محفوظ يكشف عن مزاجه وعلاقته بالموسيقى... والخريف

أسرار فن الكتابة عند صاحب «نوبل»

محفوظ يكشف عن مزاجه وعلاقته بالموسيقى... والخريف
TT

محفوظ يكشف عن مزاجه وعلاقته بالموسيقى... والخريف

محفوظ يكشف عن مزاجه وعلاقته بالموسيقى... والخريف

لأول مرة، يجمع عمل واحد كل ما قاله نجيب محفوظ حول أسرار فن الكتابة لديه وطقوس الإبداع، من واقع تجربته العملية الخاصة، وهو ما يوضح أهمية كتاب «نجيب محفوظ– عن الكتابة» الصادر عن دار «الكرمة» بالقاهرة، للباحث عمرو فتحي.

في هذا الكتاب، يتحدث أديب «نوبل» عن علاقته بمؤثرات خارجية وداخلية تؤثر على الكتابة لديه، مثل الحالة المزاجية، والموسيقى، وفصل الخريف، وكذلك الإلهام، وهل يخضع له أم لا؟ ومتى يعرف أن الموضوع الذي خطر بباله يستحق الكتابة؟ وما الفارق بين كتابة الرواية والقصة القصيرة؟ وهل يشغل نفسه أثناء الكتابة بتساؤلات وجودية؟ مثل: «هل يُكتب لهذا النص الخلود؟».

يتضمن الكتاب إجابات شافية عن كثير من علامات الاستفهام في هذا السياق التي تكشف عن خفايا وكواليس الإنتاج الإبداعي لعميد الرواية العربية، والأب المؤسس لهذا الفن السردي في ثقافتنا.

يقول محفوظ إنه كتب أغلب أعماله وهو في «دوامة انفعال نفسي وفكري»، فهو لا يحب أن يكتب شيئاً وهو في ظروفه الفكرية الهادئة، فالأحداث والأنباء تثير الأفكار، وبوصفه كاتباً يضع نصب عينيه ألا يتخلف عن الحياة، ويسعى لأن يعايش حياة الناس حوله، ليستشف من وجوههم فهمه لواقعهم، لأسلوب حياتهم، لأفراحهم وأحزانهم وكل قيم وجودهم حتى يصورها ويعبر عنها.

ويشير إلى أنه أحياناً يكون قد مر على الفكرة عام أو عامان دون أن يمسك بالقلم، حتى إذا وصل إلى مرحلة التنفيذ فإن المسألة تتحول إلى عمل يجب أن يُنجز، ولن ينجز إلا بالإرادة والصبر، فهو لا يعرف «دلال الإلهام»، وإنما يعرف أن عليه أن يجلس إلى مكتبه كل يوم ساعة أو ساعتين، حتى يفرغ من الرواية في عام أو عامين.

إنه يكتب الموضوع كتابة أولى غير متمهلة وشبه عفوية، ولكنه لا يبدأ الكتابة إلا بعد اختمار الفكرة في نفسه وكذلك الشخوص، ثم يشرع في كتابتها بتأنٍّ من أولها إلى آخرها. وفي الكتابة الثانية يتغير النص تغيراً كبيراً، ولكن الفكرة لا يصيبها التغيير إلا في أضيق الحدود.

ويوضح أنه عبر تجربته الممتدة، مرت عليه فترة لم يكن يبدأ في كتابة الرواية إلا بعد أن يعايش أحداثها مدة طويلة، إلى أن تتبلور الفكرة تبلوراً نهائياً في ذهنه، بعد أن يكون قد تحدث إلى أشخاص كثيرين، بوصفه نوعاً من البحث وجمع المعلومات واستقراء الأحداث، وعندها يبدأ في الكتابة من منظور واقعي بحت.

وفي فترة أخرى، كان يكتب نصوصاً مدفوعاً بحالة ذهنية، فيشرع في تأليف العمل وليس في ذهنه سوى زاوية صغيرة أو فكرة معينة غامضة، ويترك للقلم أن يتدفق ويسيل عبر توارد الأفكار لاحقاً.

وفي أحيان ثالثة، كان يكتب انطلاقاً من «اللاشيء» بمعنى أنه لا توجد في ذهنه أي فكرة على الإطلاق، سوى الرغبة في الكتابة.

ويرى محفوظ أن عملية الكتابة في حد ذاتها هي فعل متفائل؛ لأنها تؤكد أن الكاتب يعتقد أن العالم رغم كل ما به من مآسٍ يمكن أن يكون أفضل مما هو عليه، وهذا يقودنا إلى أن الكتابة مسؤولية، فلا بد من أن ينطوي النص على ابتكار جديد، وإلا فهو لا يستحق أن يكون عملاً فنياً. والقارئ لا يريد أن يطالع ما سبق أن كتبه الآخرون.

الخلود والسجائر

وعما إذا كان يشغل نفسه بمسألة الخلود الأدبي، يتساءل محفوظ: ولكن ماذا يعني الخلود أصلاً؟ مائة سنة؟ عدة مئات من السنين؟ وماذا تكون تلك الفترة البسيطة إذا قورنت بتاريخ الوجود الإنساني؟ الحقيقة أن أي كاتب يتمنى أن يبقى إنتاجه؛ لكنه لم يشغل نفسه قط بموضوع الخلود أو يفكر فيه أو يتصوره، بالعكس هو دائماً خائف من الموت، ولذلك كتب عنه كثيراً؛ لأن الكتابة عن الشيء تحرر الإنسان من مخاوفه، على حد تعبيره.

ونتيجة انقسام حياته بين الوظيفة والأدب، اقتضى الأمر من محفوظ إخضاعها لنظام دقيق، حتى يتسنى له دائماً وبصفة مستمرة مواصلة الكتابة. ولظروف خاصة وحتمية، اقتصر موسم عمله الأدبي على الفترة ما بين أكتوبر (تشرين الأول) وأبريل (نيسان) من كل عام. ولم يعد ذلك خسارة مطلقاً؛ إذ أخذ من أشهر مايو (أيار) ويونيو (حزيران) ويوليو (تموز) وأغسطس (آب) وسبتمبر (أيلول) راحة نسبية، واختلاطاً بالناس والأماكن، فنضجت خبرته بالمكان الضيق الوحيد الذي عاشره على ظهر الأرض، وهو القاهرة.

ومر محفوظ إبداعياً بثلاث مراحل، هي: مرحلة «الوظيفة»، ومرحلة «ما بعد التقاعد»، ومرحلة «ما بعد جائزة نوبل». في مرحلة الوظيفة كان يفرغ من عمله في الثانية ظهراً، ويعود إلى البيت لتناول الغداء، ثم يستريح بعض الوقت عبر نوم القيلولة، ثم يجلس على مكتبه عندما تدق الساعة الرابعة، ويبدأ في الكتابة أولاً لمدة 3 ساعات، ثم تليها 3 ساعات أخرى للقراءات المتنوعة. وفي هذه المرحلة كان يمنح نفسه إجازة من الأدب، يومي الخميس والجمعة.

يقول محفوظ: «لم يكن جلوسي اليومي للكتابة بالأمر السهل؛ لأنه يقتضي أولاً أن يكون موضوع الكتابة قد اختمر في ذهني، وكان هذا الأمر يجعلني في حالة تفكير مستمر أثناء وجودي في الوظيفة، وفي أوقات العمل، وفي أثناء المشي، وحتى وقت تناول الطعام. وفي كل مرة تأتيني تفصيلة من جسم الرواية، وما الراوية إلا مجموعة تفاصيل صغيرة تتجمع وتكون العمل الروائي في صورته النهائية. في بعض الأحيان كنت أسجل بعض الملاحظات والأفكار العابرة التي تأتيني أثناء وجودي خارج المنزل في ورقة صغيرة حتى لا أنساها، وكنت أهتم بتسجيل هذه الملاحظات خلال فترة اهتمامي بالكتابة الواقعية. أجلس على المقهى مثلاً، فتجذب اهتمامي ملاحظات وتفاصيل صغيرة كانت تفيدني أثناء الكتابة».

ويوضح أنه إلى جانب السجائر، يحب أن تكون هناك خلفية موسيقية أثناء الكتابة، يجعلها في هامش الشعور ولا يلتفت إليها، ثم إنه لا يتناول أي مشروبات بما فيها الشاي والقهوة، ويدهشه ما يسمعه عن بعض الكتاب الذين يحرصون على تناول الخمر أو الحشيش حتى يهيئوا أنفسهم للكتابة، فعندما يمسك بالقلم لا بد من أن يكون في أقصى درجات الوعي والتركيز والانتباه، ثم إنه لا يستطيع الكتابة إلا على مكتبه في البيت، أما خارجه فلا يمكنه الإمساك بالقلم. وكل أعماله الروائية كتبها في البيت باستثناء السيناريوهات، فأغلبها قام بكتابته على المقهى، وذلك لأنها لا تحتاج إلى درجة التركيز نفسها التي تحتاجها الروايات.

وعندما خرج إلى المعاش وتقاعد، لم يختلف نظام الكتابة كثيراً. يذهب إلى المقهى مبكراً، ثم يعود ليبدأ الكتابة ولمدة 3 ساعات؛ حيث خصص فترة الصباح للكتابة. أما القراءة فكانت في فترة ما بعد الظهيرة حتى بدايات الليل. وقبل حصوله على جائزة نوبل أصيب بضمور في شبكية العين، ما جعل موضوع القراءة والكتابة من الأمور العسيرة والمرهقة، وسبَّب هذا الأمر له إزعاجاً شديداً وهدم النظام الذي سار عليه طيلة حياته؛ بل لم يعد هناك نظام أصلاً؛ حيث امتنع عن القراءة نهائياً، وأصبح أقصى مدة يجلس فيها إلى مكتبه لممارسة الكتابة ساعة واحدة في اليوم.

ويشير نجيب محفوظ إلى أنه أحب فصلَي الخريف والشتاء، وكان يجد نفسه مقبلاً على الدنيا أكثر في ذلك الوقت من السنة، بينما يتحمل الصيف بصبر، وكأنه يغالب حالة -وإن كانت خفيفة- من الاكتئاب، ويظل ينتظر حلول الشتاء التالي، ويجد نفسه مقبلاً على الكتابة وهو في حالة من الاشتياق.


مقالات ذات صلة

من يتذكر كلية التربية اللبنانية؟

ثقافة وفنون إلياس خوري

من يتذكر كلية التربية اللبنانية؟

إذا كان مقدّراً لكل جيل من الأجيال أن يواجه نصيبه من التحديات، وأن يحمل من السمات الثقافية والفكرية والاجتماعية، ما يمكن أن يصبح إنجازه الخاص وعلامته الفارقة...

شوقي بزيع
ثقافة وفنون 3 قامات مدرّعة من «قصر هشام» في شمال أريحا

3 قامات مدرّعة من «قصر هشام» في شمال أريحا

تبنّى الأمويون فن النحت، واعتمدوه بشكل خاص في ميدان العمارة، كما تشهد مجموعة من القطع الأثرية، أهمّها تلك التي خرجت من بين أطلال قصر يقع في قرية خربة المفجر.

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون بروست... مائة رسالة مجهولة تعود من برزخ النسيان

بروست... مائة رسالة مجهولة تعود من برزخ النسيان

كيف تتحوّل تفاصيل الحياة اليومية، في أصغر تجلّياتها وأكثرها هشاشة، إلى مادةٍ خالدةٍ للذاكرة وللأدب؟

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون دراسة نقدية عن شعر محمد عفيفي مطر

دراسة نقدية عن شعر محمد عفيفي مطر

صدر أخيراً في القاهرة، عن دار «أم الدنيا» للدراسات والنشر، كتاب «احتفاليات المومياء المتوحشة لعفيفي مطر: مقاربة إدراكية أنطولوجية» للأكاديمية مروة الشريف

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون روزي جدي

روزي جدي: أرفض استغلال الأدب لحسابات سياسية

رغم حداثة تجربته كأحد كتاب التسعينات من أدباء تشاد الذين يكتبون باللغة العربية، فإن روزي جدي استطاع أن يلفت الأنظار بسبب نصوصه الروائية التي تستحضر صفحات مجهولة

رشا أحمد (القاهرة)

«ملتقى نالا للسرد» يحتفي برائد القصة السعودية محمد علي علوان

الأديب الراحل محمد علوان
الأديب الراحل محمد علوان
TT

«ملتقى نالا للسرد» يحتفي برائد القصة السعودية محمد علي علوان

الأديب الراحل محمد علوان
الأديب الراحل محمد علوان

تنطلق اليوم (الأربعاء) في الرياض الدورة الأولى من «ملتقى نالا للسرد»، بمشاركة عدد من الأدباء والنقاد والباحثين والمبدعين. وتنظّم جمعية آداب وفنون السرد «نالا» الملتقى على مدى يومين.

وتُخصَّص باكورة دورات الملتقى للقصة القصيرة، التي تحمل اسم «دورة القاص محمد علي علوان»، للاحتفاء بتجربة أحد رواد القصة السعودية، وما قدَّمه من منجز أدبي أسهم في إثراء المشهد السردي المحلي.

وقال يوسف المحيميد، رئيس مجلس إدارة الجمعية والمشرف العام على الملتقى، إن الدورة الأولى تجمع عدداً من الأدباء والأكاديميين والكتّاب والمهتمين بالسرد، مشيراً إلى أن اختيار تجربة القاص علوان يأتي وفاءً لمنجزه الإبداعي وإسهاماته في تطور القصة السعودية. وأكد أن الملتقى يسعى إلى فتح مساحات للحوار والنقد في التحولات التي يشهدها هذا الفن الأدبي، وقضاياه الفنية والجمالية.

ويحتفي الملتقى في برنامجه بالأديب السعودي محمد علي علوان، أحد أبرز كتّاب القصة القصيرة في السعودية، الذي توفي في أغسطس (آب) 2024 عن عمر ناهز 73 عاماً.

وُلد محمد علوان في أبها عام 1950، وحصل على درجة البكالوريوس في الأدب العربي من كلية الآداب بجامعة الملك سعود عام 1974. وعمل في وزارة الإعلام منذ تخرجه، وتولى الإشراف الثقافي في عدد من الصحف والمجلات، كما شغل منصب وكيل الوزارة لشؤون الإعلام الداخلي.

نشر الراحل 6 مجموعات قصصية، وأشرف على الصفحات الثقافية في كل من مجلة «اليمامة» وصحيفة «الرياض» لسنوات عدّة. كما شارك في أمسيات قصصية نظَّمتها الأندية الأدبية وجمعية الثقافة والفنون، وكان عضواً مؤسساً في «مؤسسة عسير للصحافة والنشر».

ويتضمن الملتقى عرضاً مرئياً يتناول جوانب من سيرة القاص الأدبية، إلى جانب تكريمه وتدشين أعماله الكاملة، بما يسهم في توثيق تجربته وإبراز أثرها في مسيرة القصة السعودية.

وإلى جانب الاحتفاء بمسيرة الأديب السعودي علوان، يشتمل البرنامج العلمي في يومه الأول على قراءات نقدية تتناول تجربته، وجلسات تبحث الخصائص الفنية للقصة المعاصرة والثيمات البارزة في القصة القصيرة، إضافة إلى تقديم عدد من الشهادات والتجارب الإبداعية في مجال الكتابة القصصية.

ويبحث المشاركون في اليوم الثاني أثر التحولات المجتمعية والثقافية في القصة القصيرة، وحضور المدينة في السرد القصصي السعودي المعاصر، من خلال أوراق ومداخلات يقدّمها عدد من النقاد والباحثين والمبدعين، بينما تُختتم أعمال الدورة بإعلان التوصيات.

وأنهت اللجان التنظيمية والفنية والإعلامية استعداداتها لانطلاق الملتقى واستقبال المشاركين والضيوف، في خطوة تسعى الجمعية من خلالها إلى ترسيخه منصةً للحوار في فنون السرد، ودعم حضور القصة السعودية ومبدعيها في المشهد الثقافي.


من يتذكر كلية التربية اللبنانية؟

إلياس خوري
إلياس خوري
TT

من يتذكر كلية التربية اللبنانية؟

إلياس خوري
إلياس خوري

إذا كان مقدّراً لكل جيل من الأجيال أن يواجه نصيبه من التحديات، وأن يحمل من السمات الثقافية والفكرية والاجتماعية، ما يمكن أن يصبح إنجازه الخاص وعلامته الفارقة، فإن الجيل الذي سمّي بجيل السبعينات في لبنان هو أحد أكثر الأجيال تميزاً في الدور، وثراءً في التجربة، وتمزقاً بين الخيارات.

على أن الطالع الدراماتيكي لأبناء ذلك الجيل، قد شاء لهم وهم في أوج التفتح أن يشهدوا بأمّ أعينهم هزيمة يونيو (حزيران) عام 1967، وقصف مطار بيروت بعدها بعام واحد، ومظاهرات أبريل (نيسان) الصاخبة بعدها بعامين، وأن يواكبوا في الآن ذاته صعود المقاومة الفلسطينية وحركة اليسار الجديد، بما جعلهم يقفون على التخوم الفاصلة بين لبنانين متبايني الهوية والدور، قبل أن يقضي الاثنان معاً على مذبح التناحر الأهلي.

عقل العويط

وحيث كان من الطبيعي أن تحتضن الجامعة اللبنانية في تلك الفترة الكثرة الكاثرة من أبناء الفقراء والبورجوازية الصغيرة، وفق التصنيف الماركسي التقليدي، وأن تتحول بالتالي إلى بؤرة للتغيير وحركات الاحتجاج على ما اعتُبر آنذاك فساد السلطة وخنوعها ومواقفها السياسية المتخاذلة، فإن كلية التربية بالذات كانت «درة» التاج الجامعي، وواسطة عقده الأثمن.

ولا يعني ذلك أن كل المنتسبين إلى الكلية، كانت لديهم الأهداف ذاتها والطموح إياه، حيث إن بعض الملتحقين بها لم يروا فيها سوى المحطة التي لا بد من اجتيازها، للالتحاق بسلك التعليم الثانوي، الذي يوفر لهم الحد المقبول من الاستقرار والأمن المعيشي. إلا أن البعض الآخر راهنوا من خلالها على ما يتعدى الجانب الدراسي التقليدي، مؤثرين تحويلها إلى واحة متنوعة للتحصيل المعرفي، وإلى مساحة لتلاقح الأفكار، وإلى حاضنة مثلى لمغامرة التجديد وتيارات الحداثة الوافدة.

علوية صبح

على أن الدور الذي أنيط بالكلية، لم يأت من الفراغ المحض ولم يكن وليد الصدفة المجردة، بل تضافرت على تحقيقه عوامل عدة، بينها الامتحانات الجدية والنزيهة، التي كان على الطلاب المتبارين خوضها، لكي يحظوا بفرصة الالتحاق بالكلية. وبينها أن المقبولين من الطلاب كانوا قادمين من كافة مدن البلاد وقراها، ومن مناطقها الزراعية وأطرافها النائية، بما حوّل الكلية إلى وطن مصغر، تتفاعل بين ظهرانيه صفوة منتقاة من الطلبة المتفوقين، وأصحاب المواهب الفتية، والمخيلات الباحثة عن التفتح.

كما أن المنحة المالية التي كان يتقاضاها الطلبة المنتسبون للكلية، قد لعبت دوراً غير قليل في جعلها تتبوأ دورها الريادي بين كليات الجامعة الأخرى. ليس فقط لأنها تمنح هؤلاء مكافأة مادية لا توفرها أي مؤسسة أكاديمية مماثلة، بل لأن إعفاء الطلاب من مشقة البحث عن وظيفة أو مهنة توفر لهم سبل العيش، هو ما أتاح لهم التفرغ الكلي للدراسة، بقدر ما أتاح للكلية أن تتحول إلى ورشة دائمة للتفاعل الثقافي والفكري بين مكوناتها المختلفة.

حسن داود

لم تعد الكلية بهذا المعنى مجرد مؤسسة رسمية لتدريب الطلاب وتهيئتهم لمهنة التعليم، وهي التي حملت عند تأسيسها عام 1951 اسم «دار المعلمين العليا»، بل تمكنت بعد ذلك بسنوات من أن تتجاوز دورها الأساسي، لتتحول إلى منارة ثقافية حقيقية، وإلى مشروع فريد للتغيير وصناعة المستقبل. اللافت بهذا الخصوص أن ما حدث في بيروت الستينات والسبعينات، قد حدث ما يشبهه تماماً في بغداد الأربعينات، إذ كانت دار مماثلة لإعداد المعلمين، تضم بين جنباتها كلاً من بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي ولميعة عباس عمارة، وتهيئ لهم الفرصة النموذجية والنادرة لإطلاق مشروع الحداثة الرائد، الذي لم يشهد الشعر العربي مثيلاً له عبر تاريخه.

ومع أن الفضل في ما أصبحت عليه الكلية، بنسختها اللبنانية، كان عائداً من بعض وجوهه إلى النخبة المنتقاة من أساتذتها، بينهم أدونيس وخليل حاوي وخالدة سعيد وأنطون غطاس كرم وأنيس فريحة والمطران جورج خضر ويمنى العيد وعلي شلق وريمون جبارة وميشال عاصي وغيرهم، فإنه كان عائداً من وجوه أخرى لنضالات الحركة الطلابية اللبنانية، كما للصفوة المختارة من الطلاب، الذين كان كلٌّ منهم يرسم للكلية دوراً يتجاوز دورها الأكاديمي، ويجعل منها صورة مصغرة عن الوطن الآخر، الذي كان يطمح لبنائه على مقاس أحلامه. ولن يعود من المستغرب تبعاً لذلك، أن يعمد العديد من الطلاب الناشطين والقياديين إلى الامتناع عن المشاركة في امتحانات نهاية العام، بهدف تمديد سنوات الدراسة لأقصى مدة ممكنة.

بول شاؤول

على أن سحر كلية التربية الفريد لم يكن متأتياً من قاعاتها الدراسية فحسب، بل كان منبثقاً بشكل خاص من ردهة الكافتيريا الواسعة، والواقعة أسفل المبنى الغربي، التي شهدت طاولاتها ومقاعدها أعمق النقاشات الفكرية والسياسية، وشهدت زواياها النائية ولادة الكثير من القصائد والنصوص النثرية، فيما شكلت من ناحية أخرى مسرحاً مناسباً لنشوء الصداقات وقصص الحب. اللافت في تلك الحقبة أن النجاح أو الفشل في نسج العلاقات العاطفية بين الطلاب والطالبات لم تكن معاييره متصلة بمنسوب الوسامة أو الثروة أو توفر السيارة والشقة السكنية، بل كان الطالب الأكثر صلة بالقراءة، والأكثراكتنازاً بالمعرفة، هو الأقدر من سواه على الفوز بقلوب الفتيات.

أما المهرجان الشعري السنوي الذي كان ينظمه ويشرف عليه بول شاوول، وآثر إعطاءه شكل المباراة بين الشعراء الشبان، فقد تحول من خلال مستوى المشاركين فيه، ولجنته التحكيمية المؤلفة من كبار الشعراء والنقاد اللبنانيين، إلى مناسبة دورية استثنائية، ينتظر انعقادها الكثيرون، ويقطع الفائز بجائزتها الخطوة الأولى على طريق الكتابة الشائك.

كلية التربية التي أُفرغت من الجدوى وتحولت إلى أطلال ما كانته قبل 50 عاماً لم تكن سوى صورة مصغرة عن الحلم الذي أضعناه

وإلى الشعراء والروائيين والمسرحيين والرسامين، كان ثمة نخبة واعدة موازية من القادة الطلابيين والمفكرين السياسيين والمناضلين من أجل التغيير. وإذا لم يكن بالمستطاع تسمية كل أولئك الذين تضافرت جهودهم لتضييق المسافة بين واقع وطنهم المتردي، وصورته المقابلة في نصوصهم ومخيلاتهم، والذين ما زال بعضهم يتصدر المشهدين الثقافي والسياسي في لبنان حتى يومنا هذا، يمكنني أن أسمي من بينهم، على سبيل المثال لا الحصر، عصام خليفة وأنور الفطايري وأنطوان سيف وبول شاوول ونصير الأسعد وإلياس عطالله وغسان شربل وجورج سمعان وإلياس خوري ورشيد الضعيف ومحمد العبدالله وعقل العويط وهاشم الأيوبي وحمزة عبود وعلوية صبح وهدى بركات وجودت فخر الدين وحسن داود وشربل داغر.

ولن تفوتني الإشارة في هذا الصدد إلى أن دور الكلية الثقافي لم يقتصر على الأنشطة الخاصة بأساتذتها وطلابها وحدهم، بل هي تعدت ذلك الدور لتجعل من قاعاتها المختلفة مساحة للثقافة والتنوير، يقف على منصاتها عشرات المبدعين اللبنانيين والعرب. وإذا كان البعض قد رأوا في وقفتهم تلك جواز مرورهم باتجاه التكريس، كما اعترف شاعر المحكية أسعد جوان، فقد استضافت الكلية سعيد عقل ومحمد الفيتوري وموريس عواد، إضافة إلى محمود درويش، الذي لم يتوان عن القول في الأمسية التي دعي لإقامتها، بأنه يشعر بالرهبة والخوف، لأنه يقف على المنبر الأكثر اتصالاً بمغامرة التجديد، معتبراً أن الأمسية تلك هي الامتحان الشعري الأصعب الذي يخوضه في حياته.

على أن ذلك الحلم الوردي لم يدم طويلاً، ليس فقط لأن الحرب الأهلية وما تلاها من كوارث قد أطاحت بجزء كبير منه، بل لأن السلطات المتعاقبة لم تستطع ابتلاع تلك الجرعة الفائضة من الحرية، وذلك المناخ غير المسبوق من الاندماج الوطني، فعملت على إجهاض التجربة من أساسها، لتقتصر مهمتها على تهيئة القادمين من الكليات الأخرى، للانخراط في مهنة التعليم، ولسنة واحدة لا أكثر، وليتوزع ما تبقى من المبنيين اللذين تشغلهما الكلية على مؤسسات جامعية أخرى. ومع ذلك فقد يبدو الأمر من بعض وجوهه، كما لو أن كلية التربية، التي أُفرغت من الجدوى، وتحولت إلى أطلال ما كانته قبل خمسين عاماً، لم تكن سوى صورة مصغرة عن الحلم الذي أضعناه، وعن الكيان الواعد الذي تعامل معه القائمون على مقدراته كغنيمة حرب، ولم يترددوا بعد ذلك في تحويله إلى حطام.


3 قامات مدرّعة من «قصر هشام» في شمال أريحا

ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية، مصدرها موقع خربة المفجر في شمال أريحا
ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية، مصدرها موقع خربة المفجر في شمال أريحا
TT

3 قامات مدرّعة من «قصر هشام» في شمال أريحا

ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية، مصدرها موقع خربة المفجر في شمال أريحا
ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية، مصدرها موقع خربة المفجر في شمال أريحا

تبنّى الأمويون فن النحت، واعتمدوه بشكل خاص في ميدان العمارة المدنية، كما تشهد مجموعة من القطع الأثرية، أهمّها تلك التي خرجت من بين أطلال قصر يقع في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، على الضفة الشمالية لوادي النعيمة. بدأ استكشاف هذا الموقع في نهاية القرن التاسع عشر، وجرت أعمال المسح فيه خلال ثلاثينات القرن الماضي، وتبيّن أنه بُني في عهد الخليفة هشام بن عبد الملك. أسفرت أعمال التنقيب عن العثور على عدد كبير من التماثيل المتنوّعة، منها 3 قطع يمثل كلّ منها رجلاً مدرعاً. ويوحي هذا الزي المشترك بأن هذه الأنصاب تجسّد قامات متنوّعة من العسكر، أي من «مجتمع الجيش» كما جاء في تعريف «لسان العرب».

لم يصل أيٌّ من هذه التماثيل الثلاثة بشكل كامل للأسف، غير أن ما تبقّى منها يسمح بتحديد تكوينها الأول، واللافت أنها تمثّل اختلافاً كبيراً في بنيتها كما في أسلوبها الفني. تحضر إحدى هذه القطع على شكل قامة منتصبة فقدت رأسها. وتقابلها قامة أخرى فقدت كذلك رأسها، وبقيت منها كتلتان مهشّمتان. تمثّل القطعة الثالثة نموذجاً مغايراً، وهي على شكل تمثال نصفي يضمّ الرأس والصدر. تحاكي هذه المجسّمات من حيث الحجم المقياس الطبيعي للإنسان، ويتبنّى كلٌّ منها طرازاً فنياً خاصاً يتجلّى في الشكل الخارجي كما في الصياغة المتبعة في النقش والنحت. تتميّز القطعة الأولى بقامتها المنتصبة، وتتبنّى الطراز الكلاسيكي الروماني بشكل لا لبس فيه، ويتجلّى هذا الطراز في البنية التشريحية الخاصة بها، كما في زيّها التقليدي.

تمثّل هذه القامة رجلاً يقف بثبات، رافعاً ذراعه اليمنى نحو الأعلى، شاهراً بيده سيفاً سقط القسم الأعلى منه وضاع. تتدلّى الذراع اليسرى وتبدو ملتصقة بالصدر، وتمسك اليد بترس دائري زُيّن بشبكة من النقوش الزخرفية، تتكوّن من سلسلة دوائر ملتفة حول ذاتها، أكبرها شريط مزيّن بالزخارف اللولبية، يليه شريطان نحيلان مجرّدان. وتحضر في الوسط كتلة ناتئة على شكل قبّة، تعلوها سلسلة من الخطوط العمودية المرصوصة على شكل أسنان المشط. يرتدي هذا العسكري اللباس الروماني التقليدي، ومقوّماته سترة مدرّعة تنسدل وتحجب أعلى الساقين، مع حزام معقود حول الخصر. تزيّن هذه السترة 4 سلاسل من المساحات البيضاوية المرصوصة، تحاكي ما يُعرف بـ«لبوس الحديد» في «لسان العرب»، وتعلو هذه اللبوس منصات الكتف التقليدية المزيّنة بمساحات مماثلة، تنعقد على شكل سوارين عريضين حول أعلى الذراعين. يبدو هذا التمثال رومانياً من حيث الأسلوب، ويعكس نموذجاً شاع في تدمر كما في البتراء خلال القرون التي سبقت ظهور الإسلام.

اتخذ هذا النمط طابعاً محلياً نتيجة لهذا الانتشار، ويحفل الميراث الأدبي بالشواهد التي تؤكّد ذلك، منها قول أبو الأخزر الحماني: «مقلصاً بالدرع ذي التغضن/ يمشي العرضنى في الحديد المتقن». وقول عمرو بن معديكرب الزبيدي: «إن تلقَ عمراً فقد لاقيت مدرعاً/ وليس من همه إبل ولا شاء».

تأتي القطعة الثانية على شكل كتلتين منفصلتين لم يتمّ جمعهما كما يبدو. تمثّل إحدى هاتين الكتلتين الصدر، وتمثّل الأخرى الساقين، وفيهما يبدو اللباس على شكل عباءة تمتدّ حتى حدود الركبتين، كاشفة عن سروال فضفاض. يتبنّى هذا اللباس الطراز الساساني، ويعلوه شريط مضفور بسلسلة من الدوائر ينسدل حول العنق، وحزام مماثل ينعقد حول الخصر. تزين السروال شبكة متجانسة من المربّعات الملتوية تُعرف باسم «المُعين»، وتزيّن العباءة سلسلة تحاكي التعزيزات القشرية، ممّا يجعل منها قميصاً مدرّعاً، أي «قميص من حديد يلبس وقاية من السلاح»، كما يقول «لسان العرب».

نصل إلى المجسّم الثالث، وهو كما أشرنا على شكل تمثال نصفي، يجسّد كما يبدو جندياً مدرّعاً يعتمر خوذة عريضة تعلوها قبة مزيّنة بشبكة من الخطوط العمودية. فقد هذا الجندي ذراعه اليمنى، وبدت ذراعه اليسرى مرفوعة في اتجاه صدره، غير أن يده تساقطت وبات من الصعب تحديد حركتها الأصلية. الوجه دائري ومكتنز، مع شاربين مقوّسين ولحية قصيرة تلتف حول ذقنه. الحاجبان مقوّسان ومنفصلان، والعينان شاخصتان، وهما لوزيتان، ويتوسّط كلاً منهما بؤبؤ دائري عريض، يعلوه ثقب دائري غائر. الأنف قصير وناتئ، والثغر صغير، مع شق أفقي بسيط يفصل بين شفتيه. يماثل هذا الوجه في تكوينه الوجوه العديدة التي خرجت من قصر هشام في خربة المفجر، ويعكس نسقاً محلياً طبع النتاج الفني الأموي الخاص بميدان النحت.

تؤلّف هذه القطع المنحوتة مجموعة صغيرة تعكس صورة مختزلة لـ«مجتمع الجيش» في العالم الأموي، وتقابلها صورتان تفصيليتان من جداريات قصير عمرة في الأردن، تظهر في كلّ منها صورة عسكري يعتمر كذلك خوذة عريضة مقبّبة. يتكرّر هذا النموذج في لوح مستطيل منجز بتقنية الجص الجيري المنحوت، مصدره موقع سكني يشكّل جزءاً من قصر الحير الشرقي، أكبر القصور الأموية في البادية السورية. تعلو هذا اللوح صورة فارس يظهر معتمراً خوذة مشابهة، ملتحفاً لباساً مدرّعاً، تعلوه شبكة من التعزيزات القشرية.

من ناحية أخرى، تشكّل هذه المجموعة الصغيرة رافداً من مجموعة كبيرة من الصور المنحوتة خرجت من موقع خربة المفجر في البادية الفلسطينية، وتقابل هذه المجموعة أخرى مشابهة خرجت من قصر الحير الغربي في البادية السورية. تشكل هذه الصور المنحوتة دليلاً حياً على استمرارية هذا الفن في بلاد الشام في ظل الحكم الأموي، بعد تراجعه في العهد البيزنطي، كما تؤكّد تبنّي السلطة الحاكمة لهذا التقليد في ميدان العمارة المدنية تحديداً.