«صيف سويسري»... معالجة أوهام الذاكرة بالاعتراف

إنعام كجه جي تكتب عن مرض لا شفاء منه اسمه العراق

«صيف سويسري»... معالجة أوهام الذاكرة بالاعتراف
TT

«صيف سويسري»... معالجة أوهام الذاكرة بالاعتراف

«صيف سويسري»... معالجة أوهام الذاكرة بالاعتراف

أربعة أمور أساسية كانت وراء المشهد المختلف لعالم رواية «صيف سويسري» لإنعام كجه جي - منشورات تكوين/ الرافدين 2024 - يتَّصل الأول بالذاكرة السردية لمشروع الكاتبة كله. والثاني خاص بمنطق الأمثولة المفارق، حد الصدام، في هذه الرواية. والثالث كامن في الصياغة الكلية لعظة المكان الغريب. والرابع حاضر بصيغ الاعتراف المهيمنة في النص كله. فماذا عن بنيات الإخفاق الأصيلة؟ إنها، كما نفترض، بعض صيغ المجاز الكلي للرواية برمتها. لماذا لا نقول إنها بعض صيغ الذاكرة السردية؛ ربما، سوى أن عنوان الرواية «صيف سويسري» يهيئنا، ابتداءً، لتلقي عوالم سردية جديدة، في طليعتها ألا ننتظر حكايات كبرى، لا آمال كبيرة؛ نحن ذاهبون إلى «صيف سويسري» فحسب. في الأقل هذا ما نفهمه من عنوان متقشف بلا مزاعم مسبقة!

الذاكرة السردية المقترحة

أربع شخصيات عراقية يجري انتقاؤهم بعناية فائقة من قبل ممثلي شركات الأدوية السويسرية ليذهبوا إلى «سكن جامعي: لنقل إنه دار إيواء أو مصح» بطرف مدينة «بازل» في سويسرا؛ في رحلة علاج صيفية مجانية، أواخر الألفية، من مرض مستعص اسمه الذاكرة العراقية وأوهامها، لا سيَّما الإدمان العقائدي. ويبدو تحديد الزمن ذا وظيفة تأويلية ذات أهمية بالغة؛ فالرحلة قبل احتلال البلاد بأعوام قليلة. وهؤلاء هم حسب ظهورهم وأهميتهم في الرواية: حاتم الحاتمي، بعثي قومي هارب من بلاده. بشيرة حسون صاج آل محمود، سجينة شيوعية تعرضت للاغتصاب في المعتقل، فكانت ابنتها سندس نتيجة للسجن والخديعة. وغزوان البابلي، المتدين الشيعي والمعتقل السابق في سجون دولة البعث أيضاً. ودلاله شمعون الآشورية المبشِّرة الدينية ليهوه، الإله المختلف عن دين طائفتها، ويُكلف الدكتور بلاسم بعلاجهم في دار الإيواء الخاصة هناك. نحن، هنا، إزاء قسمة عادلة إلى حد ما؛ رجلان وامرأتان. هؤلاء الأربعة سيقدِّمون أربع صيغ مختلفة، وربما متعارضة، من الذاكرة السردية العراقية في رواية «صيف سويسري». لكن أقدار هؤلاء تختلف في الرواية؛ إذ ستحتل حكاية الحاتمي، وهو ضابط أمن بعثي ذو أصول جنوبية ريفية، مكانة كبرى في الرواية؛ فهو الشخصية المركزية في الرواية، والوحيد في الرواية الذي يصلنا السرد عبر ضميره المتكلم، فلا شخصية أخرى تمتلك هذا الامتياز السردي سواه. وهذا أمر ذو دلالة بالغة في فهم النص كله. وعلى مستوى المساحة الكلية للرواية فقد تألفت من ست وعشرين فقرة. شغلت قصة «الحاتمي» منها خمس عشرة فقرة. وجاءت بعدها قصة الدكتور المعالج «د. بلاسم» بأربع فقرات، ثم قصة بشيرة بفقرتين، ثم قصص «البابلي» و«دلاله» بفقرة واحدة لكل منهما. وهناك فقرتان للمقهى «الوفاق» ثم «الشقاق»، وفقرة أخيرة تحمل اسم سندس بعد السقوط. ولكن بماذا تُفيدنا هيمنة منظور «الحاتمي» على الرواية في سياق الحفر في موضوع الذاكرة السردية؟

زمن الرواية

لنعد إلى زمن الذاكرة، أقصد زمن الرواية؛ ما دام الزمن هو منطق السرد الأول. ثمة إشارتان زمنيتان تحددان السياق الزمني للرواية، ومن ثمَّ للذاكرة السردية وحكاياتها كلها. الأولى أن زمن الحكاية الأصلية يبدأ من لحظة صعود «القاتل» وتحكمه بـ«الحزب» والحياة، وهي ذاتها لحظة الفتك الجماعية بالرفاق المغضوب عليهم، وبحلفاء الأمس الذين انتهى دورهم. «لماذا لا نقول إنها لحظة قاعة الخلد عام 1979؟». الثانية أن زمن رحلة العلاج المشكِّلة لخطاب الرواية كان أواخر الألفية. وقد يعني التحديد الأخير أن الذاكرة السردية محدَّدة سلفاً، وهي ذات مقاصد مخصوصة تتعلَّق بما يمكن تسميته بأمثولة الضحية ذات الروافد المتآلفة، مع بعض، فيما يمكن أن نصطلح عليه بالسردية الأصيلة والنسق المكرَّر الغالب عليها؛ فقصص المظلوم الضحية تتكرَّر من حالة «بشيرة» إلى «غزوان» فـ«دلاله»، لكن الضحية تتلبس بقناع الوهم الآيديولوجي مؤلفة «أمثولة» زائفة تبدأ بالذات المفردة، ولا تنتهي بمزاعم الجماعات المظلومة الضحية. وليس صعباً على القارئ، بعدها، أن يرى في عذابات «بشيرة» صيغة كلية عن فتك «البعث» بالشيوعيين واغتصابهم. وفي «غزوان البابلي» صيغة مبكرة عن السرديات الصاخبة للشيعة المظلومين في عراق البعث - صدام. لكن «دلاله» نموذج سردي فاضح لأمثولة الضحية؛ فهي آشورية مسيحية، وهي «مُبشِّرة» بإله «جديد» عن ملتها. حالة «دلاله» تعيد رسم حدود الواقع عن «الوهم»، ووضعها في سياق أمثولة الضحية المتداولة بالنسبة للشيوعيين والمتدينين الشيعة المعارضين لنظام البعث، إنما يعري مزاعم مظلومية «الضحية» وأوهامها.

سرديات القاتل

لكن «صيف سويسري» هي رواية «القاتل» الهارب إلى لحظة الاعتراف بجرمه. وليس القاتل هنا سوى الحائز على القسم الأعظم من الرواية. إنه «حاتم الحاتمي». هل ثمة مبالغة في استعمل صفة «القاتل» ووسمه به؟ لا أظن؛ فالشخصية تنبني على أساسين متعارضين. الأول، قتل المعارضين للحزب والقيادة. والقتل ذاته يقود الحاتمي إلى لحظة الحب الأصيلة المفضية إلى طلب الغفران؛ بإنقاذ «بشيرة» من فتك «قتلة» آخرين، هم رفاق القاتل. لا تنشغل الرواية بتفاصيل القتل ذاته، فهي تميل للتقشف والتلميح في سرد وقائع القتل. إنها تكتفي، مثلاً، بالترميز المقصود، مثل أن تقاطع الزوجة زوجها وترفض معاشرته، أو بالعنونة أحياناً؛ كأن تسمي الفقرة «حفلة إعدام». يقابل هذا التقشف بذخ لا تنكره الرواية بالتفاصيل الخاصة بحياة الحاتمي، لا سيَّما ما يتعلَّق منها بصلته بالسلطة، وبحب عمره «بشيرة» أيضاً. فهل تنتهي قصة القاتل عند هذا الحدّ؟ لا أظن؛ فهذه القصة تتصل بمنطق السرد كله ومشروعيته القائمة على جدوى اعتماد قصة القاتل في استعادة ودعم أمثولة الضحية؟ لا إجابات، فالحاتمي، شأن راويه الملتزم بمراقبة صاحبه، كأنه ظله، ملتزم بدوره بصفته القاتل طالب المغفرة باسم الحب، وملتزم كذلك بصفته وموقعه المحيط بكل رفاق رحلة العلاج. وفي هذه النقطة ثمة مفارقة أساسية لا ينبغي علينا تفويتها، تتعلَّق بالحدود المفترضة لهيمنة قصة الحاتمي على القصص الأخرى؛ إذ لا حدود تنتهي عندها «سلطة» الحاتمي وقصته؛ فهي مسيطرة حتى على المساحة النصية للقصص الأخرى، فنجد وظيفة الحاتمي تتداخل مع دور الراوي، ويأخذ عنه وظيفته الأساسية بنقل الأخبار والحكايات عن الشخصيات الأخرى، لا سيَّما ما يتصل بقصة البابلي. فهل صرنا أمام تسويغ مقنع لأهمية قصة الحاتمي وتغليبها على القصص الأخرى في الرواية؟

أقنعة المعترف

ثمة «تلذذ» يصل، ربما، إلى حالة متقدِّمة من «تشهَّي» الاعتراف؛ ففي دار العلاج في بازل يتساوى الجميع؛ القاتل وضحاياه، فهم مستدعون كي يعالجوا من أوهام الذاكرة العراقية بالاعتراف. فالاعتراف هو الموضوع المركزي في الرواية. وقد نقول إنه لا موضوع آخر يفوقه، أو حتى يقترب منه. لكن «الاعتراف» لا تتحقق مقاصده من دون شروطه «الموضوعية». وهي كما تقدِّمها الرواية، المكان الغريب بعظته المختلفة عن هوس الذاكرة المحتدمة. وهو الغريب المنضبط حد الملل. ويظل الاعتراف، حتى هناك، بلا موضوع حقيقي ما لم نسمع الصوت السردي للمتكلِّم المعترف. وهذا شأن اعتراف حاتم الحاتمي، الذي تركه الراوي المراقب، غالباً، يتحدَّث لنفسه، لنا، ويروي ما حصل. والاعتراف بمنطق المتكلم امتياز لم توفِّره الراوية سوى للحاتمي، فمن أصل خمس عشرة فقرة خاصة بقصة الحاتمي، كان هناك تسع فقرات وصلتنا أحداثها عن طريق الراوي المتكلم. وهذا ما لم يحصل مع أي شخصية أخرى، سوى «سندس» التي تولَّت، في فقرة أخيرة، وعبر صوتها الخاص، إخبارنا عن المصائر الأخيرة للشخصيات.

قد لخصت لنا قصة ارتباط «زواج» الحاتمي بأمها، مثلما أخبرتنا عن زواجها وولادتها لابنها جاد، وهي كذلك من عادت بنا إلى بغداد، بعد احتلالها، وقدمت لنا موعظتها الأخيرة المختلفة، جذرياً، عن موعظة العائدين إلى أوهامهم «غزوان البابلي ودلاله وأضرابهما الكثيرون»، عن المعنى الأخير لبلادها الأولى التي من الممكن أن تعود إليها، صحبة ابنها وزوجها؛ فهو مكان مُسَّلٍ يصلح لقضاء العطل والمناسبات تحت الشمس وبعيداً عن ثلوج أوروبا. نحن، هنا، أمام استخدام مختلف للراوي المتكلم؛ فـ«سوسن» ليس لديها ما تعترف به؛ فلا أوهام ولا ذاكرة عراقية متورِّمة، ومن ثمَّ، لا توهم آيديولوجي. وهذا كافٍ لتسويغ الاختلاف عن «تكلُّم» الحاتمي. موقع الحاتمي يختلف، بتعمُّد، حتى عن «بشيرة حسون»، الشيوعية المغتصبة؛ وأكثر الشخصيات تمثيلاً لأمثولة الضحية، إذ لم يُترك لها حق الكلام بمنطق المتكلِّم؛ وتكفَّل الراوي المراقب بالأمر كله. وقد نقول إن حرمانها من «التكلُّم» الذاتي أعطاها حق قبول «الاعتراف» من رفضه؛ فهي الضحية، وهذا موقع أبعدها كثيراً عن لحظة الاعتراف، سوى أنها رفضت، شأن الآخرين، فكرة الذاكرة البديلة؛ فللضحية قصتها الأصيلة وذاكرتها المتورِّمة. وفي المحصلة، فإن سردية الاعتراف تؤدي وظائف أساسية في الرواية، بل إن «صيف سويسري» رواية اعتراف بامتياز متفرد. وهذا أمر يندر أن يحصل بعيداً عن الحاضنة الثقافية الدينية للاعتراف، أن يتخلص السرد من فخ «التقية» المتأصلة في كلامنا وسردنا وثقافتنا، وهو ما نجحت به رواية «كجه جي» المتفرِّدة حقاً.

* ناقد عراقي


مقالات ذات صلة

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

ثقافة وفنون «حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

في الوقت الذي تحتفي فيه وسائل الإعلام بالنمو التكنولوجي للعملاق الصيني، تأتي رواية «حياتي كعامل توصيل في بكين» لتعرض الجانب المظلم من المعجزة الاقتصادية الصينية

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون نادية هناوي...مشروع  معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

نادية هناوي...مشروع معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

بدأت الريادة الحقيقية لمسيرة النقد العراقي مع مشروع الدكتور علي جواد الطاهر النقدي الذي لفت الأنظار إلى متانته ومنهجيته ومواكبته الدؤوب للنتاج الأدبي العراقي.

جهاد مجيد
ثقافة وفنون بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»

بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»

«لدى التصدي لتحقيق مخطوطات تنتمي لعالم الثقافة الشعبية المتسع والمراوغ، يكون الاختلاف المنهجي ضرورة يضطر إليها المحقق اضطراراً.

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب «تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

كتاب «تحفة الملوك في التعبير»، من تحقيق لينا الجمّال وبلال الأرفه لي هو أحد نصوص علم الرؤيا الذي يُظهِر رؤية التراث الإسلامي للحلم أبعد من حادثة خاطفة في الليل.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
كتب «بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

خصصت مجلة «بانيبال» الأسبانية في عددها الأخير (العدد 18، خريف - شتاء 2025) ملفاً خاصاً عن حياة الأديب الكويتي، ورجل الأعمال الراحل محمد الشارخ وقصصه.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية
TT

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

في الوقت الذي تحتفي فيه وسائل الإعلام العالمية بالنمو التكنولوجي الهائل للعملاق الصيني ومعدلات نموه القياسية، تأتي رواية «حياتي كعامل توصيل في بكين» للصيني «هو أنيان» لتعرض الجانب المظلم من المعجزة الاقتصادية الصينية. الكتاب ليس مجرد سيرة ذاتية لعامل بسيط قضى عقدين من الزمن، وهو في صراع من أجل لقمة العيش، بل هو صرخة الأيادي العاملة الصغيرة ضد قسوة النظام العالمي.

يستعرض الكاتب بأسلوب واقعي، يمزج بين الدقة السردية والعمق الفلسفي، تجربته كعامل توصيل للطرود، عانى من ظروف عمل قاسية، قبل أن يصبح كاتباً مشهوراً بعد نشر كتاباته على منصّات صينية، حيث وصل حجم مبيعات الكتاب في الصين إلى 3 ملايين نسخة، وهو ما يفسر وصوله إلى أرفف المكتبات العالمية، حيث طُرحت الترجمة الفرنسية للكتاب في الأسواق الفرنسية في 7 يناير (كانون الثاني) الحالي عن دار «أوترومون» في 320 صفحة، وكانت مسبوقة بالنسخة الإنجليزية التي نشرت في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، كما تم الإعلان عن صدور قريب للنسخة الألمانية.

«حياتي كعامل توصيل في بكين» توثّق بدقة ظروف العمل القاسية التي مّر بها هو أنيان كعامل توصيل للطرود، واصفاً تلك الفترة بأنها «استنزاف للروح قبل الجسد»، حيث يجد الإنسان نفسه مجرداً من هويته، لا ينظر إليه إلا كـ«رقم تتبع» في تطبيق إلكتروني. الكاتب وصف الدوام الذي يمتد لـ12 ساعة متتالية، والفترات التجريبية بلا أجر، والبرد القارس والحرارة الخانقة والضغط المتواصل لإتمام مهام توصيل الطرود، كما وصف أيضاً كيف يعيش عمال التوصيل في غرف مقسمة إلى حجرات بلا نوافذ، أو في «بيوت القواقع»، وهي وحدات محمولة لا تتجاوز حجم السرير. الكتاب قُسم لفصول قدمت كـ«يوميات معركة»، ففي الفصل الأول «سباق ضد الزمن» يستعرض هو أنيان الضغط النفسي الهائل الذي تفرضه الشركات لتوصيل الطرود في مدة زمنية مستحيلة، وكيف تتحول الشوارع إلى حلبة صراع للبقاء. ثم يتعرض في الفصل الثاني «المدينة غير المرئية» إلى علاقة العامل بالمدينة، كيف يراها خلف الأبواب المغلقة وفي الممرات الخلفية، وكيف يشعر بالغربة رغم كونه المحرك الأساسي لحياة سكانها. وفي الفصل الثالث الذي يحمل عنوان «فلسفة الطرود»، ينتقل الكاتب من الرصد الواقعي إلى التأمل الفلسفي، متسائلاً عن قيمة العمل والكرامة الإنسانية في عصر يتم فيه تشييء البشر.

في واحد من أكثر المقاطع تأثيراً، يكتب أنيان ما يلي: «لم أكن أقود دراجتي، كنت أقود قدري المترنح بين زحام السيارات. في عيون الزبائن، أنا لست بشراً، أنا مجرد مهمة يجب أن تنتهي بسرعة. ولكن في أعماقي، كنت أخزّن كل نظرة ازدراء لأصنع منها درعاً من الكلمات». وفي مقطع آخر، يحلّل الكاتب علاقته بالخوارزمية التي تتحكم في جهده وفي أنفاسه. فيكتب: «الخوارزمية لا تعرف التعب، ولا تعرف أنني أب أو أنني مريض. إنها تطلب مزيداً من السرعة مقابل سنتات قليلة. لقد اكتشفت أن الحرية في بكين هي المسافة القصيرة بين طردين».

يتجاوز الكتاب حدود السيرة الذاتية ليصبح بياناً ضد توحش اقتصاد العمل الحر

صحيفة «لوموند»

حظي الكتاب بترحيب نقدي واسع في الدوائر الإعلامية الأنجلوسكسونية والفرنسية، حيث وُصف «هو أنيان» بأنه أحد أبرز المواهب الأدبية الصينية الجديدة من قبل صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية. وقد اختار ثلاث من أبرز المنابر الثقافية: «الغارديان»، و«صنداي تايمز»، و«الإيكونوميست»، «حياتي كعامل توصيل في بكين» ضمن أفضل كتب عام 2025. في صحيفة «الغارديان» أشارت الناقدة ريبيكا ليو إلى أن الكتاب يتناول موضوع الطبقة الاجتماعية، وتحديداً القوة العاملة منخفضة الأجر التي لا تحظى بالاعتراف، والتي تتعرض للاستغلال، والتي كانت وقود الطفرة الاقتصادية في الصين، بل العالم أجمع، في ظل العولمة. وفي مراجعتها بصحيفة «نيويورك تايمز»، اعتبرت الناقدة ليا غرينبلات أن الكتاب يقدم شهادة حية من خطوط المواجهة الأمامية لاقتصاد العمل الحر، وأن رحلة الكاتب من عامل متنقل بين الوظائف منخفضة الأجر إلى مؤلف مشهور عالمياً تحمل طابعاً استثنائياً.

أما صحيفة «لوموند» فقد خصّصت لمراجعة هذا العمل مساحة مطوّلة، واصفة إياه بأنه «مرآة كاشفة للاغتراب المعاصر»، حيث رأى نقّادها أن قوة «هو أنيان» لا تكمن في كونه ضحية لنظام اقتصادي جائر فقط، بل في امتلاكه تلك «النظرة السوسيولوجية» الثاقبة التي تحلل الطبقة الاجتماعية الصينية الجديدة. واعتبرت الصحيفة أن الكتاب يتجاوز حدود السيرة الذاتية ليصبح بياناً أو «مانيفستو» ضد توحش اقتصاد العمل الحر، مشيدةً بقدرة الكاتب على وصف «استنزاف الروح» الذي يسبق انهيار الجسد، وكيف يتحول الفرد في شوارع بكين إلى مجرد «رقم» في عالم افتراضي لا يعترف بالبشر. أما صحيفة «لفيغارو»، فقد ركّزت في قراءتها على الجانب الجمالي والأخلاقي للنصّ، واصفة أسلوب «أنيان» بـ«الواقعية العارية» التي لا تهدف إلى استدرار العطف، بل إلى إثارة التأمل الفلسفي حول قيمة الكرامة الإنسانية. وأشارت الصحيفة إلى أن الرحلة الاستثنائية للكاتب، من العيش في «بيوت القواقع» ووحدات الحاويات الضيقة إلى منصات التوقيع في كبرى دور النشر العالمية، تمثل انتصاراً للوعي على المادة. وذهبت «لفيغارو» إلى أن «أنيان» نجح في فضح زيف «الحرية» في المدن الكبرى، تلك الحرية التي اختزلها الكاتب ببراعة في «المسافة القصيرة بين طردين».


نادية هناوي...مشروع معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

نادية هناوي...مشروع  معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد
TT

نادية هناوي...مشروع معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

نادية هناوي...مشروع  معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

بدأت الريادة الحقيقية لمسيرة النقد العراقي مع مشروع الدكتور علي جواد الطاهر النقدي الذي لفت الأنظار إلى متانته ومنهجيته ومواكبته الدؤوب للنتاج الأدبي العراقي، ثم ظهرت إلى جانبه محاولات نقدية مشكلة وإياه نواة منظورة لحركة النقد الأدبي العراقي متمثلة بتجارب الأستاذ الناقد الموسوعي باسم حمودي وعبد الجبار البصري، لكن الطاهر كان الأبرز تمثيلاً لها والأوضح تحفيزاً لفرسان النقد العراقي الذين بدأت مشاريعهم النقدية أواخر ستينات القرن الماضي؛ عبد الجبار عباس، وشجاع مسلم العاني، وفاضل ثامر، وياسين النصير الذين شيّدوا متناً نقدياً عراقياً نهض كل منهم في صياغة جانب منه؛ لتنطلق حركة نقدية جادة قوية التأثير في العمل الإبداعي العراقي؛ شعرياً وسردياً، آتت أكلها في إغنائه بكشوفات نقدية تنهل من حركة النقد عربياً وعالمياً بالانفتاح على مناهج ومدارس وتجارب نقدية وفكرية فيها... موضوعات ومفاهيم ومصطلحات. ولن تفوتنا إسهامات عبد الرحمن طهمازي لكن صوته الشعري كان الأطغى والأعلى نبرة في مسيرته الإبداعية.

وخلال عقد السبعينات ظهرت أسماء جديدة لشبان واعدين مثل محمد جبير وعبد الرحمن عناد ومؤيد الطلال وعبد الكاظم عيسى وسليم عبد القادر.

خلال الثمانينات ولدت تجربتان نقديتان مهمتان مثلتهما كتابات الدكتورين مالك المطلبي وحاتم الصكر؛ الأولى اقتفت أثر المدرسة الفرنسية في تمظهراتها البنيوية. أما الثانية، أي تجربة الصكر النقدية، فبرعت في النهل من المنهج القرائي وتعدد مستويات قراءاته، وإلى جوار هاتين التجربتين المهمتين اللتين أثرتا تأثيراً كبيراً في فحص الإبداع العراقي وأضافتا لبنات واضحة في مدماك النقد التطبيقي وفي ظلهما بدأت تجارب لافتة للنظر تتلفع بالأكاديمية التي كانوا يدشنونها آنذاك؛ صالح هويدي وعبد الله إبراهيم وباقر جاسم ومحمد صابر عبيد.

خلال العقدين المنصرمين بزغ في المشهد النقدي العراقي اسم نسوي لا ذكوري. إنه اسم الناقدة الدكتورة نادية هناوي؛ اسم اعتلى عتبات النقد الأدبي وطرق أبوابه بقوة وجرأة واضحتين لفتتا انتباه المبدعين الكبار عراقياً وعربياً؛ بجهدها المثابر واجتهادها الفريد؛ ليشغل عطاؤها مساحات واسعة من الصحف من خلال مقالات وكتب قيمة أصدرتها دور نشر محترمة، فاستقبل مشروعها النقدي بالإعجاب والثناء والتقدير. وكان أول المرحبين والمبشرين به الناقد الكبير فاضل ثامر الذي وصفها براهبة النقد، وتتبع عطاءها بالبحث المعمق وبانبهار وخلص إلى القول «يحق لنا أن نحتفي بولادة منظرة أدب عربية». ووصفها الناقد شجاع مسلم العاني بكونها ناقدة «قادرة على خرق المسلمات النقدية العراقية والإتيان بما هو جديد ومختلف... إنها ناقدة كبيرة وموهبة نقدية كبيرة».

ومن خارج دائرة النقد العراقي، عربياً، تواتر الإقرار بمشروعها النقدي.

ومرد ذلك متانة ورصانة مشروعها النقدي وأهميته وفاعليته النظرية والإجرائية. ومن التوصيفات الدقيقة لهذا المشروع، ما أكدته الباحثتان الدكتورة رواء الخزاعي ومها فاروق الهنداوي والدكتور عزيز الموسوي في الندوة التي عقدها اتحاد الأدباء تحت عنوان «استراتيجيات القراءة لدى الناقدة نادية هناوي»، إذ أكدوا، وهم باحثون أكاديميون وأساتذة متخصصون في السرديات بكبرى الجامعات العراقية، أن «الناقدة الكبيرة نادية هناوي ذات مشروع ريادي ليس بمعزل عما بعد الحداثة، وأنه مشروع بنيوي معرفي شهد تحولات مهمة وشكَّل مرحلة مفصلية في النقدية العراقية والعربية، بالأخص في كتاباتها عن السرد والتاريخ»؛ ولاحظوا أن التحول من نصاني إلى معرفي فلسفي والنفس للحداثة واضح فيه، إذ لم تتعامل هناوي بالمصطلح كما هو قار في المدونة الغربية، بل تحاوره وتسائله وتنتزع مصطلحاً ينتمي إلى فضائها، كما هو الحال في اجتراحها مصطلح «رواية التاريخ» بعد مساءلة فكرية فلسفية مفندة مصطلح المتخيل التاريخي الذي ذهب إليه بعض النقاد. فالتاريخ لديها ليس استحضاراً، بل استدعاء للمساءلة، والاستدعاء كسر لسلطة التاريخ.

لقد أجمعت بحوث الندوة أن «هناوي امتلكت أدوات الناقد النظرية والإجرائية والملكة النقدية، وأن مشروعها الكبير شكلته عدة روافد، منها المدونات الغربية غير أنها لم تكن ناقلة لها، بل فاحصة ومحاورة ومجترحة داخلة نظرية المعرفة بشجاعة عالية ولم تكن بمعزل عن الموروث العربي، لكنها لم تستدعه للمباهاة أو المباهلة، بل لإثبات التلاقح الفكري والإبداعي، وأنها تُغني قارئها بقراءاتها الموسوعية الاستقصائية، وقد تجاوزت الكتابة في التخصص الدقيق مخاطرة عن وعي منتقلة من النظرية السردية إلى علم السرد والسرد ما بعد الكلاسيكي».

ويأتي الكتاب الأربعون «أقلمة سرديات الرحلة عربياً وأجنبياً»، الصادر مؤخراً عن دار «أبجد»، في الوقت الذي تصارع فيه ناقدتنا الكبيرة وحشية المرض اللعين.

والكتاب ضمن سلسلة أبحاثها التي محورها أقلمة السرد العربي مستندة على أصول ومتون في مصادر ومظان ترود فيها بفرادتها وغزارتها منذ سنوات عدة.

ويتمحور الكتاب على السرد (الرحلي) من ناحيتي التأصيل النظري والنمذجة الإجرائية عبر فصوله الثمانية؛ إذ يهتم الفصل الأول باستقصاء القاعدة التي قامت عليها الأصول وتمخضت التقاليد الأدبية فتشكلت الأجناس، وبذلك تأصلت الرحلة كنوع سردي.

بينما يركز الفصل الثاني على دور رحلة غلغامش في نشأة التقاليد موضوعياً وفنياً كونها - أي الرحلة الغلغامشية - مصدراً أصلياً ساهم في البناء الشعري الملحمي، أولاً، والتدوين والنسخ، ثانياً، في ترسيخ أصالة هذا المصدر الذي تمظهرت أقلمته بأشكال مختلفة لا في مرويات الرحلات العربية فقط بل قبل ذلك في المرويات الصينية ذات التاريخ العريق - إلى عصور ما قبل الميلاد - وفيها شكلت الرحلة موضوعاً رئيسياً.

وتنتقل د. هناوي في الفصل الثالث إلى أقلمة الرحلة العربية والأجنبية في ضوء علم السرد غير الطبيعي باحثة في دور المؤلف وأهمية المكان في السرد الرحلي عبر ضمير المتكلم على مستويي الإنشاء النصي وموثوقية التوصيل القرائي، ثم تعرج على مركزية الهوية في تأليف الرحلة العربية التي تراها الأكثر تمثيلاً لموضوعة الذات والآخر والهوية من خلال المحاور التالية: 1- موقع المؤلف هامشاً في الثقافات الأجنبية، 2 - موقع المؤلف مركزاً في الثقافات الأحادية، 3 - أساليب أقلمة السرد الرحلي عامة ورحلة ابن فضلان خاصة (أقلمة كتاب الرحالة الحسن بن محمد الوزان؛ وصف أفريقيا).

يذكر أن هذه الرحلة كانت مدار رواية الكاتب أمين المعلوف «ليون الأفريقي»، وكتاب «وصف أفريقيا» الذي تراه هناوي نصاً مصدراً تمت أقلمته تاريخياً، وقد تمت أقلمة الكتاب نقدياً أيضاً من قبل محمد مهدي الحجوي بعنوان «حياة الوزان الفاسي وآثاره»، ودراسة أخرى بعنوان «ليون الأفريقي» للمستشرق كراتشوفسكي في مؤلفه «تاريخ الأدب الجغرافي العربي». وفي دراسة أساليب النصوص الرحلية المؤقلمة تقف عند رحلة الوزان عبر النص الروائي لأمين معلوف.

ولا يفوتها إجراء مفاضلة بين الأنا والآخر في الرحلة المتخيلة روائياً، أسلوباً ونمذجةً، ومدى درجة تقاربها والرحلة الفعلية، وآفاق بناء المتخيل السردي وتغيراتها تاريخياً متخذة من روايتي «الخميائي» لباولو كويلو ورحلة «ابن فطومة» لنجيب محفوظ مثالاً. وفي الفصل الأخير تعرج الباحثة على دراسة إقلمة سردية الرحلة الأجنبية من وجهة نظر الدراسات الثقافية على قلة ما يتعلق منها بأدب الرحلات ومؤلفة حديثاً ككتاب «نظرات إمبريالية: كتابة الرحلة والعبور الثقافي» و«مفردات مفتاحية في دراسة أدب الرحلات... مسرد نقدي».


بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»

بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»
TT

بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»

بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»

«لدى التصدي لتحقيق مخطوطات تنتمي لعالم الثقافة الشعبية المتسع والمراوغ، يكون الاختلاف المنهجي ضرورة يضطر إليها المحقق اضطراراً، فنحن في واقع الحال نكون أمام ثقافة موازية لما تعلمناه في قاعات الدرس، وهي ثقافة مختلفة إلى حد بعيد، كما أن هذه المخطوطات دائماً ما تثير قضايا خلافية وتدفع إلى بلورة أفكار جديدة، سواء على مستوى الموضوعات أو القضايا المنهجية. فاختلاف طبيعة المخطوط ومضمونه يحتّمان بلا شك طبيعة الإجراءات والأدوات الناجعة في التعامل معه».

بهذه النبذة يقدم د. هشام عبد العزيز كتابه «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي... حدود المصطلح والإجراءات المنهجية»، الذي جاء في مقدمة وأربعة فصول، والذي يستعرض مفهوم علم التحقيق وحدود المنهجية، وتحقيق التراث الشعبي بشكل خاص، كما يتعرض في أحد الفصول للاختلاف في بنية المفاهيم والمصطلحات في علم التحقيق بين النص الرسمي والنص الشعبي. لكن من أهم الفصول الذي أفرد له المؤلف مساحة وافية هو الفصل الأخير الذي يتناول النماذج التطبيقية التي تحدث فيها عن تجاربه في تحقيق مخطوطات التراث الشعبي. يرى عبد العزيز أن تحقيق التراث الشعبي يختلف بشكل يكاد يكون كلياً عن تحقيق التراث المعروف، ليس من حيث مادته فحسب، بل من حيث فلسفة العمل ومنهجه وبنية المفاهيم الحاكمة لعمل المحقق.

وفي هذا الإطار، يؤكد المؤلف حاجة تحقيق مخطوطات التراث الشعبي إلى ما يسميه «المحقق المتخصص»، فمثل هذا المحقق وحده الذي يستطيع استنطاق المخطوط «الشعبي» بمعارف حقيقية وآمنة، ومن دونه سيكون العمل أشبه بفوضى لا تقدم جديداً. وقد ضرب المؤلف، في هذا السياق، أمثلة كثيرة لأعمال محققة بالفعل، من بينها أعمال حصلت على جوائز، لكنها في حقيقة الحال لا تقدم شيئاً، بل إنها تحتوي على «تدليس علمي»، حسب ما يقول. ويرى أن «كل مخطوط جديد يحمل خبرة جديدة وتجربة علمية وتعليمية تعزّ عن الوصف... بعد هذا المشوار الطويل الذي أكمل ثلاثة عقود، أستطيع أن أقول بكل ثقة إن تحقيق التراث بشكل عام أكثر من مجرد علم وأوسع بكثير من قاعات الدرس». إنه، كما يضيف، «عملية تعليمية فيها جانب يشبه إلى حد بعيد تعليم الحرف الشعبية التي تقتضي المعايشة اليومية والمشكلات المتجددة مع كل عمل جديد... وكذلك كل مخطوط جديد يحتاج خبرة جديدة بهذا المخطوط تحديداً، وبمؤلفه، وبزمن تأليفه، وبزمن نسخه. ثم وهو الأهم: بالمجال المعرفي الذي ينتمي إليه هذا المخطوط. وكل عنصر مما سبق يحتاج إلى خبرات محددة وعميقة للتعامل معه بالكيفية التي تنتج معرفة حقيقية نافعة».

وسبق للمؤلف أن أصدر في مجال تحقيق مخطوطات التراث الشعبي خاصة عدة كتب، منها: «ألف ليلة وليلة... حكايات أخرى»، و«معجم التحفة الوفائية في العامية المصرية»، و«المقتضب فيما وافق لغة أهل مصر من لغة العرب»، كما صدرت له عدة مؤلفات في مجال الثقافة الشعبية، منها: «فضل الخرافة»، و«معجم النيل»، و«السيرة الشعبية... جدل النوع وجغرافيا التداول».