من يملك حق تمثيل فرنسا؟

خلف قضية مبابي جدلٍ فرنسي قديم ــ جديد حول الهوية

صورة لمنتخب فرنسا قبل مباراته ضد الباراغواي (أ.ف.ب)
صورة لمنتخب فرنسا قبل مباراته ضد الباراغواي (أ.ف.ب)
TT

من يملك حق تمثيل فرنسا؟

صورة لمنتخب فرنسا قبل مباراته ضد الباراغواي (أ.ف.ب)
صورة لمنتخب فرنسا قبل مباراته ضد الباراغواي (أ.ف.ب)

في الليلة التي أقصت فيها فرنسا باراغواي من مونديال 2026 بهدفٍ نظيف، لم يكن الخبر الأبرز ما جرى في الملعب، بل ما كُتب بعده على منصّة «إكس». فقد انهالت السيناتورة الباراغوانية سيليستي أماريّا، عضوة الحزب الليبرالي الراديكالي، على قائد المنتخب الفرنسي كيليان مبابي بوابلٍ من الشتائم العنصرية الفاضحة: وصفته بأنّه «كاميروني خاضع للاستعمار يتظاهر بأنّه فرنسي»، و«أحمق لم يتعلّم حتى الكتابة»، بل بلغت حدّ القول إنّه «رضع جوز الهند بدل حليب أمّه، وإنّ أكثر ما سمعه ثقافةً كان أصوات الشمبانزي». وقد يبدو الأمر مجرّد انفعالٍ فرديّ عابر صدر عن سياسيةٍ معروفة بإثارة الجدل. غير أنّ قراءةً أعمق تكشف عن أنّ ما التقطته السيناتورة من الخارج ليس اختراعاً جديداً، بل صدى لخطابٍ ظلّ يلاحق المنتخب من الداخل منذ عقود: خطابٌ يُنكر على لاعبين من أصولٍ أفريقية أو مغاربية حقّهم في تمثيل الأمة، رغم أنّهم يحملون جنسيّتها ويرتدون قميصها. وليست حادثة مبابي إلا الحلقة الأحدث في سلسلةٍ جعلت من كرة القدم مرآةً مكبّرة لجدلٍ فرنسيّ لا ينتهي حول الانتماء.

من الملعب إلى المختبر السياسي

لفهم هذا الجدل؛ ينبغي تجاوز الرياضة. فالمنتخب الوطني ليس فريقاً فحسب؛ إنّه تمثيلٌ رمزيّ للأمة على شاشة العالم؛ ما يجعل تركيبته البشرية موضوعاً سياسياً بامتياز. وقد بيّنت دراسات لعلم الاجتماع الرياضي أنّ تشجيع المنتخب فعلٌ سياسيّ صامت يعبّر فيه الجمهور عن تصوّره لمن يمثّله ولشكل الأمة التي يريدها. وفي هذا الاتّجاه، ذهب عالم الأنثروبولوجيا الفرنسي كريستيان برومبرجيه، في دراساته الرائدة عن «شغف الجماهير»، إلى أنّ كرة القدم «واقعةٌ اجتماعية كاملة» ومرآةٌ تعكس انتماءات المجتمع وتوتّراته؛ فالجمهور حين يهتف للفريق إنّما يهتف لصورةٍ عن ذاته الجماعية، ويعلن عبر اللعبة عمّن يَعُدّه منتمياً إلى «الـنحن». ويؤكّد الكتاب الجماعي «كرة القدم والهويّات»، بإشراف الباحث جان ميشيل دو ويل، هذا المعنى حين يبيّن أنّ المنتخبات أصبحت أدواتٍ لصياغة الهوية الوطنية أو للتنازع حولها. فمن يقف على أرض الملعب ومن يغيب، وكيف يُقرأ حضوره أو غيابه، هي أسئلةٌ تتحوّل سريعاً مادّةً للصراع حول تعريف «الفرنسي الحقيقي» في مقابل «الفرنسي المشكوك في فرنسيّته».

هذا الصراع ليس وليد اليوم. فمنذ ثمانينات القرن الماضي، رصد المؤرّخ جيرار نوارييل وعالم الاجتماع ستيفان بو ما سمّياه «أَعرقة الخطاب الاجتماعي» في فرنسا؛ أي ذلك التحوّل الذي جعل السياسيين والإعلاميين والمثقفين يحبسون الأفراد في هويةٍ عرقية جامدة، على حساب هويتهم الاجتماعية والطبقية. وحين انفجرت عام 2011 «قضية الحصص» في مراكز التكوين، إثر كشف موقع «ميديابارت» عن مشروعٍ لتحديد نسبة اللاعبين مزدوجي الجنسية، خلص الباحثان في «ليبيراسيون» إلى أنّ مسؤولي الاتحاد لم يبتكروا هذا المعجم العنصري، بل ورثوه بعد عقودٍ من السجّال حول الهجرة. وفي السياق ذاته، وصف عالم الاجتماع إيريك فاسان المفارقة الفرنسية بأنّها «عنصرية بلا عنصريين»؛ أي أنها بنيةٌ تُنتج التمييز في صمت، دون أن يعترف أحدٌ بأنّه عنصريّ.

ليس اليمين المتطرف وحده

واللافت، أنّ الطعن في انتماء اللاعبين لم يبقَ حبيس خطاب اليمين المتطرّف وحده، بل تبنّاه أحياناً مثقّفون مرموقون. ففي خريف 2005، في حوارٍ مع صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، ذهب الفيلسوف آلان فينكلكروت إلى أنّ «الناس يقولون إنّ منتخب كرة القدم محبوبٌ لأنّه أسود- أبيض -عربي، لكنّه في الحقيقة صار اليوم أسود -أسود -أسود؛ وهو ما يجعله أضحوكةً في عيون أوروبا كلّها». عبارةٌ صادمة لأنّها لم تصدر عن سياسيّ متطرّف، بل عن مفكّرٍ محسوبٍ طويلاً على اليسار، وهي العبارة التي حوّلت لون بشرة اللاعبين مقياساً لـ«فرنسية» الفريق.

على أنّ هذا الخطاب أقدم من ذلك. فمنذ 1996، كان جان ماري لوبن الزعيم التاريخي لليمين المتطرف قد فتح الباب حين اتهم لاعبي المنتخب بأنّهم «أجانب جُنّسوا لغرضٍ واحد هو اللعب في الفريق»، مستدلّاً على ذلك بأنّهم «لا يعرفون النشيد الوطني، وببساطة لا يحفظونه». ومنذ ذلك الوقت، صار أداء «المارسييز» أو النشيد الوطني الفرنسي من عدمه اختباراً علنياً لوطنية اللاعب، تُصنَّف على أساسه الوجوه بين «الصالحين» و«المتمرّدين» غير جديرين بارتداء القميص الأزرق. وقد بلغ هذا المنطق ذروته الرمزية في مباراة فرنسا والجزائر عام 2001، حين قُوطع النشيد الفرنسي بأصوات صفير الجمهور في ملعبٍ باريسي، فصار الحدث ذخيرةً دائمة في يد كلّ من أراد التشكيك في ولاء الفرنسيين من أصولٍ مهاجرة.

«أسود - أبيض - عربي»

في صيف 1998، حين توّجت فرنسا بكأس العالم بمنتخبٍ متعدّد الأصول، بدا أنّ التصوّر الجمهوري قد انتصر نهائياً؛ إذ رُفع شعار «أسود- أبيض- عربي» صورةً لفرنسا التي تتصالح مع تنوّعها، وأعلن الرئيس جاك شيراك أنّذالك أن «هذا الفريق متعدّد الألوان يرسم صورةً جميلة لفرنسا». لكنّ ذلك الإجماع كان أهشّ ممّا بدا، وسرعان ما تحوّل الشعار في نظر كثيرٍ من الباحثين «أسطورةً مستهلكة» تُخفي وراءها استمرار التهميش والتمييز في أحياءٍ بأكملها.

ومنذ ذلك الحين، عاد سؤال الهوية ليطلّ عند كلّ منعطف. ففي كلّ أزمة، من فضيحة إضراب اللاعبين في مونديال 2010 التي أثارت سيلاً من التعليقات عن «فريقٍ فقد روحه الوطنية»، إلى «قضية بنزيمة» حين اتّهم المهاجم الفرنسي من أصلٍ جزائري المدرّب ديدييه ديشان بأنّه «رضخ لضغط جزءٍ عنصريّ من فرنسا» بعد إبعاده عن القائمة؛ ليظلّ السؤال نفسه يفرض ذاته: من يملك حقّ تمثيل فرنسا؟ وهل تكفي الجنسية والموهبة، أم يجب أن يكون اللون واللقب والدين مطابقين لصورةٍ بعينها عن «الفرنسي الأصيل»؟ هذا السؤال الأخير هو ما دأب عليه اليمين المتطرّف، حيث جعل من المنتخب أداةً دائمةً للطعن، بفتح الجدل تارةً حول من لا ينشدون «المارسييز»، وتارةً حول من يرفعون راية بلدٍ آخر، ليبقى السؤال المسموم معلّقاً: «هل هؤلاء يمثّلوننا حقّاً؟».

فخّ الهوية

ما يجعل حادثة مبابي أبلغ من مجرّد إهانةٍ عابرة هو أنّها تكشف «فخّ الهوية» المزدوج الذي تقع فيه كرة القدم وفرنسا معاً. فخ تقع فيه كرة القدم حين تُحمَّل بما لا تحتمل من رموز، فتتحوّل مباراةٌ رياضية استفتاءً على معنى الانتماء، وفخاً تقع فيه فرنسا حين تترك صورتها تتحدّد بلون لاعبيها أكثر ممّا تتحدّد بقيمها المعلنة. واللافت، أنّ الاعتداء هذه المرّة جاء من الخارج، من سياسيةٍ في أميركا اللاتينية، لكنّه استعاد حرفياً المفردات ذاتها التي تتردّد في الداخل الفرنسي؛ وكأنّ الخطاب العنصريّ لغةٌ عابرة للحدود، تجد في جسد اللاعب الأسود شاشةً مشتركة تُسقط عليها مخاوفها من الآخر.

تبقى لردّ مبابي، في حزمه ووضوحه دلالة تتجاوز شخصه. فحين يرفض لاعبٌ أن تُترك الكراهية بلا جواب، يعيد بطريقته طرح سؤال المفكّر إرنست رينان في محاضرته الشهيرة بالسربون عام 1882: هل الأمة إرادةٌ في العيش المشترك تُجسّدها القيم، أم انغلاقٌ على لونٍ وعرق؟ الفيلسوف الفرنسي شرح آنذاك بأن الأمة لا تُبنى على العرق أو اللغة أو الدين، بل على «استفتاءٍ يوميّ» تصنعه الرغبة المشتركة في مواصلة الحياة معاً. وبين هذا التعريف المفتوح وذاك الانغلاق الضيّق، سيظلّ المنتخب الفرنسي مرآةً حسّاسة لصراعٍ لم يُحسم بعد حول مسألة الانتماء والهوية.

عالم الأنثروبولوجيا الفرنسي كريستيان برومبرجيه: كرة القدم «واقعةٌ اجتماعية كاملة» ومرآةٌ تعكس انتماءات المجتمع وتوتّراته


مقالات ذات صلة

رواية مرشحة لـ«غونكور» قد يكون مؤلفها الذكاء الاصطناعي

ثقافة وفنون رواية مرشحة لـ«غونكور» قد يكون مؤلفها الذكاء الاصطناعي

رواية مرشحة لـ«غونكور» قد يكون مؤلفها الذكاء الاصطناعي

زلزال قوي ضرب المشهد الأدبي الفرنكفوني، بعد الشبهات التي أُثيرت حول رواية «كان ذلك أو الموت» للكاتب تيليسون أوريليان، واتهامه بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون الحكي بعين الصورة البصرية

الحكي بعين الصورة البصرية

ربما كان من القاسي جداً على أي امرأة أن تُفاجأ بقناة إخبارية أميركية وهي تنوه عن صورة التُقطت لها دون أن تدري قبل 35 عاماً في أكثر لحظاتها ضعفاً.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون ريتشارد داد يعود إلى الأكاديمية الملكية التي درس فيها

ريتشارد داد يعود إلى الأكاديمية الملكية التي درس فيها

على الرغم من أن الأكاديمية الملكية بلندن سعت إلى استعادة الفنان ريتشارد داد (1817 ــ 1886) من غير الخوض موسعاً في حياته الشخصية بكل ما انطوت عليه من امتزاج...

فاروق يوسف
كتب «تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام

«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام

صدر حديثاً، عن دار «الرافدين» العراقية، ترجمة كتاب «تاريخ أثرياء العالم»، تأليف المؤرخ والأكاديمي الفرنسي فابريس دالميدا، ويتناول فيه تاريخ الثروة والنفوذ،

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون أيُّ نوع من الحب مجّدته الأساطير؟

أيُّ نوع من الحب مجّدته الأساطير؟

إذا كان الحب يستند من بعض وجوهه إلى العناصر المادية التي يتيحها الواقع الملموس، كما هو الحال مع الشعر، إلا أنه يغادر ملموسيته من وجوه أخرى.

شوقي بزيع

رواية مرشحة لـ«غونكور» قد يكون مؤلفها الذكاء الاصطناعي

الكاتب الكندي-الهاييتي تيليسون أوريليان
الكاتب الكندي-الهاييتي تيليسون أوريليان
TT

رواية مرشحة لـ«غونكور» قد يكون مؤلفها الذكاء الاصطناعي

الكاتب الكندي-الهاييتي تيليسون أوريليان
الكاتب الكندي-الهاييتي تيليسون أوريليان

زلزال قوي ضرب المشهد الأدبي الفرنكفوني، بعد الشبهات التي أُثيرت حول رواية «كان ذلك أو الموت» للكاتب الكندي - الهاييتي تيليسون أوريليان، واتهامه بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي في كتابتها. وما لبث هذا الجدل أن تجاوز مصير الرواية نفسها ليطرح سؤالاً وجودياً: كيف نثبت أن نصاً أدبياً من صنع إنسان، حين تعجز الكاشفات الآلية عن الفصل بين إبداع الكاتب وصنيع الخوارزمية؟

الرواية التي فتحت باب الجدل صادرة عن دار «غراسيه»، حازت جائزة مكتبات «فناك»، ورُشّحت للقائمة الأولى لجائزتي «غونكور» و«رونودو». غير أن حساباً مجهولاً على منصة «إكس»، يحمل اسم «افضح مستخدمي كلود»، اتهم الكاتب بتأليفها كلياً تقريباً بواسطة الذكاء الاصطناعي، مستنداً إلى نتائج برنامج «بانغرام» المتخصص في كشف النصوص المولّدة آلياً. وفي ساعات قليلة، تحولت الشبهة إلى زلزال في موسم أدبي كان أوريليان أحد نجومه الصاعدين، فيما تجاوزت مبيعات الرواية 35 ألف نسخة في فرنسا. موقف الكاتب كان سريعاً وقاطعاً، حيث قال إنه يحب الإبداع والكتابة، ولا يرى سبباً يدفعه إلى الاستعانة بآلة خاصة، وإنه بدأ بالتحضير في هذه الرواية منذ 2017، معلناً، بالتعاون مع ناشريه، إعداد ملف يوثّق مراحل ولادة المخطوط. ودافعت دار «غراسيه» عن كاتبها، ووصفت الاتهامات بأنها «أخبار كاذبة»، مشككة في صلاحية أدوات الكشف التي قد تعطي نتائج خاطئة حتى عند اختبار نصوص قديمة.

على أن اختبارات أجرتها وسائل إعلام فرنسية، بينها «لوموند» و«فرانس إنفو»، أظهرت نتائج متناقضة. فبينما أشار برنامج «بانغرام» إلى احتمال يتجاوز 95 في المائة بأن تكون بعض المقاطع مولّدة بالذكاء الاصطناعي، خلصت أدوات أخرى إلى أن المقاطع نفسها كُتبت على الأرجح بواسطة إنسان. هذه المفارقة تكشف عن أن الرقم الذي يظهره الكاشف ليس حكماً نهائياً، بل مجرد تقدير احتمالي يتأثر بطول المقطع، وبطبيعة اللغة، وبدرجة انتظام الأسلوب.

جامير نازير

وتضع هذه التناقضات لجان الجوائز الكبرى أمام مأزق غير مسبوق. فقد أقرّ فيليب كلوديل، رئيس أكاديمية «غونكور»، بأن الأكاديمية لا تملك الوسائل التقنية أو البشرية أو الخبرة العلمية اللازمة للتحقق من استعمال الذكاء الاصطناعي في نص أدبي، داعياً إلى الحذر وعدم التعامل مع نتائج الكاشفات بوصفها أدلة قاطعة. أما الكاتب والعضو في لجنة «غونكور» بيير أسولين، فأكد أن القضية ستُناقش حتماً داخل الأكاديمية.

غير أن السؤال لا يتعلق فقط بإمكان اكتشاف استعمال الذكاء الاصطناعي، بل أيضاً بحدود سلطة لجان التحكيم. هل يحق للجنة أن تستبعد رواية مرشحة بناء على تقرير آلي قابل للخطأ؟ وهل تُعامل الاستعانة بالآلة في البحث أو الترجمة أو تصحيح اللغة معاملة استخدام الذكاء الاصطناعي في توليد الفقرات والشخصيات والحبكة؟ إن غياب تعريف دقيق لهذه المستويات قد يحوّل الجوائز الأدبية إلى محاكم مفتوحة، يكون فيها الكاتب مطالباً بإثبات براءته بدلاً من أن تكون الجهة المتهمة مطالبة بتقديم الدليل.

وليست قضية أوريليان الأولى من نوعها. فقد وُجّهت، قبل أشهر، تهمة مماثلة إلى الكاتب جامير نازير، الفائز بجائزة أفضل قصة قصيرة في مسابقة تابعة لمؤسسة الكومنولث، قبل أن تبرّئه لجنة التحقيق بعد أسابيع من التدقيق. وفي الولايات المتحدة، دفعت فضائح مشابهة جمعية كتّاب الخيال العلمي والفانتازيا إلى تشديد قواعد جوائز «نيبولا»، وصولاً إلى منع استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في الأعمال المرشحة.

وتشير هذه السوابق إلى أن الجوائز الأدبية قد تتجه مستقبلاً إلى فرض إقرارات رسمية على المؤلفين، لتحديد الأدوات التي استعانوا بها، وطبيعة استخدامها، والمقاطع التي طالها ذلك الاستخدام. وقد تطلب لجان التحكيم، عند وجود شبهة جدية، الاطلاع على المسودات المتتابعة، والملاحظات الشخصية، وسجلّات العمل، والمراسلات مع المحرر. غير أن هذه الإجراءات قد تصطدم بسرّية العملية الإبداعية، وبحق الكاتب في الاحتفاظ بمختبره الداخلي بعيداً عن أعين المؤسسات.

أما دور النشر، فهي مرشحة بدورها لتغيير قواعد التعامل مع المخطوطات. فقد بدأت سياسات جديدة تظهر في قطاع النشر، تقوم على طلب الإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي، والتمييز بين المساعدة التقنية المحدودة وتوليد النص نفسه. ومن بين الدور التي اتخذت خطوات في هذا الاتجاه «بنغوين راندوم هاوس» و«هاربر كولنز»، وهما من كبرى دور النشر الأنغلوسكسونية. وفي المقابل، لم تعتمد دور النشر الفرنسية الكبرى، مثل «غاليمار» و«غراسيه» و«سوي»، حتى الآن سياسات مماثلة معلنة على نطاق شامل، رغم أن الضغط المتصاعد قد يدفعها إلى ذلك قريباً.

وقد تظهر على الأغلفة في المستقبل علامات من قبيل «كتابة بشرية» أو «إبداع إنساني»، على غرار الشهادات التي تميز المنتجات المصنوعة وفق شروط معينة. غير أن اعتماد مثل هذه الشهادة لن يحل المشكلة كلها. فهل ستقوم على تصريح المؤلف وحده؟ أم على فحص تقني؟ أم على سجل رقمي يرافق الرواية منذ مسودتها الأولى؟ إن الاتجاه الأكثر واقعية لا يبدو قائماً على البحث عن «بصمة آلية» داخل النص، بل على توثيق مسار الكتابة: من فعل ماذا، ومتى، وبأي أداة، وفي أي نسخة؟ وهذا ما يسميه بعض الباحثين «سلسلة حيازة النص»، أي الانتقال من سؤال ثنائي: «هل كتب الإنسان أم الآلة؟» إلى سؤال أكثر دقة: «ما حجم مساهمة كل طرف في كل مرحلة؟».

قد تظهر على الأغلفة في المستقبل علامات من قبيل «كتابة بشرية» أو «إبداع إنساني»، على غرار الشهادات التي تميّز المنتجات المصنوعة

غير أن أخطر ما في الاعتماد على كاشفات الذكاء الاصطناعي هو احتمال إنتاج شكل جديد من التمييز يمكن تسميته «العنصرية الأدبية الخوارزمية». فهذه البرامج لا تقرأ الأدب كما يقرؤه الناقد، ولا تفهم التجربة التاريخية أو الثقافية التي أنتجت النص، بل تبحث عن مؤشرات إحصائية مثل انتظام الجمل، وتوقّع المفردات، وتكرار البنى، وانخفاض المفاجأة اللغوية. وقد تبدو هذه السمات، بالنسبة إلى البرنامج، علامات على تدخل الآلة، مع أنها قد تكون نتيجة طبيعية لتكوين الكاتب أو للغة التي يكتب بها.

وقد أظهرت دراسات على نصوص كتبها أشخاص غير ناطقين أصلاً بالإنجليزية أن كاشفات عدة صنّفت نسبة كبيرة منها على أنها مولّدة بالذكاء الاصطناعي، رغم أنها نصوص بشرية خالصة. ويرتبط ذلك بكون الكاتب الذي تعلم اللغة لاحقاً يميل أحياناً إلى مفردات أكثر شيوعاً، وجمل أكثر انتظاماً، وتراكيب أقل انحرافاً عن القاعدة؛ وهي عناصر قد تفسرها الخوارزمية بوصفها «قابلية للتنبؤ»، لا بوصفها أثراً للتعلم أو لاختيار أسلوبي. وتكتسب هذه الملاحظة أهمية خاصة في حالتي جامير نازير، الذي يكتب بالإنجليزية وهو من ترينيداد، وتيليسون أوريليان، المولود في هايتي والذي يكتب بالفرنسية.

وتكتسي هذه المسألة حساسية أكبر في الأدب الفرنكفوني، حيث يكتب كثير من الروائيين بالفرنسية بوصفها لغة ثانية أو ثالثة، ويحملون إلى النص إيقاعات العربية أو الكريولية أو اللغات الأفريقية والكاريبية. فهل يمكن أن يُعاقب الكاتب لأنه يكتب فرنسية معيارية؟ أو لأن أسلوبه لا يشبه الأساليب المكرّسة في المركز الأدبي الباريسي؟ وهل تصبح اللغة الأدبية المقبولة هي تلك التي تبدو «أكثر بشرية» في نظر برنامج صُمّم غالباً على عينات محدودة ومتحيزة؟

يدافع أوريليان عن أسلوبه باعتباره امتداداً لتقاليد سردية هايتية وكاريبية، تتسم بالتكرار والإيقاع والعودة إلى الصور ذاتها. وقد تُقرأ هذه الخصائص، خارج سياقها الثقافي، باعتبارها دليلاً على تدخل آلة تعيد الصياغة أو تكرر الأنماط. هنا لا يعود الخطر تقنياً فقط، بل هو ثقافي أيضاً: فقد تتحول الخوارزمية إلى حارس صامت، يفضّل النصوص التي تقترب من نموذج لغوي واحد، ويشكك في النصوص الهجينة والمهمشة والمكتوبة من أطراف المجال الأدبي.


الحكي بعين الصورة البصرية

الحكي بعين الصورة البصرية
TT

الحكي بعين الصورة البصرية

الحكي بعين الصورة البصرية

ربما كان من القاسي جداً على أي امرأة أن تُفاجأ بقناة إخبارية أميركية وهي تنوه عن صورة التُقطت لها دون أن تدري قبل 35 عاماً في أكثر لحظاتها ضعفاً. هذا بالضبط ما حدث مع بطلة رواية «أجمل من نجلاء»، الصادرة عن دار «الشروق» بالقاهرة للكاتب والمخرج الوثائقي المصري شريف سعيد.

تحمل البطلة، وهى صحافية، اسماً لافتاً «نجلاء بهاء الوطن»، وبينما كانت واقفة في مطبخها الصغير وسط باريس تطالع قناة «فوكس نيوز»، وإعلانها عن حوار خاص مع جندي سابق شارك في حرب الخليج الثانية عام 1991 تحت عنوان «أسرار جديدة من حرب عاصفة الصحراء»، حينئذ وجدت نفسها أمام العالم بعد كل هذه السنوات وهي حافية باكية بملابس البيت في طرقات البلدة الحدودية الصحراوية «رفحاء».

على هذه الخلفية الصادمة يسعى المؤلف للغوص عميقاً في دهاليز النفس الإنسانية بتعقيداتها وإشكالياتها من خلال نموذج البطلة الحسناء نجلاء، مقتفياً تحولاتها الجغرافية والثقافية وهى تنتقل من الحارة الشعبية في القاهرة إلى الحدود السعودية العراقية، ثم إلى العاصمة الفرنسية، عبر العديد من الحكايات والقصص التي لا تخلو من مفاجآت مدهشة.

بدا شريف سعيد في هذا النص متأثراً بخلفيته مخرجاً وثائقياً يسعى لأن تروي الصورة البصرية ما لا تستطيع أن تعبر عنه الكلمات، كما يبدي اهتماماً شديداً بالتفاصيل، سواء على مستوى الأماكن أو التكوين النفسي للشخصيات.

من أجواء الرواية نقرأ:

«استطاعت العلامات الموسيقية المتصاعدة من فوق الرصيف وسط رذاذ المطر أن تختطفها من ذكريات طفولتها، وأن تقفز بها سنوات كثيرة إلى الأمام تحديداً نحو ذاك المساء الذي استحالت فيه مطلقة، في هذا اليوم كانت عقارب الساعة تشير إلى انتصاف ليل القاهرة حين دردشتْ معه أول مرة وقد تعاهدا منذ البداية على السرية والخفاء.

منذئذ حرصت نجلاء على ألا تجهر باسمه لأحد فوق هذا الكوكب. قبل هذه اللحظة كانت قد مرت عليها شهور وهي تتابع عن كثب منشوراته عبر حسابه على تطبيق (فيسبوك)، وكثيراً ما حرصت على إبداء إعجابها بما يدونه ولكن في وقار ساتر، كانت تضغط فوق علامة أعجبني على نحو منتظم حتى لا تبدو أمامه مثل دلو حمام مسكوب، في حين أنه كان أكثر رزانة منها ولم يبادلها شيئاً من هذا القبيل ثم تجاسرت وهنأته ذات مرة بعيد ميلاده.

فض الرسالة الإلكترونية ولأيام متتالية لم يرد عليها، فقد كان بالغ الحرص في سلوكه بالواقع الافتراضي، لم لا وهو في ذلك الوقت كان يستهدف ترقية جديدة في سلكه الدبلوماسي بوزارة الخارجية. ويدرك أن أحدهم في مؤسسة أمنية داخل أو خارج البلاد ربما ينصت إلى مكالمات هاتفه أو يقلب معه في صناديق رسائله لهذا لم يرغب في أن يُكتب عنه بين قوسين كبيرين في أي تقرير سري أنه متعدد العلاقات ومنخرط حالياً في علاقة مع صحافية مصرية تكتب بالفرنسية».


ريتشارد داد يعود إلى الأكاديمية الملكية التي درس فيها

ريتشارد داد
ريتشارد داد
TT

ريتشارد داد يعود إلى الأكاديمية الملكية التي درس فيها

ريتشارد داد
ريتشارد داد

على الرغم من أن الأكاديمية الملكية بلندن سعت إلى استعادة الفنان ريتشارد داد (1817 ــ 1886) من غير الخوض موسعاً في حياته الشخصية بكل ما انطوت عليه من امتزاج بين المرض النفسي الذي أصيب به وجرائم القتل التي ارتكبها، فإن عنوان المعرض الذي يستمر حتى 25 أكتوبر (تشرين الأول) كان مدخلاً غير موفق لذلك المسعى. «ريتشارد داد: ما وراء المصحة» عنوان ينفتح على سرديات غير سارة؛ ذلك لأن المصحة العقلية التي شهدت عودته إلى الرسم بحماسة استثنائية ستكون بالنسبة للآخرين مناسبة للتنقيب في تفاصيل حياته التي يُعاد رسمها بطريقة تسلط الضوء على العلاقة المفترضة شعبياً بين الفنون والجنون.

في الخامسة والعشرين من عمره، كُلِّف بالسفر مع السير توماس فيليبس عبر أوروبا والشرق الأوسط، ورسم الأماكن التي زاروها. مع اقتراب نهاية الرحلة التي استمرت عشرة أشهر ظهرت عليه أعراض اضطراب عقلي حاد، فكان يعاني من أوهام ارتيابية عند عودته إلى الوطن. كان يعتقد أنه مُضطهد من قِبل الشياطين، وأنه يتلقى رسائل من الإله المصري أوزوريس. في 28 أغسطس (آب) 1843، طعن والده حتى الموت في حديقة كوبام، بالقرب من روتشستر في مقاطعة كينت، معتقداً أنه الشيطان متنكراً.

حين اعتُقل بعد فراره إلى فرنسا ومحاولته قتل أحد المسافرين نعته مجلة «آرت يونيون» تحت عنوان مؤثر «الراحل ريتشارد داد» بقولها: «الرجل اللطيف والودود ظاهرياً والذي كان قبل عام أو نحوه نجماً صاعداً في الأكاديمية الملكية بلندن. اليوم يُعرف داد، إن عُرف أصلاً، بقتله والده وهو يعاني من نوبة ذهانية حادة أُدخل على أثرها إلى مستشفى بيثليم، ثم إلى مصحة برودمور للمجرمين والمجانين، حيث مكث بقية حياته». خلصت «آرت يونيون» بعد ذلك إلى قولها: «مع أن القبر لم يُغلق عليه فعلياً، فإنه يُصنف بين الأموات».

من أعمال داد

نزهات المجنون في عالم شكسبير

في السنوات الأولى من حياته طالباً في مدارس الأكاديمية الملكية وعضواً مؤسساً لمجموعة من الفنانين الأصدقاء تُعرف باسم «الزمرة»، أحيط ريتشارد داد بهالات نجاحٍ تقليدي لفنان بريطاني موهوب. كان داد في أوائل أربعينات القرن التاسع عشر قد بدأ يرسخ مكانته رساماً لمشاهد خيالية مستوحاة من مسرحيات شكسبير، لتليها رحلته عبر شرق البحر الأبيض المتوسط، التي ظلت مصدر إلهام له طوال حياته. بعدها انطفأ داد عقلياً. ما بين عامي 1843 و1886 عاش نزيلاً ما بين مستشفيي بيثليم وبرودمور، هناك أنتج معظم لوحاته الزيتية والمائية التي لا تعكس حالته المرضية لما تميزت به تلك اللوحات من دقة بصرية ووضوح في الرؤية والتعبير. فعلى الرغم من العزلة التي عاشها في نظام المصحات العقلية الفيكتوري، فإن داد استطاع أن يستلهم من ذاكرته وخياله وشغفه الدائم بالأدب والأساطير ليُبدع عوالم خيالية زاخرة بالتفاصيل الدقيقة. وليس مفاجئاً أن تعدُّ تلك اللوحات من بين أكثر الأعمال الفنية البريطانية أصالةً وإبداعاً. ولو لم تكن كذلك لما ألهمت لوحاته عدداً من الفنانين والكتّاب والموسيقيين، بمن فيهم فرقة «كوين» التي أطلقت اسم إحدى أشهر لوحات داد «ضربة قاضي الجنية» على إحدى أغانيها.

في هذا المعرض الذي يضم أكثر من مائة عمل فني، يتمكن المشاهد من متابعة تفاصيل حياة غامضة عاشها رجل انفصل عن الواقع، غير أنه رسمه بطريقة ثورية كما لو أنه كان يتخيله. كان المرض حبل نجاة لداد من مواجهة عقوبة أقسى نظراً لتاريخه الإجرامي غير أنه في الوقت نفسه كان مبعث إلهام فريد من نوعه؛ ذلك لأنه فتح أمامه خيال عوالم، كان قد عاشها مباشرة أو عن طريق الأدب. ما بين رؤى شكسبير والمشاهد التي رآها في أثناء رحلته الشرق الأوسطية تجول المجنون وهو يتصفح أوراق ذاكرته.

سردية المصحة

في تقديمها للمعرض الذي يُقام بعد غياب أعمال الفنان عن العرض خمسين سنة، توضح القيّمة الفنية سيلفي بروسين أنه «بعد التحرر من سردية المصحة يُمكن النظر إلى مسيرة داد الفنية ككل متكامل»، وتضيف: «إن سردية ما قبل المصحة وما بعدها تُبسّط الأمور. فأسلوبه كان قد تغير، ولكن هذا أمر طبيعي لدى العديد من الفنانين في ظروف مختلفة. ويبقى عدد من موضوعاته كما هي».

تنفي بروسين بذلك التوضيح إمكانية أن يكون لانفصال داد عن الواقع، وهو تعبير مخفف عن مرضه، أي تأثير لما حدث من تغيرات في ميول الرسام فيما يتعلق بموضوعاته. فهي ترى أن اهتمام داد الدائم بشكسبير والذي نسج قصصه في خيالات مُتقنة كان بمثابة إشارة تمهيدية مبكرة لتفرغه لرسم موضوعات خيالية في أثناء حبسه في المصحة. ذلك ما تؤكده تجربة النظر مباشرة إلى لوحات داد وبالأخص لوحته «تيتانيا النائمة»، التي يقول دليل المعرض إنها عُرضت في الأكاديمية الملكية أول مرة عام 1841. تلك لوحة لا يرسمها إلا شخص يملك السيطرة الكاملة على حواسه، وبشكل أساس، على خيال يديه البارعتين. فهل يعني ذلك أن هناك قناعة لدى البعض بأن داد كان قد نجح في أثناء إقامته في المستشفى في الفصل بين فنه وجنونه؟ وهو ما لا يفعله إلا رجل عاقل. ما هذا التناقض؟

عندما أُعيد اكتشاف داد لأول مرة في منتصف القرن العشرين، عُومِلَ كحالةٍ طبيةٍ أكثر منه فناناً، وذلك في إطار اعتقادٍ كان سائداً آنذاك بأن الفن أداةٌ تشخيصيةٌ فعّالة. لم يُمعن أحدٌ التفكير في هذا الموضوع بعمقٍ وعمقٍ أكثر من نيكولاس ترومانس أحد أبرز خبراء داد والقيّم المشارك على المعرض. وقد نأى ترومانس بنفسه عن هذا النهج الذي فقد مصداقيته الآن في مقدمة كتابه الصادر عام 2011 بعنوان «ريتشارد داد: الفنان والمصحة»، حيث كتب «لم أدّعِ، كما لم أدّعِ عند الكتابة عن جيه إم دبليو تيرنر أو كلود مونيه، أنني أعرف تماماً ما كان يفكر فيه ويشعر به في أثناء رسم لوحاته».

بعكس ما انتهت إليه سيلفي بروسين، يؤكد ترومانس أن مرض الرسام لعب دوراً مهماً في خياراته الأسلوبية بقوله: «أودّ أن أشير إلى أن شخصياته لا تتفاعل أبداً. فشخصياته لا تتحدث مع بعضها ولا تنظر إلى بعضها ولا تتبادل أي كلمة. من المستحيل ألا نرى في ذلك انعكاساً لما نعرفه عنه، وهو أنه كان منعزلاً جداً ولا يميل إلى التحدث مع الآخرين كثيراً». لم يفقد ريتشارد داد ذاكرته البصرية في أثناء إقامته في مستشفى المجانين، بدليل لوحتيه «فانتازيا مصرية» و«نُزُل على جانب الطريق» غير أن ما لا ينكر في أسلوبه أنه قد تغير بتأثير من المرض.