في بيت منصور الرحباني... غاب «الأستاذ» وبقي العطر والشِّعر والقلم

أسامة الرحباني لـ«الشرق الأوسط»: إذا تحوَّل المنزل متحفاً فلا أمانع البقاء فيه

«الشرق الأوسط» تزور بيت منصور الرحباني في مئويّته الأولى (الشرق الأوسط)
«الشرق الأوسط» تزور بيت منصور الرحباني في مئويّته الأولى (الشرق الأوسط)
TT

في بيت منصور الرحباني... غاب «الأستاذ» وبقي العطر والشِّعر والقلم

«الشرق الأوسط» تزور بيت منصور الرحباني في مئويّته الأولى (الشرق الأوسط)
«الشرق الأوسط» تزور بيت منصور الرحباني في مئويّته الأولى (الشرق الأوسط)

العابرون في شوارع أنطلياس وأزقَّتها سيشعرون حتماً بعبَقٍ خاص، وسيلمسون أثراً ما خلَّفَه عبقريَّا البلدة اللبنانية الساحلية، الأخوان عاصي ومنصور الرحباني. ولمَن فاتَه العبق، ثمّة لافتة على الرصيف الرئيسي تُذكّر المارّة بأنّهم يعبرون في «شارع الأخوين رحباني».

تغيّرت البلدة. ما عادت كما تركها عاصي في 1986، ومنصور في 2009. استوطنت المباني والمحال بساتينَ الليمون، واكتظَّت الساحة بما لا يشبه أغاني الأخوين. وحدَه بيت «الأستاذ» بقي على حاله؛ هكذا ينادي أهل البلدة «جار الرضا» منصور الرحباني.

منزل منصور الرحباني في بلدة أنطلياس اللبنانية (الشرق الأوسط)

داخل صندوق الذكريات

خلف تلك الشبابيك الخشبيّة الحمراء، أمضى «الأستاذ» عمراً. خلال سنواته الأخيرة، اخترعَ لنفسه سكوناً يَقيه ضوضاء المدينة. إنه سكونٌ مصنوعٌ من حبرٍ وورقٍ وكتب، وألحانِ ما تبقَّى من عصافيرَ وشجر.

يوم أسلمَ منصور الرحباني الروح، سلَّم مفتاح البيت لابنه الأصغر أسامة، الذي فتح صندوق الذكريات لـ«الشرق الأوسط».

«عندما ذهبنا، شقيقي وأنا، لنستكشف قلعة بيبلوس الأثريّة بغية عرض أعمالنا هناك، حذّرنا أبي من إيقاظ الحجارة النائمة منذ 4 آلاف عام»، يخبر أسامة عن والده الذي كان حريصاً على عدم العبث بالإرث والمسّ بالتاريخ. «وهكذا أنا»، يتابع أسامة: «تركتُ كل شيءٍ كما كان قبل رحيله».

الكرسي الهزّاز الذي أحبّ منصور الرحباني الجلوس عليه (الشرق الأوسط)

من مخطوطات شِعره إلى خصلةِ شَعره

وكأنّ الزمن توقّف في بيت منصور الرحباني، وهذا القِدَم ينثر سِحراً في الزوايا. ها هو الكرسي الهزّاز الذي كان يحلو له الجلوس عليه. وهنا البيانو الذي مرّت عليه أصابعه، لم يبارح مكانه. وحدَها الموسيقى تبثّ الروح هنا، وتُعيد الحياة إلى ما بَهُتَ من ألوان بفعل مرور السنوات. يذكر الابن أباه وهو يتلقّى متأخّراً تقنيات العزف على البيانو، من الأستاذ ذاته الذي كان يأتي ليدرّس الأولاد: مروان، وغدي، وأسامة.

أسامة الرحباني عازفاً على البيانو ذاته الذي مرت عليه أصابع والده منصور (الشرق الأوسط)

لا يمرّ يومٌ من دون أن يجلس أسامة إلى هذا البيانو العتيق الذي شهد ولادة عددٍ كبير من روائع الرحابنة. يهجس حالياً بديوانِ أبيه «أسافر وحدي ملكاً»، وهو يعمل على تحويله إلى عرضٍ موسيقي ضخم، يتّخذ شكل «أوراتوريو»، وذلك تتويجاً لمئويّة ولادة منصور الرحباني هذا العام.

وللمناسبة ذاتها، ينتقل عددٌ من مقتنيات الرحباني إلى جناحٍ خاص يُقام ضمن «معرض أنطلياس للكتاب»، ما بين 6 و16 مارس (آذار). سيُتاح لقاصدي المعرض أن يعاينوا عن قُرب مخطوطات الشاعر والمؤلّف الموسيقي والمسرحي، من أبياتٍ ونوتات كتبها بخطّ يده، إضافة إلى أغراض أخرى، مثل: آلاته الموسيقية، وكتبِه، وأقلامه، وقبّعاته، وعصاه، وحتى خصلة من شعره. على أن يُختتم المعرض عشيّة ذكرى ميلاد الرحباني في 17 مارس، بمحاضرة عن إرثه، وبحفلٍ موسيقي صغير.

آلات البزق الخاصة بمنصور الرحباني ومخطوطات شعره بخطّ يده (الشرق الأوسط)

من بيتٍ إلى متحف

لا يستبعد أسامة -هو الذي يحرس الذاكرة كما لو كان يخدم في معبد- أن يتحوّل البيت إلى متحف. يؤكّد أنّ «المشروع وارد، إلا أنّ المسؤولية تقع على عاتق بلديّة أنطلياس أوّلاً، ووزارة الثقافة ثانياً». يضيف: «إذا جاء هذا اليوم، فلن أمانع أن أبقى مقيماً في المنزل– المتحف»، لئلّا يفقد بيت العائلة نبضَه ودفأه.

جزء من إحدى مكتبات منصور الرحباني في منزله (الشرق الأوسط)

كل ما في المكان يجعل منه متحفاً، بدءاً بالمكتبة التي تتدفّق منها الكتب لتصل السقفَ بالأرض؛ «كان منصور يمضي معظم يومه منشغلاً بالكتابة والقراءة. أحبّ القراءات التاريخيّة والفلسفيّة والدينيّة والسياسيّة والشعريّة»، يقول أسامة. ثم يلتفت إلى اللوحات التي تمتلئ بها كل جدران البيت، من رواق المدخل، مروراً بغرفة الجلوس وقاعة الطعام، وصولاً إلى مكتب منصور. «تعاملَ مع الرسم واللوحات كما لو أنها ثروة. اختارها بنفسه، وقد شهدتُ مرَّاتٍ دفع فيها مبالغ كبيرة مقابل لوحة».

كان الرحباني عاشقاً للرسم واللوحات وقد اقتنى منها عشرات (الشرق الأوسط)

من الفنّ أتى منصور وإلى الفنّ عاد. ملكَ بيانو، وكتباً، ولوحاتٍ ثمينة؛ لكنه -للمفارقة- لم يملك منزلاً ولا حتى قطعة أرض. «تصوّري أنّ الأخوَين رحباني اللذَين صنعا مجد الأرض اللبنانية في أغانيهما ومسرحياتهما وأفلامهما، رحلا عن هذه الدنيا من دون أن يملكا شبرَ أرض»، يقول أسامة. «حتى هذا البيت إيجار وليس مُلكاً».

جانب من غرفة الجلوس في منزل منصور الرحباني (الشرق الأوسط)

ما سرّ القبّعة؟

كان إذا انتهى منصور الرحباني من جلسته على الشرفة أو من محطّته في الكرسي الهزّاز، انتقل إلى مكتبه، وهو المكان الذي أمضى فيه معظم وقته. هنا أيضاً بقي كل شيءٍ على ما كان عليه قبل الرحيل. يستريح البزق على الأريكة الزرقاء. ربطَته بتلك الآلة الموسيقية علاقة خاصة؛ ولا سيما أنها كانت تذكّره بأبيه حنا، وبعدَه بشقيقه عاصي. صورتُهما معاً تظلّل طاولة المكتب، ونصوص مسرحياتهما ونوتات أغانيهما كما خطّها قلم منصور، شاهدة على سنواتٍ من ذهب.

في معظم صورهما، يظهر الأخوان معتمرَين القبّعة. «ما قصة القبّعة؟»، أسأل أسامة. «اشتريا معطفَين في أحد الأيام ليعثرا في جَيب كلٍّ منهما على قبّعة، ومنذ ذلك الحين اعتمداها فصارت جزءاً أساسياً من إطلالتهما».

كانت القبّعة جزءاً لا يتجزأ من إطلالة الأخوين عاصي ومنصور الرحباني (الشرق الأوسط)

عطر الزعتر وصوت المطر

تختبئ في الدُّرج نصوصٌ لم تُنشَر لمنصور الرحباني. ينبشها أسامة، يعيد قراءتها ولا يستطيع أن يقاوم الغصّة. ثم ينظر إلى زاوية فيها هواتف والده القديمة ويضحك: «كان يستصعب التعامل مع الهواتف الخلويّة، ويتذمّر من صِغَر حجمها». أما الكومبيوتر فلم يستعِن به يوماً، مفضّلاً الأوراق والأقلام. نضبَ الحبر منها؛ لكنها ما زالت هنا، تشهد لما أنتجَت من مسرحيات؛ «هذه هي الأقلام التي كتب بها مسرحيّتَي (ملوك الطوائف) و(جبران والنبي)».

أقلام منصور الرحباني وهواتفه (الشرق الأوسط)

فضَّل منصور الرحباني الأقلام على الأوسمة. تشهدُ على ذلك زاوية صغيرة في البيت خُصصت للنياشين. لم يكن التكريم يعني له الكثير. آثرَ رحلات الصيد مع الأصدقاء والأولاد والأحفاد، وهي كانت تذكّره بطفولته وشبابه مع عاصي. أما من العطور فأحبّ ما هو منبثقٌ من الطبيعة، كالزعتر والقصعين.

قوارير عطور منصور الرحباني وفرشاة شَعره (الشرق الأوسط)

من بين الأغراض كلّها، صارت العصا وعلبة الدواء رفيقة السنوات الأخيرة. «في مرحلة النهايات، ما عاد يحبّ العتمة، وصار ينتظر بزوغ الضوء»، يروي أسامة الرحباني. يتذكّره جالساً خلف باب المكتب يصغي إلى ما يتسرّب من نغمات البيانو، ولا يتأفف يوماً من الموسيقى المتواصلة.

بعد ثمانينه، تخفّفَ منصور الرحباني كثيراً من كل ما هو مادّيّ. وصار إيقاعه المفضّل صوتَ المطر المنهمر على سقف البيت العتيق فوق تلّة أنطلياس.


مقالات ذات صلة

رحيل أحمد عبد الملك أحد رواد الحركة الإعلامية والروائية في قطر

ثقافة وفنون الإعلامي والروائي القطري الراحل د. أحمد عبد الملك

رحيل أحمد عبد الملك أحد رواد الحركة الإعلامية والروائية في قطر

ودّعت الأوساط الثقافية في قطر، ودول الخليج، يوم الأحد، الإعلامي والروائي القطري الدكتور أحمد عبد الملك، الذي وافته المنية بعد معاناة مع المرض عن (75 عاماً).

ميرزا الخويلدي (الدمام)
يوميات الشرق الوجه متروك عمداً في منطقة بين الظهور والانمحاء (الشرق الأوسط)

جان خليفة مُستعاداً في بيروت... كيف تطمئنّ اللوحة إلى شكلها الأخير؟

تتحوَّل اللوحات إلى «تمارين» على التقاط اللحظة، فتتوالى الارتدادات كما يتبدَّل الضوء خلال يوم واحد.

فاطمة عبد الله (بيروت)
ثقافة وفنون جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة (الشرق الأوسط)

جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة تُعلن قائمتها القصيرة

أعلنت جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة العربية، الاثنين، القائمة القصيرة للدورة الثامنة، التي تضم 5 مجموعات قصصية.

«الشرق الأوسط» (الكويت)
ثقافة وفنون الأديب والكاتب حسين علي حسين (الشرق الأوسط)

رحيل حسين علي حسين الأديب المسكون بالحزن والصمت

فقد المشهد الثقافي والإعلامي السعودي مع إطلالة العام الجديد واحداً من أبرز رواد القصة القصيرة، والصحافة، الأديب والكاتب المعروف، حسين علي حسين.

ميرزا الخويلدي (الدمام)
يوميات الشرق جانب من توقيع الاتفاق لتحويل رواية «القبيلة التي تضحك ليلاً» إلى فيلم (الشرق الأوسط)

السينما السعودية تمدّ جسورها إلى الأدب في معرض جدة للكتاب

لم يعد سؤال صنّاع السينما يدور حول عدد العناوين، بل حول أيّ الروايات تصلح لأن تُروى على الشاشة...

سعيد الأبيض (جدة)

«لا فابريك - المصنع»... منصة للإبداع الفني في الرياض

تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)
تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)
TT

«لا فابريك - المصنع»... منصة للإبداع الفني في الرياض

تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)
تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)

أطلق برنامج «الرياض آرت» بالشراكة مع المعهد الفرنسي في السعودية، مساء الأربعاء، «لا فابريك - المصنع»، وهي مساحة جديدة مخصّصة للإبداع الفني والتبادل الثقافي، وذلك في حي جاكس، ضمن إطار الشراكة الثقافية الممتدة بين البلدين، وتستمر حتى 14 فبراير (شباط) المقبل.

ويأتي إطلاق «لا فابريك - المصنع» بوصفها منصة إبداعية مفتوحة صُممت لتكون مختبراً حياً يتيح للفنانين تطوير أفكارهم واختبارها والعمل عليها ضمن بيئة تشاركية تجمع ممارسات فنية معاصرة متعددة، تشمل فنون الأداء، والفنون الرقمية والتفاعلية، والتصوير الفوتوغرافي، والموسيقى، والسينما، وأخرى تفاعلية.

يُمكِّن المختبر الفنانين من تطوير أفكارهم واختبارها والعمل عليها ضمن بيئة تشاركية (واس)

وتتيح المساحة للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية أثناء تشكّلها، والاطلاع على مسارات إنتاج الأعمال الفنية وتطوّرها عبر الزمن، بما يُعزّز حضور الفن في الفضاء العام، ويقرّبه من المجتمع.

من جهته، أكد باتريك ميزوناف، السفير الفرنسي لدى السعودية، أن «لا فابريك - المصنع» تجسّد مرحلة جديدة في مسار التعاون الثقافي بين البلدين، مشيراً إلى أن جمع الفنانين في فضاء إبداعي مشترك يفتح المجال لتبادل الخبرات وتلاقي الأفكار، وصناعة تعبيرات فنية معاصرة تعكس عمق الشراكة الثقافية، وتؤكد دور الفن بوصفه جسراً للتواصل وبناء الفهم المتبادل بين المجتمعات.

أكد السفير الفرنسي أن «لا فابريك - المصنع» تجسّد مرحلة جديدة في مسار التعاون الثقافي (واس)

بدوره، أوضح عمر البريك، مدير أول إدارة الفن العام في البرنامج التابع لـ«الهيئة الملكية لمدينة الرياض»، أن إطلاق «لا فابريك - المصنع» يمثل امتداداً لالتزامهم بدعم الممارسات الفنية المعاصرة، وتوسيع نطاق الوصول إلى مسارات التطوير الإبداعي، مبيناً أنه يوفّر منصة تعزّز العمل التشاركي، وتسهم في دعم المنظومة الثقافية بالعاصمة السعودية ومشهدها الإبداعي المتنامي.

إطلاق «لا فابريك - المصنع» يمثل امتداداً لالتزام البرنامج بدعم الممارسات الفنية المعاصرة (واس)

وتعد «لا فابريك - المصنع» منصة طويلة المدى تجمع الفنانين والمؤسسات والاستوديوهات الإبداعية من السعودية وفرنسا، عبر مشاريع فنية مشتركة وحوارات إبداعية تشمل الفنون البصرية، والصورة المتحركة، والإبداع الرقمي، بما يسهم في دعم تحوّل مدينة الرياض إلى وجهة ثقافية دولية، ويتوافق مع مستهدفات «رؤية المملكة 2030»، ويعزّز الروابط الثقافية بين البلدين.


«عند باب المسجد»... لوحة استشراقية تتوج مزاد «بونامز» المقبل

لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)
لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)
TT

«عند باب المسجد»... لوحة استشراقية تتوج مزاد «بونامز» المقبل

لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)
لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)

في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين شهدت بلاد الشرق توافداً من الفنانين الغربيين الذي تجولوا في المشرق العربي حاملين معهم أدواتهم لتسجيل تفاصيل ذلك العالم الجديد والمختلف بالنسبة إليهم، أخذوا من تلك التفاصيل وملامح الحياة في المدن وفي الصحراء مواد غنية للوحاتهم التي سمحت للشخص في الغرب برؤية ذلك العالم الغامض بالنسبة إليه. غير أن كثيراً من تلك اللوحات لجأت إلى الخيال في تفاصيل كثيرة، خصوصًا فيما يتعلق بعالم النساء، أو الحريم، كما ظهر في لوحات الفنانين العالميين وقتها.

تنتمي أعمال الفنان التركي عثمان حمدي بك إلى اللون الاستشراقي ولكن كانت لديه ميزة عن غيره من الفنانين الاستشراقيين وهي أنه كان يرسم تفاصيل عالمه الشرقي ولكن بالأسلوب الغربي الذي درسه في فرنسا واستلهمه من أهم الفنانين الاستشراقيين في بدايات القرن العشرين. تميزت لوحات حمدي بك بالأسلوب الهادئ الذي لا يبحث عن الإثارة عبر الخيال ولكنه اعتمد على مشاهد من الحياة حوله. وحمَّل لوحاته بالكثير من التفاصيل الجمالية للقصور والمساجد وأيضاً النساء، ولكن بأسلوب أكثر رقياً وأقل إثارةً عن لوحات الاستشراقيين. وكان حمدي بك من أوائل الفنانين العثمانيين الذين ربطوا بين عالمي الفن في تركيا وفرنسا، وقد عكست أعماله، في جوانب عديدة، المواضيع الاستشراقية التي لاقت رواجاً كبيراً في أوروبا آنذاك.

لوحة «عند باب المسجد» للفنان عثمان حمدي بك (بونامز)

عُرضت لوحات حمدي بك في أهم المتاحف، وحققت أرقاماً عالية في المزادات العالمية مثل لوحة «فتاة تقرأ القرآن» التي باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني، واليوم تطرح الدار لوحة أخرى لحمدي بك تقدِّر لها سعراً مبدئياً يتراوح ما بين 2 و3 ملايين جنيه، معتمدةً على جاذبية لوحات الفنان التركي الشهير لهواة الاقتناء.

اللوحة التي تعرضها الدار في 25 من مارس (آذار) المقبل ضمن مزادها للوحات القرن التاسع عشر والفن الانطباعي البريطاني، تحمل عنوان «عند باب المسجد»، وتصور مشهداً لباب أحد المساجد بمدينة بورصة بتركيا. تعرض اللوحة تفاصيل المشهد أمامنا بدقة وبألوان دافئة، مما يمنح اللوحة عموماً إحساساً بالهدوء يزيده وجود الحَمَام في أكثر من مكان في اللوحة؛ فهناك حمامات تلتقط بعض البذور من الأرض، وهناك عدد آخر منها يجلس على عارضة معدنية أعلى باب المسجد. ولكن المشهد أمامنا يبدو غنياً بالحياة والتفاعل بين الشخصيات أمامنا. في المشهد وعلى عتبات مدخل المسجد نرى عدداً من الأشخاص، كل منهم له شخصية مميزة؛ فهناك رجل يشمِّر عن ذراعيه استعداداً للوضوء، وخلفه شخص آخر يبيع بعض الكتب، وشخص إلى جانبه يجلس في تأمل... لا يغيب عن نظرنا شخصان إلى يسار اللوحة أحدهما يرتدي جلباباً أصفر اللون وعمامة جلس إلى جانبه متسول يمد يده وعلى وجهه تعبيرات التوسل. إضاءة لطيفة: يبدو أن الفنان قد رسم نفسه في ثلاث شخصيات هنا؛ فهو الرجل ذو الجلباب الأصفر، والرجل في يمين اللوحة الذي يتهيأ للوضوء، وهو أيضاً المتسول.

النساء في اللوحة أيضاً ظاهرات؛ نرى سيدة ترتدي رداءً ورديَّ اللون وهي تحمل مظلة بيضاء، لا نرى وجهها ولكنها فيما يبدو تنظر إلى كلب وقف يستجدي بعض الطعام من شخص جالس. تتلون أزياء النساء بألوان رائقة ومريحة للعين، فنرى سيدة ترتدي زياً باللون السماويّ، وأخرى باللون البرتقاليّ، وسيدة ترتدي زياً أبيض اللون بينما تحمل مظلة حريرية باللون الأخضر الفاتح. ما يميز المشهد هنا هو الحركة، تقع العين على سيدة تنظر إلى أخرى وهي مبتسمة كأنها تستكمل حديثاً بدأته منذ قليل، تقابلها سيدتان واقفتان أعلى الدرج؛ إحداهما تنظر أمامها بينما الأخرى تنظر إلى طفلة وطفل جالسين على الدَّرَج وعلى وجهها ابتسامة. تبدو الفتاة الصغيرة كأنها تنظر إلى المشاهد وتضع يداها على خصرها فيما يضحك الطفل إلى جانبها. التفاصيل كثيرة جداً هنا، ويتميز فيها أيضاً الاهتمام بتفاصيل البناء والزخارف على أعلى المدخل والستارة المطوية لتسمح للناس بدخول المسجد. تأخذ اللوحة عين الناظر لملاحظة نافذة مزخرفة أعلى البناء وقد تدلَّت منها سجادة مزخرفة بألوان جميلة.

حسب الدار؛ فاللوحة تُعرض في المزاد للمرة الأولى وتتمتع بسجل ملكية موثق ومتميز، إذ اقتُنيت مباشرةً من الفنان بعد أربع سنوات من إنجازها، حسب تصريح تشارلز أوبراين، مدير قسم لوحات القرن التاسع عشر في «بونامز» الذي يضيف أن اللوحة تُعد «مثالاً رائعاً على أعمال عثمان حمدي بك، أحد أبرز الشخصيات في المشهد الثقافي العثماني في مطلع القرن العشرين. إنها لوحة رائعة بكل المقاييس، من حيث الحجم والتفاصيل، وبوصفها من أوائل لوحاته ذات الأبعاد الضخمة، فهي تُعدّ مثالاً مثالياً على دمج مشهد شارع معاصر مع بعض السمات المعمارية لمسجد عثماني من القرن الخامس عشر."


الفرنسيون يتراجعون عن المآدب المنزلية لصالح المطاعم

دعوة منزلية (أ.ف.ب)
دعوة منزلية (أ.ف.ب)
TT

الفرنسيون يتراجعون عن المآدب المنزلية لصالح المطاعم

دعوة منزلية (أ.ف.ب)
دعوة منزلية (أ.ف.ب)

كشف التقرير السنوي لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عن أن نسبة الأوروبيين الذين يلتقون بأصدقائهم يومياً تراجعت من 21 في المائة عام 2006 إلى 12في المائة عام 2022. وتشير دراسة حديثة في فرنسا حول اتجاهات الطعام أجراها مرصد المجتمع والاستهلاك، إلى أن 43 في المائة من الفرنسيين يتناولون العشاء بمفردهم في المنزل، مقارنةً بنحو 29 في المائة قبل عشرين عاماً. لكن الظاهرة الأكثر لفتاً للانتباه هي التراجع عن دعوة المعارف لعشاء منزلي وتفضيل المطاعم، اختصاراً للجهد والقلق الذي يسبق الاستعداد لاستقبال الضيوف.

ويبدو أن عادة «تناول العشاء في المنزل» وجميع أشكال التجمعات العفوية داخل المنازل تتراجع ببطء ولكن بثبات وهي قد تمضي نحو الانقراض. ويأتي ضيق مساحات المعيشة في مقدمة الأسباب الواردة في الدراسة. وفي المرتبة الثانية الإرهاق والضغط الاجتماعي لتقديم ضيافة مميزة.

وفي استطلاع حول الموضوع نشرته صحيفة «الفيغارو» الفرنسية، قالت إيميلي، وهي مهندسة معمارية تبلغ من العمر 37 عاماً، إن سنتين مضتا على آخر مرة دعت فيها أصدقاءها لتناول العشاء. كان ذلك في عيد ميلادها. وأضافت: «قضيت أسابيع في التفكير والقلق بشأن ما سأطبخه، وما إذا كانت شقتي واسعة ومريحة ونظيفة بما يكفي». لكن في طفولتها، كانت وجبات عشاء ليلة السبت في منزل والديها أمراً معتاداً. وهي تتذكر تلك الأمسيات الحميمة قائلة: «10 أشخاص حول المائدة وتأتي والدتي بالطبخة لتضعها على المائدة بينما يفتح والدي قنينة الشراب وينتهي الأمر».

في التقرير ذاته، يوضح جان بيير كوربو، الأستاذ الفخري لعلم اجتماع الغذاء والاستهلاك في جامعة تور، أن دعوة الناس تعني السماح لهم بالدخول إلى جزء من حياتك الخاصة، أي عالمك الحميم. وقد أصبحت هذه الحميمية أكثر هشاشة وانكشافاً، خصوصاً مع تقلص مساحات الشقق الحديثة. إذ ليس من الممكن دائماً الفصل بين ما يُعتبر لائقاً وما يرغب المرء في إخفائه. ويضيف: «عندما تُستخدم غرفة النوم غرفة معيشة أيضاً، وعندما يكون المطبخ مكشوفاً، فإن استقبال الضيوف يعني فضح كل شيء، وهذا ما لا يرغب به الجميع. إن دعوة شخص ما إلى المنزل ليست بالأمر الهين في أيامنا».

من الذين شملهم التقرير بائعة شابة تدعى نورا، تسكن في «ستوديو»، أي شقة من غرفة واحدة في باريس، وهي تشرح سبب تحرجها من دعوة زملاء العمل بقولها: «شقتي صغيرة وفوضوية بعض الشيء. إن فكرة استضافة زملائي تعني اضطراري إلى ترتيب كل شيء قبل ثلاثة أيام. وهو أمر يسبب لي التوتر. وحتى مع العائلة، أجد صعوبة في التخلي عن الفوضى وأخشى أنها تعطي انطباعاً سلبياً عني». ومثل نورا، صارت نسبة غالبة من الفرنسيين تفضل نقل التجمعات إلى أماكن محايدة، مثل المقاهي والمطاعم، حيث لا حاجة إلى التبرير أو التفسير. لكن هذا التغيير لا يقتصر على المساحة فحسب بل هو جزء من تحول أوسع في أنماط الحياة المعاصرة. ولاحظ مهندس معماري أن المساكن المعاصرة أصبحت هجينة. ولم تعد غرفة الطعام مكاناً أساسياً مثل السابق بل جرى اختصارها إلى طاولة مستديرة في زاوية غرفة المعيشة. وهذه الغرفة هي مساحة مختلطة تصلح للنوم والأكل والعمل وتصفح الهواتف.

وحسب مقياس «ألفابيت فرانس-إيفوب» لعام 2024، يقضي الفرنسيون ما يقارب 50 دقيقة يومياً في التنقل بين المنزل والعمل، مما يشكل ضغطاً على جداولهم الزمنية وتواصلهم الاجتماعي. فزملاء العمل موزعون في الضواحي ويستغرق الأمر ساعات لكي يعودوا للاجتماع في مكان واحد بعد الدوام. لقد أصبح المسكن، بالنسبة لكثيرين، ملاذاً حقيقياً ومكاناً للراحة النفسية. ومع تراجع الدعوات المنزلية صار اللقاء في المطعم هو الحل. وما يقال عن فرنسا يصلح لغيرها من الدول، حتى في عالمنا العربي.