حمزاتوف... «جائزة لينين» لم تمنعه من أن يعتمر ويزور النبي

وجد نفسه مندفعاً في أخريات عمره نحو شمس الصحراء العربية

رسول حمزاتوف
رسول حمزاتوف
TT

حمزاتوف... «جائزة لينين» لم تمنعه من أن يعتمر ويزور النبي

رسول حمزاتوف
رسول حمزاتوف

«ليلٌ طويلٌ يضنيه حزنٌ موجعٌ

ولا فجر للحزن

فأين أنت فلسطين؟

حارقٌ ربيعك

وشقاؤه حارق

شهيقٌ دائمٌ، فأين أنت يا فلسطين؟

يذبلُ وردٌ، ويجف نبعُك

والمغيب دمويٌ

فأين فجرك يا فلسطين؟

خرس الطيرُ على سعف نخلك المثبور

وصرت جرح جسد الأرض العربية البليغ

نامت القنابل على وسائد أطفالك، مكان اللعب

وسنَّ أطفالك خناجرهم في المهد...

ولا أجمل منك يا فلسطين

مساجد القدس

ونهر الأردن

وكلنا نغني

نعرف أغنية واحدة

إننا سنعود إليك يا فلسطين»

كأنه يخاطب فلسطين الجريحة اليوم، وكان على مقربة منها وهو يزور لبنان في عام هزيمة 67... كان الداغستانيون يتفاعلون مع قضايا العرب والمسلمين من قبل ومن بعد، مؤخراً وصلت أصداء مذابح غزة الإسرائيلية الأخيرة إلى شبابهم بمحاولة محاصرة الطائرة الإسرائيلية في مطار عاصمتهم، وكأنهم يستحضرون روح شاعرهم الذي احتفل أهالي طشقند بمئويته قبل شهور، حيث تُوفي رسول حمزاتوف في محج قلعة سنة 2003 بعد حياة حافلة في روسيا، وهي في ذروة بروز الاتحاد السوفياتي بعد ثورة أكتوبر الاشتراكية سنة 1917، ابتدأها من قرية تسادا بجمهورية داغستان الإسلامية بولادته سنة 1923 متعلماً على يدي والده حمزة تساداسا، ومنهياً دراسته في «معهد غوركي للأدب» بموسكو سنة 1950، ليحصل على «جائزة لينين» سنة 1963 عن ديوانه «النجوم العالية»، وقد طار اسمه في الأفاق، وشغل إثرها عضوية مجلس السوفيات الأعلى عن جمهورية داغستان، الذي رأس اتحاد كتابها.

يصف رسول حمزاتوف والده بأنه عالي الثقافة، حيث تشرب حب الأدب وكتابة الشعر باللغة العربية رغم لغته الآفارية، قارئاً الشعر العربي الجاهلي والعباسي، مسحوراً بأشعار الفرزدق وأبي تمام والبحتري والمتنبي والمعري، وبلغتها العربية قرأ كلاسيكيات الرواية الروسية المترجمة... بل وكتب شعره بها! حينما كان النطق بالعربية شائعاً على ألسنة الداغستانيين، منذ وصلت حركة الفتوحات العربية إلى أواسط آسيا الوسطى سنة 18 للهجرة، فأسفر ذلك عن تعلق الداغستانيين والبخاريين والسمرقنديين بالقرآن الكريم وعلومه الحديثية والفقهية والنحوية والبلاغية والاهتمام بالخط العربي، منذ ظهرت أولى الكتابة باللغة العربية في بداية القرن الثامن الميلادي، وأصبحت سمرقند تزود بغداد عاصمة الخلافة الإسلامية بالورق طوال قرنين، مع انطلاق حركة التدوين بداية القرن الثاني الهجري، أي بين القرنين السابع والثامن الميلاديين، فزخرت مكتبات بخارى وخراسان وداغستان وباكو بآلاف المجلدات من المخطوطات، واستمر النطق بالعربية سليماً على امتداد القرون اللاحقة حتى القرن الثامن عشر الميلادي، عندما تعرضت الثقافة العربية والدين الإسلامي إلى بداية التهميش في العهد القيصري.

وأتذكر هنا تناولي هذا الموضوع في أكثر من مقال بجريدة «الرياض»، منتصف الثمانينات الميلادية، على خلفية قراءتي المنبهرة برائعة رسول حمزاتوف «داغستان بلدي» في طبعتها السورية الصادرة سنة 1982، وقد امتازت بتجنيس أدبي عابر لأنماط الكتابة السيرية والسردية والشعرية والحكايا الشعبية، فخرجت بأن حمزاتوف لم يكن في عمله البديع الآسر سوى ثمرة لسلسلة من ثقافة عربية وإسلامية عاشت متراكمة فوق أراضي الاتحاد السوفياتي قبل تفككه، إذ تم تداول الكلام العربي مدة أربعة عشر قرناً في بخارى وسمرقند وداغستان وخراسان، سمع بفصاحته وكتب بخطه في باب الأبواب والمراكز القريبة منه كلاماً سليم النطق مع استمرار وصول العوائل العربية إلى داغستان حتى القرن السابع عشر الميلادي، كما يؤكد الباحثان الداغستانيان في «أكاديمية العلوم السوفياتية» حاجي حمزاتوف وعمر شيخسعيدوف.

ومنذ القرن التاسع عشر، ساهم عرب من الشام ومصر والحجاز في نشر اللغة العربية بروسيا القيصرية، مدرسين في المعهد الدبلوماسي، بقصد تدريب الرحالة والموظفين الروس المنتدبين سفراء ودبلوماسيين إلى العالم العربي، ويأتي في طليعتهم الشيخ الأزهري محمد عياد الطنطاوي (المصري) الذي عاش وعمل وألف في بطرسبورغ، وكذلك أحمد حسين (المكي) في قازان... وبحكم إشراف روسيا القيصرية على الكنيسة الأرثوذكسية في فلسطين وسوريا ولبنان، عمل أدباء وتربويون من هذه الدول، مدرسين للغة العربية، بالأخص من السوريين، في بطرسبورغ وموسكو، (ميخائيل عطايا وجرجس إبراهيم وبندلي صليبا جوزي وكلثوم عودة فاسيليفا وغيرهم) مشكلين جسراً «استعرابياً» ذهبياً في المثاقفة العربية الروسية.

يذهب الباحث والدبلوماسي العراقي نجدة فتحي صفوت في كتابه «العرب في الاتحاد السوفياتي» إلى قدم الوجود العربي هناك، بوصول قبيلة بني سنان وقبيلة بني شيبان إلى آسيا الوسطى في بخارى عبر أفغانسان منذ ما يقارب القرنين والثلاثة من منتصف القرن العشرين، في حين يؤكد المؤرخ العراقي والبحاثة المجمعي الضخم د. صالح العلي في كتابه «الفتوحات الإسلامية» وما كتبه عن «أحكام الرسول محمد في الأراضي المفتوحة» و«استيطان العرب في خراسان» أن الوجود العربي قد وصل إلى آسيا الوسطى قبل ذلك بكثير على يد قتيبة بن مسلم، الذي جاء من بغداد إلى هرات ونيسابور وخراسان، مستدلاً (العلي) بأن أسماء بعض أبواب سمرقند كانت تحمل أسماء عربية، مثل باب بني سعد وباب بني سعدة، بينما يذهب باحث روسي هو ألكساندر خاتشا تريان إلى أن كتابة عربية في حصن تالين السفلى بأرمينيا، تؤكد وصول العرب إلى هناك مع السلاجقة. حين شن السلطان السلجوقي ألب أرسلان حملة غزو على بلاد الأرمن (أرمينيا) وأرض الروم (روسيا)، وفتح العديد من الحصون والقلاع، وأعطاهم إلى حاكم أران «أبي الأسوار» كي يضمها إلى مملكته سنة 170 للهجرة.

أما ما أصبح موجوداً من العرب الذين ذكرهم صفوت آنفاً، فيقدرهم بالآلاف إذ عايش بعضهم، حين عمل في السفارة العراقية بموسكو سنوات الستينات، ووصف نطقهم العربي بأنه قريب من اللهجة العراقية تارة، ولهجة بدو أواسط الجزيرة العربية... أي اللهجة النجدية تارة أخرى، لكن هؤلاء العرب الروس تعرضوا إلى الاضطهاد منذ عهد القياصرة، منظوراً إليهم أقلية قومية مستضعفة، وأثقلوا بالضرائب المستمرة حتى اضطر بعضهم - حال عرب الأندلس (الموريسكيين) أيام محاكم التفتيش الكنسية - إلى إخفاء أصولهم العربية... ومما زاد طينتهم بلة، ما قام به جوزيف ستالين من حملة قهرية مشهورة بإذابة شعوب آسيا الوسطى وغيرهم - على اختلاف إثنياتهم وأديانهم - في «شعب الجمهوريات السوفياتية»! متمركزين حول الثقافة الروسية ولغتها، خصوصاً العرب والمسلمين، ومنهم طائفة المسخليت الذين تكرر ذكرهم في أحداث المشكلات القومية، في بداية تفكك الاتحاد السوفياتي، وكان هؤلاء وغيرهم من إثنيات أخرى غير سلافية تعرضوا للطرد من بلدانهم الأصلية إلى بلدان سوفياتية أخرى، وقد عانوا بالغ المعاناة من المحاولة الستالينية القمعية لمحو آثار الإسلام وثقافتهم العربية، التي كانت هي السائدة، خصوصاً لدى الداغستانيين.

من هنا يمكن تفسير تعلق حمزة تساداسا والد رسول حمزاتوف باللغة العربية، وقراءة آدابها وكتابة الشعر بها، مستنداً إلى نشوء أدب محلي ظل يكتب باللغة العربية بين القرن التاسع عشر والقرن العشرين، هذا ما يؤكده حاجي حمزاتوف وعمر شيخسعيدوف في أكثر من بحث لهما نشرتها مجلة «أبحاث جديدة للمستعربين السوفيات - الجزء الثاني» الصادرة من «أكاديمية العلوم السوفياتية» بموسكو سنة 1987 بوجود عدد كبير من الوثائق المكتوبة باللغة العربية ذات طابع رسمي وخاص، تتعلق بمراسيم العقود والرسائل والوصايا ووثائق البيع والشراء وغيرها... هذا ما انعكس بجلاء ساطع في بيت حمزة تساداسا الذي كان يصلي سراً.

أما ابنه رسول حمزاتوف فقد بدأ كتابة قصائده باللغة الآفارية في عمر الصبا، وفي سنة 1943 نشر أول مجاميعه الشعرية باللغة نفسها التي كتب بها أشعاره الأخرى «قلبي في الجبال» و«الغرانيق» و«حوار مع أبي» و«النجوم العالية» و«مسبحة السنين» و«أيها الأصدقاء»، متوجاً نثره الشاعري برائعته الفريدة «داغستان بلدي» الذي عانى في طباعتها، فلم يحصل على الموافقة على نشرها إلا بصعوبة بالغة إبان العهد البريجنيفي.

لم لا؟ وكتابه قد أطلق صرخة ثائرة على القبضة الحديدية والخطاب الآيديولوجي.

تأمل في رده حين طلب منه محرر مجلة الحزب أن يكتب تسع أو عشر صفحات عن تطور داغستان في ذلك العهد المنصرم كتابة تمجيدية، فأجابه:

«لن أستطيع أن ألف داغستاني، بلدي، في صفحاتك التسع أو العشر

ولن أستطيع أن أكتب (مواد عن المنجزات وعن غد منطقتي الجبلية)... قلمي الصغير لا يقوى على هذا الحمل».

ويوضح رده على المحرر الحزبي بهذا التشبيه البليغ:

«لا أحد يعرف عادات حصانك خيراً منك أنت فابحث لك عن طريق خاص بك».

بينما يعلن احتجاجه في إحدى قصائده المعنونة بـ«التصفيق» رغم عضويته في مجلس السوفيات الأعلى، ضد ما كان يجري من استكانة وخضوع في مؤسسات الدولة الحزبية:

«لقد صفقنا

حتى تألمت أكفنا

حدث في السنوات التي مضت

أن احمرت أكفنا كخدودٍ خجلاً ضربناها بشدةٍ ورغبةٍ.

كم ضربنا أكفنا بنشوةٍ!

حماساً لكلمات المديح أو التسفيه

ولو كانت أكفنا أجنحة

فما أنا إلا غبي لوح بجناحيه...»

ويواصل نقده الصارخ ضد إجبار أبناء الجمهوريات الإسلامية على تغيير أسمائهم العربية إلى النسبة بالأسماء الروسية، قائلاً في إحدى التماعاته المدهشة في كتابه «داغستان بلدي»:

كان ميخائيل غريغوريفتش حسينوف في لجنة منطقة حزبية قد غير اسمه من محمد. غصب عليه والده وقد غير اسمه من حسن إلى غريغوري بسبب تنطعه الحزبي الذي حينما اختلف مع صاحبه غير العقائدي مما جعل أحد الشعراء يكتب مقطعاً شعرياً ساخراً:

(تبدد الضباب في الجبال

فالطريق أمامك واضح

أغنامك أيها الراعي

سر بها إلى الشيوعية!)

برز تماهييه في روح داغستان الإسلامية واضحاً في قصيدته «معنى القرآن العظيم» معلناً بشجاعة ما كان يخفيه والده المتيم بقراءة القران وأداء الصلاة سراً

إن رسول حمزاتوف لا يطيق الانسلاخ من الجلد قط، لذلك لم يحسن النطق تماماً باللغة الروسية رغم روسيته! كان مترجمون روس ينقلون شعره إلى جماهير معجبيه الروس بلغتهم:

«بعض أصدقائي الأفاريين غادروا قراهم وذهبوا يعيشون في المدن الكبيرة الروسية... حين تحدثت إليهم فوجدت أن اللغة التي يتحدثون بها ليست الآفارية، ولم تكن الروسية فذكرني هذا بغابة يعبث بها خطابون بلداء.

كان والدا شاب يعارضان في زواجه من فتاة روسية لكن الفتاة كانت تحب فتاها الآفاري وذات يوم استلم منها رسالة باللغة الآفارية.

أرى الشاب والديهم الرسالة. قرآها غير مصدقين ومن شدة ذهولهما سمحا لابنهما بأن يأتي بالفتاة إلى بيتهما».

إن تعلق حمزاتوف الأمومي بداغستان يعبر عن أصالة انتماء وحب صوفي لشعبه، المتذمر من محاولة ستالين قولبة داغستان وشعوب الجمهوريات الإسلامية قسراً في دولة سوفياتية واحدة:

«داغستان، يا ملحمتي،

كيف لي ألاّ أصلّي من أجلك،

ألاّ أحبك،

وھل يمكنني أن أطير بعيداً عن سرِب الغرانيق في سمائك؟ داغستان: كلَّ ما أعطاه الناس لي، أتقاسمه بالعدل معك، أوسمتي وجوائزي

سأعلِّقُھا على قِممك ..

تنظر قريتي إلى الأسفل محصورة بين الجبال..

كما العش الھش في الصخور العالية

يقف بيتي معلَّقاً فوق الھاوية

فأنا ولْدت لداغستانية فقيرة

في أصعِب عام من أعوام الجوع».

وبرز تماهييه بروح داغستان الإسلامية واضحاً في قصيدته «معنى القرآن العظيم» معلناً بشجاعة ما كان يخفيه والده، المتيم بقراءة القرآن وأداء الصلاة سراً:

«أي شاعر أنا إذا لم تبتهج روحي بمعنى القرآن العظيم».

منحنياً أمام الشعراء العرب، وقد تأثر عن طريق والده بهم خصوصاً أبا العلاء المعري:

«أنحني أمامكم أنا الهباء التافه.

لقد عرفتم الحكمة والوصايا، لقّنكم إياها من الأعالي الله».

هل لهذا وجد نفسه مندفعاً في أخريات عمره نحو شمس الصحراء العربية مفتوناً بلياليها القمراء وعبقها الروحي، وهو يحل في المملكة العربية السعودية سنة 1995 معتمراً في مكة المكرمة وزائراً النبي العربي، حيث دفن في المدينة المنورة محارب القياصرة محمد شامل، البطل الداغستاني الذي طالما ردد رسول حمزاتوف اسمه بإعجاب في رائعته، بل قل ملحمته الذائعة «داغستان بلدي»؟


مقالات ذات صلة

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

ثقافة وفنون براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره.

فاروق يوسف
ثقافة وفنون «الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب

«الشرق الأوسط» (بغداد)
يوميات الشرق عقار يفتح نافذة على فصل لم يُكتب بعد من حياة شكسبير (نيويورك تايمز)

عقار في لندن يُعيد كتابة نهاية شكسبير... هل اعتزل حقاً؟

أعاد اكتشاف حديث في قلب لندن التاريخية الإضاءة على حياة ويليام شكسبير في سنواته الأخيرة، وأثار شكوكاً حول رواية لطالما بدت راسخة...

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.