ميخائيل نعيمة في عيده الـ135 لم ترحمه الحرب

ناسك الشخروب لا يزال حاضراً في الوجدان

الثلاثي ميخائيل ومي وسهى نعيمة عاشوا معاً
الثلاثي ميخائيل ومي وسهى نعيمة عاشوا معاً
TT

ميخائيل نعيمة في عيده الـ135 لم ترحمه الحرب

الثلاثي ميخائيل ومي وسهى نعيمة عاشوا معاً
الثلاثي ميخائيل ومي وسهى نعيمة عاشوا معاً

كانت الاستعدادات قد استُكملت، والدعوة قد وُزّعت، للاحتفال بالعيد الـ135 لولادة الأديب الكبير ميخائيل نعيمة، وحلول اليوبيل الذهبي لصدور كتابَيه «نجوى الغروب» و«من وحي المسيح»، اللذَين أبصرا النور لأول مرة وهو في الرابعة والثمانين، لكن الحرب الإسرائيلية على لبنان نسفت في طريقها ذاك النهار الطويل الذي كان يفترض أن يخصّص نقاشاً لفكر نعيمة، وغناءً لقصائده ونصوصه، وشهادات في مساره.

سهى نعيمة التي تربّت وترعرعت في كنف الأديب، تؤكد لنا أن الاحتفالية ستُقام ولو بعد حين، «فنحن في أشدّ الحاجة إلى تسامُحه، ورؤيته أن الدين واحد، والاختلاف بيننا هو في الطريقة، لا في الهدف»، فكتابات نعيمة وجبران خليل جبران، في رأيها، لها خصوصية، في هذا الوقت بالذات؛ لأنها «تأخذنا إلى اللب، إلى الجوهر، وتكشف لنا كم أن يومياتنا مجرد قشور، وأن كلّ مَن يتمسّك بذاته المتحولة غير قابل للوصول إلى النورانية الكامنة فيه، وكلنا فينا هذا الفيض وهذه النورانية».

بأمسّ الحاجة إليه

سهى حدّاد نعيمة، القيّمة اليوم على إرث الأديب، هي ابنة ابنة أخيه مي، شاءت الظروف أن تتربى سهى في كنف الجد ميخائيل بعد انفصال والدَيها، وتبقى معه حتى اللحظة الأخيرة، وهي تسكن حالياً في المنزل/ المتحف الذي يحوي كل حاجيات نعيمة، ويقصده عُشّاقه للتعرف إليه عن قُرب.

تتحدث سهى لـ«الشرق الأوسط» بحزن عن الاحتفال الذي تأجّل ولم يُلغَ أبداً، «فنحن في أمسّ الحاجة للتعمق في كتبه وأفكاره، فقد علّمنا أن ننظر بطريقة مختلفة إلى الزمن، وأن نفكر بالمسافة الطويلة الفاصلة بين الأزليات والبدايات، وأن الحياة تعبّر عن ذاتها بالحركة، ولولا الحركة لما شعرنا بشيء اسمه حياة، والجماد ليس جامداً، وإنما جزيئاته وذرّاته دائمة الحركة، وإلا لما بقي».

في سيرة ميخائيل نعيمة شيء من الغرابة، وكثير من الحظ والكدّ والمثابرة، هو نفسه يقول إن ما أنجزه جاء أبعَد من متناول خياله.

حياة أبعد من خيال صاحبها

وُلد في بسكنتا عام 1889، في قرية صغيرة يسكنها فلاحون، لا يربطها ببيروت سوى طريق تصلح لسير البغال، وليس في الضيعة مدرسة، فكان يتعلّم عند خوري هو نفسه لا يجيد القراءة، وشاءت الصدف أن تفتح «الجمعية الإمبراطورية الروسية» مدرسةً في هذا المكان لتعليم الأورثوذكس، وبما أنه مبرّز أرسلوه في بعثة إلى دار المعلمين الروسية في الناصرة بفلسطين، ثم تمّ اختياره ليتابع دروسه في روسيا، وكان قد اطلع قبلها على الشعر الروسي وأحبّه، وتمنّى لو يكتب كما هؤلاء العباقرة، وتمكّن باجتهاده أن يتعلّم الروسية، لا بل أن يَنْظِم فيها قصيدته «النهر المتجدّد» عام 1910، وكاد أن يتزوج من روسية، لولا أنه عاد عام 1911 إلى لبنان.

وكان يودّ أن يُكمل دراسته في فرنسا، لكن القدَر يتدخل مرة جديدة، ويسوقه إلى مكان آخر، حيث يأتي شقيقه أديب من أميركا إلى لبنان، ويُقنعه أن يذهب معه إلى واشنطن، وهناك يدرس الحقوق والآداب، ويحصل على شهادة في كل من الاختصاصين، ويتعرّف إلى نسيم عريضة الذي كان يُصدر مجلة «الفنون»، ويبدأ ينشر مقالاته فيها، وعلى عبد المسيح حداد الذي كان يُصدر جريدة «السائح»، وجبران خليل جبران وأمين الريحاني، اللذَين سيشارك معهما في تأسيس «الرابطة القلمية».

شارك في الحرب الأولى بلا رصاص

عندما اندلعت الحرب العالمية الأولى طُلب إلى نعيمة الانخراط في الخدمة العسكرية الأميركية عام 1914، فشعر بغرابة المهمة التي أُوكِلت إليه، فما علاقته هو بالقتل والحروب والأسلحة؟ وأُرسل لسوء حظه إلى أصعب جبهة وقتها؛ على النورماندي في فرنسا، ومع ذلك قرّر ألّا يُطلِق ولو طلقة واحدة، وهكذا كان، وعاد من حرب كبرى دون أن يستخدم سلاحه، لكنه في المقابل أكمل كتابة مؤلَّفه الشهير «مذكرات الأرقش» الذي ظهرت نصوصه تباعاً من 1913 إلى 1917.

وحين مرض صديقه جبران خليل جبران عام 1931 شاءت الظروف أن يكون إلى جانبه، وأن يشهد نزعه الأخير طوال 6 ساعات، ويلفظ أنفاسه الأخيرة بين يديه.

وبرغم أنه عاش في أميركا 20 سنة، فإن قلبه بقي معلقاً دائماً بلبنان، والشخروب، وجبل صنين ببهائه وصفاء هوائه، هذا الجبل المهاب الذي تسلّقه سيراً على الأقدام ما لا يقل عن 3 مرات، فقد كان عاشقاً للمشي والتسلق، حنينه إلى الطبيعة غلب كل إغراء. أحبّ الأرض؛ لأن دروسها لا تُحصى، هاجر واستفاد علمياً، لكن جمال جبال لبنان بقي يناديه كي يعود، بل كان يتساءل عما يربطه بهؤلاء الناس الذين يعيش بينهم، فقد كان اتفاقه مع جبران، حسبما روى، أن يعودا معاً إلى الوطن، لكن عاد صديقه في نعش ليرتاح جسده في بلدته بشري، ورجع هو بمفرده ليُكمل حياته بين بسكنتا والشخروب.

«ناسك الشخروب» بحقّ

الطبيعة في نظره كانت «كتاباً هائلاً وعظيماً، لا يمكنك أن تفهمها بعينيك أو يديك، بل بروحك، إذا أبصرت صخراً تجد له كياناً، هو يؤثر ويتأثر بما حوله وفوقه وتحته، الصخر كائن حي، ولو لم يكن كذلك لما أثّر بشيء ولما تأثّر بشيء»، وكان يقول وهو ابن الجبل: «هذه الصخور تعني عندي أكثر من صخور، عندما أُبصر الصخر وأُبصر نبتةً بجانبه، أشعر أن هناك بينهما صلة الابن بأبيه وأمه، الصخور تحدّثني، تحدّثني عن أن الزمان وهمٌ؛ لأنها لا تُحسّ الزمان كما نُحسّه، وتحدّثني أنني سخيف جداً عندما أقيس الزمان بالساعات».

عاد إلى عائلته وبيته في بسكنتا، إلى الصخر الذي أحبّ، والشجر الذي عشق، في الشخروب، المنطقة التي تعلو 1800 متر عن سطح البحر، حيث كان مصيف العائلة، عثر على مغارة سمّاها «الفلك»، صار يأتيها في الصباح حاملاً أغراضه، ويجلس في زاوية المغارة يتأمل ويكتب، هناك سطّر كتابه عن جبران، وأغلب مقالات «زاد المعاد»، ومؤلّفه الشهير «مرداد».

عندما تتحدّث الصقور

كان يسرّح ناظره وهو يجلس في «الفلك»، فيرى الطبيعة حوله، وكأن عناصرها تتحوّل كائنات لها وجوه وحضور وكيان، وبالتالي شكّلت تلك البيئة الجبلية مصدر وحي لا ينضب، لكاتب عَشِق الغوص فيما هو أبعد من المادي المحسوس.

انصرف كلياً إلى القراءة والكتابة، مستبعِداً كل عمل يُعرَض عليه، مهما يمكن أن يدرَّ من مال، في سبيل أن يتفرّغ لما نذر نفسه له. عانى من ضيق ذات اليد ولم يعبأ، لم تكن المداخيل القليلة التي تأتيه من كتبه ومنشوراته مما يجعله يتبرّم، وكان كريماً مِعطاءً، ليس فقط مع عائلته، بل مع المحتاجين حوله أيضاً.

فهو منذ البدء عَدّ الأدب تعبيراً عن الإنسان، ومرآةً له؛ لذا فقد كتب ما آمَن به عميقاً، وكأن نصوصه صدى لنفسه، مشتكياً من أن الكلمات تقصر أحياناً عن الإتيان بتصوير دقيق لما يدور في البال، «فنحن لا نستطيع أن نعبّر عن كل خلجة في قلوبنا، أو خاطرة تمرّ في بالنا».

اليوبيل الذهبي لكتابَين

«وَشل من بحر» هو عنوان احتفالية نعيمة المؤجّلة، عبارة مستلّة من آخر فصل في كتاب «من وحي المسيح» الذي بلغ يوبيلَه الذهبي، حيث يقول: «ما كُنته ليس سوى وشلٍ من بحر»، الكتاب الذي نرى فيه لمرة جديدة محنة الإنسان عند نعيمة، ممزَّقاً بين الحياة السُّفلية بكل مآربها الصغيرة، والتوق إلى العلوي الإلهي الشفيف، أما الكتاب الثاني الذي بلغ الخمسين من عمره فهو «نجوى الغروب»، وهو أشبه بصلاة يتوجّه فيها إلى الله، وكأنما يعتصر خلاصة فكره، وتجربته، وروحانيته، وفي مناجاته يقول: «طفلك أنا يا ربّي، وهذه الأرض البديعة، الكريمة، الحنون، التي وضعتَني في حضنها، ليست سوى المهد أدرج منه إليك... عجائبك يا رب تكتنفني، منذ أن خرجت من بطن أمي، وحتى شارفَت شمسي على الغروب، وأصغرها أكبر من أن يحيط به أي عقل، أو أن يستوعبه أي خيال، أو أن ترسمه ريشة، ويصفه قلم، أو أن تتلفّظ به شفتان ولسان، وأنا وسط هذه العجائب أقف».

آلته الكاتبة موجودة أيضاً

نعيمة والجيل الجديد

ومع أن ما كتبه في هذين الكتابين يُشعِران القارئ بأنه يداعب دنوّ الأجل، فإن نعيمة عاش بعد صدورهما 15 عاماً، وتوفي عام 1988، وقد بلغ ما يقارب القرن وقد فَقَدَ خلاله أصدقاءه وكثيراً من الأحبة، ولم يتبقّ له في سنواته الأخيرة غير القراءة والسيجارة، وعائلته، وذلك الهدوء الوقّاد.

سهى نعيمة التي رافقته في تلك الفترة حتى توفّي وهي في العشرين من عمرها، تتحدث طويلاً عن العلاقة الثلاثية التي ربطتها وأمها مع جدّها ميشا، كما تسمّيه، «هكذا كنت أناديه، واختصرنا أسماءنا بكلمة (ميماسونا)»، وهو الاسم الذي تحمله جمعيته اليوم، ومع أن الجيل الجديد بأمسّ الحاجة إلى فكر ميخائيل نعيمة، وحكمته، وروحانيته، وعلاقته التناغمية مع الطبيعة، فإن تلامذة المدارس، على عكس الأجيال السابقة، ما عادوا يعرفون ميخائيل نعيمة، وقد يُنهُون تعليمهم دون دراسة نص له، «هذا ما ألاحظه» -تقول سهى- «من اختلاطي بالتلامذة الذين يأتون لزيارة البيت بدافع من فضول يزرعه أساتذتهم في نفوسهم، وليس لأن نعيمة جزءاً من المعرفة الوطنية التي تحرص عليها المناهج».


مقالات ذات صلة

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

كتب «تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

كتاب «تحفة الملوك في التعبير»، من تحقيق لينا الجمّال وبلال الأرفه لي هو أحد نصوص علم الرؤيا الذي يُظهِر رؤية التراث الإسلامي للحلم أبعد من حادثة خاطفة في الليل.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
كتب «بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

خصصت مجلة «بانيبال» الأسبانية في عددها الأخير (العدد 18، خريف - شتاء 2025) ملفاً خاصاً عن حياة الأديب الكويتي، ورجل الأعمال الراحل محمد الشارخ وقصصه.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق من اللوحات الجمالية مسار الكتب المعلقة في مهرجان الطائف (الشرق الأوسط)

مهرجان الطائف للكتّاب والقرّاء يعيد صياغة العلاقة بين الأدب والطبيعة والفن

مثّلت النسخة الثالثة لمهرجان الكتاب والقراء الذي أقامته هيئة الأدب والنشر والترجمة التابعة لوزارة الثقافة السعودية في متنزه «الردف» بمدينة الطائف، مساراً جديداً

سعيد الأبيض (الطائف)
ثقافة وفنون باومان

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني.

شوقي بزيع
ثقافة وفنون تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان.

محمود الزيباوي

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان
TT

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني والمعرفي، وصولاً إلى العولمة والوصل المتسارع بين جهات الأرض وأصقاعها المتباعدة. لكن الأعراض المصاحبة للحداثة، على المستويات المتصلة بالأخلاق والعلاقات الإنسانية ونظام القيم، لم تكن جانبية وضئيلة بما يسهّل ابتلاعها على المفكرين والمبدعين وعلماء الاجتماع، بل إن عدداً غير قليل من هؤلاء، قد وجّهوا سهام نقدهم إلى الحداثة الغربية التي حوّلها النظام الرأسمالي إلى ديانة جديدة، قوامها عبادة المال وشهوة الربح والاستهلاك واللذة العابرة.

واللافت في هذا السياق أن النقد الأشد قسوة الذي وُجّه إلى حضارة الغرب قد جاء من جهة الغرب نفسه، ابتداءً من عمل غوته الشهير «فاوست»، الذي يبيع فيه الأخير نفسه للشيطان لكي يربح المعرفة والعلم، مروراً بكتاب شبنغلر «تدهور الحضارة الغربية»، ورواية «المسخ» لكافكا، التي استيقظ بطلها «سامسا» على حين غرة، ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة، بما بدا تعبيراً بالغ الدلالة عن سحق الإنسان تحت السنابك الصماء للنظام الرأسمالي، وليس انتهاء بكتاب المفكر الكندي ألان دونو «نظام التفاهة»، الذي بدا أشبه بمضبطة اتهام قاسية ضد تهافت الحياة الغربية وتصحرها وخوائها.

فرويد

أما كتاب الباحث وعالم الاجتماع البولوني زيغمونت باومان «الحب السائل»، ترجمة حجاج أبو جبر، فيقع من جهته في الخانة نفسها التي يقع فيها كتاب دونو، سواء من حيث تركيزه على دور الحداثة الغربية في تفكيك العلاقات الإنسانية وإفراغها من أبعادها العاطفية والروحية، أو من حيث إماطة اللثام عن تهالك البشر المتمادي على الاستهلاك، سواء تعلق الأمر بالسلع والمنتجات وأدوات الترفيه، أو بالمتع الجسدية العابرة.

وحيث إن الالتزام بكل أشكاله، سواء اتخذ شكل الحب أو الزواج أو الدين واليوتوبيا والآيديولوجيا، لم يعد واحداً من اهتمامات إنسان الحداثة، فإن باومان يرى في رواية إيتالو كالفينو «المدن الخفية»، الصورة النموذجية للإنسان الحديث؛ حيث لا يعادل تلذذ البشر باقتناء الأشياء الجديدة سوى «تلذذهم بطرح الأشياء والتخلص من النفايات اليومية، وتطهير أنفسهم من قذارتها».

لقد ولّى في نظر المؤلف الزمن «الصلب» الذي كانت العلاقات العاطفية فيه خارجة من أعماق الروح ومنذورة لشخص بعينه، أو مرتبطة بمواثيق الزواج الديني التي تتوجها عبارة «لا يفرقكما أحد حتى الموت»، ليحل محله زمن الحداثة «السائلة» والمنبتة عن أي سياق زمني. وإذا كان بودلير قد شكّل في أعماله الشعرية والنثرية المنعطف الحاسم باتجاه الحداثة، فهو في الشذرات التي ضمها كتابه «سأم باريس» يجسد أفضل تجسيد الطبيعة المتقطعة للزمن الحديث. وفي الرسالة التي بعث بها الشاعر إلى ناشره، لا يتوانى عن وصف كتابه بأنه عمل بلا بداية ولا نهاية، ليضيف ما حرفيته «أنا لا أمسك بالإرادة العنيدة للأجزاء لأصنع حبكة مفتعلة، فاحذف ما شئت من الشذرات، وستجد أن كل شذرة يمكن أن تكون قائمة بذاتها».

ولعل أي نظرة متفحصة إلى أحوال هذا الزمن، لا بد أن تفضي إلى الاستنتاج بأن العلاقات القصيرة والمتعددة التي يعيشها أهلوه تبدو شبيهة بشذرات بودلير، الموجزة والسريعة من جهة، والقابلة للاتصال والانفصال من جهة أخرى. وهو ما يرى فيه المؤلف النتيجة الحتمية لتراجع اليوتوبيا وتفكيك الأبنية الآيديولوجية والدينية المُحكمة، واستبعاد السرديات الكبرى لتفسير العالم. فالحداثة على الرغم من تجلياتها المعولمة التي وسعت مساحة «الشكل»، هي نفسها التي ضيّقت مساحة «المعنى» وموارده الروحية، وهي نفسها التي رفعت سقف المتعة العابرة، وقلصت سقف السعادة والاغتباط بالوجود.

ولا يعني الانتصار للحب «الصلب» أنه مثالي وخالٍ من الشوائب والأمراض، إذ ثمة في معظم العلاقات العاطفية نزوع إلى تملك الآخر المعشوق وإخضاعه، أو إدماجه الكامل في الأنا العاشقة، وفق ما يرى إريك فروم. ولأن الخوف من الانفصال عن الحبيب هو أفظع ألوان الخوف التي يعانيها المحب، فإن الأخير يعمد، بذريعة درء مخاوفه، إلى جعل الأول صورة عنه أو تابعاً له، وصولاً إلى خنقه ومصادرة هويته.

لكن العاشق في الوجه الآخر من الصورة، لا يكف عن تعظيم المعشوق كجزء من تعظيمه لنفسه، وصولاً إلى تأبيد صورته وإعلائها عن طريق القصيدة واللوحة والأغنية، وسائر ضروب الإبداع. وقد يكون أثمن ما يقدمه الحب للميممين شطره من العشاق، هو أنه ينتزع لهم حياة أخرى من بين كل العالم، ومن ثم يعيد تشكيلها في هيئة شخص محدد تماماً، شخص له فم ننصت إليه ونحادثه، لعل أمراً يحدث في ذلك الفراغ الممتد بين محدودية أعمال البشر ولا نهائية أهدافهم وآثارهم.

إلا أن الفرص غير المسبوقة التي وفرتها التقنيات المعاصرة لهذا النشاط، قد سهّلت الدخول فيه والخروج منه، بما أحال العلاقات الرومنطيقية على التقاعد، وجعلها عدا استثناءات قليلة، محصورة بالروايات والأفلام السينمائية وقصائد الشعراء. كما تم تسهيل الاختبارات المسماة «حبّاً» وتخفيض مدتها ورهاناتها، إلى حد اقتصارها على مغامرة سريعة أو لقاء عابر.

ومع أن الرغبة والحب شقيقان، وفق باومان، فإن الأولى هي اشتهاء للاستهلاك والإشباع، وصولاً إلى هضم الآخر وتجريده من هويته بمجرد انتهاء المهمة، في حين أن الثاني يتطلب من الحبيب أن يوفر حماية تامة للمحبوب، حتى لو كان الهدف منها سجنه والاستيلاء عليه. كما أن للرغبة والحب مقاصد متعارضة «فالحب شبكة تُنسج من أجل الأبدية، والرغبة بالمقابل وسيلة للهروب من أعباء نسج الشباك. وفي حين يسعى الحب بطبيعته إلى إدامة الرغبة، تسعى الرغبة بطبيعتها إلى الافلات من قيود الحب».

إن جزءاً غير قليل من الثقافة قد ولد في ظل لقاء الرجل والمرأة؛ حيث بدأ منذ ذلك اللقاء التعاون الحميم بين الطبيعة والثقافة، في كل ما هو جنسي. وإذا كان فرويد قد اعتبر أن التهذيب والتحكم بالشهوات والغرائز أساس الحضارة؛ حيث ضغوط الجسد الشبقي يتم تحويلها عبر الأنا الأعلى إلى أعمال إبداعية عظيمة، فإن إنسان الألفية الثالثة يذهب إلى المكان النقيض. فالسعي إلى المتعة يتحول إلى نوع من العبادة، وتتحول الرغبة الجنسية إلى مادة قابلة للتسويق. أما السلع والأدوات المادية الأخرى كالطعام والسيارات وأدوات التجميل والمنازل، فتصبح من جهتها موضوعاً للشبق، وتعِد بنشوة استهلاكية معادلة لنشوة الجنس نفسه.

المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن

وإذ تتحول المتعة إلى حدث فيزيولوجي داخل الجسد، وتتحول الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل إلى أدوات شبه وحيدة لإدارة العلاقات بين البشر، فإن الإنسان المعاصر يجد نفسه محاصراً بعلاقات واقعة خارج الدائرة الإنسانية، بحيث إن الآلة وحدها هي التي تصله بالعالم، وتنظم شؤونه الحياتية والمالية، وتدخل معه إلى فراشه في نهاية الأمر. وفي المدن الحديثة التي تزودك بخدمات الإنترنت وعالم العلاقات الافتراضية، ليس عليك أن تتحلى بفضيلة الصبر أو التضحية، أو اجتياز الأرخبيل الإنساني المفضي إلى علاقة عميقة بالآخر، ما دمت قادراً على الشروع في العلاقة أو إنهائها خلال لحظات محدودة. وليس عليك لكي تفعل ذلك سوى الضغط بالإصبع على المفتاح المناسب للاتصال والانفصال.

يتضح بهذا المعنى أن المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن. ذلك لأن ما صدّره الغرب، وما انفك يصدّره إلى بقية العالم، لا يقتصر على منتجات التطور التكنولوجي فحسب، بل هو يتسع ليشمل سيرورات التفكك وانهيار المعتقدات وتقويض الروابط التي جهدت البشرية في تطويرها عبر التاريخ. وفي ظل هذه التغيرات الدراماتيكية، فقدت المجتمعات البشرية لحمتها، لتتحول إلى تجمعات سكانية يلتف كل واحد من أفرادها كالشرنقة على نفسه. وفي ظل التفاقم المرضي لملذات الجسد، تقدمت شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة إلى واجهة المشهد، لتقوم بوظائفها نيابة عن الحياة الحقيقية، وتتحول إلى حصالات للمتع العابرة والشقاء المقيم.


حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
TT

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان، إلى أن بدأ عدد من العلماء الغربيين بالكشف عنها ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر. تصدّعت هذه الأبنية في أغلب الأحيان، وبقي منها أسسها، وشكّلت هذه الأطلال انطلاقة لدراسة مخططاتها الهندسية، وتبيّن أنها تتبع طرازاً خاصاً جامعاً. في المقابل، حافظ بعض من هذه الأطلال على حلله الزينية، ومنها قصر يُعتبر أكبر القصور الأموية في بادية الأردن، ويُعرف باسم المَشتى.

يقع هذا القصر في لواء الجيزة، على بعد 32 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة عمّان، ويجاوره موقعان أمويّان نُسبا إلى الخليفة الوليد بن يزيد، أوّلهما قصر يُعرف بقصر القسطل، وثانيهما خربة تُعرف باسم زيزيا، وهي على الأرجح منزل «زيزاء» الذي ذكره الطبري في تاريخه، وقال إن الخليفة كان يُطعم فيه الحجّاج «ثلاثة أيام، ويعلف دوابّهم». لم يكن قصر المَشتى مطموراً تحت الرمال عند الكشف عنه، بل كان بناءً ضخماً مهجوراً، يُعرف محلياً بهذا الاسم الذي لا نجد له ذكراً في كتب التراث. رأى العلماء أن هذا القصر سُمّي المشتى، لأن قبائل الصحراء كانت تتخذه محطة لها خلال فصل الشتاء. وهو ما تشير إليه المعاجم العربيّة بقولها: «الشتاءُ معروفٌ، والموضعُ المشتى، بفتحِ الميمِ، مقصورٌ».

كان قصر المشتى أول القصور الأموية التي كشف عنها العلماء في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، في زمن شهد فيه علم الآثار في أوروبا اهتماماً متصاعداً بالفنون الإسلامية. خرج المشتى من الظلمة إلى النور في تلك الحقبة، وأنجز عالم الآثار الألماني برونو شولتس رسماً تخطيطيـاً متقناً له نُشر في عام 1903، وذلك بالتزامن مع نقل واجهته إلى برلين. لم يتمّ هذا النقل بشكل سرّي، بل جاء هدية من السلطان عبد الحميد الثاني إلى حليفه غليوم الثاني، قيصر الرايخ الثاني الألماني، وملك بروسيا، إثر رحلة جرت في 1898، قصد خلالها «الأراضي المقدسة» في فلسطين، ومحيطها.

في مطلع ذلك العام، تمّ إنشاء «المؤسسة الألمانية الشرقية»، فعمدت إلى إتمام اتفاق يقضي بأن تحصل ألمانيا على نصف ما تعثر عليه بعثاتها الاستكشافية في العالم العثماني. أُقرّ هذا الاتفاق بشكل ضمني بين القيصر والسلطان، ومهّد لنقل واجهة قصر المشتى هدية من السلطان إلى القيصر، واللافت أن الموقع كان يومها بالنسبة إلى العثمانيين قصراً بيزنطياً شرع الإمبراطور يوستينيانوس في تشييده خلال القرن السادس، ولم يكمل بناءه.

حصل الألمان على إذن بمعاينة قصر المشتى في عام في 1902، وسارعوا إلى إرسال بعثة لدراسة عملية نقل واجهته. تمّ فكّ حجارة هذه الواجهة، وجُمعت في صناديق نُقلت براً عن طريق سكة حديد الحجاز إلى ميناء بيروت، ثمّ بحراً إلى ألمانيا، ووصلت إلى «متحف القيصر فريديريك» في نهاية 1903، قبل افتتاحه بعشرة أشهر، وتمّت إعادة جمعها هناك، فتحوّلت إلى قطعة فنية ضخمة طولها 33 متراً وعرضها 5 أمتار. تمّ نقل هذه التحفة إلى «متحف بيرغامون» في 1932، ودخلت «متحف الفن الإسلامي» الكائن في هذا الصرح.

توالت الدراسات الخاصة بقصر المَشتى بعد دخول واجهته إلى متحف القيصر فريديريك. نشر العالِم اليسوعي هنري لامنس في 1910 مقالة نسبه فيها إلى الخليفة وليد الثاني، مستنداً إلى رواية نقلها في القرن العاشر الأسقف القبطي ساويرس ابن المقفع، تقول إن الوليد بن يزيد تسلّم الخلافة بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك في 743، «فبدأ يبني مدينة على اسمه في البرية». رأى لامنس أن هذه المدينة ما هي إلاّ قصر المَشتى، وأن الوليد الثاني لم يكمل بناءها بسبب رحيله المبكر في 744. ويجمع العلماء اليوم على القول بأن المَشتى بُني في النصف الأول من القرن الثامن، ومثّل نموذجاً مبكراً للقصور الملكية الأموية.

شُيّد هذا المجمع على شكل مربّع يقع مدخله في وسط واجهته الجنوبية التي تتميّز بشبكة من الزخارف تجمع بين النقش والنحت الناتئ والغائر. تحلّ في وسط هذه الشبكة سلسلة من المثلثات المعدولة، تقابلها سلسلة معاكسة من المثلثات المقلوبة. تتوسّط كل مثلث من هذه المثلثات حلقة دائرية تأخذ شكل وردة ذات بتلات مفتوحة. ومن حول هذه الأقراص الوردية تمتدّ شبكات واسعة من الزخارف، تجمع بين عناصر تصويرية متعدّدة. تعتمد هذه الزخرفة في المقام الأوّل على زينة نباتية، قوامها الكرمة التي تمتد بأغصانها في كل اتجاه. وبين أغصان هذه الكرمة تظهر مجموعة من الطيور تقتات بمناقيرها من حبات العنب.

تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية، وتتعدّد صورها، فمنها الحمام، ومنها الحجل، ومنها تلك التي يصعب تحديد فصيلتها. في القسم الأسفل يظهر زوجان من الحيوانات حول آنية تحتلّ وسط التأليف. تتعدّد صور هذه الأزواج، فمنها الأسد، ومنها الثور، ومنها العنقاء، ومنها الحيوانات الأسطورية. كما تتعدّد صور الآنية التي تجتمع من حولها هذه الكائنات، وتشكّل سجلاً يضم أشهر النماذج التقليدية المعتمدة في الميراث اليوناني.

تتكرّر صور هذه الأزواج وتتشابه دون أن تتماثل، ويشكّل هذا التنوع خصوصية أشار إليها العلماء باكراً، وأوّلهم القسيس الأنغليكاني هنري بايكر ترسترام الذي قدّم أول عرض توثيقي لهذا القصر في 1872، ضمن كتاب حمل عنوان: «أرض مؤاب، رحلات واستكشافات في الجانب الشرقي من البحر الميت والأردن»، وفيه توقّف أمام هذه الصور التي «تجسّد الحيوانات، والفواكه بتنوع لا متناهٍ»، وأحصى «نحو خمسين حيواناً من جميع الأنواع، وهي تشرب معاً من جهات متقابلة من إناء واحد»، ورأى أن هذه الواجهة تجمع أشكالاً كثيرة «مع وجود مزهريات»، «وقد تمت إحاطة هذه الأشكال جميعاً بنقوش لنماذج تقليدية، وصدوع مليئة بأشكال جميلة للأوراق».

يجمع هذا التأليف بين عناصر تعود إلى العالم المتوسطي اليوناني، والعالم الآسيوي الفارسي، غير أنه يعيد صوغها في قالب جديد مبتكر، يشكّل خصوصية الفن الأموي، ونواة الفنون الزخرفية الإسلامية في العصور الوسيطة. من هنا تبدو واجهة قصر المشتى أشبه بمعرض كبير احتضن مجمل العناصر الزخرفية التي سادت في البقاع التي فتحها الأمويون. يتميّز هذا المعرض بأسلوب فني خاص يبرز في هذه الحلل، كما في العديد من حلل خرجت من قصور أموية أخرى تمّ اكتشافها في العقود التالية.


دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب
TT

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة، في 250 صفحة، مقدماً قراءة نقدية تجمع بين التنظير والتطبيق، وتتخذ من قصائد «جيكور» في منجز بدر شاكر السياب، ميداناً لاختبار منهجية الاتساق النصي في تحليل الشعر.

يقول الناشر: «يعرض الكتاب منهجية الاتساق النصي، بوصفها مدخلاً يراهن على الموضوعية والعلمية في قراءة النصوص الأدبية، انطلاقاً من بنية النص ونسيجه اللغوي، بعيداً عن الرؤى التعميمية، والأحكام الانطباعية، التي قد تُحمِّل النص ما لا يحتمل، أو تبتعد في تحليله عمَّا تقوله الكلمات، وتومئ به التعبيرات. وفي هذا السياق، يسعى المؤلف إلى استنطاق شيفرات النص، والبحث عن أسباب ترابط بنيته وفق آليات واضحة يمكن تطبيقها والخروج بنتائج تدعم جماليات القصيدة، وتفسر اشتغالها الداخلي».

ويقدم الكتاب، كما يضيف، إضافة منهجية عبر طرح استراتيجية لدراسة البنية الشعرية تستوعب الرؤية والمضمون، وتنظر في البنيتين الرأسية والأفقية، وما تضمّانه من سرديات وأساطير ورموز، بالتوازي مع التحليل النحوي والصرفي ووجوه البلاغة. كما يقدم دراسة تطبيقية حول شعرية السياب بوصفه شاعراً حداثياً في طليعة جيل الحداثة العربية، عبر التركيز على مجموعة قصائد يجمعها رابط مضموني يتمثل في حضور «جيكور» في عناوينها، وتوظيفها داخل العالم الرؤيوي للنص، بما يتيح تتبع تحول «جيكور» من قرية في الذاكرة إلى علامة دلالية تتسع لتحولات الذات والعالم.

تتوزع مواد الكتاب على ثلاثة فصول: يؤطر الفصل الأول مفهوم علم النص وصلته بالخطاب والاتساق، وصولاً إلى البنية الشعرية، مع شرح للمنهجية المعتمدة، فيما يتناول الفصل الثاني «جيكور» بوصفها موطن تكوين الذات الشاعرة، مسلطاً الضوء على سنوات البراءة في حياة السياب، وعلاقته بقضايا الوطن والعالم، مع تحليل نماذج من القصائد وعناوينها بوصفها عتبات دالة. ويخصص الفصل الثالث لدراسة القصائد نفسها دراسةً رأسية وفق منهجيات الاتساق النصي، مع التركيز على الأبنية العليا والجزئية في المتن الشعري.