«صيف سويسري»... معالجة أوهام الذاكرة بالاعتراف

إنعام كجه جي تكتب عن مرض لا شفاء منه اسمه العراق

«صيف سويسري»... معالجة أوهام الذاكرة بالاعتراف
TT

«صيف سويسري»... معالجة أوهام الذاكرة بالاعتراف

«صيف سويسري»... معالجة أوهام الذاكرة بالاعتراف

أربعة أمور أساسية كانت وراء المشهد المختلف لعالم رواية «صيف سويسري» لإنعام كجه جي - منشورات تكوين/ الرافدين 2024 - يتَّصل الأول بالذاكرة السردية لمشروع الكاتبة كله. والثاني خاص بمنطق الأمثولة المفارق، حد الصدام، في هذه الرواية. والثالث كامن في الصياغة الكلية لعظة المكان الغريب. والرابع حاضر بصيغ الاعتراف المهيمنة في النص كله. فماذا عن بنيات الإخفاق الأصيلة؟ إنها، كما نفترض، بعض صيغ المجاز الكلي للرواية برمتها. لماذا لا نقول إنها بعض صيغ الذاكرة السردية؛ ربما، سوى أن عنوان الرواية «صيف سويسري» يهيئنا، ابتداءً، لتلقي عوالم سردية جديدة، في طليعتها ألا ننتظر حكايات كبرى، لا آمال كبيرة؛ نحن ذاهبون إلى «صيف سويسري» فحسب. في الأقل هذا ما نفهمه من عنوان متقشف بلا مزاعم مسبقة!

الذاكرة السردية المقترحة

أربع شخصيات عراقية يجري انتقاؤهم بعناية فائقة من قبل ممثلي شركات الأدوية السويسرية ليذهبوا إلى «سكن جامعي: لنقل إنه دار إيواء أو مصح» بطرف مدينة «بازل» في سويسرا؛ في رحلة علاج صيفية مجانية، أواخر الألفية، من مرض مستعص اسمه الذاكرة العراقية وأوهامها، لا سيَّما الإدمان العقائدي. ويبدو تحديد الزمن ذا وظيفة تأويلية ذات أهمية بالغة؛ فالرحلة قبل احتلال البلاد بأعوام قليلة. وهؤلاء هم حسب ظهورهم وأهميتهم في الرواية: حاتم الحاتمي، بعثي قومي هارب من بلاده. بشيرة حسون صاج آل محمود، سجينة شيوعية تعرضت للاغتصاب في المعتقل، فكانت ابنتها سندس نتيجة للسجن والخديعة. وغزوان البابلي، المتدين الشيعي والمعتقل السابق في سجون دولة البعث أيضاً. ودلاله شمعون الآشورية المبشِّرة الدينية ليهوه، الإله المختلف عن دين طائفتها، ويُكلف الدكتور بلاسم بعلاجهم في دار الإيواء الخاصة هناك. نحن، هنا، إزاء قسمة عادلة إلى حد ما؛ رجلان وامرأتان. هؤلاء الأربعة سيقدِّمون أربع صيغ مختلفة، وربما متعارضة، من الذاكرة السردية العراقية في رواية «صيف سويسري». لكن أقدار هؤلاء تختلف في الرواية؛ إذ ستحتل حكاية الحاتمي، وهو ضابط أمن بعثي ذو أصول جنوبية ريفية، مكانة كبرى في الرواية؛ فهو الشخصية المركزية في الرواية، والوحيد في الرواية الذي يصلنا السرد عبر ضميره المتكلم، فلا شخصية أخرى تمتلك هذا الامتياز السردي سواه. وهذا أمر ذو دلالة بالغة في فهم النص كله. وعلى مستوى المساحة الكلية للرواية فقد تألفت من ست وعشرين فقرة. شغلت قصة «الحاتمي» منها خمس عشرة فقرة. وجاءت بعدها قصة الدكتور المعالج «د. بلاسم» بأربع فقرات، ثم قصة بشيرة بفقرتين، ثم قصص «البابلي» و«دلاله» بفقرة واحدة لكل منهما. وهناك فقرتان للمقهى «الوفاق» ثم «الشقاق»، وفقرة أخيرة تحمل اسم سندس بعد السقوط. ولكن بماذا تُفيدنا هيمنة منظور «الحاتمي» على الرواية في سياق الحفر في موضوع الذاكرة السردية؟

زمن الرواية

لنعد إلى زمن الذاكرة، أقصد زمن الرواية؛ ما دام الزمن هو منطق السرد الأول. ثمة إشارتان زمنيتان تحددان السياق الزمني للرواية، ومن ثمَّ للذاكرة السردية وحكاياتها كلها. الأولى أن زمن الحكاية الأصلية يبدأ من لحظة صعود «القاتل» وتحكمه بـ«الحزب» والحياة، وهي ذاتها لحظة الفتك الجماعية بالرفاق المغضوب عليهم، وبحلفاء الأمس الذين انتهى دورهم. «لماذا لا نقول إنها لحظة قاعة الخلد عام 1979؟». الثانية أن زمن رحلة العلاج المشكِّلة لخطاب الرواية كان أواخر الألفية. وقد يعني التحديد الأخير أن الذاكرة السردية محدَّدة سلفاً، وهي ذات مقاصد مخصوصة تتعلَّق بما يمكن تسميته بأمثولة الضحية ذات الروافد المتآلفة، مع بعض، فيما يمكن أن نصطلح عليه بالسردية الأصيلة والنسق المكرَّر الغالب عليها؛ فقصص المظلوم الضحية تتكرَّر من حالة «بشيرة» إلى «غزوان» فـ«دلاله»، لكن الضحية تتلبس بقناع الوهم الآيديولوجي مؤلفة «أمثولة» زائفة تبدأ بالذات المفردة، ولا تنتهي بمزاعم الجماعات المظلومة الضحية. وليس صعباً على القارئ، بعدها، أن يرى في عذابات «بشيرة» صيغة كلية عن فتك «البعث» بالشيوعيين واغتصابهم. وفي «غزوان البابلي» صيغة مبكرة عن السرديات الصاخبة للشيعة المظلومين في عراق البعث - صدام. لكن «دلاله» نموذج سردي فاضح لأمثولة الضحية؛ فهي آشورية مسيحية، وهي «مُبشِّرة» بإله «جديد» عن ملتها. حالة «دلاله» تعيد رسم حدود الواقع عن «الوهم»، ووضعها في سياق أمثولة الضحية المتداولة بالنسبة للشيوعيين والمتدينين الشيعة المعارضين لنظام البعث، إنما يعري مزاعم مظلومية «الضحية» وأوهامها.

سرديات القاتل

لكن «صيف سويسري» هي رواية «القاتل» الهارب إلى لحظة الاعتراف بجرمه. وليس القاتل هنا سوى الحائز على القسم الأعظم من الرواية. إنه «حاتم الحاتمي». هل ثمة مبالغة في استعمل صفة «القاتل» ووسمه به؟ لا أظن؛ فالشخصية تنبني على أساسين متعارضين. الأول، قتل المعارضين للحزب والقيادة. والقتل ذاته يقود الحاتمي إلى لحظة الحب الأصيلة المفضية إلى طلب الغفران؛ بإنقاذ «بشيرة» من فتك «قتلة» آخرين، هم رفاق القاتل. لا تنشغل الرواية بتفاصيل القتل ذاته، فهي تميل للتقشف والتلميح في سرد وقائع القتل. إنها تكتفي، مثلاً، بالترميز المقصود، مثل أن تقاطع الزوجة زوجها وترفض معاشرته، أو بالعنونة أحياناً؛ كأن تسمي الفقرة «حفلة إعدام». يقابل هذا التقشف بذخ لا تنكره الرواية بالتفاصيل الخاصة بحياة الحاتمي، لا سيَّما ما يتعلَّق منها بصلته بالسلطة، وبحب عمره «بشيرة» أيضاً. فهل تنتهي قصة القاتل عند هذا الحدّ؟ لا أظن؛ فهذه القصة تتصل بمنطق السرد كله ومشروعيته القائمة على جدوى اعتماد قصة القاتل في استعادة ودعم أمثولة الضحية؟ لا إجابات، فالحاتمي، شأن راويه الملتزم بمراقبة صاحبه، كأنه ظله، ملتزم بدوره بصفته القاتل طالب المغفرة باسم الحب، وملتزم كذلك بصفته وموقعه المحيط بكل رفاق رحلة العلاج. وفي هذه النقطة ثمة مفارقة أساسية لا ينبغي علينا تفويتها، تتعلَّق بالحدود المفترضة لهيمنة قصة الحاتمي على القصص الأخرى؛ إذ لا حدود تنتهي عندها «سلطة» الحاتمي وقصته؛ فهي مسيطرة حتى على المساحة النصية للقصص الأخرى، فنجد وظيفة الحاتمي تتداخل مع دور الراوي، ويأخذ عنه وظيفته الأساسية بنقل الأخبار والحكايات عن الشخصيات الأخرى، لا سيَّما ما يتصل بقصة البابلي. فهل صرنا أمام تسويغ مقنع لأهمية قصة الحاتمي وتغليبها على القصص الأخرى في الرواية؟

أقنعة المعترف

ثمة «تلذذ» يصل، ربما، إلى حالة متقدِّمة من «تشهَّي» الاعتراف؛ ففي دار العلاج في بازل يتساوى الجميع؛ القاتل وضحاياه، فهم مستدعون كي يعالجوا من أوهام الذاكرة العراقية بالاعتراف. فالاعتراف هو الموضوع المركزي في الرواية. وقد نقول إنه لا موضوع آخر يفوقه، أو حتى يقترب منه. لكن «الاعتراف» لا تتحقق مقاصده من دون شروطه «الموضوعية». وهي كما تقدِّمها الرواية، المكان الغريب بعظته المختلفة عن هوس الذاكرة المحتدمة. وهو الغريب المنضبط حد الملل. ويظل الاعتراف، حتى هناك، بلا موضوع حقيقي ما لم نسمع الصوت السردي للمتكلِّم المعترف. وهذا شأن اعتراف حاتم الحاتمي، الذي تركه الراوي المراقب، غالباً، يتحدَّث لنفسه، لنا، ويروي ما حصل. والاعتراف بمنطق المتكلم امتياز لم توفِّره الراوية سوى للحاتمي، فمن أصل خمس عشرة فقرة خاصة بقصة الحاتمي، كان هناك تسع فقرات وصلتنا أحداثها عن طريق الراوي المتكلم. وهذا ما لم يحصل مع أي شخصية أخرى، سوى «سندس» التي تولَّت، في فقرة أخيرة، وعبر صوتها الخاص، إخبارنا عن المصائر الأخيرة للشخصيات.

قد لخصت لنا قصة ارتباط «زواج» الحاتمي بأمها، مثلما أخبرتنا عن زواجها وولادتها لابنها جاد، وهي كذلك من عادت بنا إلى بغداد، بعد احتلالها، وقدمت لنا موعظتها الأخيرة المختلفة، جذرياً، عن موعظة العائدين إلى أوهامهم «غزوان البابلي ودلاله وأضرابهما الكثيرون»، عن المعنى الأخير لبلادها الأولى التي من الممكن أن تعود إليها، صحبة ابنها وزوجها؛ فهو مكان مُسَّلٍ يصلح لقضاء العطل والمناسبات تحت الشمس وبعيداً عن ثلوج أوروبا. نحن، هنا، أمام استخدام مختلف للراوي المتكلم؛ فـ«سوسن» ليس لديها ما تعترف به؛ فلا أوهام ولا ذاكرة عراقية متورِّمة، ومن ثمَّ، لا توهم آيديولوجي. وهذا كافٍ لتسويغ الاختلاف عن «تكلُّم» الحاتمي. موقع الحاتمي يختلف، بتعمُّد، حتى عن «بشيرة حسون»، الشيوعية المغتصبة؛ وأكثر الشخصيات تمثيلاً لأمثولة الضحية، إذ لم يُترك لها حق الكلام بمنطق المتكلِّم؛ وتكفَّل الراوي المراقب بالأمر كله. وقد نقول إن حرمانها من «التكلُّم» الذاتي أعطاها حق قبول «الاعتراف» من رفضه؛ فهي الضحية، وهذا موقع أبعدها كثيراً عن لحظة الاعتراف، سوى أنها رفضت، شأن الآخرين، فكرة الذاكرة البديلة؛ فللضحية قصتها الأصيلة وذاكرتها المتورِّمة. وفي المحصلة، فإن سردية الاعتراف تؤدي وظائف أساسية في الرواية، بل إن «صيف سويسري» رواية اعتراف بامتياز متفرد. وهذا أمر يندر أن يحصل بعيداً عن الحاضنة الثقافية الدينية للاعتراف، أن يتخلص السرد من فخ «التقية» المتأصلة في كلامنا وسردنا وثقافتنا، وهو ما نجحت به رواية «كجه جي» المتفرِّدة حقاً.

* ناقد عراقي


مقالات ذات صلة

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

ثقافة وفنون محمد علي شمس الدين

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب

شوقي بزيع
ثقافة وفنون مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي

«الشرق الأوسط» (الكويت)
ثقافة وفنون إيمان حميدان

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً.

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

يطل الوجع الإنساني في نصوص المجموعة القصصية «آلام برنابا وصمته»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب السوري المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي،

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.


رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية
TT

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي، التي أنجزها المترجم الفرنسي الدكتور لوك باربلسكو/Loic Barbulsco بعنوان «الرواية المستحيلة للفاضل السيد ك» (L’Impossible roman de l’honorable monsieur K).

صدرت رواية «الثوب» بطبعتها العربية عن «دار المدى» عام 2009.

وتعتمد الرواية تكنيك «التخييل الذاتي»، حيث يحضر الكاتب في أعماله الروائية باسمه الصريح وبسيرته الذاتية الحقيقية، مع عائلته وأصدقائه ومكان عمله، وحيثيات عيشه.

تتناول الرواية الجديدة التجربة التي عايشها المؤلف في كتابة السيرة الذاتية لأحد الأغنياء، وكيف تنكشف التجربة على فكرة تسليع الأدب وبيع جهد الكاتب للمليونير المشتري، وبروز سؤال الرواية الأهم: هل يمكن للمال شراء الإبداع الإنساني؟

الاتفاق الذي يُعقد بين الكاتب والمليونير يأتي عبر المرور على السيرة الذاتية الحقيقية للرفاعي، بموقفه من الاتفاق، وموقف المحيطين به من أفراد أسرته بأسمائهم الحقيقية، وكذلك موقف الروائي الراحل إسماعيل فهد إسماعيل، والمحامي الراحل محمد مساعد الصالح وغيرهما. ويكتب المؤلف أحداث الرواية بوصفه إحدى شخصياتها الروائية إلى جانب كونه المؤلف، وبما يقدّم مستوى ثانياً للنص، كون حبكة الرواية تقوم على كتابة الرواية داخل الرواية، وبذلك يكون القارئ شريكاً حاضراً في النص، وهو النهج نفسه الذي اتبعه الرفاعي في أعماله منذ صدور روايته الأولى «ظل الشمس» عام 1998، و«سمر كلمات»، و«الثوب»، و«في الهُنا»، ومجموعته القصصية «الدكتور نازل».

وسبق للدار نفسها «أكت سود» أن نشرت ترجمات لروايات الرفاعي، منها رواية «في الهُنا»، و«ظل الشمس»، و«النجدي»، و«حابي»، و«خطف الحبيب».

وحصل طالب الرفاعي على وسام الآداب والفنون برتبة فارس من الجمهورية الفرنسية عام 2022.