في بيت منصور الرحباني... غاب «الأستاذ» وبقي العطر والشِّعر والقلم

أسامة الرحباني لـ«الشرق الأوسط»: إذا تحوَّل المنزل متحفاً فلا أمانع البقاء فيه

«الشرق الأوسط» تزور بيت منصور الرحباني في مئويّته الأولى (الشرق الأوسط)
«الشرق الأوسط» تزور بيت منصور الرحباني في مئويّته الأولى (الشرق الأوسط)
TT

في بيت منصور الرحباني... غاب «الأستاذ» وبقي العطر والشِّعر والقلم

«الشرق الأوسط» تزور بيت منصور الرحباني في مئويّته الأولى (الشرق الأوسط)
«الشرق الأوسط» تزور بيت منصور الرحباني في مئويّته الأولى (الشرق الأوسط)

العابرون في شوارع أنطلياس وأزقَّتها سيشعرون حتماً بعبَقٍ خاص، وسيلمسون أثراً ما خلَّفَه عبقريَّا البلدة اللبنانية الساحلية، الأخوان عاصي ومنصور الرحباني. ولمَن فاتَه العبق، ثمّة لافتة على الرصيف الرئيسي تُذكّر المارّة بأنّهم يعبرون في «شارع الأخوين رحباني».

تغيّرت البلدة. ما عادت كما تركها عاصي في 1986، ومنصور في 2009. استوطنت المباني والمحال بساتينَ الليمون، واكتظَّت الساحة بما لا يشبه أغاني الأخوين. وحدَه بيت «الأستاذ» بقي على حاله؛ هكذا ينادي أهل البلدة «جار الرضا» منصور الرحباني.

منزل منصور الرحباني في بلدة أنطلياس اللبنانية (الشرق الأوسط)

داخل صندوق الذكريات

خلف تلك الشبابيك الخشبيّة الحمراء، أمضى «الأستاذ» عمراً. خلال سنواته الأخيرة، اخترعَ لنفسه سكوناً يَقيه ضوضاء المدينة. إنه سكونٌ مصنوعٌ من حبرٍ وورقٍ وكتب، وألحانِ ما تبقَّى من عصافيرَ وشجر.

يوم أسلمَ منصور الرحباني الروح، سلَّم مفتاح البيت لابنه الأصغر أسامة، الذي فتح صندوق الذكريات لـ«الشرق الأوسط».

«عندما ذهبنا، شقيقي وأنا، لنستكشف قلعة بيبلوس الأثريّة بغية عرض أعمالنا هناك، حذّرنا أبي من إيقاظ الحجارة النائمة منذ 4 آلاف عام»، يخبر أسامة عن والده الذي كان حريصاً على عدم العبث بالإرث والمسّ بالتاريخ. «وهكذا أنا»، يتابع أسامة: «تركتُ كل شيءٍ كما كان قبل رحيله».

الكرسي الهزّاز الذي أحبّ منصور الرحباني الجلوس عليه (الشرق الأوسط)

من مخطوطات شِعره إلى خصلةِ شَعره

وكأنّ الزمن توقّف في بيت منصور الرحباني، وهذا القِدَم ينثر سِحراً في الزوايا. ها هو الكرسي الهزّاز الذي كان يحلو له الجلوس عليه. وهنا البيانو الذي مرّت عليه أصابعه، لم يبارح مكانه. وحدَها الموسيقى تبثّ الروح هنا، وتُعيد الحياة إلى ما بَهُتَ من ألوان بفعل مرور السنوات. يذكر الابن أباه وهو يتلقّى متأخّراً تقنيات العزف على البيانو، من الأستاذ ذاته الذي كان يأتي ليدرّس الأولاد: مروان، وغدي، وأسامة.

أسامة الرحباني عازفاً على البيانو ذاته الذي مرت عليه أصابع والده منصور (الشرق الأوسط)

لا يمرّ يومٌ من دون أن يجلس أسامة إلى هذا البيانو العتيق الذي شهد ولادة عددٍ كبير من روائع الرحابنة. يهجس حالياً بديوانِ أبيه «أسافر وحدي ملكاً»، وهو يعمل على تحويله إلى عرضٍ موسيقي ضخم، يتّخذ شكل «أوراتوريو»، وذلك تتويجاً لمئويّة ولادة منصور الرحباني هذا العام.

وللمناسبة ذاتها، ينتقل عددٌ من مقتنيات الرحباني إلى جناحٍ خاص يُقام ضمن «معرض أنطلياس للكتاب»، ما بين 6 و16 مارس (آذار). سيُتاح لقاصدي المعرض أن يعاينوا عن قُرب مخطوطات الشاعر والمؤلّف الموسيقي والمسرحي، من أبياتٍ ونوتات كتبها بخطّ يده، إضافة إلى أغراض أخرى، مثل: آلاته الموسيقية، وكتبِه، وأقلامه، وقبّعاته، وعصاه، وحتى خصلة من شعره. على أن يُختتم المعرض عشيّة ذكرى ميلاد الرحباني في 17 مارس، بمحاضرة عن إرثه، وبحفلٍ موسيقي صغير.

آلات البزق الخاصة بمنصور الرحباني ومخطوطات شعره بخطّ يده (الشرق الأوسط)

من بيتٍ إلى متحف

لا يستبعد أسامة -هو الذي يحرس الذاكرة كما لو كان يخدم في معبد- أن يتحوّل البيت إلى متحف. يؤكّد أنّ «المشروع وارد، إلا أنّ المسؤولية تقع على عاتق بلديّة أنطلياس أوّلاً، ووزارة الثقافة ثانياً». يضيف: «إذا جاء هذا اليوم، فلن أمانع أن أبقى مقيماً في المنزل– المتحف»، لئلّا يفقد بيت العائلة نبضَه ودفأه.

جزء من إحدى مكتبات منصور الرحباني في منزله (الشرق الأوسط)

كل ما في المكان يجعل منه متحفاً، بدءاً بالمكتبة التي تتدفّق منها الكتب لتصل السقفَ بالأرض؛ «كان منصور يمضي معظم يومه منشغلاً بالكتابة والقراءة. أحبّ القراءات التاريخيّة والفلسفيّة والدينيّة والسياسيّة والشعريّة»، يقول أسامة. ثم يلتفت إلى اللوحات التي تمتلئ بها كل جدران البيت، من رواق المدخل، مروراً بغرفة الجلوس وقاعة الطعام، وصولاً إلى مكتب منصور. «تعاملَ مع الرسم واللوحات كما لو أنها ثروة. اختارها بنفسه، وقد شهدتُ مرَّاتٍ دفع فيها مبالغ كبيرة مقابل لوحة».

كان الرحباني عاشقاً للرسم واللوحات وقد اقتنى منها عشرات (الشرق الأوسط)

من الفنّ أتى منصور وإلى الفنّ عاد. ملكَ بيانو، وكتباً، ولوحاتٍ ثمينة؛ لكنه -للمفارقة- لم يملك منزلاً ولا حتى قطعة أرض. «تصوّري أنّ الأخوَين رحباني اللذَين صنعا مجد الأرض اللبنانية في أغانيهما ومسرحياتهما وأفلامهما، رحلا عن هذه الدنيا من دون أن يملكا شبرَ أرض»، يقول أسامة. «حتى هذا البيت إيجار وليس مُلكاً».

جانب من غرفة الجلوس في منزل منصور الرحباني (الشرق الأوسط)

ما سرّ القبّعة؟

كان إذا انتهى منصور الرحباني من جلسته على الشرفة أو من محطّته في الكرسي الهزّاز، انتقل إلى مكتبه، وهو المكان الذي أمضى فيه معظم وقته. هنا أيضاً بقي كل شيءٍ على ما كان عليه قبل الرحيل. يستريح البزق على الأريكة الزرقاء. ربطَته بتلك الآلة الموسيقية علاقة خاصة؛ ولا سيما أنها كانت تذكّره بأبيه حنا، وبعدَه بشقيقه عاصي. صورتُهما معاً تظلّل طاولة المكتب، ونصوص مسرحياتهما ونوتات أغانيهما كما خطّها قلم منصور، شاهدة على سنواتٍ من ذهب.

في معظم صورهما، يظهر الأخوان معتمرَين القبّعة. «ما قصة القبّعة؟»، أسأل أسامة. «اشتريا معطفَين في أحد الأيام ليعثرا في جَيب كلٍّ منهما على قبّعة، ومنذ ذلك الحين اعتمداها فصارت جزءاً أساسياً من إطلالتهما».

كانت القبّعة جزءاً لا يتجزأ من إطلالة الأخوين عاصي ومنصور الرحباني (الشرق الأوسط)

عطر الزعتر وصوت المطر

تختبئ في الدُّرج نصوصٌ لم تُنشَر لمنصور الرحباني. ينبشها أسامة، يعيد قراءتها ولا يستطيع أن يقاوم الغصّة. ثم ينظر إلى زاوية فيها هواتف والده القديمة ويضحك: «كان يستصعب التعامل مع الهواتف الخلويّة، ويتذمّر من صِغَر حجمها». أما الكومبيوتر فلم يستعِن به يوماً، مفضّلاً الأوراق والأقلام. نضبَ الحبر منها؛ لكنها ما زالت هنا، تشهد لما أنتجَت من مسرحيات؛ «هذه هي الأقلام التي كتب بها مسرحيّتَي (ملوك الطوائف) و(جبران والنبي)».

أقلام منصور الرحباني وهواتفه (الشرق الأوسط)

فضَّل منصور الرحباني الأقلام على الأوسمة. تشهدُ على ذلك زاوية صغيرة في البيت خُصصت للنياشين. لم يكن التكريم يعني له الكثير. آثرَ رحلات الصيد مع الأصدقاء والأولاد والأحفاد، وهي كانت تذكّره بطفولته وشبابه مع عاصي. أما من العطور فأحبّ ما هو منبثقٌ من الطبيعة، كالزعتر والقصعين.

قوارير عطور منصور الرحباني وفرشاة شَعره (الشرق الأوسط)

من بين الأغراض كلّها، صارت العصا وعلبة الدواء رفيقة السنوات الأخيرة. «في مرحلة النهايات، ما عاد يحبّ العتمة، وصار ينتظر بزوغ الضوء»، يروي أسامة الرحباني. يتذكّره جالساً خلف باب المكتب يصغي إلى ما يتسرّب من نغمات البيانو، ولا يتأفف يوماً من الموسيقى المتواصلة.

بعد ثمانينه، تخفّفَ منصور الرحباني كثيراً من كل ما هو مادّيّ. وصار إيقاعه المفضّل صوتَ المطر المنهمر على سقف البيت العتيق فوق تلّة أنطلياس.


مقالات ذات صلة

يوميات الشرق حكاية إنسانية تعود بعد قرن (شاترستوك)

إهداء من فيرجينيا وولف لطبّاختها يظهر في مزاد

من المقرَّر عرض نسخة موقَّعة ومكتوب عليها إهداء من الطبعة الأولى لرواية «أورلاندو» لفيرجينيا وولف، التي أهدتها إلى طبّاختها ومديرة منزلها نيلي بوكسال، للبيع.

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون المقدسي وليد الخالدي «حافظ الذاكرة الفلسطينية» يسلم الروح في كامبريدج

المقدسي وليد الخالدي «حافظ الذاكرة الفلسطينية» يسلم الروح في كامبريدج

لوليد الخالدي صوت مسموع في الأكاديمية الأميركية لأنه كتب بالإنجليزية بالبلاغة والسلاسة نفسها التي كتب بها بالعربية.

سوسن الأبطح (بيروت)
يوميات الشرق الكاتبة والباحثة سلمى مرشاق سليم (وسائل التواصل)

سلمى مرشاق رحلت بعد 5 سنوات من نكبة عمرها

في جوهر عملها، كانت الكاتبة والباحثة سلمى مرشاق سليم تسعى أيضاً إلى اكتشاف ذاتها وجذورها العائلية.

سوسن الأبطح (بيروت)
يوميات الشرق الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

عمر البدوي (الرياض)

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
TT

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)

لقيت امرأة تبلغ 58 عاماً حتفها بعدما هاجمها دبّ في جنوب شرقي بولندا، اليوم الخميس، حسب ما صرح المسؤول الإعلامي في مركز إدارة الإطفاء الحكومية في سانوك لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضح بافل غيبا أن بلاغاً ورد إلى إدارة الإطفاء «أشار إلى مهاجمة دب امرأة في قرية بلونا».

وقد قدم البلاغ ابن المرأة. وأُرسلت ثلاث فرق إغاثة وشرطة إلى مكان الحادث، لكنهم «لم يقدموا الإسعافات الأولية نظراً لخطورة إصابات المرأة». وتأخر وصولهم بسبب «وعورة التضاريس وعدم توافر معلومات دقيقة عن الموقع». وعند وصولهم أعلن المسعفون وفاة المرأة في مكان الحادث، وفق بافل.

يبلغ عدد الدببة البنية في بولندا نحو 100 دب، 80 في المائة منها في منطقة بيشتشادي الجبلية حيث وقع الهجوم الخميس، وفقاً لبيانات الحكومة البولندية لعام 2024.

لكن تبقى الهجمات المميتة قليلة جداً إذ يعود آخرها إلى عام 2014، حسب وسائل إعلام محلية.


«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
TT

«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)

رصد «مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة»، في دورته العاشرة، صورة المرأة في السينما العربية. كما احتفى، ضمن الكتاب الصادر بهذه المناسبة بعنوان «عدسة ومرآة»، بتألق صانعات السينما في السعودية، في مجالات متعددة تشمل الإخراج، والتمثيل، وكتابة السيناريو.

وأبرز الكتاب السنوي الصادر عن المهرجان، ضمن تقرير «صورة المرأة في السينما العربية»، من إعداد الناقدة الفنية المصرية أمنية عادل، أدوارَ عدد من صانعات السينما السعوديات، عبر دراسة للناقدة السعودية نور هشام السيف. وقدّمت الدراسة رؤية بانورامية تُفكِّك الإنتاج السينمائي السعودي لعام 2025، سواء من خلال أفلام لمخرجات مثل «هجرة» للمخرجة شهد أمين، و«المجهولة» للمخرجة هيفاء المنصور، أو عبر أدوار البطولة النسائية في أفلام مثل «مسألة حياة أو موت» للمخرج أنس باطهف، و«جرس إنذار 2» للمخرج عبد الله بامجبور.

ويطرح التقرير تساؤلات حول طبيعة الأدوار التي تؤديها النساء في صناعة السينما السعودية، مشيراً إلى تباين القيم السينمائية بين الأصالة والتجريب.

ولفت التقرير إلى أن السينما السعودية، منذ نشأتها وحتى السنوات الأخيرة، بعد أن استعادت الصناعة عافيتها، وأصبحت قائمة بذاتها، شهدت بروز عدد من الأسماء المهمة لصانعات الأفلام، من بينهن هيفاء المنصور، ووعد كامل، وهناء العمير، وضياء يوسف، وهند الفهاد، وغيرهن. كما تطرّق إلى البدايات الأولى التي اتسمت بمحاولات إنتاجية متواضعة، وصولاً إلى ما تقدّمه الأصوات النسائية الجديدة اليوم، مدعومة بمؤسسات متعددة، وحاصدة احتفاءً محلياً ودولياً، إلى جانب ترسيخ حضور الفنانة السعودية عبر مشاركاتها في الفعاليات، والمهرجانات العالمية.

فيلم «هجرة» يعرض ضمن «مهرجان أسوان» (إدارة المهرجان)

وتناول التقرير تجربة المخرجة السعودية هيفاء المنصور، منذ انطلاقتها بفيلم «وجدة» (2012)، مروراً بفيلم «المرشحة المثالية» (2019)، ووصولاً إلى فيلم «المجهولة» (2025) الذي ينتمي إلى السرد البوليسي. كما توقّف عند تجربة الفيلم الروائي الطويل الثاني للمخرجة والكاتبة السعودية شهد أمين «هجرة»، والمعروض ضمن فعاليات «مهرجان أسوان»، موضحاً أن الفيلم، الذي يتناول رحلة حج ضمن دائرة نسائية تقودها الجدة «ستي»، يمثّل مفترق طرق في السينما السعودية، من خلال صورة بصرية متقنة، وفرق إنتاج محترفة، وتوظيف تقنيات على مستوى عالمي.

وفيما يخص فيلم «مسألة حياة أو موت»، الذي عُرض في الدورة الماضية من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي»، أشار التقرير إلى أنه ينتمي إلى الكوميديا الرومانسية ذات الطابع السوداوي الفانتازي، وهو من إخراج أنس باطهف، وتأليف وبطولة سارة طيبة، والتي برز اسمها خلال السنوات الأخيرة بوصفها كاتبة وممثلة سعودية.

كما يأتي فيلم «جرس إنذار 2 – الحفرة» بوصفه دراما تشويقية مدرسية موجّهة إلى فئة الشباب، من إخراج عبد الله بامجبور، وسيناريو مريم الهاجري، وهيفاء السيد. وقد سبق للهاجري العمل في الدراما التلفزيونية الخليجية، ما يعكس توجّهاً نحو إضفاء حسّ أنثوي على العمل، مع الحفاظ على إيقاع يتناسب مع جمهور المنصة التي يُعرض عليها الفيلم.

وشهد المهرجان، في دورته العاشرة، مشاركة 65 فيلماً من 34 دولة، إلى جانب تنظيم عدد من الفعاليات التي ناقشت صناعة الأفلام، وعلاقة الفن بقضايا المجتمع، لا سيما قضايا المرأة. كما كرّم المهرجان عدداً من نجمات الفن والعمل العام.


إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
TT

إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)

قالت المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا إن فيلمها «الضائعة» يقوم على فكرة مواجهة الماضي والتصالح مع ما نحاول الهروب منه طويلاً، موضحة أن القصة تتبع عالِمة نفس جنائي تعيش في الولايات المتحدة، تضطر إلى العودة إلى بلدها بلغاريا بعد أن ترث أباً لم تكن تعرفه من قبل.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن البطلة تجد نفسها أمام مسؤولية غير متوقعة؛ إذ يتعين عليها الإشراف على دفن جثمان الأب الذي تُرك متحللاً لأشهر في إحدى المشارح، ولا تستطيع الدولة دفنه من دون توقيعها بصفتها الوريثة الوحيدة؛ وهو ما يشكل الحدث المفجر لمسار الحكاية.

وأوضحت بيتروفا أن الفيلم يدور في إطار زمني ضيق نسبياً؛ إذ تمتد أحداثه على مدار أسبوع واحد فقط، ما يجعل مساحة التغيير الظاهر في شخصية البطلة محدودة، لكنها ترى أن ما يحدث خلال هذا الأسبوع يترك أثراً عميقاً في حياتها، فالتحول الحقيقي في الشخصية قد لا يبدو كبيراً خلال هذا الزمن القصير، لكن إذا التقى بها المشاهد بعد سنوات فسيكتشف أنها أصبحت شخصاً مختلفاً تماماً نتيجة ما مرت به خلال تلك الأيام.

وعن تجربتها في كتابة هذا النوع من القصص، قالت إن نقطة البداية غالباً ما تكون إحساساً شخصياً عميقاً أو حالة صدمة تسعى إلى فهمها أو معالجتها داخلياً؛ لذا الرابط الشخصي بالنسبة لها عنصر أساسي في أي مشروع سينمائي تعمل عليه، وهو ارتباط لا يعني بالضرورة أن تكون القصة سيرة ذاتية، بل يتعلق أكثر بالطابع الإنساني العام وبالسؤال الداخلي الذي لا يمنحها السلام ويدفعها إلى البحث عنه من خلال صناعة فيلم.

المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا (الشركة المنتجة للفيلم)

وأضافت أن عملية الكتابة تبدأ عادةً من هذا الشعور الغامض أو اللغز الذي يصعب تفسيره، ثم تتحول تدريجياً إلى مرحلة بحث أعمق لفهم العالم الذي تدور فيه القصة وتحديد الإطار الواقعي الذي يمكن أن تتحرك داخله الشخصيات، فالبحث لا يقتصر على المعلومات أو التفاصيل الواقعية فحسب، بل يمتد أيضاً إلى الجانب النفسي والعاطفي للشخصيات حتى تبدو حقيقية وقادرة على التواصل مع الجمهور.

وفيما يتعلق بفيلم «الضائعة» تحديداً، أشارت إلى أنها أمضت وقتاً طويلاً في زيارة مجموعات علاج الإدمان، مثل المجموعات التي تعمل وفق برنامج «الاثنتي عشر خطوة» للتعافي، موضحة أنها حضرت اجتماعات مختلفة ضمت رجالاً ونساءً ومجموعات مختلطة، واستمعت إلى عدد كبير من القصص الشخصية التي ترتبط بشكل غير مباشر بالموضوع الذي كانت ترغب في الكتابة عنه.

وقالت إيزابيلا بيتروفا إن هذه الزيارات شكلت جزءاً مهماً من البحث العاطفي والنفسي الذي احتاجت إليه من أجل بناء شخصية صادقة وحقيقية، مؤكدة أنها كانت تسعى إلى رسم شخصية تمتلك عمقاً إنسانياً وتعبّر عن مشاعرها بطريقة طبيعية، من دون الوقوع في فخ الشرح المباشر أو التحليل النفسي المبالغ فيه.

وأضافت أن ما جذبها في تلك المجموعات هو طبيعة المساحة الإنسانية التي توفرها؛ إذ يقوم هذا النوع من الاجتماعات على مشاركة التجارب الشخصية من موقع هش وصادق للغاية، وهو ما يُعرف أحياناً بـ«الصدق الجذري»، وهذا النوع من الصراحة نادر في الحياة اليومية؛ لأن الناس في العادة لا يتواصلون بهذه الدرجة من الانكشاف أو الصدق، لذلك كانت هذه التجربة بالنسبة لها فرصة نادرة للاستماع إلى قصص حقيقية لا تتاح عادة في السياقات الاجتماعية التقليدية.

عملت المخرجة على الجوانب النفسية خلال التحضير للفيلم (الشركة المنتجة للفيلم)

وأكدت بيتروفا أن الاستماع إلى تلك القصص ساعدها على فهم أعمق لفكرة الهروب من الماضي ومحاولة مواجهته، وهي الفكرة التي تشكل العمود الفقري لفيلمها، فكثير من الأشخاص الذين التقتهم كانوا يتحدثون عن تجارب معقدة تتعلق بالعائلة والندم والبحث عن الغفران، وهي موضوعات تتقاطع بشكل مباشر مع رحلة البطلة في الفيلم.

وعدَّت أن هدفها من هذا البحث لم يكن نقل تلك القصص حرفياً إلى السيناريو، بل محاولة فهم الحالة الإنسانية التي تقف خلفها، وكيف يمكن ترجمة تلك المشاعر إلى لغة سينمائية قادرة على التعبير عن التوتر الداخلي للشخصية، انطلاقاً من حرصها على أن تبقى القصة مفتوحة على التأويل، بحيث يشعر المشاهد أنه يشارك في اكتشاف الشخصية وفهمها بدلاً من تلقي تفسير جاهز لكل ما يحدث.

وعن مشاركتها في مهرجان «برلين السينمائي»، قالت إن عرض الفيلم ضمن قسم «المنتدى» يمثل بالنسبة لها فرصة مهمة لمشاركة العمل مع جمهور دولي متنوع؛ لأن هذا النوع من المهرجانات يتيح مساحة للحوار حول الأفلام التي تتناول قضايا إنسانية معقدة، كما يمنح صناعها فرصة لسماع ردود فعل مختلفة قد تسهم في قراءة العمل من زوايا جديدة.