«أولمبياد 2024»... هل تنجح فرنسا في بناء قوتها الناعمة؟

عاندت باريس بشدة دعوات متصاعدة لإعادة التفكير في تنظيم الحدث

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

«أولمبياد 2024»... هل تنجح فرنسا في بناء قوتها الناعمة؟

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

ليست دورة الألعاب الأولمبيّة لعام 2024، التي ستنطلق في باريس في السادس والعشرين من يوليو (تموز) الحالي، بأولى الدّورات التي ستستضيفها العاصمة الفرنسية، بل الثالثة؛ إذ حظيت بشرف تنظيم أول دورة في القرن العشرين (1900)، ولاحقاً دورة عام 1924، ما يجعلها المدينة الأكثر استضافة للألعاب تساوياً مع العاصمة البريطانية لندن.

وعلى الرّغم من كل الضّجيج الذي سعت الدّولة الفرنسيّة إلى إطلاقه حول كيف ستجعل من «باريس 2024» مختلفة عن الدورات السابقة لتعكس موقع الريادة الفرنسية في العالم كما في خطاب توني إستانغيه، رئيس اللجنة المنظمة، العالي النبرة: «نريد أن نعرض أفضل ما في فرنسا. لدينا الكثير لنقدمه، وسنثبت أن هذا البلد لديه كل القوة والإمكانات للتأكد من أن هذه الألعاب ستبقى في الذاكرة إلى الأبد»، فإن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أيضاً سعى إلى أن تكون احتفالاً صاخباً في عهده بينما يدخل النصف الثاني من ولايته الأخيرة، بينما فرنسا تخطو نحو يوم الافتتاح في لجج من أزمات سياسيّة متعددة، ويعتريها قلق من أن يجعل المعارضون من «الألعاب» منصّة لتسجيل مواقفهم ضدّ السلطة؛ لا سيما موقفها المدان من الحرب على غزّة، والأسوأ أن الهيئة المنظمة اختارت، على خلاف المعتاد، أن تجري الأنشطة الأساسية للدورة في قلب المدينة لا على أطرافها (كما في دورتي لندن عام 2012، وريو دي جانيرو في 2016، مثلاً)، مما يهدد بتحديات لوجيستية وأمنية جمّة بدأت إرهاصاتها في الظهور منذ اليوم، فيما الجمهوريّة على موعد مع وزير داخلية جديد سيتسلم مسؤولياته قبل أسبوعين فقط من ليلة الافتتاح، بينما نصف سكان العاصمة باريس يعتقدون أن استضافتها الحدث الرياضي الأهم «فكرة سيئة للغاية».

وكانت باريس قد تعهدت بخفض انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري إلى النصف مقارنة بمستوياتها في دورتي «لندن» و«ريو دي جانيرو»، وتبنت لذلك إجراءات غير مسبوقة؛ إذ لن يسمح مثلاً باستخدام مولدات الديزل لتشغيل عربات البث المباشر، وهناك كميات أقل من اللحوم على قوائم إطعام الرياضيين، وعدد محدود للغاية من أعمال بناء منشآت جديدة، وذلك في استعراض لمؤهلات الدّولة الفرنسية بيئياً، وأيضاً لتحقيق طموح «اللجنة الأولمبية الدولية» في إثبات أن أكبر حدث رياضي في العالم يمكن أن يصبح صديقاً للبيئة. لكن أكاديميين ونشطاء بيئيين شككوا في إمكانية تحقيق ذلك، وسط تساؤلات حول الحجم الإضافي للسفر الجوي الذي تتطلبه دورة بهذا الحجم، والضغط الذي ستضيفه على قدرة قلب المدينة لضمان ديمومة حركة النقل وانسيابها؛ الأمر الذي دفع بـ«منظمة مراقبة الكربون» إلى الزعم أن «خطط العاصمة الفرنسية لخفض الانبعاثات لم تذهب بعيداً بما فيه الكفاية، وستكون دورة الألعاب دون مساهمة فعلية في مواجهة تغير المناخ».

وقد عاندت باريس بشدة دعوات مزدادة لإعادة التفكير في الحدث، وتحويله إلى سلسلة أحداث محلية يمكن توزيعها على مناطق عدة عبر فرنسا وربما جيرانها أيضاً؛ لأنه يفقد حينئذ ميزة العملقة التي تخدم أغراض الاستعراض السياسي وبناء القوة الناعمة. ويتهم البعض الحكومة باستغلال المناسبة العالمية لتمكين مشروع ضخم للمراقبة المكثفة في فرنسا عبر نشر شبكة هائلة من كاميرات الرقابة في بلد ظل حساساً دائماً لناحية الحق في الخصوصية.

فهل خلط الفرنسيون رياضة العالم بسياستهم؟

إن تاريخ الأولمبياد، منذ استعاد العالم مزاج الألعاب الرياضية الإغريقية القديمة في ثوب عصري بداية من عام 1896 (دورة أثينا)، ظلّ دائماً شديد الارتباط بالسياسة وموازين القوى بين الأمم، وعكست مسائل اختيار المدن المضيفة، والدول التي تُدعى فرقها للمشاركة فيها، المزاج السياسي والتحالفات الدّولية في وقتها، وتداخلت مع توجهات الأمم الرائدة والصاعدة لبناء مصادر قوتها الناعمة.

يقول المؤرخون مثلاً إن باريس عندما نظّمت «أولمبياد 1900» كانت تمور بالأفكار التي وجدت قنوات لها للتجسد في مختلف مجالات الفنون والعلوم والصناعة، وتلازم تنظيم دورة الألعاب حينها مع استضافتها المعرض الدّولي الذي كان يستقطب الزائرين من مختلف أرجاء العالم للاطلاع على أحدث الاختراعات والإنجازات الصناعيّة المبهرة، فأصبحت الدورة الرياضية كأنّها مجرد نشاط ترفيهي ملحق بالمعرض. ولا شكّ في أن فرنسا استخدمت نفوذها السياسيّ الطاغي حينئذ لفرض أجندتها على «اللجنة الأولمبيّة الدّولية» ووضع الدورة في خدمة أولويات الدولة الفرنسية اقتصادياً وسياسياً.

وتصف صحافة تلك الفترة ضخامة الحدث؛ الذي استمر لما يزيد على 5 أشهر - من منتصف مايو (أيّار) إلى نهاية أكتوبر (تشرين الأول) - بمشاركة 59 ألف رياضيّ حضروا للمنافسة من مختلف أرجاء العالم، وجمع لحمايتهم وإسنادهم أكثر من 10 آلاف رجل من الإطفائيين والمسعفين والصيادين، وهؤلاء شاركوا في منافسة لصيد الأسماك من نهر السين سعياً لتوفير الأموال التي تدفع لاستيراد الأسماك البحرية من دول مجاورة، ناهيك بعدد هائل من موظفي الحكومة الفرنسية الذين أداروا الأنشطة المرافقة للدورة عبر شبكة ضخمة من لجان فرعية توجهها لجنة تنظيم مركزية تتبع وزير التجارة الفرنسي.

ويقول المؤرخ البريطاني ديفيد أوين في كتابه «القوات الأخرى: الرياضة عند الفرنسيين من وجهة نظر إنجليزية (2024)» عن دورة عام 1900 إن التقرير النهائي الذي صدر عن وزارة التجارة والصناعة الفرنسية - لا عن جهة رياضيّة - أفاض في وصف العربات والآليات التي تنتجها المصانع الفرنسية - سواء للأغراض المدنية والعسكرية - والتي شاركت في أنواع مختلفة من رياضات السباق، إضافة إلى وصفه المكثف نشاطات موازية استعرضت كفاءة تلك العربات وغيرها من الآليات الثقيلة وسيارات النقل ومعدات القتال أمام الجماهير على هامش سباقات الأولمبياد. ويلاحظ كذلك أن أنشطة الرّماية وسباقات المناطيد (وصل أحدها إلى جوار كييف على بعد 1900 كيلومتر من باريس) والمنافسات بين وحدات المدفعية (هذه الأخيرة اقتصرت المشاركة فيها على الفرنسيين) شكلت في مجموعها الجزء الأهم من الفعاليات التي نظمت تحت مظلّة الدّورة بما يخدم توجهات العسكرة للدولة الفرنسية حينها.

وهكذا؛ بين «باريس 1900» و«باريس 2024» تغيرت أولويات الدولة الفرنسية، وتفاوتت الرياضات المشمولة بالأولمبياد، ولكن مبدأ اختلاط السياسة بالرياضة ظل ثابتاً لا يتبدل.



عندما تستأثر القصيدة العمودية بهوية الذات العربية

عندما تستأثر القصيدة العمودية بهوية الذات العربية
TT

عندما تستأثر القصيدة العمودية بهوية الذات العربية

عندما تستأثر القصيدة العمودية بهوية الذات العربية

سواء كنتَ شاعراً تشارك في المهرجانات الشعرية في العالم العربي، أو محباً للشعر يحلو لك حضور المناسبات الشعرية، فلن تجد صعوبة في ملاحظة ما يشبه الهيمنة العمودية في التعاطي مع الشعر في مهرجاناتنا، أو البرامج الإعلامية ذات الصلة بالأدب والشعر، أو في طبيعة الجوائز المنظمة للتشجيع على هذه القصيدة بالذات دون سواها.

وللعلم، نحن هنا في قلب ماهية الشعر، بل في عمق كيفية بناء العلاقة مع الشعر. فالظاهرة ليست في وجود القصيدة العمودية بقدر ما هي في حجم هذا الوجود، وهذا الحضور القائم على الاستحضار بمختلف الأدوات الممكنة؛ أي أن هيمنة هذه القصيدة بالذات تسحب معها بُعداً مهماً من أبعاد هيمنة الماضي، ناهيك عما تعنيه من احتفالية متعالية عن الضرورة النقدية للنسق الثقافي من بوابة الشعر.

أما الرسالة الأشد دلالة فتكمن في أن ظاهرة عملية الإحياء الشعري المتكررة في العصر الحديث للقصيدة الخليلية، إنما تستبطن مقاربتنا للشعريّ في الزمن الراهن بأدوات جمالية من الماضي، ممّا يكشف أيضاً هذا القبول - ولكنه متردد واحتجاجي - لأدوات قصيدة التفعيلة بعض الشيء، وقصيدة النثر بشكل شبه كامل. لذلك، فإن كُتّاب الشعر الحديث اليوم هم مناضلون يسبحون ضد التيار منذ عقود طويلة؛ شعر يقاوم من أجل الوجود، ورغم أن من يكتبون الشعر الحديث كُثر، فإن ما يحظى به الشعر العمودي من اهتمام ودعم ومناصرة يجعل من الشعر الحديث جمالية أقليّات.

تَعيش القصيدة العمودية الكلاسيكية اليوم عهداً ذهبياً متجدداً، بفضل هندسة دعم متكاملة تجمع بين ضخ الميزانيات الضخمة وحداثة الوسائط الرقمية، مما نجح في تحويل هذا الفن التراثي النخبوي إلى ممارسة تفاعلية حيّة تستهوي الأجيال الناشئة، وتتجاوز الميزانيات السنوية المرصودة لإحياء وتكريس هذا النمط حاجزَ عشرات الملايين من الدولارات في المشهد الثقافي العربي؛ وهو استثمار معلّل برغبة مؤسساتية صريحة في صون الهوية القومية التاريخية، وحمايتها من عواصف التحولات الأدبية المعاصرة، وعلى رأس هذه العواصف: قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.

ويتجلى هذا الدعم المالي بالأرقام في الجوائز والإنتاجات الكبرى؛ حيث تمنح بعض الجوائز مكافآت نقدية مباشرة تفوق مئات آلاف الدولارات في كل دورة، منها أكثر من مائة ألف دولار لصاحب المركز الأول. ولم تقتصر محاولات تكريس البحور الخليلية هنا حكراً على المجالس المغلقة الرافضة للأدوات الشعرية الحديثة في كتابة الشعر، بل انتقلت إلى الفضاء الرقمي بفضل ميزانيات إنتاج تلفزيوني ضخمة تبلغ ملايين الدولارات، نجحت في جذب الجمهور الناشئ وتحقيق جماهيرية للشاعر الذي يكتب الشعر العمودي ويتنافس حوله. وفي السياق ذاته، تُرصد هذه الجوائز، إلى جانب عدد لافت من المؤسسات، ميزانيات سنوية لتكريم البنية القديمة للقصيدة الكلاسيكية الفصيحة، إضافة إلى دعم وتمويل طباعة الدواوين التقليدية وعقد الملتقيات الدولية في شأنها.

هذا الزخم المالي واكبه تطور تقني بارز؛ حيث تم رصد ميزانيات حكومية لتطوير تطبيقات ذكية متخصصة تعمل كأدوات عروضية متطورة تُعنى بضبط الأوزان والقوافي وتنبيه الشعراء الشباب لمواضع الكسر العروضي بدقة فائقة. علاوة على ذلك، أسهمت المنصات الرقمية في خلق فضاءات تفاعلية مخصصة لتدريب وصقل مواهب الناشئة؛ فمن خلال الورش الافتراضية والتدريبية المفتوحة، نجحت هذه الأدوات في تبسيط المفاهيم المعقدة لعلم العروض والبيان العربي. إن هذا التمازج الفريد بين الجوائز التقديرية والتطبيقات التكنولوجية يؤكد هذا الدعم اللامتناهي من أجل نجاح مجهودات إعادة إحياء الشعر العمودي، وتمكينه من الصمود والامتداد داخل الوعي الرقمي المعاصر، بوصفه هوية بصرية وجمالية متجددة ترتكز على بنية مالية صلبة ومستدامة تضمن تفوقها واستمرارها، واستمرار هيمنتها على شعر التفعيلة وقصيدة النثر. إنّها معادلة صعبة بين قصيدة تتمتع بالاعتراف والدعم، وقصيدة تفتقد إلى الاعتراف، ومنظوراً إليها ناقصةَ الشرعية والشعرية. إننا في وضع شعري يمكن توصيفه بديكتاتورية نظام القصيدة العمودية. ذلك أنه لو كان الشعر القديم والحديث يحظيان معاً بالاهتمام والدعم نفسيهما أو بشكل متقارب لتلاشى المشكل من أصله ولظفرنا بمشهد ثري إنتاجاً وتلقياً.

هنالك نزاع صامت وخفي ينتصر للقصيدة العمودية، ولا يكاد يعترف إلا بالقصيدة العمودية وما سواها من منتجات الغَيرية المهدِّدة للهوية العربية في مفهومها الواسع العام. ومن المهم التذكير بأن من أربعينات القرن الماضي ومحاولات إحياء الشعر العربي القديم متواصلة؛ تهدأ فترة ثم تعود حيث عرف الشعر العربي في العصر الحديث مدارس وتيارات واتجاهات عدّة ظهرت بشكل متعاقب منذ بداية عصر النهضة في الفضاء العربي الإسلامي. لذلك، فإن عصر النهضة يمثل تاريخاً مفصلياً في تاريخ الشعر العربي ككل، وعاملاً مهماً في انبثاق النهضة الأدبية في العصر الحديث، خصوصاً أنه بعد عصور ازدهار الشعر العربي، التي تعود إلى الشعر الجاهلي وصولاً إلى الشعر العباسي، شهدت الحياة الأدبية العربية نوعاً من الخمول والضعف، أصاب اللغة العربية والكتابة الشعرية والنثرية، ومسّ كذلك ميولات الثقافة الشعبية التي كانت تجنح إلى الإنتاجات الهزلية والخرافية، الشيء الذي مثّل بدوره سبباً أساسياً من أسباب ظهور النهضة الأدبية في القرن التاسع عشر، وأكّد الحاجة إليها؛ إذ النهضة مدلولياً تشير إلى حالة من التعارض مع ما سبق، وإلى طموح تجاوز حالة الوهن الحضاري وملامحه الدالة عليه كافة.

وهكذا يتضح لنا أن كل مقاربة للشعر العربي في العصر الحديث، وبشكل خاص تلك التي اهتمت بالمدارس الشعرية الأولى وتحديداً مدرسة الإحياء والبعث، إنما هي بالضرورة مقاربة تتنزل في جزء من تحليلها ومن استنتاجاتها في إطار عصر النهضة؛ باعتبار أن عوامل النهضة الأدبية العربية تساعدنا على فهم طبيعة الخطاب الشعري الإحيائي، وعلى تفسير مضامينه وخياراته الفنية الجمالية وتأويلها. فشأن الشعر، من منظور بنيوي وظيفي ماكرو-سوسيولوجي كشأن سائر مجالات الإبداع كافة، فهو نتاج ظروف تاريخية واجتماعية في أحد أهم وجوهه، وذلك من منطلق أن الشعر جزء من الفعل الاجتماعي وأحد الحقول الاجتماعية المهمة، ويخضع في إنتاجه وتلقيه إلى عملية مركبة من التواصلية والتفاعلية. بمعنى آخر، فإنه كما أبرز ذلك بيير ماشري (Pierre Macherey)؛ لا ينبغي التعامل مع المنتج الأدبي الإبداعي كما لو كان منغلقاً على نفسه، متمركزاً فيها، ولا يرتبط بأي شيء خارجه. فهو - أي الخلق الثقافي الإبداعي - وفق ما ذهب إليه لوسيان غولدمان، نتاج ذاتٍ جماعية، ويحمل في باطنه رسائل ومعاني كاشفة عن طبيعة ما يسميه عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو «نسق الإحالات المشتركة» للذات الجماعية.

إذاً، ظهرت في العصر الحديث مدارس شعرية عربية متعددة، افتتحتها مدرسة الإحياء والبعث، ثم جاءت جماعة «الديوان»، وتولدت المدرسة الرومنطيقية، وذلك في بداية القرن العشرين متأثرة برموز الرومنطقية في الآداب الفرنسية والإنجليزية. وبعدها عرف الشعر العربي جماعة «أبولو»، وأيضاً ما سُمي «أدب المهجر»، وصولاً إلى مدرسة الواقعية في الأدب، ويليها ظهور حركة الشعر الحر أو قصيدة التفعيلة، ثم قصيدة النثر من السبعينات من القرن الماضي، التي انطلقت بأعلامٍ ذوي مواهب مجيدة ونظرة نقدية كرّست أحد أهم شروط الحداثة في الثقافة العربية.

ومن الملاحظات الخاطفة التي نسوقها بشكل عاجل، أن اقتران التجديد الشعري مع نازك الملائكة وبدر شاكر السياب أظهر خصوصية البيئة العراقية الشعرية في هذا النزوع للتجديد والتجريب، الذي تواصل إلى اليوم؛ حيث نجد حالة من الانفتاح الجمالي فريدة من نوعها من الناحيتين: على مستوى الإنتاج الإبداعي، وأيضاً التلقي.

ولعل هذا الكم من المدارس والاتجاهات الذي شهده الشعر العربي في العصر الحديث يكشف بدقة ووضوح عن حالة من الحراك الشعري، من أهم مظاهرها وعناوينها استعادةٌ قوية لمكانة الشعر في الثقافة والحضارة العربيتين، واستنهاضٌ لوظيفة الشعر عند العرب وتلبيةٌ لحاجة اجتماعية وثقافية ملحة للشعر، بوصفه مجالاً من مجالات النهضة وأحد أبرز مضامينها ومسوغاتها. ولكن علاقة العرب بالشعر ظلت في الغالب سكونية في ارتباطها بالقصيدة العمودية؛ إذ نلحظ أن النزعة الإحيائية تظهر ثم تخفت قليلاً ولكن لا تغيب أبداً، الشيء الذي يعني أننا أمام مظهر من مظاهر الهوية التي تمارس الانكفاء من خلال القصيدة العمودية والتي تشغل مقام مقوِّمٍ من مقومات الهوية العربية.

في المقابل، يُعاني الشعر الحديث والمعاصر - بشكل أقل بكثير شعرُ التفعيلة وبشكل أكبر قصيدة النثر - من غياب شبه تام للدعم المؤسساتي المنظم، وضآلة الاعتراف الرسمي بِمُنْجَزِه الجمالي (طبعاً باستثناء بعض القامات الشعرية التي استطاعت الإقناع بالشعر الحديث، واستغلت جيداً فترة الركود «العمودي» الظرفي التي تحصل دائماً)، مقارنة بالحفاوة التي تحظى بها الأنماط التقليدية. فرغم أن الحداثة الشعرية تمثل الوجه الأكثر تعبيراً عن حيوية الإنسان المعاصر وتحولاته النفسية، فإنها لا تزال تُدفع بعيداً نحو الهامش والمبادرات الفردية. ولا يكاد يُرصد لهذا النمط التجديدي ميزانيات تُذكر، ولا توجد تطبيقات ذكية ممولة حكومياً تُعنى بجماليات البناء البصري والتدوير الحداثي، مما يترك الموهبة الشابة المعاصرة في عزلة رقمية وتواصلية رغم ما نراه من تهافت على كتابته والطريقة ذات الأثر العكسي التي يغزو بها وسائل التواصل الاجتماعي وهذا في حد ذاته موضوع جدير بالاهتمام.

ويتجلى هذا التهميش بوضوح في ندرة الجوائز الكبرى المخصصة حصرياً للتجريب النثري، وحرمان الأصوات الجديدة من منصات التكريس اللائقة وتدريب الناشئة، مما يجعل طباعة الدواوين الحديثة ونشرها عبئاً مالياً يقع على كاهل الشاعر نفسه وعدد من دور النشر الطلائعية. إن هذا التفاوت الصارخ في الضخ المالي والاهتمام المؤسساتي لا يعكس قيمة الفن الحقيقية، بقدر ما يكرس قطيعة تجعل الشعر الحديث محاصراً في النطاقات النخبوية الضيقة، ومحروماً من أدوات الانتشار التي تضمن له الحضور والامتداد في الوعي الجمعي؛ ناهيك عن أن الشعر الحديث بقدرته الخاصة على تدوين الراهن وتصوير تفاصيله بحساسية جديدة مع اللغة والواقع والروح المختلفة، سينتهي بنا إلى إيقاف الزمن الشعري عند العمودي، إذ الجماليات المختلفة هي أزمنة وأمكنة مختلفة أيضاً.

من باب الموضوعية، ربما يمكن القول إنه بحكم أن الإعلام الثقافي تشرف عليه في الغالب أصوات حداثية ومتشبعة بالإبداع العالمي، وعاشت في عواصم عربية وغربية جُبلت على التجديد، فإن الصفحات الثقافية تحتفي بالتجارب الشعرية الحداثية أكثر من الأخرى الكلاسيكية.

الفكرة باختصار لا تكمن في مناصرة القصيدة العمودية وتوفير آليات دعم قوية لتأمين البقاء وتأثيرها، فذاك أمر طبيعي ويؤدي وظيفة سوسيولوجية ذات علاقة بالهوية الجمعية، إضافة إلى ما تعنيه مناصرتها من حفظ للغة العربية كمقوِّم رئيسي من مقومات البناء الرمزي للهوية العربية. فالمشكلة - كما تبدو لنا - في هيمنة العمودي وغياب ممارسة ديمقراطية تجاه التعبيرات الجمالية كافة. كما أنه ليس من صالح الشعر العربي ولا الثقافة العربية ألا يوجَّه الضوء للدعم والمناصرة لتجارب شعرية غاية في الإبداع وصنع الدهشة، فقط لأنها من خارج أوزان القصيدة الخليلية. فلتتبارَ الأشكال الشعرية كافة، والرابح دوماً هو الشعر، الذي لا يحدده شكل ولا جماليات بعينها؛ فالشعر انفتاح وانقلاب متواصل تماماً كما هو العقل النقدي الذي محركه النقد.

بيت القصيد أو الجملة الشعرية المراد تسويقها: الشعر لا يضره إحياء القديم ولكن يزهر عندما ننصت لقلبه الحيّ الذي يتجدد مع كل دورة حياة.


«عروس قونيا»... مونتاج سردي يعبر ثمانية قرون

«عروس قونيا»... مونتاج سردي يعبر ثمانية قرون
TT

«عروس قونيا»... مونتاج سردي يعبر ثمانية قرون

«عروس قونيا»... مونتاج سردي يعبر ثمانية قرون

تتحرك الكاتبة اللبنانية رشا مختار دندشلي في روايتها «عروس قونيا - محاكمة شمس التبريزي» بين زمنين تفصل بينهما ثمانية قرون؛ زمن بطلة بيروتية معاصرة تعاني أزمة نفسية، وزمن كيميا خاتون، الطفلة التي عاشت في قونيا خلال القرن الثالث عشر، وظلت سيرتها عالقة في المنطقة الغامضة من العلاقة بين جلال الدين الرومي وشمس التبريزي.

غير أن الرواية الصادرة عن «دار الفارابي» ببيروت لا تنظر إلى الزمن بوصفه خطاً يفصل الماضي عن الحاضر؛ إذ يتداخل العالمان تدريجياً داخل وعي البطلة، لتصبح الحدود بين الذاكرة والتخييل، وبين التجربة النفسية والاستدعاء الميتافيزيقي، أكثر التباساً. وهكذا تتحول القرون الثمانية الفاصلة بين البطلتين إلى مساحة سردية تتقاطع داخلها ذاكرتان وطفولتان، وتستعيد من خلالها «كيميا» صوتاً غيّبته الحكاية الأشهر عن الرومي وشمس التبريزي.

يفتح السرد أمام البطلة بوابة زمنية تستعيد عبرها حياة «كيميا القديمة»، فتبدو كأنها «عاشت آلامها من قبل»، ويقود هذا المسار الرواية إلى منطقة ميتافيزيقية تتداخل فيها أفكار التقمص والتزامن والذاكرة الجمعية والأكوان المتوازية، وهي أفكار تستعيدها البطلة وتناقشها في حوار متصل مع جدها المنحدر من أصول صوفية.

كما يبدو اختيار الكاتبة لعمل بطلتها المعاصرة في مونتاج الأفلام الوثائقية مفتاحاً فنياً لبنية الرواية نفسها؛ إذ يتفعّل «المونتاج السردي» على امتداد العمل بين زمنين ومكانين وذاكرتين، وتدخل المشاهد المتباعدة في علاقات جديدة، بحيث تضيء كل لقطة ما يقابلها في الزمن الآخر. وتعيد الرواية تركيب شذرات سيرة كيميا داخل وعي امرأة معاصرة، فتغدو الحكاية القديمة مرآة لأزمات الحاضر. ويصبح عمل البطلة في المونتاج أكثر من مجرد تفصيلة مهنية؛ إذ ينسجم مع طبيعة وعيها الذي يجمع صوراً وأصواتاً وأزمنة متناثرة، ويعيد تركيبها داخل سردية واحدة.

ولا يقتصر التوازي بين البطلتين على حمل الألم أو الإحساس بالتخلي، بل يمتد إلى جراح الطفولة نفسها؛ فكلتاهما تواجه عالماً صنعه الكبار، ثم تركوا الطفلة تتحمل نتائجه.

تبعات الزلزال

تخلق الرواية بعض ومضاتها السردية الأبرز من خلال التقابل بين أحداث تفصل بينها قرون، لكنها تتجاور داخل ذهن البطلة، ففي أحد مشاهد الرواية يتزامن زلزال قونيا، الذي عدّه بعض أهلها لعنة إلهية حلت بهم بسبب إيذائهم شمس التبريزي، مع توابع زلزال ضرب بيروت، وأعادت حوله بعض الأصوات المعاصرة إنتاج التفسير الغيبي نفسه، بوصفه عقاباً أو لعنة.

ولا تتوقف هذه المقابلة عند تشابه حادثتين، بقدر ما تكشف استمرار العقل الجمعي في إنتاج تفسيراته نفسها، رغم تغير الأزمنة، فبينما يهتز المكانان، يبدأ الزمن نفسه في الاهتزاز داخل وعي البطلة؛ فتتجاور قونيا وبيروت، ويختلط الزلزال التاريخي بتوابعه المعاصرة، كما لو أن الحدثين يقعان في اللحظة نفسها.

تنجح الكاتبة في منح زمن قونيا كثافة محسوسة؛ فلا يظهر القرن الثالث عشر مجرد خلفية تاريخية، وإنما عالماً تجري معايشته عبر تفاصيل البيوت والأفنية والمدارس والأسواق والملابس والطعام ومجالس العلم والسماع. وتتيح هذه التفاصيل للقارئ أن يدخل بيت الرومي، ويرى نافورته وشجرة الدلب وحبات التفاح المتدلية من أغصانها، ويتابع التحوّلات التي أحدثها حضور شمس التبريزي في البيت والمدينة معاً. وتستعين دندشلي بالمادة التاريخية المتاحة، في مقدمتها «مناقب العارفين» لأحمد الأفلاكي، أحد أبرز المراجع القديمة عن سيرة الرومي وشمس التبريزي، لكنها لا تتعامل مع تلك المادة بوصفها حقيقة نهائية. فالفراغات والتناقضات المحيطة بمصير كيميا تصبح المساحة التي يدخل منها الخيال الروائي لإعادة تركيب الحكاية من منظور الشخصية التي ظلت طويلاً على هامشها.

وفي هذا المزج بين المرجع التاريخي والتخييل، لا تبحث الرواية عن إجابة قاطعة عما وقع، بقدر ما تحاول تصور ما كان يمكن أن تشعر به طفلة وجدت نفسها داخل واحدة من أشهر العلاقات الروحية في التاريخ. ولذلك لا تصبح قونيا ديكوراً تاريخياً، بل عالماً له لغته وأسئلته وصراعاته، تخضعه الرواية في الوقت نفسه للمراجعة، خصوصاً حين تتحول لغة «الباطن» والمشيئة الروحية إلى وسيلة لتبرير قرارات إنسانية قاسية.

محاكمة الأسطورة

تقود الكاتبة قارئها إلى سرد ملغم بالمفارقات داخل عالم الصوفية؛ فهي تنجذب إلى أسئلته عن الزمن والروح والفناء، لكنها ترفض التسليم بهالة القداسة التي أحاطت بأبطاله، ومن ثم تتبنى الرواية موقفاً نقدياً من السطوع المعاصر لنجم شمس التبريزي، لا سيما بعد الانتشار الواسع لرواية «قواعد العشق الأربعون»، كما لا تقف من جلال الدين الرومي موقف التسليم الذي يحجب تناقضاته البشرية.

لا تستهدف الرواية إنكار القيمة الروحية أو الشعرية للرومي والتبريزي، بقدر ما تسائل الثمن الإنساني الذي دفعه المحيطون بهما، وعلى رأسهم كيميا، فهي تعيد النظر في موافقة الرومي على تزويج الطفلة اليتيمة ذات الثالثة عشرة من شيخه المتقدم في العمر، في زواج بدا هدفه ضمان استقرار شمس ومنعه من مغادرة قونيا، إلى جانب إسكات الأقاويل التي لاحقت شدة تعلق الرجلين ببعضهما البعض.

هنا تكمن المفارقة المركزية؛ فالأسطورة التي قدمت الرومي وشمس بوصفهما رمزين للعشق المتعالي، تخفي في هامشها طفلة جرى التعامل معها كوسيلة لحماية هذا العشق وضمان استمراره. ومن خلال نقل كيميا من الهامش إلى مركز السرد، تتحول «عروس قونيا» من إعادة رواية سيرة صوفية شهيرة إلى مساءلة مَن امتلك حق كتابة تلك السيرة.

وفي مقابل هذه المراجعة التاريخية، تمضي البطلة المعاصرة في مراجعة أزماتها الشخصية؛ طفولتها، وشعورها بالتخلي، وهشاشتها النفسية، وقدرتها على التمييز بين ما عاشته بالفعل وما أعاد لا وعيها بناءه، وهكذا تتقدم المحاكمتان معاً؛ محاكمة الأسطورة في الماضي، ومحاكمة البطلة لتصوّرها عن نفسها في الحاضر.

ومع نهايتها، تكشف الرواية عن مفاجأة سردية لا تهدم ما سبق أن شيدته من أزمنة وعوالم، بقدر ما تكثف سؤالها عن العلاقة بين الزمن التاريخي والزمن النفسي، وعن المسافة الملتبسة بين الذاكرة والتخييل، وهي الأسئلة التي تشير إليها الكاتبة في المراجع التاريخية والنفسية والفلسفية التي استعانت بها، من دون أن تنحاز إلى تفسير نهائي لما عاشته البطلة.


ثلاث قصائد

ثلاث قصائد
TT

ثلاث قصائد

ثلاث قصائد

دعاء

أعدني للكتاب

لاخضرار يدي

كلما لامست ورقة.

أعدني إلى الراقدين على الرفِ

علّي أتشربُ شيئا

من مدادٍ يسيلُ

حين يزحف ضوءُ

أو يبرق رعدُ.

أعدني لعيني

تسفح الضوءَ فوق الحروف

على المتنِ والهامشِ

أعدني لتلك السلاسل،

طينيةً، رمليةً، صخريةً،

ولا تغلق الحرفَ دوني.

أعدني لمكتبة النهرِ

أقرأ أسماءَ موتاهُ

مفروشة على الماء مثل النجوم،

لمكتبةِ الطيرِ

أقرأ ما حمل الريشُ

قدني إلى مدخل البرجِ

أبسطْ يديّ،

أعنْ قدميّ

لأصعد للبرجٍ حيث كتاب أبي...

أمام النهر

قلت: أمضي إلى النهرِ

علّيَ أنسى

شبح البيت، يطرق كل مساء

على الصدرِ...

علّ القواربَ تأخذني

إلى آخر النهرِ

حيث السماء

تتلألأ فوق المياه،

لذاك الضياءِ،

موسيقاه تعزف فوق الضفاف.

قمر جديد

سيهبط فوق الشجر

ويولد ليل جديد.

أتوحد والماءَ،

يصعد نحو السماء

قطرةً...قطرةً.....القوارب تمضي بدوني،

ربما إلى البحرِ،

وأنا أرقب النهرَ...

كان نهراً غريبا.

كأني بيت قديم

كأنّيَ بيتٌ قديم

أرمّم أحجارهُ

حجراً... حجراً

كلما مرّت الريحُ بين أركانهِ

وأسدّ الثقوب

ثم تنضح ماء

كلما استدرتُ

سئمتُ

-لا أبا لك-

وأنا أراني

أبدّل عضواً فعضوا

والذين أحبّ مضوا

كلٌ لبيت غريبِ

وقد كنتُ - أذكرُ- بيتاً

كلما بهمُ ضاق يتسعُ

ثمّ أني تعبتُ

من الحلمِ أن أبصر الحلمَ يوماً

ماشياً في الشوارعِ،

وهو يختالُ مرتدياً ثيابي،

يتقافز فوق النوافذ،

ناضحاً ما يشاء

من اللون فوق الرؤوس

فتقوم المدينة

من النوم بيضاء ما مسها ضررُ.

ثمّ أنيَ مني تعبتُ

ومن شبحي

وأنا أنتظر

وقت غارته الأبدية

عند منتصف الليلِ...

كلّ ليلِ.