسام الآداب والفنون برتبة فارس من الجمهورية الفرنسية عام 2022.