غازي القصيبي... صيغة مركبة

شكل استثناءً في الكم والنوع

غازي القصيبي
غازي القصيبي
TT

غازي القصيبي... صيغة مركبة

غازي القصيبي
غازي القصيبي

حين سمعت به وتعرفت إليه، كانت المنطقة العربية تصطخب بغبار الصراعات السياسية، واختلاف التجارب الإبداعية في كتابة الشعر والقصة، وقد انعكست عليها آثار هزيمة 1967 المدوية... هذه التي عبَّر عنها الشاعر غازي القصيبي في ديوانه المدوي -هو الآخر- «معركة بلا راية» الذي شكل، بمعركته المبكرة ضد المحافظة التعبيرية والسائد الاجتماعي، بداية احتكاك مواهبه الأدبية والأكاديمية والإدارية بالمجتمع السعودي، وهو يخرج من عزلته التاريخية بقيام الدولة الثالثة، وسط مبادرات اجتماعية وثقافية، حاولت التعبير عن قسمات المجتمع الجديد، المتشكل بين الحربين العالميتين.

غير أن مبادرة غازي القصيبي امتازت بين تلك المبادرات عن غيرها بما أسميه «الإبداع المركب»، فهل بسبب كونه شاعراً، اصطبغت محاضراته في التدريس الجامعي أستاذاً في العلاقات الدولية والعلوم السياسية بجامعة الملك سعود بحيوية الدرس وانبهار الطلاب... وتجربته الإدارية وزيراً للصناعة والكهرباء، عبر إنشائه شركة «سابك»، ومأسسة شركة الكهرباء، وكهربة الريف... فوزيراً للصحة ثائراً على تخلف الخدمات وفساد الذمم، ثم وزيراً للمياه وأخيراً وزيراً للعمل مصراً على السعودة، ومحارباً بطالة العمالة الوطنية، وتجارة الفيز... بشجاعة غير مسبوقة في الانتصار لحق المواطن.

نعم، هل بسبب كونه شاعراً صافي المشاعر، نبيل المعاني، عميق التدين، وطني المنبت، قومي الانتماء، إنساني الرؤية اصطبغت تجربته بالبعد المضاف؟ فلم يكن أسير تنظيراته الأكاديمية المجردة في قضايا التنمية، وقضايا الحراك الاجتماعي والثقافي، وإنما كسر بمواهبه العديدة وجرأته الأدبية، وقبل ذلك بوطنيته الفذة، جمود النمطية وبلادة البيروقراطية، فإذا بغازي القصيبي الشاعر الرومانسي القومي، يبدو وزيراً ناجحاً، ومفكراً تفاعلياً، وروائياً طليعياً.

فروايته «شقة الحرية» وكذلك «العصفورية» شكلتا منعطفاً مفصلياً في تاريخ الأدب الروائي السعودي، وهو ما شجع قوافل كتاب القصة وكاتباتها نحو الانطلاق، بعد ملامسته المسكوت عنه في نفسية جيله المنفتح في عقد الستينات، على التجارب السياسية والأفكار الآيديولوجية، قبل أن يعود ورفاقه من القاهرة وبيروت والولايات المتحدة الأميركية؛ لمواصلة مسار التنظيم في مؤسسات الدولة والمجتمع، والتحديث في حركة الثقافة والتعليم الجامعي في المملكة.

هنا أتوقف عند تجربة غازي الروائية التي ابتدأها برواية «شقة الحرية»، وقد أخضع مجمل قضايا المجتمع المتغيرة في المملكة والخليج للنقد التحليلي، بأسلوب روائي، زاوج فيه كاتبها بين أشكال التعبير المختلفة، مزاوجته للتناقضات التي عاشها جيله في الخمسينات والستينات، باحثاً عن قيمة الحرية على مفترق طرق آيديولوجية متباينة، بل قل متصارعة، هي ما جعلت ذلك الجيل يعيش الحرية تارة في الانغماس الوجودي بلذائذ الشهوة الأبيقورية، وتارة مقتحماً الثالوث المحرّم، بحثاً عن الحرية في مظاهرة قومية، أو موقف آيديولوجي، تأكيداً لتحرر ذات مثقلة بتركات الماضي.

«شقة الحرية» و«العصفورية»

لقد شكلت «شقة الحرية» بانفتاحها غير المسبوق على المسكوت عنه في حياتنا نقطة انطلاق لمحاولات روائية أخرى، تجرأت على ملامسة تجارب المجتمع، وتفاعل الأجيال بما يجري حولنا. صحيح أن الدكتور تركي الحمد، وهو تلميذ للقصيبي بالمصطلح التعليمي والمعنى الأدبي، افتقر إلى المهارة الفنية في صياغة قصصه، إلا أنه وضع يده على جروح عدة، ما كان له أن يقوم بذلك، لو لم يجد أمامه معلماً ملهماً ونموذجاً طازجاً بالقضايا، ومفعماً بالتعبير الحر المؤثر.

لم يكتف غازي بهذه التجربة، فقد كثفها في رواية «العصفورية» بأداء نوعي فائق، مفجراً طاقته السردية، عبر «وحش النوع الأدبي» حسب وصف الناقد الأميركي روبرت همفري، بسخرية مرّة عبرت عن اغتراب المثقف العربي، وقد أصيب بصدمة الاحتكاك مع الآخر، وبين الجنون والعقل. هذه المرة الثنائية تأتي من الداخل، يستخدم غازي عبر روايته حيلاً فنية بارعة في بناء شخصياته، مستفيداً من نظرية فرويد في التحليل النفسي، مازجاً بين معاناة أخيه الراحل المتفلسف نبيل، ومعاناة الأديبة اللبنانية مي زيادة، التي انتهت بها ظروف الحجر النفسي والاجتماعي والسياسي إلى مستشفى «العصفورية» في محاولة يائسة للعلاج من هذه الأمراض، المستحكمة بالنفسية العربية.

غازي القصيبي صيغة مركبة من محتوياته

هذا، وقد استفاد غازي من تجربة جويس الآيرلندي في تيار الوعي، عبر روايته الشهيرة «يولسيس» في التداعي الحر الذي اكتشفه عالم النفس الأميركي وليم جيمس، بوصف أن الذكريات والأفكار والمشاعر توجد خارج الوعي الظاهر، إذ تظهر الإنسان، لا على أنها سلسلة منتظمة، بل على أنها تيار... فيضان يتدفق على الوعي الداخلي.. غير أن غازي في رائعته «العصفوية» التيارية المتدفقة لم يتخلص من شاعريته، بل سيطرت عليه في قصه هذا، حتى إنني وجدت شباباً يافعاً يستظهر مقاطع طويلة من «العصفورية»، أتذكر حينما أنهيت قراءتها، هاتفت مؤلفها في لندن، وقد بلغ بي الافتتان حداً طالباً منه استكمال الجزء الثالث، وبذكائه المعهود قال لي: أراك تشبهني بنجيب محفوظ، وكأن كل روائي عيال عليه؟ هل تريد أن تسحب البساط من تحتي؟

أجبته: «إن ثلاثية محفوظ هي رواية أجيال... بينما (شقة الحرية) و(العصفورية) هما روايتا قضايا، فإذا كانت الأولى تدور أحداثها حول بحث جيلك عن الحرية، فإن الثانية تتمحور حول قيمة الذات العربية المهشمة، وهي تعيش مصادمة حضارة القرن العشرين، وحروب أممه وصراعاته الآيدولوجية، والمطلوب الآن أن تكتب شيئاً عن عودة الطيور المهاجرة إلى أوطانها. لِمَ لا تكتب يا غازي عن قضية التحول الاجتماعي بعد عودتك وزملائك في السبعينات، إذ قدتم التغيير من مدرجات الجامعة، إلى أعمدة الصحف، وبين أروقة الوزارة». فوجئت وهو يجيبني: «إن المشروع جاهز في رأسي، لكنه ليس على شكل رواية، وإنما سرد لتجربتي الإدارية».

بعد ذلك بقليل قرأ السعوديون والعرب أجمعين نادرته العجيبة «حياة في الإدارة». لم تكن قصة بالمعنى الفني، لكنها لم تخل من هيكلها الأساسي (السرد)، وإلا ما الذي يجعلك ويجعلني، نقدم على التهام أوراق هذا الكتاب البيروقراطي في موضوعه بلذة جمالية، لو لم يكن السرد مستغرقاً في أسلوبه ومسيطراً على مبناه. إذ «حياة في الإدارة» نص واحد متدفق كتيار، من ألف الكتاب إلى يائه، من بدايته إلى منتهاه، بلا توقف ولا فواصل.

أخلص من هذه الإلمامة العجلى على تجربة غازي الواسعة، المتعددة والمثيرة، إلى أنه شكل بـ«إبداعه المركب» استثناءً في الكم والنوع كما وصفته بحق صحيفة «الجزيرة» في كتابها التكريمي، حتى اخترق مقاسه حدود المحلية الوطنية إلى آفاق أخرى، فإذا هو وزير مصلح ومفكر إصلاحي، شاعر متمرد على النسق وتقاليد العائلة... وروائي أشد تمرداً على الأوضاع والأشكال. هكذا يشار إلى اسم غازي القصيبي اليوم في العالم العربي وخارجه.

وهكذا تقرأ تجربته الفريدة التي اختزلت تجارب أجيال بلده الاجتماعية والثقافية، مثلما اختزل تجارب العرب ماضياً وحاضراً في الشعر والأدب والثقافة، وكذلك الرؤى العالمية في قضايا التحليل السياسي وأدبيات التنمية. كل هذه العوامل تقف وراء جملة النجاحات -أدبية وإدارية- التي تحققت لغازي، يدفعه نحوها حبه العميق لوطنه وأمته، المنزه من نوازع الإقليمية والقبلية والمذهبية. يا ترى، هل كان لمولده في الأحساء من أب نجدي وأم حجازية، وتربيته في مجتمع البحرين المختلط المكونات، دور رئيس وراء هذا التميز والنجاح في تجربة غازي؟

هذا ما ينبغي أن يكون مثار اهتمام الدارسين لظاهرة غازي القصيبي، وقد أصبح ملء السمع والبصر. مالئ الدنيا وشاغل الناس، كعمه أو أبيه أبي الطيب المتنبي صيغة مركبة من الطموح والزهد، السلطة والحرية، الحنين والاغتراب، الإبداع والتجاوز ويا لها من صيغة، يا أبا يارا.


مقالات ذات صلة

الرياض تستضيف «المنتدى العالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي» سبتمبر المقبل

تكنولوجيا السعودية تعزز مكانتها شريكاً فاعلاً في صياغة مستقبل الذكاء الاصطناعي عالمياً (واس)

الرياض تستضيف «المنتدى العالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي» سبتمبر المقبل

تستضيف العاصمة السعودية الرياض أعمال النسخة الرابعة لـ«منتدى اليونسكو العالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي» من 14 إلى 17 سبتمبر (أيلول) المقبل، بحضور عالمي كبير.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق جيمي غونزاليس في دور «سيفيوس» ومات دايمون في دور «أوديسيوس» وهيميش باتيل في دور «يوريلوخوس» في مشهد من فيلم «الأوديسة» (يونيفرسال - أ.ب)

رحلة عبر معالم ومواقع تصوير الفيلم الملحمي «الأوديسة»

فيلم «الأوديسة» يعيد إحياء «سينما الواقع»: جولة خلف كواليس التصوير الملحمي وخرائط الوصول إلى مواقعها التاريخية.

كوثر وكيل (لندن)
يوميات الشرق الدكتور محمد بن حسن علوان يتمتع بسيرة أكاديمية وإدارية (وزارة الإعلام)

محمد حسن علوان رئيساً مكلفاً لـ«جامعة الرياض للفنون»

أصدر الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، قراراً بتكليف الدكتور محمد بن حسن علوان رئيساً لـ«جامعة الرياض للفنون»، لتولي قيادة المرحلة المقبلة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق لوحات المعرض تضمَّنت مزيجاً من الحضارتين الصينية والمصرية القديمة (دار الأوبرا المصرية)

حروف الصين تُحاور «الفراعنة» في القاهرة

عكست محتويات المعرض عمق الموروث الثقافي الصيني وتنوّعه، ليقدّم تجربة ثقافية تسهم في توثيق أواصر الصداقة بين مصر والصين...

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق يُروَّض المعدن كي يصبح له صوت وذاكرة (أ.ب)

أجراس عمرها 400 عام تُصنع بتقنيات المستقبل

تاريخ تأسيس مصنع أجراس «غراسمير» يعود إلى عام 1599 في إنسبروك، غرب النمسا، ليصمد على مدى السنوات اللاحقة...

«الشرق الأوسط» (إنسبروك - النمسا)

الشعر...هل يحتوي على أعماق فلسفية؟

الشعر...هل يحتوي على أعماق فلسفية؟
TT

الشعر...هل يحتوي على أعماق فلسفية؟

الشعر...هل يحتوي على أعماق فلسفية؟

هل توجد فلسفة للشعر يا ترى؟ هل يحتوي الشعر على أعماق فلسفية؟ دون شك. ولكنه لا يعبر عنها بطريقة نثرية منطقية عقلانية وإنما بطريقة مجازية شعرية جنونية. نقول ذلك على الرغم من أن هناك فلاسفة أكبر شعرياً من الشعر. من أشهرهم نيتشه في الغرب. «هكذا تكلم زرادشت» أقوى شعرياً من كل شعر لأنها تحتوي في ضربة واحدة على عبقرية الشعر وعبقرية الفكر. إنه يحلق فيها إلى أعلى الأعالي أو يهبط إلى أسفل سافلين. إنه يتلاعب باللغة والفكر كيفما شاء عندما يجن جنونه وتتوهج عبقريته.

وجان جاك روسو في اعترافاته العبقرية ألا تحتوي على الشعر؟ ألا تحتوي على شعر أكبر فنياً وجمالياً من كل شعر. وقس على ذلك... ولكن ليس كانط. لا تطلب من كانط أن يكون شاعراً. مستحيل. كانط صفر على الشمال قياساً إلى نيتشه من هذه الناحية. وقلَّ الأمر ذاته عن هابرماس: كانط العصور الحديثة. فهو صاحب أسلوب وعر ومزعج ومرهق. وينبغي أن تصبر عليه صبر أيوب لكي تصل إلى نتيجة هذا إذا ما وصلت. وبالتالي فلا متعة في قراءته ولا ماء ولا حياة في أسلوبه.

وأما في جهتنا العربية، فقد وُصف أبو حيان التوحيدي بأنَّه «أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء» لأنَّه يمزج بين جمال الأسلوب وعمق الفكرة. يكفي أن نغطس في مؤلفاته لكي ندرك ذلك. المقابسات، البصائر والذخائر، الإمتاع والمؤانسة، الصداقة والصديق، الإشارات الإلهية... تحف ما بعدها تحف، جواهر ما بعدها جواهر. وأما المعري فقد وصفوه بأنه «شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء». اسم على مسمى. هل هناك أعمق منه فكرياً في قصائده؟ «غير مجدٍ في ملتي واعتقادي» تعتبر أعمق قصيدة فلسفية وأروع قصيدة فلسفية ليس فقط على مستوى الآداب العربية وإنما على مستوى الآداب الكونية بأسرها.

كان الناقد الفرنسي هنري لوميتر قد نشر كتاباً بعنوان: «الانفجار الرومانطيقي والحداثة الشعرية». لاحظوا العنوان ما أجمله: «الانفجار الرومانطيقي». الشعر العظيم ينبثق انبثاقاً أو ينفجر انفجاراً وإلا فليس شعراً. وكان الناقد الكبير جان بيير ريشار قد نشر كتاباً مهماً وممتعاً جداً بعنوان «الشعر والعمق». وفيه كرَّس فصلاً كبيراً لبودلير بعنوان: «عمق بودلير». ذلك أنَّ بودلير، بحسب وجهة نظره، هو شاعر الأعماق العميقة، الأعماق السحيقة. مَن يعلم إلى أي المهاوي المرعبة كان يهبط بودلير عندما يجن جنونه في خلواته؟ مَن كان يعرف حجم اكتشافاته وابتكاراته الشعرية؟ مَن كان يعرف حجم الآفاق اللانهائية التي توصَّل إليها؟ ولذلك رثاه رينيه شار قائلاً:

لا تبحث عن تخوم البحر

إنها ملكك، بين يديك

لقد وهبت لك في ذات اللحظة

كحياتك المتبخرة العابرة

العاطفة كما تعلم

هي بنت المادة

إنها نظرتها المتموجة الرائعة.

شاعر كبير يتحدث عن شاعر كبير آخر: ماذا تريدون أكثر من ذلك؟

في الكتاب ذاته يخصِّص جان بيير ريشار فصلاً كاملاً لرامبو بعنوان: «رامبو وشعر الصيرورة المتجددة الرائعة». وهو يستهله بهذه الكلمات لرامبو:

«الثالثة فجراً. وحدي في الغرفة. الشمعة تذوب رويداً رويداً وتكاد تنطفئ. فجأة العصافير تزقزق كلها دفعة واحدة في الأشجار. جوقة موسيقية رائعة. انتهت السهرة. انتهى العمل. لم يبقَ لي إلا أن أراقب الأشجار والسماء من نافذتي وأنا في حالة من الذهول والانخطاف لا تكاد توصف. إني أعيش اللحظة الحاسمة: لحظة موت اليوم السابق وولادة اليوم الجديد. يا إلهي ما أحلاها من لحظة. إني مذهول بهذه اللحظة الخارقة للفجر».

يعلق جان بيير ريشار على ذلك قائلاً: «هذه اللحظة الخارقة، هذه اللحظة التي لا يكاد يستبين فيها الخيط الأبيض من الخيط الأسود، هذه اللحظة التي تمثل الولادة السعيدة والمعجزة لليوم الجديد، هي لحظة رامبو بامتياز. إنه يبيع حياته كلها من أجلها. إنه مستعد لأن يسهر الليل كله لكي يراها». ولكن هناك لحظة أخرى قد لا تقل أهمية، هي تلك التي يتحدث عنها بودلير في آخر ديوانه «أزهار الشر»، لنستمع إذن إلى هذا المقطع الذي يعبِّر فيه عن حنينه إلى لحظة الموت بعد أن ضجر وملَّ من هذه الحياة:

آه يا موت، أيها القبطان القديم،

لقد آن الأوان! فلنقلع الأشرعة!

هذه البلاد تضجرنا، آه يا موت!

فلنرحل!

إذا كانت السماء والبحر أسودين كالحبر

فإنَّ قلوبنا، التي تعرفها، مفعمة بالنور

صبّ علينا سمومك لكي تقوّينا

نريد، ما دامت هذه النار تشعل رؤوسنا،

أن نغطس في أعماق الهاوية،

جحيم أم جنة؟

لا فرق

لا يهم

نريد أن نرحل

آه يا موت!

تقنا للإبحار في أعماق المجهول

عسى أن نكتشف طعماً جديداً!

كان بودلير قد جرَّب كل شيء في الحياة وملَّ من كل شيء ولم يعد هناك شيء آخر لكي يجربه إلا الموت. كان تواقاً لكي يتعرَّف عليه، لكي يذوق طعمه، لكي يعرف ما هو بالضبط. هل للموت طعم يا ترى؟ هل له مذاق خاص؟ كيف هو؟

مع بودلير حصلت النقلة من الشعر الرومانطيقي إلى الشعر الحديث. من شعر اللغة المباشرة، إلى شعر اللغة الرمزية أو المرموزة. من شعر العواطف الجياشة الفائضة، إلى شعر العواطف الملجومة الباردة. من الشعر الذاتي، إلى الشعر الموضوعي. باختصار شديد حصلت الحداثة الشعرية التي كرَّست لها أطروحة الدكتوراه في السوربون يوماً ما. أقصد الحداثة الشعرية العربية التي تلت الفرنسية بعد 100 سنة. ولم تكن أقل بهاءً وروعةً منها. لم يعد الشاعر يسمح لوهم الغنائية المباشرة أو حتى المائعة في أحيان كثيرة أن تسيطر عليه. أصبح رأسمال الشاعر هو: عدد الصور الجديدة أو المجازات الجديدة التي دشَّنها أو ابتكرها من العدم. وكل الشعراء الذين يتلونه يصبحون عالةً عليه أو على مجازاته الخارقة حتى يجيء شاعرٌ آخر كبير قادر على «قتله»: أي على تجاوزه والانحراف عنه، عن طريق تدشين فضاءات أخرى للشعر، عن طريق ابتكار مجازات وصور أخرى لم تخطر على بال بشر من قبل قط. هنا تكمن معجزة الشعر. لم يصبح رامبو شاعراً كبيراً إلا بعد أن «قتل» بودلير: أي بعد أن تخلّص من تأثيره، وطار بجناحيه مستقلاً عنه. وقل الأمر ذاته عن المتنبي بالقياس إلى أبي تمام، أو المعري بالقياس إلى المتنبي. ولكن مَن يستطيع أن يقتل المتنبي؟ لم تلده أمه بعد.

أخيرا من أهم ما كُتب عن فلسفة الشعر رسائل ريلكه الشهيرة إلى شاعر شاب طلب نصيحته. إنها تنفذ إلى جوهر الشعر، إلى أعماق الشعر، إلى مطبخ الشعر: أي إلى الكيمياء السحرية المولدة للشحنات الشعرية. قال له: إذا لم يكن الشعر بالنسبة لك مسألة حياة أو موت فلا داعي لأن تعذِّب نفسك وتكرس حياتك لشيء لم تخلق له. بهذا المعنى وبالمختصر المفيد. مَن يستطيع أن ينسى صوت ريلكه، حنين ريلكه، الجنون الداخلي لريلكه؟ ومع ذلك فلم يحظَ بجائزة نوبل وإنما حظي بها شاعر فرنسي يدعى: سولي برودوم.

هل سمعتم باسمه؟ حتماً لا. مَن هو هذا الأحمق الذي يجهل عظمة ريلكه، عبقرية ريلكه؟ ليس هيدغر على أي حال. ومعلوم أنَّ الفيلسوف الكبير كرَّس له دراسة مطولة في كتابه المعروف: «دروب تؤدي إلى لا مكان». وهذا العنوان مأخوذ حرفياً من عنوان قصيدة لريلكه ذاته. وبالتالي فهو ليس من هيدغر على عكس ما نظن.أخيراً ربما كان أهم كتاب عن فلسفة الشعر هو تلك الدراسات المطولة التي كرَّسها هيدغر لشعر هولدرلين بعنوان: «مقاربات هولدرلين»، أو إضاءات مسلطة على شعر هولدرلين. ومنها نستنتج ما يلي: بالنسبة لهيدغر فإنَّ الشعر ليس فقط مجرد فن أدبي من جملة فنون أخرى وإنما هو عصارة اللغة والمحل الذي تتجلى فيه حقيقة الكينونة وجوهر الوجود. إنه يتيح للإنسان أن يهرب من الجفاف التكنولوجي للعالم الحديث. إنه يتيح له أن يسكن الأرض شعرياً. ومن كثرة إعجاب هيدغر بشعر هولدرلين طلب منهم أن يقرأوا على قبره قبل الدفن بعض قصائد شاعر ألمانيا الأكبر.

وُصف أبو حيان التوحيدي بأنه «أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء» لأنه يمزج بين جمال الأسلوب وعمق الفكرة


«لسنا أرقاماً».. نصوص ترسم الوجه الآخر لغزة

«لسنا أرقاماً».. نصوص ترسم الوجه الآخر لغزة
TT

«لسنا أرقاماً».. نصوص ترسم الوجه الآخر لغزة

«لسنا أرقاماً».. نصوص ترسم الوجه الآخر لغزة

لا يختزل كتاب «لسنا أرقاماً: أصوات شباب غزة»، الصادر بالعربية عن دار «العربي» في القاهرة، القضية الفلسطينية في أرقام الضحايا من القتلى والمصابين أو النازحين، بل يكشف، برهافة وحس إنساني يسعى لتجاوز محنة الألم، ما وراء هذا الأرقام من حياة كاملة وأحلام مشروعة وذكريات وتفاصيل حميمة عابرة لأصوات القصف ودوي القنابل وأزير الرصاص الذي يلاحق المدنيين والأبرياء.

يتجاوز العمل فكرة التوثيق التقليدي للحرب، ليقدم غزة من خلال شهادات وتجارب شبابها، وهو من تحرير الفلسطيني أحمد الناعوق والأميركية بام بايلي، ترجمة محمد فؤاد، وتقع الطبعة العربية في 336 صفحة، تجمع نصوصاً مختارة من مقالات وتأملات مفتوحة تستكشف قضايا وهموم الذاكرة والعائلة والمنفى والصداقة والمقاومة والأمل.

تستعيد تلك الكتابات تفاصيل الحياة اليومية بما فيها من طموحات مهنية وثقافة، وتتوقف عند أماكن عزيزة على قلوب أصحابها، وحتى أبسط الأشياء التي تمنح الحياة معناها وسط الحصار والعنف.

من هنا يرفض هذا العمل فكرة «القصة الواحدة» عن غزة، فالقارئ يجد أشباح الخوف والموت والفقد تطل برأسها عبر النصوص، لكنه يجد كذلك الحب والطموح والدراسة والفن والمرح والحنين إلى الأماكن والأحلام المؤجلة، بتوقيع فتيات وفتيان يتحدثون عن حياتهم بلغتهم وتجاربهم، كما يكشف كيف لا تلغي المأساة الرغبة في الحياة. على هذه الخلفية، وصفت فرانشيسكا ألبانيزي، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة، هؤلاء الشباب بأنهم جعلوا من الكتابة «فعلاً تحررياً ووسيلة لمقاومة محو غزة من الوعي العالمي». وأوضح أحمد الناعوق، في تصريح لصحيفة «الغارديان» البريطانية، أنه كان حريصاً منذ البداية على تشجيع الكتاب الشباب على الكتابة عن جمال غزة وأهلها وثقافتها ومساجدها وكنائسها ومقابرها، حتى لا تظل صورة القطاع مرتبطة فقط بالدمار. من النماذج اللافتة التي يتضمنها الكتاب، قصة فتاة مراهقة تحدق في سقف منزلها وتتمنى ألا ينهار فوق رأسها، في مشهد قد يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه يلخص كيف يمكن للحرب أن تتسلل إلى أكثر التفاصيل اليومية عادية، حتى يصبح السقف الذي يُفترض أن يمنح الإنسان الأمان مصدراً للخوف. وفي نموذج آخر، يروي شاب تجربته في البحث عبر الإنترنت عن صور المكتبات في أنحاء العالم، حيث يحلم بأن يتمكن يوماً من زيارتها، على نحو يكشف أن الطموح والتعليم والمعرفة مفردات ربما تستمر في الإلحاح على وعي الأفراد حتى وسط الظروف الأكثر قسوة.

وتتعدد القصص الإنسانية في الكتاب، فهذه فتاة تتجول في شوارع المدينة وتدوّن أسماء المباني التي تحلم بإصلاحها، وهذا شاب يحاول متابعة شغفه بعلم الفلك في مكان يصعب فيه الوصول إلى التلسكوبات، كما تتناول إحدى القصص التعقيدات غير المعتادة للتسوق عبر الإنترنت في ظل القيود المفروضة على غزة.

ومن النماذج اللافتة نص للكاتبة ندى حماد عن غزة بعد حرب 2014، حيث تصف انتقال المشهد تدريجياً من اللون الرمادي الذي خلفه الدمار إلى بقع صغيرة من الألوان، عبر طلاء أحد الجدران وظهور الرسوم على جدران المساكن المؤقتة. والفكرة هنا أن إعادة تلوين المكان تصبح فعلاً رمزياً للحياة، فالسكان لا يحاولون فقط نسيان ما حدث، وإنما يؤكدون قدرتهم على الاستمرار.

اللافت هنا أن الكتاب لا يقتصر على أحداث الحرب الأخيرة، فالنسخة الأصلية تجمع 74 نصاً مختاراً من نتاج مشروع «We Are Not Numbers» أو «لسنا أرقاماً» على مدى نحو عقد، وتتحرك النصوص زمنياً عبر سنوات مختلفة، بحيث يستطيع القارئ رؤية كيف تغيرت حياة جيل كامل من الشباب الفلسطيني مع تعاقب الحروب والحصار والأزمات.

وتعد العائلة واحدة من أكثر الموضوعات حضوراً في هذا السياق، وهو أمر مفهوم في ظل طبيعة التجربة الفلسطينية في غزة، لكن الكتاب لا يتحدث عن فقدان «عدد من الأشخاص» فقط، وإنما عن آباء وإخوة وأبناء وأصدقاء، وعن ذكريات مرتبطة بهم. وتكتسب تلك المسألة بعداً شخصياً بالغ الأهمية بالنسبة إلى محرر الكتاب أحمد الناعوق، الذي فقد 21 فرداً من عائلته في غارة إسرائيلية على غزة في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، من بينهم والده وإخوته وأطفالهم، بحسب ما روى في مقابلته مع «الغارديان». اللافت أن مشروع «لسنا أرقاماً» نفسه بدأ قبل الحرب الأخيرة بسنوات، في أعقاب حرب غزة عام 2014. ووفق الرواية التي قدمها الناعوق، فقد دفعته وفاة شقيقه إلى كتابة قصة شخصية عن فقدانه، بمساعدة بام بايلي، وبعد نشرها تلقى رسائل تعاطف من أشخاص خارج غزة.

ومن هنا جاءت فكرة إنشاء منصة تمنح شباب غزة فرصة سرد تجاربهم بأنفسهم لجمهور عالمي، فيما انطلق المشروع عام 2015 مع نحو 20 كاتباً شاباً، ثم توسع تدريجياً، ونشر خلال السنوات التالية أكثر من 1500 نصاً.


تبادل المواقع بين المؤلف وشخصياته

تبادل المواقع بين المؤلف وشخصياته
TT

تبادل المواقع بين المؤلف وشخصياته

تبادل المواقع بين المؤلف وشخصياته

عبر نصوص سردية متفاوتة البنية، يضع الكاتب والروائي المصري حاتم حافظ في مجموعته القصصية «عندما تحوّلت إيمان خيري إلى طائر» فكرة التحوّل في قلب عالمه القصصي، بوصفها مدخلاً لاختبار صور مختلفة للوجود، مستعيناً بالغرائبي لإعادة النظر في شكل الحضور الإنساني.

المجموعة الصادرة أخيراً عن دار الشروق بالقاهرة، تتنقل فيها مقاعد الأبطال بين حاضر وغائب، إنسان وطائر، متفرج ومادة للفرجة، وهي انتقالات لا تقوم جميعها على التحوّل بمعناه الجسدي، بقدر ما تنشأ أحياناً من تبدل الموقع الذي تحتله الشخصية، أو الزاوية التي ترى منها حياتها.

يبدو التحوّل في تجليه الأكثر وضوحاً في القصة التي تمنح المجموعة عنوانها، حين تستيقظ البطلة في غرفة الرعاية الفائقة لتجد أن جسدها قد اختفى، وحلّ محله جسد ضئيل ملوّن، بمنقار وجناحين قادرين على حملها إلى خارج الغرفة والمستشفى.

ومنذ عبارته الأولى: «حين استيقظت إيمان خيري ذات صباح، على إثر أحلام سادها الاضطراب»، يستدعي النص استهلال «المسخ» لفرانز كافكا، لكن التحوّل الكافكاوي، وإن ظل حاضراً في الاستهلال، ينهض هنا على دلالة مغايرة؛ فبدلاً من الجسد الذي يتحول إلى سجن ويعزل صاحبه عن العالم، يبدو الجسد الجديد في هذه القصة أكثر خفةً وقدرةً على تحرير صاحبته من المرض والألم.

وإذا كان جريجور سامسا ينكفئ بعد تحوله داخل غرفته وتتآكل صلته تدريجياً بالآخرين، فإن إيمان تطير إلى خارج غرفتها، ترى الشمس وتستنشق الهواء، قبل أن تتسلل إلى من أحبتهم عبر أحلامهم، ليصبح التحوّل عتبة حياة ثانية لا تنقطع تماماً عن الحياة الأولى، وإنما تستعيد صلاتها بها من موقع جديد.

تتفتت القصة إلى أحلام قصيرة يرويها أشخاص مختلفون تزورهم البطلة إيمان، غير أن اللافت أن الحالمين أنفسهم يبدون واعين بتحوّلها وبقدرتها على العبور بين الهيئتين؛ فهم يرونها بطلة «تبدل هويتها كطائر وكإنسان بخفة»، ويخشى كلما لاح حضورها البشري في الحلم «أن تتبدل إلى طائر مرة أخرى».

مع تكرار هذه الزيارات، لا يعود التحوّل واقعةً غرائبيةً معزولة، إنما صيغة جديدة للوجود، تستفيد فيها القصة من مدلول «الطائر» المرتبط بالتحليق والقدرة على عبور الحدود، لتمنح بطلتها وجوداً يتجاوز الموت وحدود الجسد وعالمه.

ولا تتوقف فكرة التحوّل عند حدود تلك القصة الرئيسية للمجموعة، فتلوح عبر القصص في صور أقل مباشرةً، ففي قصة «شخصيتين في رواية» ينتقل التحوّل من الجسد إلى الوعي؛ إذ يتبنى الراوي هُوية «شخصية روائية»، ويتعامل مع هذا اليقين الفانتازي كحقيقة يحاول إشراك من حوله فيها.

لا يبدو ثمة موقع ثابت للشخصية هنا، فيتصور الراوي أن الرجل «قد يكون في خفة الفراشات في روايتي، لكنه قد يكون بطلاً في رواية أخرى»، فلا تتبدل الهيئة هذه المرة، إنما تتبدل مواقع الشخصيات، في لعبة سردية تبحث في موقع الإنسان داخل حكايات الآخرين. يتأمل الراوي الرجل المقابل له ويتخيل الحياة التي كتبها له مؤلف الرواية، قبل أن يصل إلى إدراك أكثر اتساعاً: «كلنا شخصيات في روايات بعضنا البعض».

ويصنع حافظ هنا تناصاً مع عالم الروائي الجنوب أفريقي ج. م. كوتزي، مستدعياً شخصيته «إليزابيث كوستلو»، التي عبرت من رواية إلى أخرى داخل أعماله. لكنه يدفع اللعبة خطوةً أبعد، حين يتخيل أن كوتزي نفسه قد يكون شخصيةً روائيةً في نص يكتبه مؤلف آخر، فتتسع لعبة تبدل المواقع لتشمل الكاتب وشخصياته معاً.

تمتد فكرة تبدل المواقع تلك إلى قصة «الحكاية غير العادية للأشخاص العاديين»، التي تقوم إحدى مفارقاتها على تلصص متبادل بين الجيران، يتحول تدريجياً إلى ما يشبه تبادل الحيوات؛ إذ تتنقل الشخصيات بين موقعي المتفرج والمُشاهَد. غير أن القصة لا تبني مفارقتها على الغرائبي، بقدر ما تستخرج الغرابة من قلب اليومي الرتيب، كأن يشتري أحد أبطال القصة بطانية أطفال مستفيداً من خصم كبير في «تصفيات الشتاء»، ويفكر في أنها سوف تفيده في الشتاءات المقبلة، قبل أن يعقب السارد: «وكان بصحة جيدة؛ فلم يفكر في أن موته قبل الشتاء القادم أمر محتمل».