خطى المتنبي الهاربة بين ميمين

عشر رحلات مضنية قام بها عبد العزيز المانع في مصر والأردن وسوريا

عبد العزيز يمتطي جمله متتبعاً خطى المتنبي في صحراء العرب
عبد العزيز يمتطي جمله متتبعاً خطى المتنبي في صحراء العرب
TT

خطى المتنبي الهاربة بين ميمين

عبد العزيز يمتطي جمله متتبعاً خطى المتنبي في صحراء العرب
عبد العزيز يمتطي جمله متتبعاً خطى المتنبي في صحراء العرب

في حقول الزيتون بالجوف ابتدأت الحكاية، حين أشار د. زياد عبد الرحمن السديري إلى نفر من الأكاديميين والأدباء السعوديين، كانوا في ضيافته، بأن «بسيطة»، التي ذكرها المتنبي في قصيدته الهاربة من الفسطاط إلى الكوفة... ها هي على مرامي عيونهم:

وجابت بسيطة جوب الرداء

بين النعام وبين المها

إلى عقدة الجوف حتى شفت

بماء الجراوي بعض الصدى.

د.عبد العزيز المانع

لقد أوحى هذا إلى د. عبد العزيز المانع المحقق الأكاديمي السعودي، بأن يقوم بتتبع خطى المتنبي الذي فتن به وبشعره، فراح يحقق سنة 1422هـ كتاب (المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي) لابن معقل الأزدي في خمسة مجلدات، كما حقق سنة 1427هـ كتاب (قشر الفسر) لأبي سهل محمد بن حسن الزوزني، وبعدها بعام حقق كتاب (الفسر الصغير في تفسير أبيات المعاني في شعر المتنبي) لأبي الفتح عثمان بن جني... العارف بشعر أبي الطيب، والغائص على درر لآلئه، أمهر من قائلها باعتراف المتنبي... لذلك قرر المانع منذ عودته من دعوة صاحبه سنة 2008م القيام بدراسة (ما لم يدرسه أحد قبله دراسة جادة) ظاناً أنه بمجرد الرجوع إلى ديوان الشاعر ومصادر رحلته، سوف تمكنه من إخراج بحثه المأمول، فتبين له أن ذلك وحده لا يكفي، وأنه لا بد من الاطلاع على الخرائط، ليتمثل قراءاته النظرية تمثلاً جغرافياً تطبيقياً، فعزم على السير على خطى المتنبي، مستعيناً بمركز أطلس إدارة المساحة العسكرية التابعة لوزارة الدفاع السعودية في تحديد الطريق.

الويز موزيل بالباس العربي

فأنى له الاطلاع على خط السير هذا، وخرائطه متوزعة بين أربع دول عربية، يحتاج تتبعه الوقوف الميداني فوق أراضيها، فقام متحمساً برحلات عشر مضنية ممتعة إلى (مصر والأردن وسوريا) بينما تأبى عليه - وقتذاك - الذهاب إلى العراق.

هنا تذكرت ما قرأته متفرقاً - قبل ذلك - من محاولات بعض الباحثين تتبع خطى رحلة المتنبي... ومن بينها ما أصدره يوسف الشيراوي سنة 2004م بعنوان (أطلس المتنبي أسفاره من شعره وحياته) معتمداً على ما ذكره بعض شراح ديوان الشاعر، وما قرأه من مقالات الأديب المصري أحمد رمزي الثلاث المنشورة في «رسالة» الزيات، وكذلك ما تناوله الباحث الفلسطيني يحيى جابر في بحثه الضافي، محاولاً تحقيق مسار الطريق الذي سلكه المتنبي في رحلة هروبه، وقد استضاء هؤلاء جميعاً بما ذكره أبو الطيب في قصيدته الهاربة من مواقع:

ألا كل ما شية الخيزلى

فدا كل ماشية الهيذبى

وقد ضرب المتنبي برحلة التيه ضرب القمار إما لهذا وإما لذا

إذا فزعت قدمتها الجياد

وبعض السيوف وسمر القنا

فمرت بنخل وفي ركبها

عن العالمين وعنه غنى

وأمست تخبرنا بالنقاب

وادي المياه ووادي القرى

وقلت لها أين أرض العراق

فقالت ونحن بتربان ها

هذه المواقع هو ما حاول ألويز موزيل قبل قرن، الوقوف الميداني عليها وهو الرحالة المستشرق النمساوي- التشيكي، الذي حل أول عهده بالشرق العربي في القدس سنة 1895م محاولاً إجادة اللغتين العربية والعبرية أثناء دراسته التوراة، حيث انتقل إلى بيروت مدرساً في معهد الآداب الشرقية، وكذلك درس في مدرسة الكتاب المقدس للآباء الدومينيكيين بالقدس، غير أن سحر الشرق وصحرائه الغامضة، الآخذة بألباب الرحالة الغربيين، جعله يفتتح سنة 1906م رحلاته في ربوع الشام (سوريا ولبنان والأردن وفلسطين) بالبحث الميداني لجغرافية المنطقة، والدراسة الاثنوغرافية لشعوب دولها، دون أن يخلو ذلك من الغرض السياسي، أثناء تحالف السلطنة العثمانية التركية والإمبراطورية النمساوية، في مواجهة التحالف البريطاني الفرنسي المتكالب على العالم العربي... غير أن موزيل ركز على دراسة القبائل.. أنموذجاً كتابه «أخلاق الرولة وعاداتهم» بعد ما عاش أربعة عشر شهراً متواصلة في ضيافة زعيمها نوري الشعلان وتحت حمايته، مخترقاً شمالي الجزيرة العربية نحو مضارب هذه القبيلة، التي أتقن لهجتها والتحدث بها والتزيي بزي أهلها، مستكشفاً بين 1908 – 1915م امتداد الصحراء العربية، كما فصل ذلك في كتابه «الصحراء العربية Arabia Deserta: A Topographical Itinerary» الصادر باللغة الإنجليزية في نيويورك سنة 1927م.

بريجيس بلاشير

اهتمام المستشرقين بالمتنبي

لقد ثمنت أكاديمية العلوم النمساوية المعلومات الجغرافية، التي جمعها موزيل خلال رحلاته إلى دول الشام، راسماً الخرائط بمساعدة رفيقه الألماني رودولف سبرغر، بمسح ما بين غزة والبحر الميت شمالاً والبحر الأحمر وتبوك جنوباً والعريش غرباً ووادي السرحان شرقاً.

كما أنه رافق سنة 1912 قافلة تجارية لعشائر عبدة وسنجار إلى النجف، ومن هناك راح يقف آثارياً على موقع الخورنق المذكور في قصيدة المنخل اليشكري الشاعر الجاهلي، ودارساً أثنوغرافية الجنوب العراقي واصفاً النجف وكربلاء في كتابه «الفرات الأوسط» وذلك بعدما قام بصحبة «البرنس» الأمير سكتس آل بوربون «العائلة الملكية الأوروبية» ومعهما رودولف توما سبرجر مساعد موزيل العلمي الدائم برحلة إلى دير الزور ليصدر كتابه عن الشام سنة 1927م.

فيا ترى كيف راوده تتبع طريق المتنبي الهارب من الفسطاط إلى الكوفة... وهو يمتطي سنام الإبل وظهور الجياد في شمال صحراء الجزيرة العربية... ومن ذا الذي أوحى إليه بذلك؟

هذا ما أغفلته الطبعة العربية عن نصها الإنجليزي المشار إليه، فيما ترجمه عبد الإله الملاح الصادر سنة 2010م بعنوان «في الصحراء العربية.. مغامرات موزيل في شمال جزيرة العرب بين 1908 و1915».

يذهب بريجيس بلاشير المستشرق الفرنسي الذي نال الدكتوراه بأطروحته عن حياة المتنبي وشعره في جامعة السربون سنة 1935م... يعدُّه تلميذه أندريه ميكيل دستور الدراسات (المتنبئية) في أوروبا بامتياز!... يذهب بلاشير في أطروحته هذه بأن الاستشراق الأوروبي خاصة (الفرنسي والألماني) اهتم بحياة المتنبي وشعره سلفستر دي ساسي الفرنسي وغيره... غير أنه يؤكد بأن المستشرقين الألمان كانوا أعمق في تناولهم حياة أعظم شاعر عربي وشعره... وفي طليعتهم المستشرق النمساوي جوزيف فون هامر بريجستال، الذي ترجم ديوان المتنبي ترجمة كاملة إلى اللغة الألمانية سنة 1850م بمقدمة دفاعية عن الشاعر العربي الذي نال إعجابه، ربما من نفس المخطوطة التي اعتمدها فريدرخ في تحقيقه الديوان بطبعة برلين العربية سنة 1861م، معتمداً على نسخة الواحدي في شرحه ديوان المتنبي، وهو ما أشار إليه موزيل في تتبعه الميداني خطى المتنبي بذكر المواقع في كتابه آنف الذكر.

أحسب أن هذا هو ما حفز موزيل على تتبعه ذاك، خاصةً وأن المستشرق الألماني (بوهلن) الذي أشاد بلاشير بتحقيقه في كتابه عن المتنبي، قدم هو الآخر دراسة نقدية سنة 1828م بعنوان (شرح شعر المتنبي الشاعر العربي المشهور) مركزاً على قصيدة المتنبي الهاربة (ألا يا ماشية الخيزلى) التي وصف فيها كما يقول (بوهلن) رحلته في بلاد العرب عقب خروجه من مصر، مستهدياً في ذلك كتاب «الصبح المنبي في حيثية المتنبي» للشيخ يوسف البديعي.

من هنا نجد المهاد الذي انطلق منه موزيل، وهو يخوض غمار الصحراء العربية، من دمشق إلى تبوك والجوف عابراً السماوة والرهيمة انتهاءً بالكوفة، واصفاً رحلة المتنبي من مصر إلى العراق سنة 961م بأسلوب شاعري كما ذكر ذلك في النص الإنجليزي لكتابه آنف ذكره (Arabia Deserta: A Topographical Itinerary) حيث وصل بموكب صغير على ظهور الجمال، عابراً القلزم! - أي البحر الأحمر - إلى (نخل) عند ممر النقب، وهذا ما آخذه عليه د. المانع في كتابه «على خطى المتنبي» مؤاخذاته البحثية الميدانية المدققة، وقد توجه المتنبي – يواصل موزيل – طريقه متوجهاً إلى الجنوب الشرقي نحو (وادي الغضى) فـ(وادي نجه) قريباً من (تربان) مروراً بـ(البويرة) بالقرب من (وادي القرى)... المختلف على موقعه، ومنهم موزيل الذي (توهم) أنه على مقربة من الحجاز في الطريق إلى المدينة (المنورة)!

حيث رأى المتنبي هناك النعام والظبا - كما يصف ذلك في قصيدته الهاربة... وفي الجوف شرب من مياه (الجراوي)، بينما سقى ركائبه في (الرهيمة) قبل أن ينتهي عائداً إلى مسقط رأسه في الكوفة.

فهل كان موزيل دقيقاً في وصف الطريق الذي سلكه المتنبي، رغم ريادته في تتبع خطاه قبل المانع بمائة عام؟

لقد ذكر (نخل) واصفاً إياها بالمستوطنة الواقعة في وسط شبه جزيرة سيناء، ومن صحراء النقب سلك المتنبي طريقه إلى (وادي عربة) المتصدع، إذ يمتد الطريق إلى شمالي الجزيرة العربية عند (تربان) وقد وصفها موزيل بأنها عين سقاية على بعد أربعين ميلاً شمال العقبة متوهماً - هو الآخر - بأن (وادي القرى) كما أسلفت القول – قريب من الطريق إلى المدينة (المنورة) كما أنه يعتبر (وادي نجه) قريباً من بلاد الرافدين.

ويواصل موزيل بأن المتنبي انطلق من نبع (تربان) إلى (القويرة) حول (حسمى) فـ(وادي إرم) حيث يرتفع شرق (القويرة) عبر المنحدر الحاد لنهاية جبال السروات، إذ دار المتنبي حوله قريباً من تلال (الكفاف) ليروي عطشه في (كبد) ويحتمل موزيل بأن المتنبي سار شرقاً إلى (صوار) التي تحمل اليوم - كما يقول - اسم (صوير) مستشهداً في ذلك بما ذكره الواحدي في شرحه ديوان المتنبي، وبعد المرور بمستوطنات (عقدة الجوف) حيث يوجد واد عميق نصفه مملوء بالرمال يقع جنوب شرقي واحة دومة الجندل ما أصبح معروفاً بـ(الجميعي) أما (الجراوي) فهو بئر ومزرعة منعزلة تقع على بعد ثلاثة أميال جنوب الواحة التي تتجول فيها الظبا والنعام، وبين قمم (اعكش) المنخفضة وجنوب النجف توقف المتنبي في (الرهيمة) حيث صدح المتنبي برائعته (ألا يا ماشية الخيزلى) وهو يشارف مطالع الكوفة.

رحلات المانع

أما د. عبدالعزيز المانع وقد عزم على تتبع خطى المتنبي سنة 2008م فإنه لم يكتف القيام برحلة واحدة، وإنما تجاوزها بعشر رحلات مضنية، قام بها في مصر والأردن وسوريا، إضافة إلى شمال المملكة العربية السعودية، ابتدأها من الرياض إلى تبوك ثم الاتجاه شرقاً إلى الجوف وصولاً إلى الحدود السعودية العراقية، في أقصى شرقي شمال الجزيرة العربية، وفي رحلة أخرى إلى تبوك ناقش ذوي الخبرة من أهلها في الأمكنة، مما يتوقع أن مر بها المتنبي في رحلته الخائفة المتوجسة القلقة، بين (حسمى) و(كبد) و(الكفاف) و(البوبرة) و(العلم) و(حوش) و(الشغور) و(الجميعي) و(صور) و(الجراوي) و(الأضارع) و(النقع) و(تربان) و(البياض) باحثاً عن جبل (إرم) الذي أقام عنده المتنبي شهراً ضيفاً على قبيلة فزارة... وفيه توقف المانع كما توقف المتنبي ماثلاً أمام خياري ناقته، متسائلاً: أين يتجه عندما قطع سيناء، وقد توسط بين (وادي المياه) و(وادي القرى) الذي توهم موزيل أنه يقع في الطريق إلى الحجاز مما دفع د. المانع – إلى التحقيق في بيت المتنبي:

وأمست تخبرنا بالنقا

ب وادي المياه ووادي القرى

مفنداً ما ذهب إليه موزيل بأن وادي القرى ربما يعني الحجاز في الطريق إلى المدينة (المنورة) أما وادي المياه فيعني أرض الجزيرة في العراق معتمداً - أي المانع - على ياقوت الحموي في «معجم البلدان» حين وصف دومة الجندل- دومة: من القريات من وادي القرى إلى تيماء أربع ليال... إنه وادي القريات كما يستنتج د. المانع قاطعاً على أن (دومة) تسمى وادي القريات أيضاً، وأن المتنبي حين ذكر وادي القريات في بيته سالف الذكر، وهو قادم من الشام قاصداً الكوفة عن طريق دومة الجندل الواقعة بوادي القرى كان قد أصبح في ملتقى الطريق بين الشام والكوفة.

ولتعذر الدخول إلى العراق لوقوفه على رهيما أو الرهيمة، استعان د. المانع بالمحقق والأديب العراقي هلال ناجي لدى د. علاء حسين الرهيمي عميد كلية آداب جامعة الكوفة، وقد وصف له المكان الذي تنتسب إليه جماعة الرهيمي وربما يقطنه بعضهم! وبهذا سد نقص عدم تمكن المانع من وقوفه الميداني عليه.

هذا ولم يفته الوقوف فيما يتوقع أنه موقع الفسطاط القديمة، بين جامع عمرو بن العاص وجامع أحمد بن طولون، حيث كان المتنبي يلقي قصائده الكافورية. ومنها فر عائداً إلى مسقط رأسه قبل يوم الأحد 19 من ذي الحجة سنة 350 هجرية.

يقول المانع في هذا السياق:

إذا كان المتنبي قدم من بلبيس - سيناء - أيلة والعقبة، متجهاً إلى الكوفة قد مر بـ(حسمى) فلا بد أن أبدأ من هناك انطلاقاً إليها من الرياض. موثقاً جميع مواقع خطى المتنبي في كتاب أنيق الطباعة مزود بصور رحلاته العشر المثيرة، صدر سنة 2017م بعنوان درامي (على خطى المتنبي) هذا الذي ملأ الدنيا وشغل الناس وما يزال.


مقالات ذات صلة

ليال الغصين وجوليان شعيا في «البائسة»: عرض يُلاحق سقوط فانتين

يوميات الشرق امرأة تمشي نحو سقوطها بصوت مكسور (صور المخرجة)

ليال الغصين وجوليان شعيا في «البائسة»: عرض يُلاحق سقوط فانتين

خرج كثيرون من الصالة بعيون دامعة، وهذا يكفي للقول إنّ الرهان على فانتين أصاب مكانه.

فاطمة عبد الله (بيروت)
ثقافة وفنون أرز لبنان الذي تغنى به الشعراء وباعه التجار

أرز لبنان الذي تغنى به الشعراء وباعه التجار

لطالما حظيت شجرة الأرز بمكانة مرموقة لم تتح لأي شجرة مماثلة عبر التاريخ، سواء تعلق الأمر بالملاحم والأساطير أم بالكتب المقدسة وقصائد الشعراء.

شوقي بزيع
ثقافة وفنون عمال البناء في لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن

عُمّال في لوحة من الميراث الفني الأموي

حلّ «يوم العمال العالمي» في مطلع هذا الشهر، كما جرت العادة منذ عقود، وأعادت هذه المناسبة إلى الواجهة أعمالاً فنية متنوّعة تحتفي بشكل أو بآخر بالعمال

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون الحنين إلى الجمال المفقود مقابل التوحش

الحنين إلى الجمال المفقود مقابل التوحش

في الظاهر، يبدو محورُ رواية «فورور» للكاتب نزار عبد الستار (هاشيت أنطوان/ دار نوفل) مشلحاً من الفرو، ورجلاً لا يزال طفلاً يبحث عن رائحة والدته في هذا الفورور.

حسين الحربي
ثقافة وفنون «يوميات آيرلندية»... أيقونة هاينريش بول في أدب الرحلات

«يوميات آيرلندية»... أيقونة هاينريش بول في أدب الرحلات

«آيرلندا موجودة لكن الكاتب لا يتحمل وزر إن زارها أحدهم ولم يجدها»، بهذه العبارة يقدم الكاتب الألماني الشهير هاينريش بول (1917 - 1985) لكتابه المعنون

رشا أحمد ( القاهرة)

أرز لبنان الذي تغنى به الشعراء وباعه التجار

أرز لبنان الذي تغنى به الشعراء وباعه التجار
TT

أرز لبنان الذي تغنى به الشعراء وباعه التجار

أرز لبنان الذي تغنى به الشعراء وباعه التجار

لطالما حظيت شجرة الأرز بمكانة مرموقة لم تتح لأي شجرة مماثلة عبر التاريخ، سواء تعلق الأمر بالملاحم والأساطير أم بالكتب المقدسة وقصائد الشعراء. ففي ملحمة غلغامش الشهيرة، لم يجد البطل السومري أفضل من أرز لبنان، لكي يبني من أخشابه بيوت أوروك، حتى ولو اضطره الأمر إلى مصارعة «خومبابا»، الكائن المرعب الذي عيّنه الإله «إنليل» حارساً للغابة. والأرزة هي الشجرة التي حرص الفينيقيون على الاستعانة بخشبها لصناعة سفنهم التجارية العابرة للبحار، والتي استعان بها الفراعنة للإفادة من زيوتها في تحنيط الموتى، واستعان بها العبريون لبناء الدور والقصور والمعابد.

كما ورد اسم الأرز أكثر من سبعين مرة في العهد القديم، بوصفه أحد أكثر الأشجار صلابةً وجمالاً وتحدياً لغضب الطبيعة وثباتاً في وجه الزمن. ففي سفْر الأخبار الثاني يكتب الملك سليمان لحيرام ملك صور، أثناء بناء الهيكل، رسالة جاء فيها «أرسل لي خشب أرزٍ وسروٍ وصندلٍ من لبنان، فأنا أعرف أن رجالك ماهرون في قطع خشب الأرز». وجاء في سفْر عزرا «أعطوا فضة للنحاتين والنجارين ومأكلاً ومشرباً للصيدونيين والصوريين كي يأتوا بخشب الأرز من لبنان إلى بحر يافا، حسب إذن قورش ملك فارس». أما في «نشيد الأناشيد»، فيرد شجر الأرز في موقعي الجمال والصلابة في آن واحد، فالعريس في النشيد «طلعته كلبنان رائع كالأرز»، فيما الحبيبان يأنسان إلى مسكن راسخ الأركان، يصفانه بالقول «جوائز بيتنا أرز وروافدنا سرو».

أمين الريحاني

ولعل الصفات الاستثنائية التي جعلت من الأرز موضع إعجاب الأنبياء والملوك في العهد القديم هي نفسها التي جعلته يظهر من جهة أخرى بمظهر الصلف والتشاوف الجالبين للشرور، بحيث جاء في المزمور السابع والثلاثين «رأيت الشرير متعالياً مثل أرز لبنان». كما جاء في سفر حزقيال «يا ابن آدم، قل لفرعون ملك مصر إني أشبّهك بشجرة أرز في لبنان، بهية الأغصان، وارفة الظل، شامخة تُطاول قمتها الغيوم. ولأن فرعون تشامخ وتكبّر، فإن الرب يكسره ويحطم فروعه، لئلا تشمخ شجرةٌ ما، مغروسة على المياه».

إلا أن التهديد بأوخم العواقب، لن يظل في دائرة البشر المستكبرين والشبيهين بالشجرة فحسب، بل سيتعدى ذلك ليطال الشجرة نفسها، وقد طفح بغرورها الكيل. وهو ما بدا واضحاً في المزمور التاسع والعشرين، حيث نقرأ ما حرفيته «صوت الرب عظيم القوة. صوت الرب يكسر الأرز. يكسر الرب أرز لبنان. يجعل لبنان يقفز كالعجل، وحرمون كولد الثور الوحشي». والأرجح أن يسرائيل كاتس، وزير الدفاع الإسرائيلي الحالي، كان يستند إلى الوعيد التوراتي نفسه، حين عمد قبل أيام إلى التهديد بإحراق لبنان وأرزه، على حد سواء.

سعيد عقل

أما اللبنانيون من جهتهم، فلم يكفوا عن التغني بالشجرة المعمرة، التي رأوا في مواصفاتها النادرة دليلاً آخر على فرادة لبنان، ورأوا في شموخها بعضاً من شموخه. ولأن الشجرة واحدة من الرموز القليلة التي اتفقوا عبر الزمن على الالتفاف حولها، فهم لم يترددوا في جعلها تتوسط علم الكيان الناشئ، ليصبح لونها الأخضر، بما يحمله من دلالات الخصب والنماء، اللون الثالث المضاف إلى بياض الثلوج والقلوب، وإلى احمرار الدماء المراقة على مذبح التحقق.

ولم يكن مستغرباً بالطبع، أن يجعل رشيد نخلة من الشجرة المعمّرة جزءاً من النشيد الوطني اللبناني، وهو الذي يسند ظهره وشعره إلى غابة أرز الباروك، الأمر الذي عكسه قوله في النشيد «إسمهُ عزّهُ، منذ كان الجدودْ، مجدهُ أرزهُ، رمزه للخلودْ». على أن نخلة لم يكتف من الأرز بهذه الإشارة المهمة التي يرددها ملايين اللبنانيين منذ أجيال، بل أفرد له قصائد ومنظومات عدة، كان من أكثرها حرارة وصدقاً قوله أثناء إبعاده القسري إلى فلسطين، عند نهايات الحقبة العثمانية:

تلفَّتُ من عليا فلسطين أبتغي

سواحلَ أرض الأرز والهضباتِ

فقلتُ لنفسي تلكُمُ الدار دارهم

رفاقي، وأهلي عنها ولِداتي

فهل حفروا قبري بمنْبت أرزها

ولفُّوا بخضراء الغصون رفاتي

إذا طاب موتي بعد يأسٍ وغربةٍ

وإن رقصتْ فوق الضريح عِدَاتي

اللافت أن رغبة الشاعر في أن يتحول خشب الأرز إلى نعش له، وترابه إلى مثوى، قد سرت لدى الكثير من شعراء لبنان مسرى النار في الهشيم، وتكررت عند غير مشتغل بالأدب والفن، وبينها قول داود عمون، البرلماني والحقوقي والشاعر اللبناني المعروف، وقد اضطرته الظروف القاهرة للابتعاد طويلاً عن وطنه الأم:

يا بني أمي إذا حضرتْ ساعتي

والطبُّ أسلَمَني

فاجعلوا في الأرز مقبرتي

وخذوا من ثلجه كفني

والواقع أن كل من يتابع نتاج الشعراء والكتاب اللبنانيين في القرنين السابقين، بخاصة في الفترة التي أعقبت ولادة دولة لبنان الكبير، لا بد له أن يلاحظ مدى ما خص به هؤلاء شجر الأرز من عناية واهتمام. لا بل إن التغزل بالأرز وصفاته ودلالاته الموحية، بات جزءاً لا يتجزأ من الصورة الزاهية التي رسمها للبنان، عشرات الشعراء والكتاب الذين اصطلح على وضعهم في خانة «المدرسة اللبنانية في الأدب». وإذا كان قد أطلق على شبلي الملاط لقب «شاعر الأرز»، فإن سعيد عقل رغم ذلك، هو الذي يستحق تلك التسمية، باعتباره أحد أكثر الشعراء الذين خصوا لبنان وجباله وأرزه بعشرات القصائد والمقطوعات، وبينها بيتاه الشهيران:

أهلي، ويغلون، يغدو الموت لعبتهم إذا تطلّع صوب السفح عقْبانُ

من حفنةٍ وشذى أرزٍ كفايتهمْ زنودهم، إن تَقلَّ الأرضُ، أوطانُ

وبصرف النظر عن القيمة الإبداعية للقصائد والنصوص المكتوبة في تمجيد الأرز، وقد اتسم بعضها بالوصف السطحي والإنشاء الركيك، فيما حفل بعضها الآخر بالبلاغة العالية والأسلوب المتقن، فقد انفرد المفكر والأديب اللبناني أمين الريحاني بتقديم مقاربة مغايرة لواقع الحال، تختلف تماماً عن المألوف البلاغي أو المدرسي.

كل من يتابع نتاج الشعراء والكتاب اللبنانيين في القرنين السابقين لا بد له أن يلاحظ مدى ما خص به هؤلاء شجر الأرز من عناية واهتمام

ففي مقالة له بعنوان «الأرز»، كتبها إثر زيارة قام بها إلى غابة بشرّي المعروفة، يستهل صاحب «قلب لبنان» المقالة بالقول: «وصلنا إليك يا أرز لبنان سالمين. ولكن الأمل تدهور من علياه، والخيال طاح عن سماه، والقلب نُكب في إيمانه وهواه، عندما أطللتُ على مجدك المكوّم تحت جفن الجبل»، وصولاً إلى قوله القاسي: «كنت أتخيل الزمان مجسماً في غابات الأرز، فرأيت الأرز مصغراً في كف الزمان».

ومع أن الريحاني ما يلبث لدى توغله في عمق الغابة، أن يصحح الصورة على نحو ما، ليوضح مستدركاً بأن ما يصح على الجبال والسهول والبحار، لا يصح على المعابد والآثار واللوحات، لأن هذه الأخيرة ينبغي معاينتها عن كثب، لكي يمكننا الوقوف على قيمتها الحقيقية، إلا أن ذلك لم يمنعه بالمقابل من الانتقاد الجريء لأسلافه الأقدمين، باعتبار أنهم أسهموا جميعاً في تقزيم غابة الأرز، لتنكمش على نفسها في ركن منعزل من الجبل، فكتب قائلاً «سمعتُ أصوات الفؤوس والمناجل في الغابات، وسمعتُ أصوات المطارق والمناشير في مصانع جبيل، ورأيت خشب الأرز في السفن الحربية التي غزا بها الفرس بلاد الإغريق».

وإذ يغفر الريحاني لأسلافه الفينيقيين قطعهم أشجار الأرز لبناء سفن متينة يمخرون بواسطتها أعالي البحار، بحثاً عن حياة أفضل وتبادلات تجارية رابحة، فإنه لم يغفر لهم تنازلهم عن تلك الأشجار العظيمة لغيرهم من الأمم والشعوب، ممن بنوا بواسطتها هياكل ومعابد وقصوراً باذخة، مقابل حفنات متفاوتة من الأموال. لا بل إن ما أصابه بالذهول، هو أن الأسلاف أنفسهم، هم الذين قدموا للإسكندر المقدوني، الخشب اللازم لبناء الأسطول الضخم، الذي تمكن بواسطته من إسقاط مدنهم الساحلية، واحدة تلو الأخرى. ولم يكن بالأمر المفاجئ تبعاً لذلك، أن يختتم الريحاني نصه المؤثر بالقول «ولكنها التجارة يا بني، التجارة على الدوام، في كل زمان ومكان».


عُمّال في لوحة من الميراث الفني الأموي

عمال البناء في لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن
عمال البناء في لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن
TT

عُمّال في لوحة من الميراث الفني الأموي

عمال البناء في لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن
عمال البناء في لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن

حلّ «يوم العمال العالمي» في مطلع هذا الشهر، كما جرت العادة منذ عقود، وأعادت هذه المناسبة إلى الواجهة أعمالاً فنية متنوّعة تحتفي بشكل أو بآخر بالعمال، وجلّها يعود إلى الأزمنة الحديثة. في الواقع، يحضر العمال بشكل هامشي أو ثانوي في أعمال فنية متعدّدة المصادر تعود إلى الحقبة التي سبقت هذه الأزمنة، وقلّما نجد أثراً فنياً كلاسيكياً خُصّص بشكل أساسي لهم. تبرز في هذا الميدان لوحة من الميراث الفني الأموي، تبدو استثنائية في موضوعها كما في تأليفها المتقن، وتشكّل جزءاً من جداريات قُصير عمرة في بادية الأردن، ويجمع أهل الاختصاص على القول بأنّها تُمثّل العمّال الذين بنوا هذا القصير.

يجمع قُصير عمرة بين حمّام كبير مؤلّف من ثلاث غرف، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة. تزيّن هذه القاعات جداريّات تجمع بين مواضيع إنشائية متعدّدة، تشكّل أكبر برنامج تصويري مدني معروف من الألفية الأولى في مجمل العالم المتوسطي، بأقاليمه الوثنية والمسيحية والإسلامية. يلفّ هذا البرنامج الاستثنائي جدران هذه القاعات، ويمتدّ إلى سقوفها. في هذا السياق، تزين سقف الإيوان الغربي المقوّس شبكة من اثنين وثلاثين مكعباً، رُتّبت في أربعة صفوف متساوية الأبعاد، اشتمل كل صف منها على ثماني لوحات، وفيها يظهر أشخاص في أوضاع مختلفة، تختزل متاع الدنيا بصنوفها المتعدّدة. في المقابل، يتكرّر هذا التأليف على سقف الإيوان الشرقي؛ إذ نقع كذلك على أربعة صفوف متساوية، اشتمل كلّ منها على ثماني لوحات، تمثّل كلّها عمّالاً من أصحاب الحرف المتنوّعة.

تحتلّ هذه الشبكة مساحة السقف المقوّسة، وتتكوّن من جزأين متساويين متعاكسين، يتكوّن كلّ منهما من شريطين من الخانات المكعّبة، يُشكّل كلّ منها لوحة يحدّها إطار خاص بها، كما في الشرائط المصوّرة المعاصرة. تحتاج قراءة هذه الصور بشكل دقيق إلى الرسوم التوثيقية التي تُظهر عناصرها بشكل جليّ، وتتمثّل برسم شامل يعود إلى مطلع القرن الماضي، نُشر في أول بحث علمي كشف عن قصير عمرة، وسلّط الضوء على جدارياته. إلى جانب هذا الرسم، يحضر رسم معاصر نُشر في مجلّد صدر عام 2007، وفيه تحضر تفاصيل كشفت عنها أعمال البحث التي سبقت هذا الإصدار. تواصل استكشاف الموقع في السنوات التالية، وشهد حملة ترميم جديدة شملت هذه الجدارية، وأعادت إليها بريقها الأوّل، كما كشفت عن تفاصيل جديدة ظهرت في لوحاتها بعدما كانت ممحوة.

في الخلاصة، تتكوّن هذه اللوحة من صفين متوازنين من جهة، يقابلهما صفان متوازنان من الجهة الأخرى. خُصّص الصفّ الأسفل من القسم الأول لأعمال البناء، من قطع الحجارة ونقلها على ظهور الجمال، ثم حملها إلى معلّم البناء. وخُصّص الصف الثاني للأعمال المعدنية، من الصهر والطرق، إلى التشذيب والتبريد. في الجهة المعاكسة، خُصّص الصف الأسفل لأعمال القصارة، كما توحي العناصر التصويرية القليلة التي بقيت من هذا الصف الذي تلف وانمحى بشكل كبير. وخُصّص الصف الأعلى لأعمال النجارة، كما يتّضح عند قراءة صوره التي حافظت على أغلب مكوّناتها. يتألّف كل صف من ثماني خانات متساوية. الإطار واحد وجامع، وقوامه خلفيّة تتألف من ثلاثة أقسام أفقية. يحتل القسم الأسفل مساحة كبرى من كل خانة، وهو باللون الأبيض العاجي، وتعلوه مساحة زرقاء، تحدّها مساحة بيضاء. يتشابه العمال من حيث الشكل الخارجي، ويبدو لباسهم واحداً، ويتألف من رداء أبيض بسيط ينسدل حتى الركبتين، مع حزام مجرّد يلتف حول الخصر.

في الصف المكرّس لقطع الحجارة، من اليسار إلى اليمين، يحضر أوّلاً عامل يقف في وضعية نصف جانبية، حاملاً أداة طويلة تبدو أشبه بمسطرة للقياس. ثم يحضر في الخانة الثانية عامل يحمل أداة مغايرة، تبدو أشبه بمطرقة ثاقبة طويلة. ويحضر في الخانة الثالثة عامل يحمل ما يُعرف بأداة الكُوس التي تُستخدم لتحديد الزوايا. في الخانات الثلاث التالية، يظهر عامل يرفع حجارة فوق ظهر جمل، ثم يظهر هذا الجمل وهو يجر هذه الحمولة، ويظهر العامل وهو يقود هذا الجمل في خانة مستقلّة. في الخانة السابعة، يحلّ عاملان ينقلان حجراً ثُبّت على رافعة، وفي الثامنة، يظهر عامل بين واجهتين صغيرتين متوازيتين.

في الصف المكرّس للأعمال المعدنية، يظهر أولاً حداد وسط مسبك، ثم حداد يطرق سنداناً، ثم حداد يرفع مطرقة، ومن بعده حرفي ينشغل بالعمل على خشبة مثبّتة على حاملتين مثلّثتين. في الخانة الخامسة، يظهر حِرفي آخر يسقي الحديد في حوض على الأرجح، وفي السادسة، يظهر حِرفي جالساً أمام حوض مشابه. تتصل الخانة السابعة بالخانة الأخيرة، حيث يواجه حرفياً زميلاً يتوجه نحوه رافعاً ذراعيه في اتجاهه.

الصف المخصص لأعمال القصارة تلف بشكل كبير، وبدا ممحواً في مطلع القرن الماضي، غير أن بعض ملامحه اتّضحت في زمننا. في وسط هذا الشريط، يظهر مشهد تحميل دابة، ويحضر في تأليف يشابه التأليف المعتمد في الصف المكرّس لقطع الحجارة، وفيه يحلّ حمار مكان الجمل، كما كشفت أعمال الترميم الحديثة العهد. في المقابل، حافظ الصف المخصّص لأعمال النجارة على ست من خاناته الثماني. ضاعت الخانة الأولى، كما ضاعت الخانة الأخيرة، وظهر في الخانة الثانية نجاران ينشران لوحاً خشبياً، وفي الثالثة نجار يعمل على لوح آخر، وفي الرابعة حرفي يحمل مطرقة، وفي الخامسة حرفي يقف رافعاً خشبة بين يديه، وفي السادسة حرفي يجلس أرضاً حاملاً كذلك مطرقة. انمحت الخانة السابعة بشكل كبير، وما بقي منها يكشف عن حرفي يعمل في منشرة على الأرجح.

يطغى على هذه الجدارية البديعة الأسلوب الروماني، وهو الأسلوب الذي يغلب على مجمل جداريات قُصير عمرة. يستعيد هذا التأليف العديد من العناصر التي تعود إلى هذا الطراز، غير أنه يجمعها في قالب كُرس بأكمله للعمّال الذين قاموا بتشييد الموقع وتزيينه، من البنائين إلى النجارين مروراً بالحدادين والمقصّرين، ممّا يجعل منه لوحة استثنائية تتميّز بموضوعها، وتلمع بثراء صورها المتقنة.


الحنين إلى الجمال المفقود مقابل التوحش

الحنين إلى الجمال المفقود مقابل التوحش
TT

الحنين إلى الجمال المفقود مقابل التوحش

الحنين إلى الجمال المفقود مقابل التوحش

في الظاهر، يبدو محورُ رواية «فورور» للكاتب العراقي نزار عبد الستار (هاشيت أنطوان/ دار نوفل) مشلحاً من الفرو، ورجلاً لا يزال طفلاً يبحث عن رائحة والدته في هذا الفورور.

ولعل المحطة الأبرز لهذا الفورور هي عندما حطّ رحاله على كتفي الممثلة المصرية الفاتنة مريم فخر الدين حين مثلت مع العندليب عبد الحليم حافظ في فيلم «حكاية حب» حيث أدّى أغنيته الشهيرة «بتلوموني ليه» (عُرض الفيلم في 1959).

تنهض الرواية برمتها على هذه التفصيلة. يروي عبد الستار في روايته، أن مريم فخر الدين استعارت هذا المشلح من المونولوجيست العراقية «وحيدة جميل»؛ (وهذا من مخيلة الكاتب)، لترتديه في الفيلم. و«وحيدة» لم تتلقَّ في حياتها هدية أقيم من هذا المشلح الذي أهداها إياه وزير دفاع الاتحاد السوفياتي السابق عندما كان في زيارة إلى بغداد بخمسينات القرن الماضي. ولهذا كانت متعلقة بفورورها... فيما «صابر عفيف»، هذا الرجل/ الطفل كان متعلقاً بتلابيب فستان والدته.

في خضم الزحمة، ضاع مشلح الشنشيلا، لكنه سيظهر لاحقاً في أوساط طبقة المشاهير والأثرياء، قبل أن يستقر على كتف الشهبانو فرح ديبا بلهوي، لدى لجوئها مع زوجها إلى القاهرة عقب الثورة الإسلامية في إيران. وبعد علم «صابر» بذلك، اتصل تليفونياً بسكرتير الشهبانو مطالباً باستعادة الفورور. وهو اتصال سيكلّفه عمله في دار «كريستيز»، التي ستستغلّ هذا الخطأ الذي اقترفه «صابر» لطرده من العمل، والاستحواذ على الفورور.

أضاعت «وحيدة» الفورور.. وخسرت ابنها «صابر» حين انتقلت حضانته إلى عمه بعد إعدام والده، ثم تلاشى حلمها في الحصول على لحن من فريد الأطرش، قبل أن تموت كدراً في لبنان.

هذه هي قصة «الفورور» باختصار. وقد يبدو البحث عن المشلح أشبه بسردية تشويقية تحاكي الحبكات البوليسية. لكن الرواية ليست كذلك.

الفورور هو فقط ذريعة ليخلق لنا صاحب رواية «يوليانا» خطين سرديين، الأول مُغرق في رومانسية مشرقية («وحيدة» وبحثها عن الشهرة)، والثاني يكشف عن برودة المؤسسات الرأسمالية الغربية («كريستيز» و«سوذبيز» وغيرهما من دور المزادات العريقة).

سنقرأ في رواية «فورور» عن الفن بأشكاله: الغناء والعزف والتمثيل.. وأيضاً الرسم. وسنجد في الرواية؛ إلى جانب عبد الحليم ومريم فخر الدين، فريد الأطرش وفيلمون وهبة... وفنانين تشكيليين مثل حافظ الدروبي ولوحته المشهورة «باعة البطيخ»، ويوهان غونتر ولوحته «يد الخريف». وسننتقل من بلد إلى آخر مع «وحيدة» وابنها ومشلحها البيج، بين العراق ومصر ولبنان ولندن.

لكننا نقرأ أكثر عن كيفية صناعة النجوم في كواليس تجارة الفنّ ودنيا المال والحياة المخمليَّة، وكيفية إبرام الصفقات في دار «كريستيز» وطرقها في الحصول على اللوحات المهمة والتلاعب بأسعارها لبيعها بأثمان خيالية، عبر أساليب ملتوية تعتمدها هذه الدار وغيرها لتحقيق مكاسب لا علاقة لها بالمبادئ أو القيم الفنية. وهكذا يصبح «صابر»؛ ذلك الوسيط البسيط الذي يزوّد «كريستيز» بلوحات مهمة، شخصاً لا بد من الاستغناء عنه، لكي تتمكن الدار من الاستيلاء على الفورور الشنشيلا وأيضاً على كَمَان خاص بخالته «بدرية» عازفة الكمان المشهورة.

في الصفحة الـ73 من الرواية، يقول «الطفل صابر»: «وأنا في القاهرة كنت غير ذلك الشاب الذي حضر حفلة فريد الأطرش بمدرج لبنان في عالية. لا أملك الفضول؛ وإنما الشعور بالأسى... شيء يشبه عاطفة إطعام القطط والعصافير، والشيء الوحيد الذي رافقني هناك هو أن (وحيدة جميل) ضاعت وسط هذا العالم». أما في الصفحة الـ110، فنرى «الرجل صابر» الذي ينازع من أجل هويته... «سيلين (حبيبته) تخبرني الكثير عن نفسي، وتعرف كيف تسترجع كل ما سلبته (كريستيز) مني».

تتخيّل هذه الرواية، كما يقول الناشر، «ما لم يحدث، وما كان يُفترض به أنْ يحدث»، وهي تصوّراتٌ يتخلّلها الحبّ الجارف في زمنٍ لم يكن كاملَ الجمال، لكنَّه باهرٌ ويستحقّ أنْ يُسردَ.

إنها رواية متعددة الطبقات، فهي رواية الحنين في مقابل التوحش، والبحث عن الدفء مقابل برودة العالم الرأسمالي، ورواية رجل هو في الحقيقة لا يزال طفلاً في أعماقه، يمتهن بيع الفن في مزادات عالمية باردة تقيس القيم بالأرقام، لا بالقيمة الجمالية للفن.

و«فورور» هي الرواية الرابعة للقاصّ والروائي العراقي نزار عبد الستّار بعد «يوليانا» (2016)، و«ترتر» (2018)، و«مسيو داك» (2020).

* صحافي وكاتب سعودي