رحل يوم الأحد في مكسيكو سيتي عن 83 عاماً مايك والاس، المؤرخ، صاحب السيرة التاريخية الضخمة لمدينة نيويورك والمعنونة «غوثام» - التي ألفها بالاشتراك مع إدوين جي بوروز- والتي فازت بجائزة «بوليتزر»، وألهمت تأليف مجلدين ضخمين آخرين عن المدينة.
وأكدت زوجته، الشاعرة والكاتبة المسرحية كارمن بولوسا، خبر وفاته في المستشفى، مشيرة إلى أنه كان يعاني من «خرف أجسام ليوي» (Lewy body dementia) (وهو اضطراب عصبي تدريجي يحدث بسبب تراكم بروتينات غير طبيعية تسمى«أجسام ليوي» في خلايا الدماغ).
واشتهر مايك والاس، مؤلف التاريخ المرموق لمدينة نيويورك، بكتابه الصادر عام 1998 بعنوان «غوثام» (Gotham) - والذي سرد قصة المدينة حتى عام 1898 - على الصراعات الاجتماعية والاقتصادية. وقد حصل الكتاب على جائزة «بوليتزر» 2017، وألهم تأليف جزأين تاليين له.

وذكرت لجنة جائزة «بوليتزر» حينها أن كتاب «غوثام» -الذي ألفه والاس بالاشتراك مع إدوين جي بوروز- قد جمع خيوطاً متعددة «في نسيج سردي واحد يُقرأ كأنه رواية سريعة الأحداث». وذكرت أيضاً في معرض وصفها للكتاب: «ينسج المؤلفان تواريخ متنوعة - تتراوح بين الجنس وأنظمة الصرف الصحي، والتمويل والعمارة، والهجرة والسياسة، والشعر والجريمة. إن أبطال الكتاب هم مئات الأفراد - سواء كانوا مشاهير أو مغمورين - الذين أدى امتزاجهم وتصادمهم إلى توليد طاقة حركية هائلة، وابتكار ثقافي، ورؤية تقوم على الوحدة في ظل التنوع؛ وهي رؤية أصبحت تشكل مساهمة مميزة في الحضارة العالمية».
في أوائل الستينيات، كان والاس - وهو من مواليد بروكلين - يسعى لتحقيق حلم والدته بأن يصبح طبيباً، حيث درس المواد التمهيدية للطب في جامعة كولومبيا، لكن بعد أن كاد يرسب في مادة الكيمياء العضوية، تبنى أفكاراً راديكالية في السنوات التي سبقت أحداث عام 1968، حين سيطر الطلاب على مباني الحرم الجامعي احتجاجاً على حرب فيتنام، (وقد كان والاس من بين مئات الطلاب الذين اعتُقلوا خلال تلك المظاهرات).
بعد ذلك، حوّل والاس مسار دراسته إلى التاريخ، وما أطلق عليه مصطلح «راديكالي»، الذي عرفه بأنه التاريخ الاجتماعي الذي ينطلق من القاعدة (من عامة الناس) إلى القمة، وشرح فيه التأثير العميق للرأسمالية؛ ما أدى إلى تفاقم الفوارق والصراعات الطبقية والاقتصادية والاجتماعية. وقد ذهب للقول بأن معظم الروايات التقليدية للتاريخ شهدت قيام «الطبقات المهيمنة في الولايات المتحدة - سواء عن وعي أو دون وعي - بالاستحواذ على الماضي»؛ ولذا حرص في عمله على إدراج أصوات النساء والسود والطبقة العاملة وغيرهم ممن تم تهميشهم أو استبعادهم غالباً.
بدأ المشروع البحثي - الذي استغرق إنجازه نصف قرن - عام 1976، حين حصل والاس وبوروز على منحة قدرها 7000 دولار لتأليف كتاب شامل يتناول التحول العالمي من الإقطاع إلى الرأسمالية، لكنهما قررا لاحقاً أن سرد القصة من منظور مدينة نيويورك، وعبر فترة تمتد 500 عام، يُعد في حد ذاته تحدياً هائلاً وكافياً.
في كتاب «غوثام: تاريخ مدينة نيويورك حتى عام 1898» -الذي نُشر تزامناً مع الذكرى المئوية لتأسيس «نيويورك الكبرى» طرح والاس وجهة نظر مفادها أن توحيد المناطق التي أصبحت تُعرف بـ «الأحياء الخمسة» (boroughs) كان بمنزلة خطوة طبيعية اتخذتها الحكومة المحلية، تماثل ما حققته الشركات الكبرى في أواخر القرن التاسع عشر من مساعٍ للقضاء على المنافسة عبر تشكيل «التروستات» (اتحادات الشركات) والاحتكارات.
وفي حديثه لصحيفة «نيويورك تايمز» عام 2017، قال والاس: «رغم ما يُفترض أن كبار المصرفيين ومديري الشركات يكنّون حباً للأسواق الحرة، فإن الرأسماليين الحقيقيين في تلك الحقبة كانوا يرون أن المنافسة ضرب من الجنون؛ فهم يضطرون لخفض الأجور؛ ما يؤدي لظهور النقابات العمالية التي تستوجب القمع من وجهة نظرهم، وهو ما يقود بدوره إلى الاشتراكية».
أعقب كتاب «غوثام» (Gotham) جزآن تاليان وصلا بقصة مدينة نيويورك إلى نهاية الحرب العالمية الثانية.

وعالج والاس - الذي انفرد بتأليف العملين اللاحقين - موضوعات مماثلة في كتاب «غوثام الكبرى: تاريخ مدينة نيويورك من عام 1898 إلى 1919» (Greater Gotham: A History of New York City From 1898 to 1919) الصادر عام 2017، حيث تتبع كيف أزاحت المدينةُ أوروبا عن مكانتها كعاصمة مالية عالمية مع بروز الولايات المتحدة كدولة دائنة عقب الحرب العالمية الأولى؛ وكذلك في كتاب «غوثام في زمن الحرب: تاريخ مدينة نيويورك من عام 1933 إلى 1945» (Gotham at War: A History of New York City From 1933 to 1945)، والذي يتناول كيف تبوأت المدينة مكانة العاصمة العالمية حين نجحت في مسعاها - الذي لم تكن التوقعات تصب في صالحه - لتصبح مقراً للأمم المتحدة.
بلغ مجموع صفحات المجلدات الثلاثة نحو 3500 صفحة. ومع ذلك، أشار النقاد إلى أن حيوية والاس وبراعته في السرد، إلى جانب تناوله الصريح وغير المتحيز لشخصيات أسهمت في بناء المدينة، جعلت من قراءة هذه الكتب تجربة سلسة وممتعة. فعلى سبيل المثال، كتب والاس أنه في عام 1908 - أي قبل انتشار السيارات - كان هناك أكثر من 120 ألف حصان تخلّف وراءها 60 ألف غالون من البول و2.5 مليون رطل من الروث في الشوارع كل يوم!
جمع في سفره الضخم خيوطاً متعددة «في نسيج سردي واحد يُقرأ كأنه رواية سريعة الأحداث




