بثينة وجميل بن معمر... الحب نار مشتعلة وقودها الغياب

كان قلبه مع بني عُذرة وعيناه على عمر بن أبي ربيعة

فرقة كركلا اللبنانية في عروض سابقة في السعودية لقصة "جميل وبثنية"
فرقة كركلا اللبنانية في عروض سابقة في السعودية لقصة "جميل وبثنية"
TT

بثينة وجميل بن معمر... الحب نار مشتعلة وقودها الغياب

فرقة كركلا اللبنانية في عروض سابقة في السعودية لقصة "جميل وبثنية"
فرقة كركلا اللبنانية في عروض سابقة في السعودية لقصة "جميل وبثنية"

لا تختلف قصة الحب التي جمعت بين بثينة بنت حيان وجميل بن معمر كثيراً عن القصص المماثلة، التي نسبها الرواة إلى شعراء بني عذرة، سواء من حيث القرابة العائلية بين العاشقين، أو من حيث صغر السن الذي تكون فيه المشاعر في ذروة تأججها، أو من حيث الحُمى المباغتة التي تضرب الطرفين من النظرة الأولى أو اللقاء الأول. ومع ذلك فإن العلاقة بينهما قد بدأت أول الأمر بالعراك وسوء التفاهم. وقد ورد في أغلب المصادر التراثية أن جميلاً التقى بثينة حين أنزل إبله في وادٍ اسمه «بغيض»، كان ينزل أهل بثينة بالقرب منه، وحين جاءت الأخيرة لسقاية إبلها، تسببت في إجفال إبل جميل، فبادرها بالسباب، وردّت عليه بمثله، قبل أن تنقلب الخصومة بينهما إلى حب جارف. وحول هذه الحادثة يقول الشاعر:

وأوّل ما قاد المودةَ بيننا بوادي بغيضٍ يا بُثينُ سبابُ

وقلنا لها قولاً فجاءت بمثلهِ لكل كلامٍ يا بُثين جوابُ

ويروي الأصفهاني في كتاب «الأغاني» أن جميلاً خرج في يوم عيد، حيث النساء يتزينّ ويبدين أنفسهن للرجال، وأنه وقف على بثينة وأختها أم الحسين، فرأى منهن منظراً أعجبه، وعشق بثينة. وإذ عرف القوم حبه لها من نظراته نحوها، وحالوا بينه وبينها إلى حين، نظم في ذلك كثيراً من أبيات النسيب، التي كان لها أبلغ الأثر في نفس الفتاة، فاتخذت قرارها بملاقاته، والاختلاء به «عند غفلات الرجال». على أن الأمور لم تجرِ على الدوام وفق هوى الفتى العاشق. وإذ حدث أن نجح أهل بثينة وعشيرتها في تشديد الرقابة على فتاتهم، ومنعها من لقائه، كان أهل جميل بالمقابل يشدون من أزره، ويحثونه على هجرها ومبادلتها الصد بالصد. لكن مكابرته لم تكن لتدوم طويلاً، فنظم من الشعر ما يصل إلى تخوم اللوعة، والشعور الممض بالذنب، كقوله لها:

لا تحسبي أني هجرتك طائعاً حدثٌ لعمرك رائعٌ أن تُهجري

يهواكِ ما عشتُ الفؤادُ فإن أمتْ يتبعْ صداي صداك بين الأقبرِ

ما أنتِ والوعد الذي تعدينه إلا كبرق سحابةٍ لم تمطرِ

ومن يتتبع سيرة جميل في عشقه لبثينة، فلا بد أن يلاحظ حرص الطرفين على إلباس علاقتهما لبوس الطهر، وإبعادها عن جموح الغريزة وشهوات الجسد. وقد جاء في بعض الروايات أن أبا بثينة وأخاها قررا التلصص على إحدى خلواتها مع جميل، وقد امتشقا سيفيهما استعداداً لقتلهما معاً في حال قيامهما بما ينافي الحشمة، وحين تسللا خفية إلى مكان اللقاء، سمعا جميلاً يطلب من بثينة أن تجزيه على ما تُسببه له من آلام، كما يحدث عادة بين المتحابين، حتى إذا احتجت بثينة على طلبه ارتاح لذلك الاحتجاج قائلاً لها إنها لو رضيت بارتكاب الإثم لهجرها إلى الأبد، مذكراً إياها بأبياته:

وإني لأرضى من بثينة بالذي لو ابصره الواشي لقرّت بلابلُه

بلا وبألّا أستطيع وبالمنى وبالأمل المرجوّ قد خاب آملُه

وبالنظرة العجلى وبالحوْل تنقضي أواخرُهُ لا نلتقي وأوائلُه

ويضيف الرواة أن أبا بثينة، وقد وقف على ما حدث بين ابنته وشاعرها العاشق، لم يتوانَ عن مخاطبة ابنه بالقول: «قم بنا، فما علينا بعد اليوم أن نمنع هذا الرجل من لقائها»، فانصرفا وتركاهما. ومع ذلك فإن الرواة قد نسبوا مثل هذه الحادثة وأشباهها إلى غير واحد من عشاق بني عذرة، وهو الأمر الذي خلط الأوراق بين سِيَرهم، ودفع ناقداً كبيراً كطه حسين إلى القول إن في قصة جميل وبثينة «سخفاً وإحالات كثيرة»، مشككاً في صحة الوقائع المنسوبة إلى العذريين، وصولاً إلى التشكيك في وجود بعضهم في الأصل.

غير أن في شخصية جميل وأشعاره ما يدفعنا إلى وضعه في خانة ملتبسة؛ بين أهل التعفف وأهل الإباحة والحب الجسدي، أو بين قيس بن الملوح وعمر بن أبي ربيعة. فالشواهد الكثيرة على عفته وعذاباته وانقطاعه لحبيبته، شأن قيس، تقابلها شواهد أخرى على اختلائه المتكرر ببثينة بعد زواجها، ومن ثم تعلقه بالنساء على نحو عام، إضافة إلى تباهيه بوسامته وشجاعته وجنوحه إلى المغامرة، حتى لو قاده ذلك إلى النفي أو أودى بحياته. فقد رُوي أن جميلاً انتحل في إحدى زياراته لبثينة صفة مسكين جائع، وأنها أحرقت ثيابها عامدة لتستحث قومها على مساعدتها، حتى إذا قاموا بالمهمة وعادوا إلى مضاربهم، أرسلت جاريتها في طلب جميل، فلما حضر «حبسته عندها ثلاث ليال».

وفي حادثة أخرى مماثلة، لا تتوانى بثينة في غياب زوجها عن أن تُضجِع جميلاً إلى جوارها طيلة الليل، حتى إذا نقل أحد عبيدها الخبر إلى زوجها وذويها، وهرعوا إلى المكان شاهرين سيوفهم، أصر جميل على مواجهتهم جميعاً، لولا أن بثينة دعته إلى التواري عن الأنظار؛ درءاً للفضيحة، طالبةً من أختها «أم الحسين» الاضطجاع في سريرها؛ للخروج من المأزق. ومع اقتحام جميل المتكرر لمنزل بثينة الزوجي، فإن من الصعب على المرء، ومهما بلغ به حسن الظن، أن يصدق اكتفاء الطرفين باستلقاء أحدهما البريء إلى جانب الآخر، خصوصاً أن كليهما كان يعيش آنذاك اندفاعة الصبا واحتداماته المؤرقة.

من يتتبع سيرة جميل في عشقه بثينة، فلا بد أن يلاحظ حرص الطرفين على إلباس علاقتهما لَبوس الطهر وإبعادها عن جموح الغريزة وشهوات الجسد

وإذ لا يتردد الأصفهاني (ومن بعده طه حسين وصادق جلال العظم) في إبداء شكوكه حول الطبيعة العفيفة للعلاقة بين الطرفين، ينقل عن والد جميل قوله له: «يا بني، حتى متى أنت عمِهٌ في ضلالك، لا تأنف من التعلق بذات بعل يخلو بها ثم تقوم من بعده إليك، فإذا انصرفت عنها عادت إلى بعلها على حالتها المبذولة؟!». ومع أن جميلاً لا ينفي أو يؤكد المرامي الضمنية التي يشير إليها أبوه، غير أن ما ينفيه هو قدرته على الابتعاد عن بثينة، التي اعتبر حبه لها «بلاءً ابتُلي به» ولا يملك له دفعاً.

ويتضح من سيرة جميل أنه كان معجباً أيما إعجاب بشعر عمر بن أبي ربيعة وشخصيته، وهو الذي كان يشاركه الوسامة، وطول القامة، والرغبة في إغواء النساء. وكانت «أم الحسين» إحدى الفتيات اللواتي استهوينه وشبَّب بهن قبل تُعرفه إلى أختها بثينة. كما يتشاطر جميل مع عمر شجاعته الفائقة إلى حد التهور، وهو الذي لم يتوانَ عن انتضاء سيفه في وجه أبيها وأخيها، حين داهماهما ذات لقاء، مما اضطرهما إلى الفرار والانكفاء عن مواجهته طلباً للنجاة. ومع أن اسمي عمر وجميل قد ارتبطا عبر الزمن بشكلين متعارضين من أشكال الحب، فقد بدا الأول وكأنه الضمير المستتر للثاني، الذي كان يشاركه في قرارته بالانتماء إلى المجرى الموحد للأنوثة الكونية، كما يظهر في قوله:

يقولون جاهد يا جميل بغزوةٍ وأيَّ جهادٍ غيرهنّ أريدُ

لكل حديثٍ بينهن بشاشةٌ وكلُّ قتيلٍ دونهنّ شهيدُ

وإذ يعُد عمر نفسه معنياً بالجمال الأنثوي أينما كان، وهو القائل: «إني امرؤ موكَلٌ بالحسن أتبعه»، يكرر جميل المعنى نفسه عبر قوله:

يقولون صبٌّ بالغواني موكّلٌ وهل ذاك من فعل الرجال بديعُ

وقالوا رعيتَ اللهوَ والمالُ ضائعٌ فكالناس فيهم صالحٌ ومضيعُ

كما يرى جميل أن العلاقة بين العاشق والمعشوق لا بد أن تتعرض للضمور والتلف، ما لم يعمد الطرفان إلى تجديدها، وتوثيق أواصرها، عبر إدارة التناوب المستمر بين الوصال والنأي، أو بين الحضور والغياب. ولعله الوحيد بين شعراء بني عذرة الذي امتلك الجرأة على الاعتراف بأن النأي المتقطع بين المحبين هو الشرط الأهم لبقاء الحب في حالة اشتعال. وعن ذلك يقول قاصداً بثينة:

يموت الهوى مني إذا ما لقيتها ويحيا إذا فارقتها فيعودُ

لكن من موجبات الإنصاف الإقرار بأن صراع الخيارات المتعارضة، الذي كان قلب جميل وعقله مسرحاً له، لم يستطع أن يخفف من تعلقه المرَضي ببثينة، بدليل أن الأثمان التي دفعها كانت من الفداحة بحيث أهدر السلطان دمه غير مرة، فبات طريدها الأبدي، وعمد إلى الهرب تارة إلى اليمن، وطوراً إلى الشام، وطوراً ثالثاً إلى مصر، حيث قضى نحبه هناك. ويروي الأصمعي أن جميلاً حين أحس بدنو الأجل، استدعى رجلاً من معارفه، وقدم له كل ما يملك مقابل أن ينقل إلى بثينة أبياتاً يرثي بها نفسه قائلاً:

صدُع النعيُّ وما كنى بجميلِ وثوى بمصرَ ثواءَ غيرِ قَفولِ

ولقد أجرّ الذيلَ في وادي القرى نشوانَ بين مَزارعٍ ونخيلِ

قومي بثينةُ واندبي بعويلِ وابكي خليلكِ دون كلّ خليلِ

وقد وقع الخبر على بثينة وقوع الصاعقة، وبخاصة بعد أن تيقنت من صحته، وأخرج الرسول القادم من مصر حلة جميل، والرقعة التي تحمل أبياته، فبكت وأبكت معها نساء الحي، ثم وقعت مغشياً عليها، حتى إذا استيقظت نهضت وهي تردد هذين البيتين اللذين لم ينقل الرواة عنها سواهما أبداً:

وإنّ سُلُوّي عن جميلٍ لساعةٌ من الدهر ما حانت ولا حان حينُها

سواء علينا يا جميل بن معْمَرٍ إذا متَّ بأساءُ الحياة ولينُها


مقالات ذات صلة

محمود البريكان... شعرية الاغتراب

ثقافة وفنون محمود البريكان... شعرية الاغتراب

محمود البريكان... شعرية الاغتراب

تجربة الشاعر محمود البريكان، بوصفه أحد شعراء الحداثة العراقيين، المجايلين للشاعر بدر شاكر السياب، منذ خمسينات القرن الماضي، تجربة شعرية متفردة إلى حدٍ كبير.

فاضل ثامر
الوتر السادس مصطفى الجارحي: أغنياتي مُحمّلة بطاقات شعرية لا تخضع لحسابات السوق

مصطفى الجارحي: أغنياتي مُحمّلة بطاقات شعرية لا تخضع لحسابات السوق

كان لأغنيات الشاعر مصطفى الجارحي التي لحنها وغناها الفنان مصطفى رزق، مطرب الجاز المصري، حضور كبير في النسيج الدرامي لمسلسل «ولاد الشمس».

حمدي عابدين (القاهرة)
كتب ركائز الخطاب الشعري في أعمال الأبنودي

ركائز الخطاب الشعري في أعمال الأبنودي

صدر حديثا عن المجلس الأعلى للثقافة في مصر كتاب «عبد الرحمن الأبنودي: شاعر الهوية المصرية» للناقد الدكتور رضا عطية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «تجرحني بخفة وتعلو» مراوغة الوجود في فضاء القصيدة

«تجرحني بخفة وتعلو» مراوغة الوجود في فضاء القصيدة

يبدو ديوان «تجرحني بخفة وتعلو»، للشاعر المصري جمال القصاص، منذ عنوانه مفتوحاً على احتمالات تأويلية متعددة.

عمر شهريار
يوميات الشرق الشاعر ناصر بن جرّيد (صور متداولة للراحل)

الشاعر ناصر بن جرّيد… عبَر سكة التائهين ثم رحل

فقد الوسط الفني والثقافي والأدبي والرياضي في السعودية، الشاعر والأديب ناصر بن جرّيد، بعد معاناة مع المرض، تاركاً إرثاً لافتاً جمع بين الموهبة والإبداع.

بدر الخريف (الرياض)

رحيل حسين علي حسين الأديب المسكون بالحزن والصمت

الأديب والكاتب حسين علي حسين (الشرق الأوسط)
الأديب والكاتب حسين علي حسين (الشرق الأوسط)
TT

رحيل حسين علي حسين الأديب المسكون بالحزن والصمت

الأديب والكاتب حسين علي حسين (الشرق الأوسط)
الأديب والكاتب حسين علي حسين (الشرق الأوسط)

فقد المشهد الثقافي والإعلامي السعودي مع إطلالة العام الجديد واحداً من أبرز رواد القصة القصيرة، والصحافة، الأديب والكاتب المعروف، حسين علي حسين، ذاكرة الحكايات وأحد أعمدة السرد، جمع بين الواقعية والتصوير الاجتماعي، وتميزت نصوصه بعمق فلسفي وفكري.

وقد عبَّر عن طريقته في كتابة السرد قائلاً: «القصة تبدأ عندي بما يشبه لوحة البرق، وهي تتشكل لحظة بلحظة، وتتمدد أحداثها ومراميها كلما أعدت كتابتها، فأنا لا أفكر حقيقة قبل الكتابة في المضمون الذي يتعين عليّ بثه من خلال قصة جديدة».

عرف حسين بتواضعه الجمّ، كما عرف بالصمت، وهو القائل: «لـدي الاستعداد التام للبقاء صامتاً بالساعات أمام أي ثرثار، كان ميلي إلى الصمت والخجل يقضّ مضجعي، لم أستطع التخلص منهما إلا بشق النفس، وهو تخلص لم يكن تاماً وباتراً، ربما تمشياً مع مقولة أجدادنا من «شب على شيء شاب عليه».

ولد حسين علي حسين في المدينة المنورة عام 1950، وبدأ الكتابة مبكراً في عام 1969، الذي شهد بداية دخوله عالم الكتابة القصصية، حين نشر له القاص الراحل سباعي عثمان أول نصوصه في صحيفة المدينة، ثم انتقل إلى جدة حيث توثقت علاقاته بمثقفين بارزين بينهم: عبد الله الجفري، سباعي عثمان، شاكر النابلسي، عبد الله باخشوين، وفهد الخليوي.

في حديث له في «بيت السرد» بالمنطقة الشرقية، قال: «لقد وُهبت فضيلة التواضع والصبر، فأصبحت أقدِّم رِجلاً وأؤخِّر أخرى، وبين كل خطوة وخطوة كنت أقبل على القراءة، المزيد من القراءة والقليل من الكتابة»..

في بداية مراحله التعليمية، انغمس في القراءة، بدأ بقراءة الأعمال المسرحية؛ مثل مسرحيات «تشيخوف، برنارد شو، بريخت، ميللر، إهرنبرغ، سارتر، كامو، لوركا، إضافة إلى مسرحيات لتوفيق الحكيم، ألفريد فرج، ميخائيل رومان، جورج شحاته والعشرات غيرهم. كما قرأ في تلك الفترة مؤلفات مارون عبود، ومؤلفات طه حسين وعباس العقاد، وغالي شكري، وأحمد الشايب، ومحمد يوسف نجم، ومحمد الجزائري، ويحيى حقي، ومحمود أمين العالم، وقال ذات مرة إن «كل هذه القراءات كانت تتمحور في داخلي على شكل نظريات ودراسات، أحمد الله أنه لم يظهر أي شيء منها على أرض الواقع، فقد كنت آخر الناس في الإقدام على الكوارث النقدية».

قراءاته المتنوعة في المسرح والأدب والتاريخ وعلم الاجتماع والفلسفة، أصبحت تتمحور داخله، كما يقول، وأضاف في لقاء مع «بيت السرد بالمنطقة الشرقية»: «من واقع العزلة الاجتماعية بدأت الكتابة، وأرسلت ما كتبته فوراً إلى صحيفة المدينة، وكانت سعادتي بالغة عندما رأيت ما بعثت به بوساطة البريد منشوراً ومعه صورتي إياها!».

استهلّ مشواره الصحافي مراسلاً ثم محرراً في مجلة «اليمامة» سنة 1970، وأصبح في عام 1975 مديراً لمكتب صحيفة «المدينة» في مدينة الرياض، وفي عام 1986 عُيِّن مسؤولاً عن قسم التحقيقات بصحيفة «الرياض»، وسكرتيراً لتحرير مجلة «اليمامة».

أصدر عدة مجموعات قصصية، هي: «الرحيل»، و«ترنيمة الرجل المطارد»، و«طابور المياه الحديدية»، و«كبير المقام»، و«رائحة المدينة»، و«المقهى»، و«العقد»، وآخر مجموعة قصصية أصدرها باسم «مزيكا». وترجمت بعض قصصه إلى اللغتين الإنجليزية والروسية.

ثم اتجه للرواية وكتب روايتين، الأولى «حافة اليمامة»، ثم رواية «وجوه الحوش» التي فازت بجائزة «جمعية الأدب المهنية» عام 2025 في مشروع «تحويل الرواية السعودية إلى سيناريو سينمائي».

وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط» تحدث عن روايته الأولى «حافة اليمامة»، وهي تتحدث عن مرحلة من تاريخ السعودية، تدور أحداثها بين مدينتين هما المدينة المنورة والخرج، ثم عن مدينة الرياض، وقال إن الرواية تعالج اللواعج والأحداث والمشكلات والتأثيرات الاجتماعية التي تتعرض لها مجموعة من الشباب الباحثين عن فرصة للعمل في تلك المدن.

‏كان الراحل عضواً في مجلس إدارة النادي الأدبي بالرياض، وحظي بتكريم خاص من النادي، كما أفردت له مجلة «اليمامة» ملفاً خاصاً استعرض مسيرته الأدبية ومنجزه الإبداعي، وشارك حسين علي حسين في عدد من المهرجانات الثقافية، والمنتديات الأدبية في المملكة، وعدد من الدول العربية، وحصل على جوائز مختلفة، منها: ميدالية الاستحقاق من الدرجة الثانية عام 1984.

وكتب عنه الدكتور عبد العزيز السبيّل ترجمة في «قاموس الأدب والأدباء»، نقل خلالها عن فاطمة موسى في قراءتها لمجموعة «الرحيل»، قولها: «الإحباط هو الصفة الكبرى لجميع شخصياته، من الطلبة والعمال وصغار الموظفين الحكوميين، أو ببساطة من الرجال العاطلين؛ لأن هؤلاء هم نوع الشخصيات التي يختارها. تكشف كل شخصية عن الفشل واليأس من خلال اللمحات التي نحصل عليها من وعي الشخصية ذكراً كانت أم أنثى».

كما ينقل السبيل في ترجمته عن عز الدين المدني تساؤله بعد قراءته مجموعة «ترنيمة الرجل المطارد» بقوله: «ما هذا القلق المأساوي الذي يساور حسين علي حسين؟ وما هذا الحزن القاتم الذي يلفه من كل جانب؟ وما منزلته؟ وما مصيره؟»، ويشرح السبيل قائلاً: والمدني لا يقصد الكاتب نفسه، بل أبطال القصص في هذه المجموعة، الذين يذكره بعضهم برواية «كافكا» (المسخ).

وحسب الترجمة؛ يتوقف عبد الرحمن مجيد الربيعي عند مجموعة «طابور المياه الحديدية»، ويرى أن القصة التي حملت عنوان المجموعة «نموذج من أجمل القصص العربية الحديثة. القصة تتحدث عن منبع ماء معدني يشفي المرضى، كما يعتقد الناس، وطقوس الناس في التعامل مع هذا الماء. لقد وظف الكاتب المعتقد الشعبي، بعمل قصصي ناجح، تميز بنكهته المحلية وبلغته، رغم أنها تميل إلى الإسهاب في الوصف أكثر مما هو موجود في قصص المجموعة الأخرى».


قراءات المثقفين الخليجيين... الرواية تؤكد حضورها بجديدها وقديمها

سعدية مفرح
سعدية مفرح
TT

قراءات المثقفين الخليجيين... الرواية تؤكد حضورها بجديدها وقديمها

سعدية مفرح
سعدية مفرح

بين الكتب الجديدة، وتلك التي حافظت على مكانها في الذاكرة الثقافية، يتوقف عدد من المثقفين الخليجيين في رصد قراءاتهم لعام 2025، معتبرين أن العام الذي يوشك على الانصرام منح القراء مساحة وازنة من الوقت يقضونه بين صفحات الكتب، «رغم اجتياح (معلبات) الثقافة السطحية التي تمطرها وسائل التواصل الاجتماعي»، كما يقول البعض.

وأبرز ما يلفت الانتباه في قراءات المثقفين الخليجيين لعام 2025.، غياب شبه كامل تقريباً للكتب السياسية وكتب الفلسفة والتاريخ، مع حضور رمزي للشعر:

أمين صالح

الكاتب البحريني أمين صالح: «كان رحماً منبثاً»

قرأت هذا العام العديد من الكتب المتميزة، لذلك أشعر بالحيرة في الانتقاء، لكنّ يمكنني الإشارة إلى رواية عبده خال «كان رحماً منبثاً» التي هي حقاً رواية رائعة لكاتب كبير يعرف جيداً كيف يشدّ القارئ بسرده البديع وحكاياته المثيرة وحواراته الشيقة. فمن خلال رواياته، يؤكد عبده خال براعته في سرد الكامن في أحشاء مجتمع يكاد يكون بدائياً، وتحكمه شخوص عنيفة ومتسلطة. في هذه البيئة الموبوءة بالقسوة، والمكتظة بأسرار مخيفة، لا يتسرب الضوء إلا في أحوال نادرة وسريعة الزوال. شخصيات عبده خال تقطن في هامش الحياة، وعلى حافة الموت.

الكتاب الآخر الذي توقفتُ عنده ضمن قراءاتي هذا العام، كان الكتاب الأخير لنجوم الغانم، (وهي أديبة وشاعرة ومخرجة سينمائية إماراتية)؛ «البحر والأفق في ممر ضيق»، حيث دائماً ما تدهشني الكاتبة بنصوصها الجميلة.

حمد الرشيدي

الكاتب والروائي السعودي حمد الرشيدي: «بدويٌ في أسكوتلندا»

قراءاتي تنوعت بين الكتب الصادرة هذا العام في مواضيع شتى، ما بين الأدب والبحوث والدراسات العلمية وغيرها، حيث تأتي على رأس قائمة الكتب الأدبية رواية «بدويٌ في أسكوتلندا» للكاتب عقيل العنزي، وهي عبارة عن (سيرة ذاتية) تحدث من خلالها الكاتب عن سيرة حياته، ومجتمعه الذي عاش فيه أكثر من نصف قرن، استعرضت الرواية أبرز المراحل والتحولات التي مر بها المجتمع السعودي عبر تاريخه الطويل.

أما في مجال البحوث والدراسات العلمية فقد اطلعت على كتاب (معجم الأدباء السعوديين) للباحث والكاتب خالد اليوسف، وهو كتاب ضخم يتجاوز عدد صفحاته 700 صفحة، صدر هذا العام عن «مؤسسة الانتشار العربي» في بيروت، وقد شدّني هذا الكتاب إليه لغزارة مادته وتنوعها بين التراجم والسيّر لمجموعة كبيرة من الأدباء السعوديين، وما بذله مؤلفه من مجهود علمي جبار، استمر لسنوات طويلة من البحث والتقصي، وهو مجهود يشكر عليه حقّاً.

وهناك أيضاً كتاب (بئر زمزم) لمؤلفه الدكتور عبد الله بن محمد العمري، الصادر هذا العام بطبعة منقحة مزيدة، وهو كتاب قيّم جداً، استطاع مؤلفه من خلاله أن يتبحر كثيراً في ماء زمزم، وتاريخ هذه البئر في الأرض المقدسة منذ أن وُجِدَتْ مستعرضاً جميع المراحل التاريخية التي مر بها تاريخ هذه البئر، والتركيب الكيميائي والفيزيائي لمائها وفوائده الطبية، وما عُرِفَ عنه من نواحٍ شرعية على ضوء القرآن والسنة.

أما في الشأن السياسي فقد لفت انتباهي كتاب (الخطاب السياسي السعودي المعاصر) لمؤلفه الدكتور علي بن عالي السعدوني المطيري، الذي ألقى من خلاله مؤلفه الضوء على العلاقات السعودية الخارجية، ودور المملكة العربية السعودية بوصفها دولةً لها ثقلها السياسي والأمني المعروف في العالم.

فهد الهندال

الناقد والكاتب الكويتي الدكتور فهد الهندال: «الوزير المرافق»

قرأت كتاب «الوزير المرافق»، للدكتور غازي القصيبي الذي يعد واحداً من أبرز أعماله النثرية؛ إذ يمزج بين السيرة الذاتية والمذكرات السياسية، مع لمسة أدبية لا تخلو من الذكاء والسخرية.

يتناول الكتاب تجربة القصيبي في المهمات الرسمية داخل وخارج المملكة؛ إذ كان يشغل منصب الوزير المرافق، وهو الدور الذي سمح له برؤية الأحداث عن كثب، دون أن يكون في صدارة المشهد. لم يكتب القصيبي «الوزير المرافق» ليؤرّخ، بل ليحكي. وقد فعل ذلك بأسلوبه الرشيق، المليء بالمفارقات والملاحظات الساخرة، مقدماً للقارئ شهادة غير تقليدية عن لقاءاته بكبار زعماء العالم العربي والأفريقي والآسيوي.

ينقسم الكتاب إلى فصول قصيرة وسلسة، يروي فيها القصيبي مواقف متنوعة جمعت بين الطرافة والدهشة، من لقاءاته مع شخصيات سياسية بارزة، مثل: الرئيسين الأميركيين كارتر وريغان، ورئيسة وزراء الهند أنديرا غاندي، والرئيس التونسي الحبيب بورقيبة، والمستشارين الألمانيين شميدث وكول، وملكة بريطانيا إليزابيث الثانية، والرئيس الفرنسي ميتران، والرئيس الليبي معمر القذافي، والرئيس الأوغندي عيدي أمين.

قدّم القصيبي في كل فصل صورة إنسانية أو ساخرة أو نقدية لكل زعيم، بعيداً عن الرسميات والبروتوكولات، ليكشف عن الوجه الآخر للسلطة، كما رآه عن قرب.

باسمة العنزي

القاصة والروائية الكويتية باسمة العنزي: «غرباء حميمون»

على رأس قائمة الكتب التي حرصتُ على اقتنائها، إصدار الروائي عزيز محمد الجديد «غرباء حميمون»، عن «دار رشم»؛ لأسباب عدة؛ أولاً لأن عمله الأول «الحالة الحرجة للمدعو كاف» رسخ اسمه في عالم الرواية الخليجية المعاصرة بجدارة، ثانياً لأن بين العملين ثماني سنوات، وهي مدة زمنية كافية للتمهل والتقاط الأنفاس، وهو مؤشر إيجابي لتلافي انجراف عزيز محمد وراء نجاح عمله الأول وانتشاره عربيّاً.

جاءت الرواية مغايرة ومعاصرة تماماً، من غلافها إلى تفاصيل السرد فيها، متخلصة من الحس الساخر الذي تميزت به «الحالة الحرجة للمدعو كاف»، شبيهة بحداثتنا وتفاصيل أيامنا في مجتمعات تبدلت مبانيها وعاداتها، وأصبحت جزءاً من العولمة... التقاطات سينمائية متدفقة ومتأنية - رتم العمل جاء بطيئاً - تتناول العلاقات العائلية الهشة وندوب ذاكرة الطفولة، إلا أن الحكاية تبدأ من هنا ولا تتوقف، متجاوزة المتن السردي للعائلة الموصومة بالخزي والعنف الأسري نحو آفاق أخرى غير متوقعة، مؤرخة لمدينة الخبر الساحلية بعد حرب الخليج، بعمارتها ومبانيها وأهم الأحداث التي مرت عليها. «مدينة السطح الأوحد الذي تبدله كلما أوشك أن يتجذر، لا يهم كم يمر عليها مستقبلاً من زمن، ستبقى دائماً متجددة ودائمة التغير». نظر إليها البطل بعين الطفل، ثم الباحث، ثم المعماري الخبير، مدينة تواصل التمدد والامتزاج بعالم سريع التطور.

رواية كتبت بشاعرية ممزوجة بفهم عميق للمشاعر الإنسانية، ومعضلة الخروج من لحظات التعاسة، والتحرر من تجارب الطفولة السلبية، والصدمات النفسية، وانعكاس ذلك على الشعور بالأمان والثقة بالآخرين.

بدا عزيز محمد معماريّاً ماهراً، وضع الخطوط الرئيسية لعمله ثم بنى هيكل الحكاية المدعمة بكمّ من المعلومات الدقيقة عن العمارة الحديثة وعلم النفس، وأيضاً راصداً لمّاحاً لتغيرات المجتمع في السنوات الأخيرة، بالنسبة لي لم أقرأ في الأعمال الأدبية العربية خلال العقد الأخير ذكراً لموقع «لينكدإن» وطلبيات «أمازون»، وتداولات الأسهم لصغار المستثمرين، والنادي الرياضي والوجبات الصحية، ومكاتب موظفي البنوك، وأحلام أصحاب المشاريع الصغيرة! أغلب الأعمال الأدبية تدور في فضاءات مختلفة!

الشاعرة الكويتية سعدية مفرّح: «الأكسجين ليس للموتى»

يمكنني القول إن قراءاتي هذا العام تشكّلت حول ثلاثة مسارات متوازية: الذاكرة، والأسلوب، والكتابة بوصفها فعلاً إنسانياً يقاوم الفناء.

وفي هذا السياق، ورغم كثرة الكتب التي قرأتها وتعددها، جاءت أربعة كتب كان لكل منها أثره الخاص في رؤيتي للقراءة وللعالم، أريد أن أذكرها، وأذكّر بها على هذا الصعيد؛ أولها: كتاب «الذاكرة الجمعية» لموريس هالبفاكس، وهو عمل نظري كثيف أعاد ترتيب علاقتي بالذاكرة، لا باعتبارها شأناً فردياً فحسب، بل بوصفها منظومة تشكّلها الجماعة، وتعيد الجماعة إنتاجها وفق حاجاتها وقلقها وأحلامها.

شدّني في هالبفاكس إحساسه بأن الذاكرة ليست مخزناً جامداً، بل حقلاً حياً يتغير وفق ما يطرأ على الجماعة من جراح وتحولات. هذا الفهم ساعدني على قراءة المشهد العربي اليوم من زاوية مختلفة، وزاد يقيني بأن الشعوب التي تحفظ ذاكرتها تحفظ قدرتها على النهوض.

والثاني كتاب «تمرينات في الأسلوب» لرايمون كونو، بترجمة محمد آيت حنّا، وهو كتاب احتفائي باللعب اللغوي، يذكّر القارئ بأن اللغة ليست أداة تواصل فقط، بل فضاء لا نهائي للتجريب وابتكار الاحتمالات.

منحني (كونو) فرصة نادرة لاستعادة مرح اللغة، الحرية التي تجعل الجملة كائناً قابلاً لإعادة الخلق آلاف المرات. الكتاب كان بمثابة تذكير جميل بأن الكتابة ليست واجباً ثقيلاً، بل لعبة ذكية يمكن للمرء أن يحترفها دون أن يفقد دهشته الأولى.

وثالثها كتاب «رسائل إلى شاعرة» لغوستاف فلوبير، بترجمة سلمى الغزاوي، وهو كتاب يعيد إلى المراسلات مكانتها القديمة: حوار هادئ بين روحين، وورشة مفتوحة للتأمل في معنى الكتابة.

أعجبني في رسائل فلوبير انكشاف الكاتب بلا أقنعة، ذلك الصوت الحميم الذي لا نسمعه عادة في كتبه الروائية. الرسائل أضافت لي الكثير على مستوى التأمل في العلاقة المعقدة بين الكاتب وعزلته، بين الرغبة في الكمال وهشاشة الروح.

أما القراءة الأكثر إيلاماً وعمقاً فكانت رواية الشهيدة الفلسطينية هبة أبو ندى «الأكسجين ليس للموتى»، تلك الرواية التي تبدو اليوم، بعد رحيل كاتبتها تحت القصف، أقرب إلى وصية مكتوبة بالدم.

هذه الرواية كانت ضربة هبة أبو ندى الأقسى. لفتني فيها ذلك التوتر العميق بين هشاشة المرء وقوة إيمانه بالحياة، بين الخوف والرغبة في الانتصار للكرامة. الرواية أضافت لي ليس مجرد متعة قراءة، بل شعوراً بالمسؤولية تجاه سرديات الفلسطينيين، خصوصاً تلك التي تُكتب في اللحظة الأخيرة قبل أن يُطفأ الضوء.

بسام المسلم

الروائي الكويتي بسام المسلم: «رجل مختلف»

تنقسم قراءتي في العام الماضي إلى ثلاثة أقسام: مُعادة وجديدة ومتعلقة بإصداري القادم. فأحياناً أجدني أتوق إلى العودة لبعض الكتب، إما بسبب الشوق إلى أجوائها، وإما نتيجة أحداثٍ في الواقع تذكرني بكتابٍ ما، فأعود إليه. فمثلاً، كان من تبعات محاولة اغتيال دونالد ترمب في بنسلفانيا، صيف العام الماضي، أن ذكّرتني برواية «رجل في الظلام» للمؤلف الأميركي بول أوستر، التي يدورُ قسمٌ منها في واقعٍ مفترض، تعاني فيه الولايات المتحدة من حربٍ أهلية.

كان ترمب وقتئذٍ الرئيس الأميركي السابق والمرشح المفترض للحزب الجمهوري، ونجا بأعجوبة من رصاصةِ أطلقها مواطن أميركي. الحادثة المثيرة ذكّرتني بالرواية التي كانت تعبيراً عن مخاوف أوستر من انقسام الولايات المتحدة في الحاضر، واحتمال انزلاقها إلى حرب أهلية مدمرة في المستقبل. كان من المفارقات، وقوع محاولة الاغتيال بعد أقلّ من ثلاثةِ أشهر على وفاةِ أوستر، الذي عبّر عن مخاوفه في حوارٍ متلفز بعد صدورِ الكتاب في 2008 بالقول: «إن ثمة حرباً أهلية في الولايات المتحدة، نحن منقسمون والفجوة تتسع يوماً بعد آخر!».

كما وجدتني، العامَ الماضي، أتوقُ إلى أجواءِ «الحرافيش» لنجيب محفوظ، فأعدتُ قراءتها باستغراقٍ واستمتاعٍ كأني أستكشفُ شخصياتها ومساراتها لأول مرة.

وحملني رحيلُ المؤلف البيروفي ماريو بارغاس، هذا العام، على العودةِ إلى كتابه «حفلة التيس» الذي حاولَ فيه أن يشرِّح نموذج النظام الديكتاتوري، عبرَ استعادةِ ثلاثين عاماً من الحكمِ المستبدّ للجنرال رافائيل تروخييو الذي استولى على السلطة في الدومينيكان عام 1930.

أما القسم الثاني من قراءتي فتمثل في كتبٍ أقرؤها للمرة الأولى، مثل كتابِ الأديبة الكويتية ليلى العثمان، بعنوان «رجل مختلف»، وهو أحدث مجموعتها القصصية. حرصتُ على قراءتها لعدةِ أسبابٍ؛ منها اهتمامي بأدبِ العثمان عموماً؛ إذ هي مؤثر أساسي في تكويني الأدبي، ومنها محاولة الالتزام بمتابعةِ فنّ القصة الآخذِ بالانحسارِ إصداراً وقراءةً.

أما القسم الثالث من القراءة، فكان متعلّقاً بعملي قيد الكتاب، ومنه كتاب الفنان التشكيلي الكويتي الراحل أيوب حسين الأيوب، بعنوان «حولّي قرية الأنس والتسلّي: من حصيلة الذكريات قبل الخمسينات» الصادر في 1987، وهو كتاب قيّم يوثّق فيه المؤلف ملامح قرية حَوَلِّي الكويتية قبل أن تبتلعها المدينة بمظاهرها الحديثة.

صالحة عبيد

الروائية الإماراتية صالحة عبيد: «زمن الغضب»

فيما يتعلق بقراءات هذا العام (2025)، فإن الأبرز منها كان الآتي: «زمن الغضب - تأريخ الحاضر» لبانكاج ميشرا، وهو كتاب مثير للاهتمام يحلل في الآثار المترسخة للغضب العالمي اليوم والآتي من محاولات فرض نموذج اجتماعي سياسي اقتصادي موحد قسراً على بلاد ما بعد الاستعمار. هذا الكتاب يجعلك تفهم فورات اليوم العالمية بشكل مفصل... مع شعورك الفادح بالتأسي في نفس الوقت يقاربه في المستوى التحليلي كتاب «الفجوة» الصادر عن «منشورات وسم» لجيسون هيكيل، والذي يحلل خرافة الفقر العالمية، وكيف بدأت، ومن يسوّقها، وكيف تصنع في عالم اليوم قنابل اقتصادية موقوتة على مستوى السرد.

وضمن الحصة الأكبر نسبياً ضمن قائمة قراءاتي، تأتي «أغنيات للعتمة» لإيمان حميدان عن «دار الساقي»، ففيها سرد أصيل وحقيقي وبعيد عن الافتعال، مع اختزال المجتمع والسياسة والجغرافيا في معاناة إنسانية حقيقية، توازيها في الصدق الإنساني رواية «لونجا القاهرة نويبع» عن «منشورات وزيز» لجنة عادل، وسؤال متسع عن الذات والهرب منها إليها في اشتباكات العائلة. وهناك أيضاً تجريب سردي جميل في «تمارين معجمية» لعلي المجنوني، من منشورات «تكوين» كتحية للغة والكلمة، وقدرتها على التشظي والإبهار، وأحمد الحقيل في «الحافة المطلة على العالم» عن كلمات للنشر، مستعرضاً تجربة هجينة بين المتخيل والذاتي بلغة أصيلة جداً.

أخيراً يتبقى لديّ الشعر... زاد الروح الضروري، وأختار منه مجموعة «فم مزموم» للشاعر الإماراتي أحمد عبيد عن منشورات «غاف»، حيث «الألفة بعظامها الأنيقة تعصر الضوضاء بهدوء أمام الليل، أمام الساحل الذي مزّق صخب عباراتنا الأولى، قبل رحيلنا الأنيق، كمهرج، كل واحد منا اختار موقفاً يؤدي إلى ذاكرته المحروقة».

وكتاب آخر عن الشعر، لخزعل الماجدي، بعنوان «العقل الشعري» عن منشورات «الرافدين»، وفيه تحليل العقل الإنساني باعتباره سؤال الشعر الممتد، لتتكون الحضارة منه وتتماهى فيه وتستمر، وهو كتاب بديع جداً.


أوانٍ فخارية من موقع مليحة

قطع خزفية من موقع مليحة بالشارقة منها زهريتان من الفخار المزجّج
قطع خزفية من موقع مليحة بالشارقة منها زهريتان من الفخار المزجّج
TT

أوانٍ فخارية من موقع مليحة

قطع خزفية من موقع مليحة بالشارقة منها زهريتان من الفخار المزجّج
قطع خزفية من موقع مليحة بالشارقة منها زهريتان من الفخار المزجّج

يحتل موقع مليحة مكاناً مميزاً على خريطة المواقع الأثرية التي كشفت عنها عمليات المسح المتواصلة في مختلف أنحاء دولة الإمارات العربية خلال العقود الماضية.

أظهرت الأبحاث الدؤوبة المتواصلة أن هذا الموقع الاستثنائي شكّل في الماضي حاضرة وسيطة في جنوب شرقي شبه الجزيرة العربية، وحلقة وصل بين مختلف أقاليم العالم القديم، كما تشهد مجموعات القطع الفخارية المتعدّدة المستوردة من الخارج. تحضر في هذا الميدان مجموعة من الأواني الفخارية المزجّجة التي تشابه قطعاً وصلت كذلك إلى نواحٍ متقاربة ومتباعدة من الجزيرة العربية، مصدرها جنوب بلاد ما بين النهرين. وتقابلها مجموعة مغايرة تحمل الطابع الإغريقي الصِّرف، وتتكون من قطع صيغت على شكل صنف خاص من الجرار يُعرف بـ«الأمفورة».

شاعت في بلاد ما بين النهرين أطرزة متعدّدة في صناعة الفخار، منها طراز يُعرف بـ«الفخار المزجّج»، راج في جنوب هذه البلاد، وبلغ نواحيَ متعددة تقع خارج أقاليمها الواسعة. تعتمد هذه الصناعة على معالجة السطح الفخاري بإضافة طبقة طلاء مزجّجة تنصهر مع سطح المادة الطينية، وتؤدي هذه المزاوجة إلى خلق مادة جديدة عمد صنّاعها إلى تلوينها بأكاسيد مختلفة تُكسبها رونقاً خاصاً.

وارتبطت هذه الصناعة بهذه الناحية من بلاد الرافدين، وحملت اسمها، وعُرفت به، واعتُمد هذا الاسم بشكل واسع في القاموس الخاص بدراسة الفنون الفخارية المتعددة الفروع والأصناف.

ودخلت الجزيرة العربية قطع متنوعة من هذا الطراز بشكل متواصل، وعلى مدى قرون من الزمن، وشكّلت مجموعات مستوردة تشهد لرباط متين جمع أقاليم الجزيرة الواسعة وجنوب بلاد ما بين النهرين، منها مجموعة خرجت من موقع مليحة الذي يشكّل جزءاً من إقليم عُمان في العالم القديم، ويقع اليوم في المنطقة الوسطى بإمارة الشارقة.

تتكوّن «مجموعة مليحة» من بضع قطع عُثر عليها ضمن قطع متنوّعة من المنتجات الفخارية، منها ما هو محلّي، ويُعرف اليوم بـ«فخار مليحة»، ومنها ما هو من خارج الجزيرة، ومصادره متعدّدة. ويتمثل أبرز هذه القطع المستوردة من جنوب العراق القديم بقطعتين متشابهتين في التكوين كما في الصوغ، غير أنهما تختلفان من حيث الحجم، وقد نجح أهل الاختصاص في ترميمهما، فاستعادتا شكلهما الأصلي الأول بصورة شبه كاملة، وتُعدّان من أجمل النماذج المزجّجة المصقولة باللون الأخضر الزمردي.

وخرجت هاتان القطعتان من مدافن مليحة الأثرية؛ ممّا يعني أنهما شكّلتا في الأصل جزءاً من الأثاث الجنائزي، وهما على شكل زهرية ذات مقبضين عريضين، زيّنت بشبكة من النقوش الزخرفية الغائرة.

يبلغ طول كبرى هاتين الزهرتين 54.5 سنتيمتر، وعرضها 34.5 سنتيمتر، وعنقها مكلّل بطوق عريض، ويحدّه مقبضان مقوّسان يعلو كلّاً منهما مثلث أفقي مسطّح.

وتُزين القسمَ الأعلى من هذه الزهرية شبكةٌ من الخطوط العمودية المتوازية، تستقر فوق شريطين تعلو كلاً منهما سلسلة مشابهة من الخطوط المتوازية كأسنان المشط. وتتبع المزهرية الأخرى تكويناً مماثلاً، ويبلغ طولها 43 سنتيمتراً، وعرضها 30 سنتيمتراً، وزينتها الزخرفية مشابهة، مع اختلاف يسير في التفاصيل يظهر عند دراسته بشكل متأنّ.

إلى جانب هاتين القطعتين، تحضر قطعة ثالثة مشابهة في التكوين، تبدو أعرض وأقصر من حيث الحجم، وقطعة رابعة، وهي على شكل جرة لها مقبض مقوّس واحد، مصدرها موقع سكني يُعرف بـ«قصر مليحة»، وطولها 42 سنتيمتراً، وعرضها 31 سنتيمتراً، وهي مجرّدة من الزخارف، وتتميّز بلونها الأزرق الفيروزي.

تعود هذه المجموعة الخزفية المزجّجة إلى حقبة تمتد من القرن الثاني قبل الميلاد إلى القرن الميلادي الأوّل، وتشهد للرباط الذي يجمع بين مليحة وبلاد الرافدين. وتقابلها مجموعة أخرى من ميراث مليحة، تشهد لصلة أخرى مغايرة تجمع بينها وبين العالَم المتوسّطي الإغريقي، وتتمثّل هذه المجموعة بقطع فخارية من الطراز الذي يُعرف بـ«الأمفورة»؛ منها 3 قطع وصلت بشكل شبه كامل. كما هو معروف، ترتبط «الأمفورة» بشكل وثيق بالعالم الإغريقي، وتشكّل صناعة خزفية تقليدية شاعت في ذاك العالم بشكل واسع، وهي على شكل قارورة بيضاوية طويلة، تحدّها قبضتان كبيرتان تتصلان بعنق طويل ونحيل.

شكّلت «أمفورات مليحة» كذلك جزءاً من الأثاث الجنائزي بين القرن الثالث قبل الميلاد والقرن الميلادي الأوّل، وهي مخصّصة لحفظ النبيذ، وأهمّها قطعة من الطراز الذي يُعرف بـ«الرودسي»؛ نسبة إلى جزيرة رودس الواقعة بين جزر اليونان وقبرص، وطولها 80 سنتيمتراً، وعرضها 36 سنتيمتراً، وتمتاز بتزجيج من اللون الأسود، ويرى أهل الاختصاص أن هذا التزجيج حدث في جنوب بلاد ما بين النهرين، وشمل سطح هذه «الأمفورة» وداخلها.

تقابل هذه القطعة قطعة مماثلة تخلو من أي تزجيج، وهي «أمفورة» رودسية تقليدية مجرّدة من أي زينة، وعرضها 48 سنتيمتراً. تحضر «الأمفورة» الثالثة إلى جانب هاتين القطعتين، وهي كذلك من الحجم الكبير، وطولها 77 سنتيمتراً، وهي من طراز مغاير، يُعرف بـ«الطراز الإسباني»، ويتميّز بعنق قصير، ومقبضاه على شكل عروتين صغيرتين نسبياً.

وتشهد هذه القطع لعلاقة مثيرة ربطت بين مليحة العُمانية والعالَم الإغريقي القديم، وتؤكّد شواهد أثرية أخرى هذا الرابط المدهش، منها قطعة جزئية صغيرة من «أمفورة» رودسية تحمل نقشاً يونانياً يشير إلى تاريخ صناعتها بين عامي 225 و125 قبل ميلاد المسيح، وقطعة أخرى مشابهة تحمل ختماً يحمل اسم صاحبها المدعو «أنطيماخوس»، وتاريخها يعود إلى فترة تمتدّ من عام 198 إلى عام 146 قبل ميلاد المسيح.