بثينة وجميل بن معمر... الحب نار مشتعلة وقودها الغياب

كان قلبه مع بني عُذرة وعيناه على عمر بن أبي ربيعة

فرقة كركلا اللبنانية في عروض سابقة في السعودية لقصة "جميل وبثنية"
فرقة كركلا اللبنانية في عروض سابقة في السعودية لقصة "جميل وبثنية"
TT

بثينة وجميل بن معمر... الحب نار مشتعلة وقودها الغياب

فرقة كركلا اللبنانية في عروض سابقة في السعودية لقصة "جميل وبثنية"
فرقة كركلا اللبنانية في عروض سابقة في السعودية لقصة "جميل وبثنية"

لا تختلف قصة الحب التي جمعت بين بثينة بنت حيان وجميل بن معمر كثيراً عن القصص المماثلة، التي نسبها الرواة إلى شعراء بني عذرة، سواء من حيث القرابة العائلية بين العاشقين، أو من حيث صغر السن الذي تكون فيه المشاعر في ذروة تأججها، أو من حيث الحُمى المباغتة التي تضرب الطرفين من النظرة الأولى أو اللقاء الأول. ومع ذلك فإن العلاقة بينهما قد بدأت أول الأمر بالعراك وسوء التفاهم. وقد ورد في أغلب المصادر التراثية أن جميلاً التقى بثينة حين أنزل إبله في وادٍ اسمه «بغيض»، كان ينزل أهل بثينة بالقرب منه، وحين جاءت الأخيرة لسقاية إبلها، تسببت في إجفال إبل جميل، فبادرها بالسباب، وردّت عليه بمثله، قبل أن تنقلب الخصومة بينهما إلى حب جارف. وحول هذه الحادثة يقول الشاعر:

وأوّل ما قاد المودةَ بيننا بوادي بغيضٍ يا بُثينُ سبابُ

وقلنا لها قولاً فجاءت بمثلهِ لكل كلامٍ يا بُثين جوابُ

ويروي الأصفهاني في كتاب «الأغاني» أن جميلاً خرج في يوم عيد، حيث النساء يتزينّ ويبدين أنفسهن للرجال، وأنه وقف على بثينة وأختها أم الحسين، فرأى منهن منظراً أعجبه، وعشق بثينة. وإذ عرف القوم حبه لها من نظراته نحوها، وحالوا بينه وبينها إلى حين، نظم في ذلك كثيراً من أبيات النسيب، التي كان لها أبلغ الأثر في نفس الفتاة، فاتخذت قرارها بملاقاته، والاختلاء به «عند غفلات الرجال». على أن الأمور لم تجرِ على الدوام وفق هوى الفتى العاشق. وإذ حدث أن نجح أهل بثينة وعشيرتها في تشديد الرقابة على فتاتهم، ومنعها من لقائه، كان أهل جميل بالمقابل يشدون من أزره، ويحثونه على هجرها ومبادلتها الصد بالصد. لكن مكابرته لم تكن لتدوم طويلاً، فنظم من الشعر ما يصل إلى تخوم اللوعة، والشعور الممض بالذنب، كقوله لها:

لا تحسبي أني هجرتك طائعاً حدثٌ لعمرك رائعٌ أن تُهجري

يهواكِ ما عشتُ الفؤادُ فإن أمتْ يتبعْ صداي صداك بين الأقبرِ

ما أنتِ والوعد الذي تعدينه إلا كبرق سحابةٍ لم تمطرِ

ومن يتتبع سيرة جميل في عشقه لبثينة، فلا بد أن يلاحظ حرص الطرفين على إلباس علاقتهما لبوس الطهر، وإبعادها عن جموح الغريزة وشهوات الجسد. وقد جاء في بعض الروايات أن أبا بثينة وأخاها قررا التلصص على إحدى خلواتها مع جميل، وقد امتشقا سيفيهما استعداداً لقتلهما معاً في حال قيامهما بما ينافي الحشمة، وحين تسللا خفية إلى مكان اللقاء، سمعا جميلاً يطلب من بثينة أن تجزيه على ما تُسببه له من آلام، كما يحدث عادة بين المتحابين، حتى إذا احتجت بثينة على طلبه ارتاح لذلك الاحتجاج قائلاً لها إنها لو رضيت بارتكاب الإثم لهجرها إلى الأبد، مذكراً إياها بأبياته:

وإني لأرضى من بثينة بالذي لو ابصره الواشي لقرّت بلابلُه

بلا وبألّا أستطيع وبالمنى وبالأمل المرجوّ قد خاب آملُه

وبالنظرة العجلى وبالحوْل تنقضي أواخرُهُ لا نلتقي وأوائلُه

ويضيف الرواة أن أبا بثينة، وقد وقف على ما حدث بين ابنته وشاعرها العاشق، لم يتوانَ عن مخاطبة ابنه بالقول: «قم بنا، فما علينا بعد اليوم أن نمنع هذا الرجل من لقائها»، فانصرفا وتركاهما. ومع ذلك فإن الرواة قد نسبوا مثل هذه الحادثة وأشباهها إلى غير واحد من عشاق بني عذرة، وهو الأمر الذي خلط الأوراق بين سِيَرهم، ودفع ناقداً كبيراً كطه حسين إلى القول إن في قصة جميل وبثينة «سخفاً وإحالات كثيرة»، مشككاً في صحة الوقائع المنسوبة إلى العذريين، وصولاً إلى التشكيك في وجود بعضهم في الأصل.

غير أن في شخصية جميل وأشعاره ما يدفعنا إلى وضعه في خانة ملتبسة؛ بين أهل التعفف وأهل الإباحة والحب الجسدي، أو بين قيس بن الملوح وعمر بن أبي ربيعة. فالشواهد الكثيرة على عفته وعذاباته وانقطاعه لحبيبته، شأن قيس، تقابلها شواهد أخرى على اختلائه المتكرر ببثينة بعد زواجها، ومن ثم تعلقه بالنساء على نحو عام، إضافة إلى تباهيه بوسامته وشجاعته وجنوحه إلى المغامرة، حتى لو قاده ذلك إلى النفي أو أودى بحياته. فقد رُوي أن جميلاً انتحل في إحدى زياراته لبثينة صفة مسكين جائع، وأنها أحرقت ثيابها عامدة لتستحث قومها على مساعدتها، حتى إذا قاموا بالمهمة وعادوا إلى مضاربهم، أرسلت جاريتها في طلب جميل، فلما حضر «حبسته عندها ثلاث ليال».

وفي حادثة أخرى مماثلة، لا تتوانى بثينة في غياب زوجها عن أن تُضجِع جميلاً إلى جوارها طيلة الليل، حتى إذا نقل أحد عبيدها الخبر إلى زوجها وذويها، وهرعوا إلى المكان شاهرين سيوفهم، أصر جميل على مواجهتهم جميعاً، لولا أن بثينة دعته إلى التواري عن الأنظار؛ درءاً للفضيحة، طالبةً من أختها «أم الحسين» الاضطجاع في سريرها؛ للخروج من المأزق. ومع اقتحام جميل المتكرر لمنزل بثينة الزوجي، فإن من الصعب على المرء، ومهما بلغ به حسن الظن، أن يصدق اكتفاء الطرفين باستلقاء أحدهما البريء إلى جانب الآخر، خصوصاً أن كليهما كان يعيش آنذاك اندفاعة الصبا واحتداماته المؤرقة.

من يتتبع سيرة جميل في عشقه بثينة، فلا بد أن يلاحظ حرص الطرفين على إلباس علاقتهما لَبوس الطهر وإبعادها عن جموح الغريزة وشهوات الجسد

وإذ لا يتردد الأصفهاني (ومن بعده طه حسين وصادق جلال العظم) في إبداء شكوكه حول الطبيعة العفيفة للعلاقة بين الطرفين، ينقل عن والد جميل قوله له: «يا بني، حتى متى أنت عمِهٌ في ضلالك، لا تأنف من التعلق بذات بعل يخلو بها ثم تقوم من بعده إليك، فإذا انصرفت عنها عادت إلى بعلها على حالتها المبذولة؟!». ومع أن جميلاً لا ينفي أو يؤكد المرامي الضمنية التي يشير إليها أبوه، غير أن ما ينفيه هو قدرته على الابتعاد عن بثينة، التي اعتبر حبه لها «بلاءً ابتُلي به» ولا يملك له دفعاً.

ويتضح من سيرة جميل أنه كان معجباً أيما إعجاب بشعر عمر بن أبي ربيعة وشخصيته، وهو الذي كان يشاركه الوسامة، وطول القامة، والرغبة في إغواء النساء. وكانت «أم الحسين» إحدى الفتيات اللواتي استهوينه وشبَّب بهن قبل تُعرفه إلى أختها بثينة. كما يتشاطر جميل مع عمر شجاعته الفائقة إلى حد التهور، وهو الذي لم يتوانَ عن انتضاء سيفه في وجه أبيها وأخيها، حين داهماهما ذات لقاء، مما اضطرهما إلى الفرار والانكفاء عن مواجهته طلباً للنجاة. ومع أن اسمي عمر وجميل قد ارتبطا عبر الزمن بشكلين متعارضين من أشكال الحب، فقد بدا الأول وكأنه الضمير المستتر للثاني، الذي كان يشاركه في قرارته بالانتماء إلى المجرى الموحد للأنوثة الكونية، كما يظهر في قوله:

يقولون جاهد يا جميل بغزوةٍ وأيَّ جهادٍ غيرهنّ أريدُ

لكل حديثٍ بينهن بشاشةٌ وكلُّ قتيلٍ دونهنّ شهيدُ

وإذ يعُد عمر نفسه معنياً بالجمال الأنثوي أينما كان، وهو القائل: «إني امرؤ موكَلٌ بالحسن أتبعه»، يكرر جميل المعنى نفسه عبر قوله:

يقولون صبٌّ بالغواني موكّلٌ وهل ذاك من فعل الرجال بديعُ

وقالوا رعيتَ اللهوَ والمالُ ضائعٌ فكالناس فيهم صالحٌ ومضيعُ

كما يرى جميل أن العلاقة بين العاشق والمعشوق لا بد أن تتعرض للضمور والتلف، ما لم يعمد الطرفان إلى تجديدها، وتوثيق أواصرها، عبر إدارة التناوب المستمر بين الوصال والنأي، أو بين الحضور والغياب. ولعله الوحيد بين شعراء بني عذرة الذي امتلك الجرأة على الاعتراف بأن النأي المتقطع بين المحبين هو الشرط الأهم لبقاء الحب في حالة اشتعال. وعن ذلك يقول قاصداً بثينة:

يموت الهوى مني إذا ما لقيتها ويحيا إذا فارقتها فيعودُ

لكن من موجبات الإنصاف الإقرار بأن صراع الخيارات المتعارضة، الذي كان قلب جميل وعقله مسرحاً له، لم يستطع أن يخفف من تعلقه المرَضي ببثينة، بدليل أن الأثمان التي دفعها كانت من الفداحة بحيث أهدر السلطان دمه غير مرة، فبات طريدها الأبدي، وعمد إلى الهرب تارة إلى اليمن، وطوراً إلى الشام، وطوراً ثالثاً إلى مصر، حيث قضى نحبه هناك. ويروي الأصمعي أن جميلاً حين أحس بدنو الأجل، استدعى رجلاً من معارفه، وقدم له كل ما يملك مقابل أن ينقل إلى بثينة أبياتاً يرثي بها نفسه قائلاً:

صدُع النعيُّ وما كنى بجميلِ وثوى بمصرَ ثواءَ غيرِ قَفولِ

ولقد أجرّ الذيلَ في وادي القرى نشوانَ بين مَزارعٍ ونخيلِ

قومي بثينةُ واندبي بعويلِ وابكي خليلكِ دون كلّ خليلِ

وقد وقع الخبر على بثينة وقوع الصاعقة، وبخاصة بعد أن تيقنت من صحته، وأخرج الرسول القادم من مصر حلة جميل، والرقعة التي تحمل أبياته، فبكت وأبكت معها نساء الحي، ثم وقعت مغشياً عليها، حتى إذا استيقظت نهضت وهي تردد هذين البيتين اللذين لم ينقل الرواة عنها سواهما أبداً:

وإنّ سُلُوّي عن جميلٍ لساعةٌ من الدهر ما حانت ولا حان حينُها

سواء علينا يا جميل بن معْمَرٍ إذا متَّ بأساءُ الحياة ولينُها


مقالات ذات صلة

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

ثقافة وفنون  لميعة عباس عمارة

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

لم تكن الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، التي رحلت عن هذا العالم قبل خمس سنوات، واحدةً من الشاعرات المغمورات، أو اللواتي أعوزتهن الشهرة وذيوع الصيت على...

شوقي بزيع
صحتك الكولاجين يساعد الجلد على البقاء مشدوداً (بيكسلز)

أربعة تغيرات في الوجه قد تعني معاناة جسمك من نقص البروتين

إذا كان وجهك يبدو مؤخراً مختلفاً بعض الشيء عن مظهره المعتاد، وأصبح يبدو أكثر إرهاقاً أو جفافاً، أو أنحف من المعتاد، فقد يعني ذلك أنك تعاني من نقص البروتين.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق تمثال فؤاد حداد في «بيت الشعر العربي» (وزارة الثقافة)

تمثال فؤاد حداد صاحب «المسحراتي» يزيّن «بيت الشعر العربي» بالقاهرة

زيّن تمثال للشاعر المصري الراحل فؤاد حداد «بيت الشعر العربي» في القاهرة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق ارتفعت العصا في يد هاروت فازليان فبدا كأنّ الصمت نفسه يستعدّ ليقول شيئاً (الجامعة الأميركية)

هاروت فازليان «في بحر الحبّ»: الموسيقى والشِّعر يُعيدان تشكيل الإنسان

بين صوت رفعت طربيه ونَفَس هاروت فازليان، وبين الشّعراء والملحّنين الذين مرّوا، ترك «في بحر الحبّ» للروح حقّها في أن تُصاب، ثم تتعافى، ثم تتّسع.

فاطمة عبد الله (بيروت)
صحتك وصلات الشعر الشائعة الاستخدام قد تصيب النساء بأمراض خطيرة (أ.ب)

احترسي... وصلات الشعر قد تصيبك بالسرطان واضطرابات الهرمونات

كشفت دراسة علمية حديثة عن وجود عشرات المواد الكيميائية السامة في منتجات وصلات الشعر (الإكستنشن) شائعة الاستخدام، بعضها مرتبط بالسرطان واضطرابات الهرمونات.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة
TT

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

تسرد رواية «أهلاً أميركا»، الصادرة عن دار «العربي» بالقاهرة للكاتب الإسباني مارتن جيرونيل، ترجمة محمد أحمد حسين، السيرة الروائية لرجل الأعمال الكاتالوني سيفرينو كاريون الذي غادر إسبانيا بعد الحرب الأهلية هناك بحثاً عن حياة جديدة ليكتسب شهرة واسعة في الولايات المتحدة الأميركية بعد استقراره بها، في تجربة هجرة مزجت بين إرادة النجاح وألم الاغتراب والوحدة وقسوة البدايات.

هرب «سيفرينو» من واقع الفقر والقمع ليخوض رحلة محفوفة بالمخاطر من برشلونة إلى أميركا، وهناك استطاع أن يصنع لنفسه مستقبلاً غير متوقع، حيث عمل في البداية في مهن متواضعة قبل أن يدخل عالم المطاعم الراقية ويصبح صديقاً لنجوم هوليوود مثل «جيمس دين» و«مارلين مونرو»، غير أنه لم يكتفِ بذلك، بل أسس مطعمه الخاص في منطقة «بيفرلي هيلز» الراقية والذي تحوَّل لأيقونة ثقافية يقصده المشاهير والسياسيون.

ورغم ذلك، لا يمكن اختزال العمل في كونه مجرد حكاية صعود فردي، بل شهادة على روح المغامرة والإصرار وكيف يمكن للحلم أن يتحدى قسوة الواقع من خلال أسلوب مشوِّق وسرد متصاعد لقصة حقيقية عن شجاعة رجل أعاد اختراع نفسه وترك بصمة لا تُنسى في عالم المطاعم.

وُلد مؤلف العمل مارتي جيرونيل عام 1971 بإقليم كاتالونيا الإسباني ويعد من أكثر الروائيين الكاتالونيين انتشاراً في العقدين الأخيرين، حيث اشتُهر بكتاباته التاريخية التي تمزج بين الدقة التوثيقية والسرد المشوق والتي يحيي من خلالها شخصيات وأحداث منسية ليقدمها في قالب روائي يلامس القارئ المعاصر.

عمل جيرونيل في بداياته صحافياً ومقدماً للتقارير التلفزيونية قبل أن يتفرغ تدريجياً للأدب، فحقَّق شهرة واسعة منذ صدور روايته الأولى «قنطرة الأب فسينت» التي لاقت رواجاً كبيراً، بينما حازت «أهلا أميركا» على جائزة «رامون لول» لعام 2018 وهي إحدى أرفع الجوائز الأدبية في كاتالونيا.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في صباح ذلك اليوم من يوليو (تموز) عام 1949 شعر سيفرينو كاريون بالصدمة وهو يرى المدينة العملاقة تنبثق مباشرة من المياه، كان في ذلك المشهد المتعاظم الذي يخيل للناظر أنه لوحة سينمائية مزيج من سحر يأسر الألباب ووحشية جامحة فلم تكن السفينة هي التي تقترب بل نيويورك هي التي كانت تبتلعه.

لم يكن نور النهار قد انبلج بعد إلا والفتى قد ولج إلى أحشاء المدينة وقد تضاءلت نفسه أمام جبروتها وعظمتها، أغرقته أيضاً أمواج السيارات والبشر المتدافعة في ذلك الشارع الفسيح الذي كان آخر ما علق بذهنه من وصايا (جو) حتى لا يضل الطريق. سرت القشعريرة في أوصاله من مفرق رأسه حتى أخمص قدميه وغشاه عرق بارد كالثلج، ذاك العبور من مخبئه الخانق في جوف السفينة (ليبرتيه) إلى ترحيب تمثال الحرية الذي خلّف في روحه صقيعاً من غربة موحشة، صقيعاً عنيداً لم يُظهر أي عجلة في الرحيل ورغم كل شيء فقد ملأ الإيمان قلبه بأن طائر السعد سيعود ليحط على كتفه حالما يعثر على موقف الحافلة الأولى من أربع حافلات كان عليه أن يتنقل بينها ليصل إلى حي برونكس.

قبض على حقيبته الصغيرة وكأنها تميمة تحميه، يتأمل فاغر الفم تلك النواطح السحابية المعدنية بجدرانها اللامتناهية المرصعة بآلاف النوافذ الموصدة ومهما أمعن النظر لم يكن بوسعه أن يلمح سطحاً واحداً، الأمر الذي بث في نفسه شعوراً خانقاً أشبه برهاب الأماكن المغلقة. كل ما حوله كان زوايا قائمة وهياكل عملاقة بدت معها المدينة كغلام مراهق غير متناسق الأطراف لم يكتمل نموه بعد.

أما سيفرينو، الذي لم يجرؤ حتى على أن يأخذ نفساً عميقاً، فقد تشبث بالشيء الوحيد الذي يربطه بذاته، فلم يرفع عينيه عن قصاصة الورق التي تحمل عنوان عمه رامون ابن عم أبيه العنوان الذي كان يحفظه عن ظهر قلب: آرثر أفينيو رقم 2309».


لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟

لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟
TT

لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟

لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟

في عالمٍ محكومٍ بالتواصل الدائم والمنبهات اللانهائية، يبدو الحديث عن «الملل» مفارقةً غريبةً. فكيف يمكن للإنسان المعاصر أن يشعر بالسأم وهو يحمل في جيبه جهازاً ذكياً يمنحه وصولاً فورياً إلى مكتبات الموسيقى العالمية، وآلاف الأفلام، وملايين الكتب، وتدفقات لا تتوقف من النصوص والصور؟

تثبت هذه المفارقة أن الملل ليس غياباً للمثيرات، بقدر ما هو أزمة في صيغة «استجابتنا» لها. لقد تحول في عصر ما بعد الحداثة من حالة عابرة ناتجة عن نقص الخيارات إلى ركودٍ وجوديٍ معقد ناتج عن إفراطها. إنه اللحظة التي يفقد فيها كل شيء معناه، ليس لأن الإنسان لا يملك شيئاً ليفعله، بل لأن كل ما يمكنه فعله يبدو فجأة وكأنه بدون قيمة.

تقلّب مفهوم الملل عبر التاريخ الإنساني بين الإدانة الأخلاقية والتحليل الفلسفي. في العصور الوسطى، أطلق الرهبان عليه اسم «السأم الوجودي»، وعدّوه خطيئةً كبرى تندرج تحت بند الكسل الروحي الذي يصيب النفس في عزلتها. ومع صعود الرومانسية في القرن التاسع عشر، تحول إلى «الضجر» سمة لمثقفين وشعراء رأوا في العالم واقعاً أضيق من خيالهم.

أما اليوم، فيُجمع علماء النفس والباحثون على أن الملل أداة تنبيه تطورية حيوية لا تختلف عن الألم الجسدي. فتقول د. جوزيفا روس فيلاسكو (2026) في كتابها عن الملل (2026)، «إن الوظيفة الحيوية للملل تشبه تماماً وظيفة الألم؛ إنه كما جرس إنذار يخبرنا بأن علاقتنا بالمحيط قد تضررت، وأن النشاط الحالي استُنزف ولم يعد يقدم لعقولنا أي حافز حقيقي للنمو».

الملل بهذا المنطق «صوت رغبةٍ في الرغبة»؛ حالة من التوق الحاد لشيءٍ يعيد إلينا الشغف، دون أن نمتلك القدرة على تحديد ماهية هذا الشيء.

يتخذ الملل المعاصر شكلاً مغايراً تماماً لصورته التقليدية. قديماً، كان الملول شخصاً يجلس في غرفة فارغة وينتظر مرور الوقت؛ اليوم، الملول شخص يستلقي على أريكته ويمسك بهاتفه، يتنقل بين منصات التواصل الاجتماعي، يفتح عشرات التبويبات على شاشته، ويمارس ما يمكن تسميته بالهرولة الرقميّة دون استقرار.

تفسر النظريات السلوكية الحديثة هذا التحول بظاهرة «الإغراق الدوباميني». إن التدفق المستمر للمثيرات السريعة (الفيديوهات القصيرة، الإشعارات، التحديثات اللانهائية) يرفع سقف التوقعات الكيميائية للدماغ. وعندما يعتاد العقل على هذا المستوى المرتفع من التحفيز، يصبح الواقع العادي بقراءته الهادئة، وحواراته العميقة، ولحظات سكونه بطيئاً ومملاً بالمقارنة بشكل لا يطاق. إننا نعيش في بيئة تقدم تسليةً هائلةً ومعنىً ضئيلاً. وهذا التباين الحاد بين وفرة المحتوى وغياب القيمة تربة لا شك خصبة لينمو فيها الملل المزمن.

يكشف تتبع هذا المفهوم عن تبدل كامل في تمظهراته السلوكية؛ إذ تميز الملل التقليدي قديماً ببطء إيقاع الزمن والشعور بثقله الشديد، بينما يتسمّ الملل المعاصر بتسارع ركيك للوقت عبر تشتيت الانتباه المستمر بين الشاشات. وفي حين كان يعاني النمط القديم من نقص حاد في الفرص والخيارات المتاحة، يواجه إنسان ما بعد الحداثة تخمة في الخيارات تؤدي إلى شلل الإرادة وعجز الاختيار. كما كان يعبر الملل سابقاً عن نفسه عبر السكون الجسدي التامّ وانتظار المثير الخارجي، بينما يرتدي في عصرنا الحالي قناع الحركة المحمومة والمطاردة الدائمة للتجارب الجديدة لملء الفراغ.

لقد تحول هذا الهوس بالإنتاجية، وتكديس الشهادات، والاشتراك في الأنشطة المتلاحقة إلى قناعٍ سميك يخفي وراءه رعباً حقيقياً من مواجهة الذات حين تصبح الجرأة على ألا نفعل شيئاً غائبة تماماً؛ فالإنسان المعاصر يخشى الصمت الداخلي الذي ينتظره إذا ما توقف، لأن الصمت يثير الأسئلة الوجودية المؤجلة حول جدوى ما يفعل وجدوى الطريق الذي يسلكه.

لا تتوقف خطورة الملل المزمن عند حدود الشعور بالضيق، بل تمتد لتلقي بظلالها على الخيارات الأخلاقية والسلوكية للفرد. إذ عندما يستقر السأم في أعماق النفس، تبهت الألوان في عين الإنسان، ولا تعود المحفزات المعتادة كافية لتحريك مشاعره. وتقود هذه الحالة، بحسب دراسات علم النفس الاجتماعي، إلى سلوك ركوب المخاطر والبحث عن حوافز متطرفة لكسر الرتابة. قد يتجلى ذلك في الاستهلاك الاندفاعي، أو الانغماس في عوالم افتراضية بديلة، أو حتى تبني مواقف وأفكار متطرفة لمجرد الشعور بالانتماء لحدث صاخب.

وفي هذه الحال، يتضاءل اهتمام الفرد بالمعايير العقلانية أو الأخلاقية للخيارات، ويصبح المعيار الوحيد الحاكم هو قدرة الفعل على انتشاله من البلادة الشعورية ومنحه جرعة إثارة فورية، حتى وإن كان ذلك الفعل مؤذياً للذات أو للآخرين.

مع ذلك كله، فإن ثمة فلسفات ترى في الملل نافذةً لا تعوض للاستبصار وتجعل من النظر إليه بوصفه عدواً تنبغي مواجهته بالتسلية الفورية خطأ نكرره يومياً. فإذا كان الملل إنذاراً يخبرنا بأن علاقتنا بالعالم قد تضررت، فإن الحل لا يكون في تجاهل الإنذار، بل في قراءة الرسالة. يمنحنا الملل، إذا ما واجهناه بشجاعة، فرصةً ذهبيةً لإعادة ترتيب الأولويات، والبحث عن مصادر حقيقية للمعنى والاتصال الإنساني العميق عوضاً عن المثيرات السطحية المؤقتة. إن لحظات الفراغ والسكون، التي نهرب منها اليوم برعب، هي ذاتها المساحات التي ولدت فيها عبر التاريخ أعظم الأفكار الفلسفية، والإبداعات الفنية، والاكتشافات العلمية.

ليست أزمة الإنسان المعاصر في قلة ما يملك من أدوات لإزجاء الوقت، بل في عجزه عن استيعاب ما يملك ومنحه قيمته الحقيقية. إن مواجهة الملل في عصر ما بعد الحداثة تتطلب شجاعةً من نوع خاص: شجاعة التوقف عن الهرولة، والقدرة على معاقرة الصمت، والامتناع الإرادي عن الاستهلاك اللانهائي للمثيرات.

لن تتأتى السعادة من أن نملأ أوقاتنا بأي شيء كي ننجو من الملل، بل حين ندرك لماذا لم يعد هذا العالم، بكل وفرته وصخبه، كافياً لمنحنا الطمأنينة والرضا.


«التجريدة»... تفكيك عقل السلطة

«التجريدة»... تفكيك عقل السلطة
TT

«التجريدة»... تفكيك عقل السلطة

«التجريدة»... تفكيك عقل السلطة

تتخذ رواية «التجريدة: ثورة الصعيد المقدسة» للروائي المصري أحمد إبراهيم الشريف (منشورات الربيع - القاهرة) من حدث تاريخي مركزاً لها، وتتأسس على تقنية تعدد الأصوات، فرغم كثرة الشخصيات داخل المتن السردي، التي تصل إلى 30 شخصية، فإن السارد يمنح كل منها مساحة للتعبير عن ذاته، وتداعي أفكاره، وما يعتمل داخله من أحلام وهواجس وطموحات وتطلعات، فنرى العالم من وجهة نظر كل منها، دون أن يعوق هذا تدفق الحكاية واستمراريتها، فكل شخصية، حين تحكي عن نفسها ورؤيتها، فإنها تمارس في الوقت نفسه دورها في التنامي الحكائي. ورغم هذا الاحتفاء بالشخصيات وخطاباتها ورؤاها، فإن الحدث المركزي، وهو التجريدة، يظل مركز الثقل الأكبر في النص الروائي، ومناط جدارته السردية.

تدور أحداث الرواية في النصف الثاني من القرن التاسع، تحديداً مع بدايات حكم الخديو إسماعيل في قرية «قاو»، إحدى قرى محافظة أسيوط، بصعيد مصر، حيث جرت وقائع مذبحة ضد هذه القرية، حين شن عليها الوالي إسماعيل غارة لإخماد ما ظنه تمرداً فيها على حكمه الناشئ حديثاً، فأراد عبر قمع هذه القرية أن تكون عبرة لكل من يتمرد على سلطته مستقبلاً، لذا كان التنكيل بكل من فيها، وهدم منازلها على رؤوسهم، حتى أضحت خراباً، ومن وقعوا في يد قواته تم قطع رؤوسهم على مرأى من بقية أهل القرية من النساء والشيوخ والأطفال.

نشأت بذرة الأحداث من «جريس» المسيحي عندما اشترى جارية أفريقية، وادعى كذباً أنها مسلمة، وأن اسمها «فاطمة» رغم أنها لا تعرف لنفسها اسماً ولا ديناً، ولا تعرف اللغة العربية، فقد اختطفت من بلادها وهي طفلة صغيرة، وتعمد مضاجعتها أو جلدها وضربها على مسمع من جيرانه، وإشاعة أفعاله معها للجميع، ليثير حنق أهل القرية ويدفعهم للفتك به، وأرسل للوالي يستغيث من اضطهاد المسلمين له، رغم تحذيرات أقربائه، حتى قس الكنيسة تبرأ منه، لمعرفته بنواياه في إثارة فتنة طائفية. ولم يتعاط الوالي إسماعيل مع أحداث العنف في القرية بوصفها حتى حدثاً طائفياً، بل اعتبرها محاولة سياسية لزعزعة حكمه الوليد، فقرر قمع الجميع بكل عنف.

الرواية ذات طابع ملحمي واضح، وقد قسمها الروائي إلى أربعة فصول؛ كل فصل منها يتكون من عدة لوحات سردية، وكل لوحة تحمل اسم شخصية ويأتي الحكي على لسانها، راويةً حكايتها ورؤيتها لجانب من الأحداث، وكل شخصية تسلم راية الحكاية لمن يليها، كي يكمل مسار السرد. وبناء السرد وفقاً لشخصيات الرواية يذكرنا برواية «حديث الصباح والمساء» لنجيب محفوظ، إذ يتشابه الشكل البنائي للروايتين، وإن كان تتابع الشخصيات لدى الشريف يأتي وفق المنطق الدرامي، ولم يتبع النهج الألفبائي الذي اختاره أديب نوبل.

الفصل الأول «الغارة»، يروي بدايات ما ظنه الوالي ورجاله تمرداً سياسياً، لكنه في الحقيقة لم يكن له علاقة بالحاكم وسياساته، بل مجرد صراعات قبلية على المكانة الاجتماعية بين أهل القرية وخرجت عن السيطرة. الفصل الثاني «الخراب» يصور قمع السلطة للقرية وأهلها، فقد تحولت إلى أطلال، وكانت الأشلاء في كل مكان، حتى أن النيل تضمخ باللون الأحمر من فرط الدماء، وسط هذه المأساة يتمكن قلة من أهل القرية من الفرار إلى الجبال والاختباء في كهوفها، ومجموعة أخرى من النساء والأطفال تختبئ في قبو الكنيسة.

الفصل الثالث «التيه»، يروي حكاية من تبقى في القرية ممن نجوا من المذبحة، وقد حكم عليهم الوالي بالنفي إلى دمياط، أقصى شمال مصر، إمعاناً في الانتقام منهم، ولتظل خراباً شاهداً على قوة السلطة وقمعها لكل من يفكر في أن يرفع رأسه في مواجهة الحاكم ولو بالخطأ. هذا النفي لبلد بعيد، يشبه تغريبة بني هلال، ويتناص بشكل واضح مع هذا الجزء من الحكاية الشعبية. أما الفصل الرابع «العودة»، فيروي بدايات عودة المشردين في الجبال والمنفيين إلى القرية ومحاولة تأسيسها من جديد.

يتبدى في الرواية، وفي بنيتها العميقة وخطابها المضمر، محاولة سردية لتشريح الصراعات الخفية داخل المجتمعات القبلية، حتى داخل العائلة الواحدة، رغم ما يبدو على السطح من تناغم، لكن في العمق تكمن صراعات خفية على السلطة، وعلى المكانة الاجتماعية داخل القرية، ولو بين الأشقاء، أو بين كبير العائلة وابن شقيقه النابغ، ورغبته في توريث سلطته لابنه هو رغم تدني قدرته واندفاعه الأرعن، ويخشى على مكانته هو وابنه من ذكاء وحكمة ابن شقيقه. من جانب آخر تفكك الرواية ما يبدو أنه صراعات دينية، موضحاً أنها صراعات على السلطة والمكانة أيضاً، فالمسيحي الذي فجّر الأحداث وأشعل النيران كلها، لم يكن يكره المسلمين، بل كان يكره كل أهل القرية، مسلمين ومسيحيين، حتى أنه كان يمقت قس الكنيسة، وكان راغباً في الانتقام من الجميع، رغم محاولات القس إثناءه عن أفعاله الشريرة.

إلى جانب تشريح بنية المجتمع القبلي، تنزع الرواية إلى تفكيك عقل السلطة، وبنية خطابها، وكيفية تفكير من يجلس في مقعد الحكم، سواء كانت السلطة الأعلى ممثلة في الوالي إسماعيل، أو سلطة دنيا مثل عمدة القرية المجاورة لقرية «قاو»، فرغم الفارق الشاسع في حجم سلطة كل منهما، فإن ثمة رابطاً بنيوياً يوحد بينهما، ويلغي الفروق بين الوالي والعمدة، إذ يفكر كلاهما بالمنطق ذاته. يقول الوالي إسماعيل: «تعلمت أنه ليس مهما أن يحبك الناس، بل دعهم يخافون منك، ولا تهتم بهم من الأساس، حتى إن أبديت لهم غير ذلك». في حين يقول العمدة عبد العال العقيلي: «لا أهتم بمحبة الناس، حتى أولادي لا أشعر أنهم يحبونني، وذلك ليس مهماً، وما داموا يطيعونني ويتبعونني، فلن أشق قلوبهم لأعرف ما بها، حتى لو تمنوا موتي، لن أهتم، ما دام الواحد منهم يقف بين يدي لا يستطيع أن يضع عينه في عيني».

رغم التفاوت الكبير في حجم السلطتين، فإنهما ينطلقان من رؤية واحدة للعالم، وللحكم، وللمحكومين، وحتى لأقرب الناس إليهما. إنهما أبناء العقل ذاته، عقل السلطة، الذي لا يمنح اهتماماً للحب، في مقابل اهتمامه بالبطش والقمع، وبترهيب المحكومين، فهذا ما يرسخ الحكم ويقويه، خنوع المحكوم للحاكم، وليس حبه له، ولا إيمانه بجدارته واقتناعه به، فهذا العقل يعتنق فلسفة الخوف والرعب، حتى أن البناء اللغوي في الفقرتين يبدو متشابهاً حد التوحد، إذ إن هذه اللغة لا تصدر من شخصيتين مختلفتي المكانة والثقافة والمرجعيات النفسية والاجتماعية، بل تصدر عن عقل واحد حاكم لكليهما، هو عقل السلطة وكرسي الحكم.

ثمة شخصيات لامعة على مدار الرواية، خصوصاً النسائية، ومنها «شمعة»، المسيحية التي تنقذ الأطفال، مسلمين ومسيحيين، وتخرج بهم من المخبأ في الكنيسة، عقب انتهاء التجريدة، لتعيد بناء القرية وإعمارها، فتبدو نسخة جديدة من إيزيس، لكنها لا تعيد جميع أشلاء شخص أو حبيب، بل تعيد القرية إلى الحياة.